الثلاثاء ٢٧ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١١
بقلم أحمد نور الدين

أذان المغرب

1

إسمي سوسن والكل يناديني "نانا". في ضيعتنا وقع إشكال ضخم تضارب فيه الشباب بالعصي والحجارة. كنا أنا وبابا وأخي مصطفى واقفين أمام دكان يملكها خال أبي حين بدأ المشكل فجأة وبقوة فأصابت واجهة الدكان حجرة كادت تكسرها. صرخ خال أبي بالمتقاتلين لكن لم يلتفت إليه أحد، أما أبي فحملني ودخل بي إلى الدكان مسرعاً قبل أن يصيبني أذى، وتبعنا أخي مصطفى الذي يكبرني بسنتين، ثم دخل خال أبي وراءنا بعد أن أنزل باب الدكان ليحمي واجهتها من الحجارة. وقفنا في وسط الدكان نسمع أصوات الصراخ والقرقعة تلعلع في الخارج. قال خال أبي العجوز بغضب:

- يلعن أبوكم ولاد شارع!

إنها أول مرة أسمع فيها مثل هذه الأصوات المخيفة. بعد دقائق ذهبت عني الصدمة وبقي الخوف فرحت أبكي، فقبَّل أبي خدي وبدأ يهدؤني بكلمات حنونة. لكنني بقيت خائفة، خائفة جداً. قدم لي خال أبي لوح شوكولا فأخذته منه ودفنت وجهي في كتف أبي الذي ما زال يحملني.
استمر القتال في الخارج بضجته العنيفة. أما أن فبقيت مختبئة في جسد أبي حتى بدأ الخوف يزول وشعرت براحة وأمان... فنمت على كتف أبي.

2

بيتنا في المدينة ممتلئ بالناس هذه الليلة. كلهم أقارب ويجلسون مع أهلي في الصالون. أما أنا وأخي مصطفى فنلعب مع أولاد الضيوف في حجرة الجلوس. أنا عمري أربع سنوات، وأخي مصطفى ستة. في دقائق أصبحت حجرة الجلوس خرابة. تقاذف أخي وبعض الأولاد بأرائك الكنبات، وأرض الحجرة مفروشة بالألعاب على اختلاف أحجامها وألوانها، أما التلفزيون فيعرض برنامجاً للكبار، ولا يوجد بيننا كبار.

أخذت لعبة ورحت ألهو بها. جاء أخي مصطفى وأراد أن ينتزع اللعبة من يدي فركضت هاربة من الحجرة وأسرعت إلى الصالون. اندسست بين ساقي أبي لأختبأ تحت الكنبة حيث يجلس. دخل مصطفى الصالون خلفي راكضاً فاصطدم بالترابيزا. ضحك أكثر من صوت في الصالون. قال أبي لمصطفى بعصبية:

- ماذا بك؟ لماذا تلحق بها هكذا؟

- أخذت لعبتي!

فقال له عمي:

- لا بأس يا عمي، أنت أكبر منها، وأنت الصبي. تَحَمّلْها... أنت رجل البيت في غياب أبيك.
ثم سمعت أكثر من صوت يضحك، وراح الحاضرون يتكلمون في أمور أخرى فشعرت بالملل. ونسيَ الجميع أني لا زلت تحت الكنبة، فاقتربت من ساقي أبي، أحطتهما بذراعيّي وأطللت برأسي إلى الخارج كأني أنظر من نافذة...

3

اليوم أخي مصطفى مريض وسوف يبقى في البيت لتهتم أمي به. أما أنا فسأذهب إلى المدرسة مثل كل يوم بصحبة أبي الذي يأخذني ويرجعني بسيارته.

جلست في المقعد المجاور للسائق لأول مرة في حياتي. في العادة يجلس أخي مصطفى هنا، وأجلس أنا في المقعد الخلفي. التفت صوب أبي ونظرت إلى كرشه الكبيرة الملتصقة بعجلة القيادة، ثم إلى وجهه المركز في الطريق أمامه، وقلت له:

- بابا... لماذا أنا بنت ومصطفى صبي؟

فضحك أبي وقال ساخراً:

- لأن الله يريد هذا!

فقلت له محتجة:

- لكني أريد أن أكون صبياً!

فقال بدهشة:

- لماذا؟

- لأن مصطفى أقوى مني، ولأن الله يحب الصبيان أكثر من البنات.

فقال أبي بانزعاج:

- استغفر الله العظيم... ما هذا الكلام؟ الله يحب كل الناس يا بابا، لا تقولي هذا الكلام مرة ثانية... حرام!

فقلت له:

- جدي وجدتي يحبون الصبيان أكثر، لأنهم في العيد دائماً يعطونه عيدية أكبر من عيديَّتي.
فقال أبي:

- لا لا، عيديَّته أكبر لأنه أكبر منك بسنتين، ليس لأنه صبي!

فقلت أسأل أبي:

- وأنت يا بابا، من تحب أكثر؟ الصبي أم البنت؟

فابتسم أبي وقال:

- أحب الاثنان معاً. أنت عيني ومصطفى عيني الثانية...

وبعد انتهاء الدوام عاد أبي ليأخذني من المدرسة إلى البيت. جلست بجانبه مثلما فعلت في الصباح. نظرت إلى خطوط الأمطار التي تحزّ في زجاج السيارة وترسم صوراً كثيرة لا يفهمها أحد غيري، ترسم أشجاراً ووجوهاً ودموعاً سرعان ما تمحوها دموع أخرى... المطر لا يكف عن الهطول، ومسّاحتي الزجاج تعملان بهمة مطلقتين صوتاً حزيناً.

قلت لأبي فجأة:

- بابا... الله صبي؟

فهتف أبي قائلاً:

- أستغفر الله العظيم!! ما هذا السؤال؟ طبعاً لا!

- ماذا إذن؟

- الله لا صبي ولا بنت، الله هو ربنا.

- شو يعني "ربنا"؟

فقال أبي بحدة:

- يعني هو الذي خلقنا وخلق هذه الدنيا!

فلم أقل شيئاً. ورحت أبحث في شباك السيارة عن صورة. ثم عدت أقول لأبي فجأة:

- مادام الله لا صبي ولا بنت، لماذا نتكلم عليه مثلما نتكلم على الصبيان؟

فقال أبي بغيظ:

- أوف!... صدّعتي رأسي بأسئلتك السخيفة.. الله هو الله. ما في شيء مثل الله. سوف يعاقبك الله على هذا الكلام إن لم تستغفريه وتكفي عن هذه الأسئلة! قولي "أستغفر الله العظيم"

شعرت بخجل وخوف، فقلت بصوت منخفض:

- أستغفر الله العظيم.

فقال أبي يحثني على رفع صوتي:

- أعلى!

فهتفت بأعلى صوت:

- أستغفر الله العظيم!

4

حبلت أمي مرة جديدة، ففرح أبي كثيراً وزاد اهتمامه بها. أخذها إلى أفضل طبيب، وأخذ يشتري لها الطعام أشكالاً وألواناً، حتى طفح البراد.

مرت أشهر الحمل ببطئ، وأبي يريد أن يعرف ماذا تحمل أمي له في بطنها: صبي أم بنت. كان متحمساً جداً. ولم يخف أنه يحلم بصبي جديد، ناذراً لذلك نذراً كبيراً. وبعد مرور الأيام أكد الطبيب أمنية أبي فانفجر البيت بالفرح، وبدأ سباق الأسماء، وشارك الأقارب والجيران فتكومت اقتراحات أسماء تكفي لأجيال.

ثم جاء الربيع فذهبنا إلى الضيعة لقضاء يومين.

في العصر خرجت مع أبي وأخي مصطفى لنزور أكثر من بيت في الضيعة. وعند الغروب عدنا إلى البيت، وقبل أن ندخل توقف أبي في الحديقة وراح يتأمل الأشجار المصبوغة بلون الغروب، وكنا نسمع تلاوة قرآن آتية من مسجد الضيعة. قال أبي لمصطفى:

- يالله يا بابا... لن تبقى وحيداً كل العمر... بعد شهرين أو ثلاثة تلد لك أمك أخاً. أريد منك أن تكون رجلاً. وإن أعطاني الله عمراً، أراك أنت وأخوك تملؤون لي هذا المكان بالأولاد...
فشددت كم أبي وقلت له بصوت مبحوح:

- بابا.. بابا..

- ماذا؟

- أنا بردانة.

فرفعني بيديه وضمني إلى صدره. وضعتُ رأسي على كتفه. وهبّت نسمة هواء باردة لفحت وجهي وأدمعت عيناي. مسحت الدمع وأغمضت جفنيّي...ثم غفوت على صوت الأذان.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى