احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة صمود غزة

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > المقـــاربة التداولية في الأدب والنقـــد

المقـــاربة التداولية في الأدب والنقـــد

٦ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٢بقلم جميل حمداوي

توطئــــة:

يقصد بالمقاربة التداولية تلك النظرية النقدية التي تدرس الظواهر الأدبية والثقافية والفنية والجمالية في ضوء التداوليات اللسانية. ويعني هذا أن المقاربة التداولية تدرس النص أو الخطاب الأدبي في علاقته بالسياق التواصلي، والتركيز على أفعال الكلام، واستكشاف العلامات المنطقية الحجاجية، والاهتمام بالسياق التواصلي والتلفظي. وبتعبير آخر، تركز المقاربة التداولية على عنصر المقصدية والوظيفة في النصوص والخطابات. وبهذا، تكون التداوليات قد تجاوزت سؤال البنية، وسؤال الدلالة، لتهتم بسؤال الوظيفة والدور والرسالة والسياق الوظيفي. كما تعنى المقاربة التداولية بفهم العلاقات الموجودة بين المتكلم والمتلقي ضمن سياق معين؛ لأن البعد التداولي ينبني على سلطة المعرفة والاعتقاد. وتسمى هذه المقاربة كذلك بالمقاربة التواصلية، أوالمقاربة الوظيفية، أوالمقاربة الذرائعية، أوالمقاربة المنطقية، أو المقاربة البراجماتية، أوالمقاربة الحجاجية... وهلم جرا.
وإذا كانت المقاربة التداولية قد عرفت انتشارا في الغرب، فإن هذه المقاربة مازالت في بداياتها الأولى في العالم العربي، على الرغم من وجود آثارها في تراثنا العربي القديم في البلاغة والفقه والفلسفة وأصول الفقه...، ولم يتم استدماجها بعد في حقلنا الثقافي العربي الحديث والمعاصر لمقاربة النصوص والخطابات الأدبية والإبداعية، ماعدا بعض الاستثناءات القليلة التي تعد على الأصابع.

إذاً، ماهي المقاربة التداولية؟ وماهو سياقها المعرفي والتاريخي؟ وماهي مجمل التصورات التداولية تجاه النص أو الخطاب الأدبي؟ وماهي حدود هذه المقاربة إن تنظيرا وإن تطبيقا؟ هذا ماسوف نرصده في هذه الورقة التي بين أيدينا.

1- تحديد المصطلـــــح:

يترجم مصطلح (Pragmatique) بعدة كلمات باللغة العربية، فهناك: الذرائعية، والتداولية، والبراكماتية، والوظيفية، والاستعمالية، والتخاطبية، والنفعية،والتبادلية...لكن أفضل مصطلح في منظورنا هو التداولية ؛ لأنه مصطلح شائع بين الدارسين في ميدان اللغة واللسانيات من جهة؛ ولأنه يحيل على التفاعل والحوار والتخاطب والتواصل والتداول بين الأطراف المتلفظة من جهة أخرى. أما مفهوم الذرائعية فيدل على مدرسة فلسفية ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر مع جون ديوي وويليام جيمس اللذين يريان بأن الحقيقة تكمن في طابعها المنفعي والمصلحي. ويعني هذا أن الحقيقة الصادقة واليقينية هي التي تحقق المنفعة والمصلحة للإنسان، وتحقق المشاريع المستقبلية الهادفة، وتساهم في تنمية الأفراد والرقي بالمجتمعات، وذلك عن طريق تحقيق المردودية والإنتاجية، والارتباط بالحياة العملية والواقعية المفيدة. وبالتالي، فكل الأفكار والحقائق التي لا تحقق مصلحة أو منفعة للإنسان، ولا تفيد المرء في حياته اليومية والعملية، فهي حقائق زائفة، وغير نافعة، ولا مجدية إطلاقا. فالحقيقي هو المفيد والنافع والصالح. ولكن قد تختلف المنافع والمصالح من فرد إلى آخر، ومن جماعة إلى جماعة، وقد تسبب هذه المصالح صراعات شرسة بين الناس. وعلى الرغم من هذا الطابع السلبي للحقائق البراجماتية العملية، فإن المصلحة أو الحقيقة البراجماتية هي حقيقة مستقبلية، تدفع الإنسان إلى العمل والاجتهاد والإنتاج والرفع من المردودية، وتحصيل الكفاءات الحقيقية من أجل تحقيق ما يصبو إليه الإنسان من مكانة رفيعة في المجتمع. ومن هنا، فالمجتمع الأمريكي والإنجليزي يأخذان بهذا النوع من الحقيقة المقترنة بالمنفعة والمصلحة المادية أو المعنوية. ويقوم الصحيح عند وليام جيمس بكل بساطة على ماهو مفيد لفكرنا، وينبني الصائب أيضا على ماهو مفيد لسلوكنا."#

ومن هنا، فالبراجماتيون يرون أن الأفكار الحقيقية هي:" تلك التي نستطيع أن نستوعبها، ونستطيع أن نصادق على صحتها، ونستطيع أن نعززها بفعل انخراطنا فيها، وأخيرا أن نتحقق منها...

هذه هي الأطروحة التي أدافع عنها- يقول وليام جيمس- حقيقة فكرة ما ليست خاصية متضمنة فيها، وتبقى غير فاعلة.الحقيقة هي حدث يتم إنتاجه من أجل فكرة ما، وتصير هذه الأخيرة حقيقة بفضل بعض الوقائع. إنها تكتسب حقيقتها من خلال العمل الذي تنجزه. أي: العمل الذي يقتضي أن تتحقق من نفسها بنفسها، ويكون هدفها ونتيجتها التحقق الذاتي؛ كما أنها تكتسب صلاحيتها بإنجازها لعمل يهدف إلى نتيجة تتمثل في إثبات مصداقيتها."#

فالبراجماتيون، إذاً، لا يرون في الحقيقة إلا طابعها المادي، ومنحاها المنفعي والمصلحي لتحقيق التنمية والتقدم. بينما الحقيقة يجب أن تكون في جوهرها معرفية وعملية وأخلاقية.
أما الدكتور أحمد المتوكل في كتابه:" اللسانيات الوظيفية"، فيستعمل الوظيفية والتداولية بمفهوم واحد#. في حين،يستخدم الدكتور سعد البازعي والدكتور ميجان الرويلي مصطلح:"الذرائعية" كما في كتابهما:" دليل الناقد الفني"#. وإذا انتقلنا إلى الدكتور محمد محمد يونس علي، فيفضل استعمال مصطلح علم التخاطب. وفي هذا الصدد، يقول الباحث:" أفضل ترجمة مصطلح (Pragmatics) بعلم التخاطب، وليس بالتداولية، أو النفعية، أو الذرائعية كا يفعل عدد من اللسانيين العرب توهما منهم بأن (Pragmatics)، و(Pragmatism) شيء واحد. والواقع أن المصطلح الأول يطلق على الدراسات التي تعنى بالمعنى في السياقات الفعلية للكلام، وهو ما يتفق مع معناها الحرفي، وهو علم الاستعمال. وإذا نظرنا في تراثنا البلاغي والأصولي، فسنلحظ أن الاستعمال- الذي يقابل الوضع عادة- يطلق على النشاط الذي يقوم به المتكلم في عملية التخاطب. ولذا، فإن ترجمة (Pragmatics) بعلم التخاطب أنسب- في رأيي- من الخيارات التي اطلعت عليها حتى الآن. أما (Pragmatism) فهي مدرسة فلسفية ظهرت في أمريكا تذهب إلى أن الفكرة النظرية لاتجدي نفعا ما لم تكن لها تطبيقات عملية. وعلى الرغم من وجود صلة منهجية بين المجالين(والمصطلحين) تكمن في التقليل من شأن المجرد، والعناية بما هو عملي، وسياقي، ومتحقق فعلا؛ فإن اهتمام الحقل المسمى بـ(Pragmatism) يقتصر على اللغة خاصة. في حين، يعني الحقل الآخر بالفلسفة، وإن امتدت آثاره في السياسة، وعلم الاجتماع، وغيرهما."#

وعلى أي حال، سواء أخذنا بالتداولية أو التخاطبية، فالمصطلحان معا أفضل بكثير من مصطلح الذرائعية الذي يحيل على الفلسفة المنفعية، أكثر مما يحيل على اللغة ومكوناتها اللسانية.

2- مفهـــوم المقاربة التداولية:

من المعلوم أن المقاربة التداولية هي تلك المنهجية التي تدرس الجانب الوظيفي والتداولي والسياقي في النص أو الخطاب، وتدرس مجمل العلاقات الموجودة بين المتكلم والمخاطب، مع التركيز على البعد الحجاجي والإقناعي وأفعال الكلام داخل النص. بمعنى أن التداوليات هي ذلك:" العلم الذي يدرس المعنى، مع التركيز على العلاقة بين العلامات ومستعمليها والسياق، أكثر من اهتمامها بالمرجع أو بالحقيقة، أو بالتركيب."#

وتهتم التداوليات أيضا بالمرجع والإحالة التي تم إقصاؤها من فرديناند دوسوسير الذي حصر العلامة في الدال والمدلول. ومن ثم، ترفض المقاربة التداولية في مجال الأدب والنقد التركيز على البنيات الشكلية والجمالية، دون مساءلة أفعال الكلام والمقصدية الوظيفية. فضلا عن ذلك، فالمقاربة التداولية تدرس اللغة العادية واللغة اللاعادية (اللغة الشعرية، اللغة الروائية، واللغة الدرامية..)، وحضور الأنا والأنت، والسياق التواصلي، والوظيفة المقامية والمقالية، والانتقال من الحرفي إلى الإنجازي، ودراسة الحجاج في النصوص والخطابات التي يكون هدفها هو الإقناع الذهني، والتأثير العاطفي الوجداني، وأيضا دراسة السرد الإقناعي كما عند غريماس، وخاصة في خانة التطويع والتحفيز المبنية على فعل الاعتقاد، وفعل التأويل، وخانة الكفاءة المبنية على منطق الجهات (وجود الفعل، وومعرفة الفعل، وقدرة الفعل، وإرادة الفعل).
وعليه، فالمقاربة التداولية هي دراسة العلامات في علاقة مع مستعمليها. ومن ثم، ترتكز اللغة على ثلاثة مكونات ضرورية ومتكاملة حسب شارل موريس، وهي: التركيب، والدلالة، والوظيفة. زد على ذلك، فللغة ثلاثة مظاهر: مظهر خطابي، ومظهر تواصلي، ومظهر اجتماعي. لذا، فالمقاربة التداولية هي التي تركز على الجانب التواصلي في اللغة الطبيعية. وتستند المقاربة التداولية كذلك إلى تخصصات عدة. فهناك- مثلا- تداولية تحليلية، وتداولية تلفظية، وتداولية نفسية- اجتماعية، وتداولية نصية، وتداولية سوسيولغوية...

ومن هنا، تدرس المقاربة التداولية الإشاريات، والمقصدية، وأفعال الكلام، والوظيفة، والسياق، والإحالة المرجعية، والحجاج اللغوي، والإقناع..، والحوارية...

3- سياق ظهور المقاربة التداولية:

من المعروف أن الدراسات التداولية قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشرالميلادي، وتطورت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. ومن ثم، فقد تبلورت النظرية البراغماتية مع وليام جيمس(William James) (1842-1910م) الذي اهتم بالجانب المنفعي والمصلحي، حيث ربط الفكرة بطابعها المنفعي في الواقع، إذ كان وليام جيمس يربط الفكر بالواقع العملي والممارسة الواقعية، بالتشديد على المصلحة والمنفعة والإنتاجية، بغية بناء مستقبل عملي زاهر. أما شارل ساندرس بيرس (Charles S. Peirce) (1834-1914)، فقد اهتم بتداولية سيميائية قائمة على نظام العلامات، حيث ميز بين الرمز، والإشارة، والأيقون. وبدأ في تفريعها إلى أقطاب سيميائية ثلاثية ذات طابع منطقي ووجودي وأنطولوجي. وبعده، جاء شارل موريس ليميز بين ثلاثة مظاهر في اللغة الطبيعية: المظهر التركيبي، والمظهر الدلالي، والمظهر التداولي.وبذلك، بشر موريس بالمقاربة التداولية التي تعنى بالوظيفة السياقية. وقد جاءت هذه المقاربة الوظيفية السياقية كرد فعل على منهجية نوام شومسكي التي ترتكز على التركيب والدلالة، وتقصي الوظيفة السياقية، وهي وظيفة ضرورية لاكتمال الفهم الحقيقي المتعلق باللغة الإنسانية، على الرغم من أن نوام شومسكي، فيما بعد، سيدمج القدرة التداولية إلى جانب القدرة الكفائية ضمن نظريته اللسانية التفسيرية ألا وهي: النظرية التوليدية التحويلية(Generative grammar).

هذا، ويمكن الحديث عن مجموعة من التداوليات والتيارات الذرائعية في الغرب، ومن بينها: تيار موريس الذي يتزعمه كل من بنيفينست، ولاينس، وأوريكشيوني... وقد ركز هؤلاء على نظرية التلفظ، فربطوها بالسياق التواصلي الذي ينبني على المعينات(أسماء الإشارة، والضمائر، وأداة التعريف، وأدوات التملك..)، والزمان، والمكان، والصيغ العاطفية والانفعالية، وأحكام التقويم ، وتعابير الجهة (جهة الضرورة والإمكان، وجهة المعرفة، وجهة الفعل، وجهة الكينونة والظهور). أما تيار فلاسفة أكسفورد بما فيهم أوستين وسورل وكرايس...، فقد اهتموا بنظرية أفعال الكلام، بمعنى أن الفعل الكلامي يؤدي إلى تحويل وضع المتلقي، وتغيير نظام معتقداته، وتبديل مواقفه السلوكية. ويمكن الإشارة كذلك إلى بعض التيارات والنظريات التداولية الأخرى، كالنظرية التخاطبية، والنظرية التفاعلية، والنظرية الحجاجية، والنظرية التلفظية، ونظرية المقصدية، والنظرية التوليدية الوظيفية مع فان ديك، وهاليداي، ورقية حسن، وأحمد المتوكل... وهناك التيار السردي مع كريماس، وجوزيف كورتيس، وجماعة أنتروفيرن... وهناك المقاربة التأويلية مع بول ريكور الذي اهتم كثيرا بالإحالة السياقية، ومدرسة فرانكفورت التي اهتمت بدورها بالسياق التواصلي مع هابرماس...

4- التداوليات والنص الأدبي:

استفاد النص أو الخطاب الأدبي من مجموعة من المقاربات والنظريات والمناهج، وخاصة بعد مرحلة مابعد الحداثة بين سنوات الستين والسبعين من القرن العشرين الميلادي، ومن أهم هذه المقاربات التي انفتح عليها الأدب بصفة عامة، والبلاغة بصفة خاصة، المقاربة التداولية بكل تياراتها الحجاجية، والمنطقية، واللغوية، والتخاطبية، والتداولية، والسياقية. ومن ثم، فثمة تصورات تداولية عدة حول النص والخطاب الأدبي تختلف من تيار إلى آخر، ومن تداولي إلى تداولي آخر.إذاً، ماهي مجمل هذه التصورات التداولية التي استفاد منها النص الإبداعي بصفة خاصة، و الخطاب الأدبي والفني بصفة عامة؟ هذا ماسنعرفه بشكل جلي في الأسطر الموالية.

 النص الأدبي خطاب قبل كل شيء:

إذا كانت اللسانيات تتعامل مع الجملة باعتبارها منطلقا للدراسة والتحليل سواء أكان ذلك في منظور البنيوية السوسيرية، أو في منظور البنيوية الوظيفية، أو في منظور الكلوسيماتيكية لهلمسليف، أو في منظور التوزيعية (بلومفيلد، وهوكيت...)، أو في منظور التوليدية التحويلية مع نوام شومسكي، فإن المقاربة التداولية تتجاوز الجملة لدراسة الخطاب والنص، وخاصة مع لسانيات النص واللسانيات الوظيفية، كما عند فان ديك مثلا في كتابه:"النص والسياق" (1977م)#، وهاليداي وحسن رقية في كتابهما:" الاتساق في اللغة الإنجليزية" (1976م). ويعني هذا أن التداوليات النصية تعاملت مع الخطاب ككلية عضوية متسقة ومنسجمة، بل اعتبرته جملة نصية كبرى، يمكن التعامل معها كالتعامل مع الجملة اللسانية. وهذا التصور نجده كذلك عند إميل بنيفنست، وهاريس، ورومان جاكبسون، والسيميائيين (كريماص)، والتأويليين (بول ريكور)، وجمالية التلقي (ياوس وآيزر)...

وبناء على ماسبق، تتعامل التداولية مع النص الأدبي باعتباره خطابا وملفوظا لغويا ذا كلية عضوية سواء أكان ذلك الخطاب شفويا أم كتابيا، حيث نربط ملفوظاته بالوظيفة، والسياق المقامي، والأداء الإنجازي، وندرس مكوناته التلفظية السياقية، وروابطه الحجاجية المنطقية وغير المنطقية، ونربطه أيضا بالحوارية، والمقصدية، والإحالة، والتفاعل، والتخاطب التداولي...

 النـــص الأدبي خطـــاب لغوي وظيفـــي:

من المعلوم أن فرديناند دوسوسير في كتابه:" محاضرات في اللسانيات العامة"، والذي نشره سنة 1916م، قد اعتبر فيه اللغة عبارة عن علامة، وتتكون هذه العلامة من الدال الصوتي والمدلول المعنوي، لكنه أبعد المرجع الحسي المادي، واحتفظ بماهو مجرد وصوري. ومن ثم، فقد كان يدرس اللغة لذاتها ومن أجل ذاتها، ويعني هذا أنه كان يركز على دراسة اللغة باعتبارها ملكة اجتماعية أساسية وثابتة، ويقصي الكلام باعتباره ظاهرة فردية متغيرة وهامشية. ويدل كل هذا على أن دوسوسور لم يهتم بالسياق المرجعي الوظيفي، واكتفي بالجانب الصوتي والمعنوي المرتبطين باللغة، ولم يهتم بالكلام والإنجاز القائمين على البعد المرجعي والإحالي والسياقي.#

ويساعدنا كل هذا على التعامل مع النص الأدبي باعتباره خطابا يحمل في طياته وظائف ومقاصد سياقية، فكل ما يوجد في النص يدل بشكل من الأشكال، ويحيل على أدوار تداولية ومقاصد مباشرة وغير مباشرة، فليس هناك في النص الأدبي ماهو مجاني وزائد، بل ترتبط الدلالة بالمعاني السياقية والرسائل الظاهرة والمضمرة. بمعنى أن لغة النص الأدبي وظيفية وتداولية تحمل في مظانها أبعادا سياقية سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية، وتاريخية، ونفسية، وجنسية، وعقائدية...أي: إن النص الأدبي لم يعد علامات وبنيات داخلية مغلقة، كما كانت تقول البنيوية اللسانية والسيميائيات، بل النص الأدبي بنية ودلالة وتركيب ووظيفة سياقية قبل كل شيء. لذا، لابد من مراعاة السياق والوظيفة في تحليل النصوص والخطابات الأدبية، ولاسيما الشعرية منها.

وعليه، " فالنص الشعري- مثلا- ليس لعب ألفاظ، وليس نقل تجربة ذاتية وحسب، وإنما يهدف، فوق ذلك كله، إلى الحث والتحريض.وبهذا المفهوم الأخير، تشمله نظرية: الكلام فعل، أو التداولية، وتعني هذه النظرية: أن التحدث يقصد به تبادل الأخبار، وفي الوقت نفسه، يهدف إلى تغيير وضع المتلقي، وتغيير نظام معتقداته، أو تغيير موقفه السلوكي"#.

كما أن القصد أو القصدية أو المقصدية تحدد:" كيفية التعبير والغرض المتوخى، وهي البوصلة التي توجه تلك العناصر، وتجعلها تتضام وتتضافر وتتجه إلى مقصد عام. فالمقصدية تحدد اختيار الوزن، والألفاظ الملائمة، وتركيبها بطرق معينة لتؤدي المعنى العام المتوخى. ولذلك، نجد البحر الواحد ينظم فيه الشاعر مدحا أو فخرا أو هجاء أو رثاء... فالمقصد يتحكم في نسج القصيدة أو المقطوعة، بل في البيت أو شطره مبنى ومعنى."#

وهكذا، فلغة النص الأدبي لا توظف بشكل عشوائي وفوضوي، بل تزخر بمجموعة من الدلالات السياقية والتداولية والحجاجية إقناعا وتأثيرا. فكل ما في النص يدل ويحيل ويحمل وظائف سياقية متنوعة سواء أكانت نصية داخلية أم مقامية خارجية.

 النص الأدبي إبلاغ تواصلي:

ترى المقاربة التواصلية بأن النص الأدبي يرتكز على مجموعة من الوظائف، وأهم هذه الوظائف الوظيفة التواصلية. وخير من يمثل هذا التيار التواصلي الذي يرى النص الأدبي إبلاغا وتواصلا، نذكر: رومان جاكبسون الذي تحدث في مقاربته التواصلية الوظيفية عن ستة عناصر في عملية التواصل: المرسل ووظيفته انفعالية، والمرسل إليه ووظيفته تأثيرية، والرسالة ووظيفتها جمالية، والمرجع ووظيفته مرجعية، والقناة ووظيفتها حفاظية، واللغة ووظيفتها وصفية تأويلية وتفسيرية. وقد تأثر جاكبسون في هذه الخطاطة التواصلية بأعمال فرديناند دوسوسير، وأعمال الفيلسوف المنطقي اللغوي جون أوسطين.

وهناك من يزيد الوظيفة السابعة للخطاب اللساني، وهي الوظيفة الأيقونية كما عند السيميائي ترنس هوكس، وذلك بعد ظهور كتابات جاك دريدا، وانبثاق السيميوطيقا التواصلية. كما يضيف عبد الله الغذامي الوظيفة الثقافية في إطار النقد الثقافي الذي يدافع عنه عربيا. أما هاليداي التداولي، فيركز على ثلاث وظائف للغة: الوظيفة التمثيلية(الإحالة على العالم الداخلي والخارجي للذات المتكلمة)، والوظيفة التعالقية(اتخاذ دور من الأدوار الاجتماعية بالنسبة للمخاطب كدور المخبر، ودور السائل، ودور الآمر)، والوظيفة النصية(تنظيم الخطاب حسب مقتضيات مقام إنجازه). وهذه الوظائف الثلاث مستقلة، على الرغم من كون هذه الوظائف الثلاث تصب كلها في وظيفة واحدة، ألاوهي وظيفة التواصل.

وتأسيسا على ماسبق، يصنف فان ديك المعلومات إلى ثلاثة أقسام:معلومات عامة ترتبط بالعالم أو بأي عالم ممكن، والمعلومات الموقفية التي ترتبط بما يتضمنه الموقف الذي يتم فيه التواصل. والمعلومات السياقية المستقاة من الخطاب المتبادل سلفا بين الشخصين المتواصلين: " ويتم تغيير المعلومات التداولية إما بالنظر إلى العلاقة القائمة بين المتكلم والمخاطب(تواصل علاقي)، أو بالنظر في فحوى الخطاب ذاته. في هذه الحالة الثانية، يكون القصد من الخطاب حمل المخاطب على القيام بفعل ما(تواصل توجيهي)، سواء أكان الفعل المطلوب عملا(تواصل أمري)، أم قولا (تواصل استفهامي)، كما يكون القصد منه الإخبار عن شيء(تواصل إخباري)، أو التعبير عن إحساس(تواصل تعبيري)، أو استثارة إحساس (تواصل استثاري)."#

هذا، ويذكر بوبر(Popper) أربع وظائف أساسية للغة الإنسانية، وهي: الوظيفة التعبيرية (تعبير الشخص عن حالته الداخلية)، والوظيفة الإشارية (تبليغ الشخص الآخرين بمعلومات عن حالته الداخلية)، والوظيفة الوصفية(وصف أشياء العالم الخارجي المحيط به)، والوظيفة الحجاجية (تقييم الحجج وتبريرها) #.

وعليه، إذا أردنا – مثلا- دراسة عنوان نص أو خطاب ما في ضوء تواصلية رومان جاكبسون، فالعنوان كما هو - معلوم -عبارة عن رسالة، وهذه الرسالة يتبادلها المرسل و المرسل إليه، فيساهمان في التواصل المعرفي و الجمالي، وهذه الرسالة مسننة بشفرة لغوية، يفككها المستقبل، ويؤولها بلغته الواصفة، وهذه الرسالة، ذات الوظيفة الشاعرية أو الجمالية، ترسل عبر قناة وظيفتها الحفاظ على الاتصال. وفي هذا الصدد، يمكن الاستفادة من وظائف اللغة كما أرساها رومان جاكبسون (R.Jackobson). فللعنوان وظيفة مرجعية ترتكز على موضوع الرسالة، وذلك باعتباره مرجعا وواقعا أساسيا تعبر عنه الرسالة. وهذه الوظيفة موضوعية لا وجود للذاتية فيها، نظرا لوجود الملاحظة الواقعية، والنقل الصحيح، والانعكاس المباشر. وهناك الوظيفة الانفعالية التعبيرية، وهي تحدد العلائق الموجودة بين المرسل و الرسالة. وتحمل هذه الوظيفة في طياتها انفعالات ذاتية، وتتضمن قيما و مواقف عاطفية و مشاعر وإحساسات،يسقطها المتكلم على موضوع الرسالة المرجعي. والوظيفة التأثيرية التي تقوم على تحديد العلاقات الموجودة بين المرسل والمتلقي، حيث يتم تحريض المتلقي، وإثارة انتباهه، وإيقاظه عبر الترغيب و الترهيب، وهذه الوظيفة ذاتية. وهناك الوظيفة الجمالية أو الشعرية التي تحدد العلائق الموجودة بين الرسالة و ذاتها، وتتحقق هذه الوظيفة أثناء إسقاط المحور الاختياري على المحور التركيبي، وكذلك عندما يتحقق الانتهاك والانزياح المقصود. وتتسم هذه الوظيفة بالبعد الفني والجمالي الاتصالية للقناة العنوانية، إذ تهدف هذه الوظيفة إلى تأكيد التواصل، واستمرارية الإبلاغ، وتثبيته أو إيقافه، والحفاظ على نبرة الحديث والكلام المتبادل بين الطرفين. والوظيفة الوصفية المتعلقة باللغة، وتهدف هذه الوظيفة إلى تفكيك الشفرة اللغوية، وذلك بعد تسنينها من قبل المرسل. والهدف من السنن هو وصف الرسالة لغويا، وتأويلها، مع الاستعانة بالمعجم أو القواعد اللغوية و النحوية المشتركة بين المتكلم و المرسل إليه. ونضيف الوظيفة البصرية أو الأيقونية كما عند ترنس هوكس#، فهذه الوظيفة تهدف إلى تفسير دلالة الأشكال البصرية و الألوان والخطوط الأيقونية، وذلك بغية البحث عن المماثلة أو المشابهة بين العلامات البصرية ومرجعها الإحالي. ومن باب التنبيه، فنحن، هنا، نحتكم إلى القيمة المهيمنة (La valeur dominante)كما حددها رومان جاكبسون،لأن العنوان في نص ما، قد تغلب عليه وظيفة معينة دون أخرى، فكل الوظائف التي حددناها سالفا متمازجة، إذ قد نعاينها مختلطة بنسب متفاوتة في رسالة واحدة، حيث تكون الوظيفة الواحدة منها غالبة على الوظائف الأخرى حسب نمط الاتصال.

 النـــص الأدبي تخاطــــب وتــبادل:

من المعروف أن النظرية التخاطبية جاءت تطويرا للنظرية التواصلية الإبلاغية التي عجزت عن تفسير مجموعة من القضايا اللغوية بشكل جيد؛ لأنها كانت تتعامل مع التخاطب في معزل عن سياقها الفعلي والإنجازي. ويعني هذا أن:" الدراسات التخاطبية تعد امتدادا، واستكمالا لجهود المدرسة الوظيفية، وتأتي هذه الدراسات نتيجة طبيعة لشعور المهتمين بها بإخفاق النموذج التقليدي للتخاطب في تقديم تفسير ناجح لعملية التخاطب.ويمكن تلخيص أوجه الإخفاق فيه في كونه يتعامل مع التخاطب في عزلة عن السياقات الفعلية التي تستخدم فيها اللغة، ويصبغ عملية التخاطب بطابع مثالي تتجاهل فيه قضايا اللبس، والخروج عن المواضعات اللغوية، وقصر وظائف اللغة على عملية الإبلاغ، وإهمال الأصول التخاطبية المفسرة لمقاصد المتكلمين."#

وتذهب النظرية التخاطبية إلى أن النص الأدبي تخاطب وتداول يجمع بين أطراف ثلاثة، وهي: المرسل المتكلم الذي قد يكون كاتبا أو مؤلفا أو ساردا أو شخيصة، والمرسل إليه الذي قد يكون شخصا مخاطبا، كأن يكون قارئا أو متلقيا أو شخصية مقابلة للشخصية المتكلمة. وهناك العنصر الثالث الذي يتمثل في الخطاب التداولي أو الرسالة المرسلة. وبهذا، تكون هذه النظرية قد مهدت لميلاد القارىء أو المتلقي أو المتقبل. وتكون، من جهة أخرى، قد أعطت نقطة انطلاق للنظريات التي تعنى بالقارىء المستقبل، كجمالية التلقي ليوس وآيزر، وغيرها من النظريات.

وهكذا، فالنظرية التخاطبية تستوجب وجود ثلاثة أطراف: المرسل (الباث-المتكلم- المتلفظ -المرسل - المتحدث-المبدع)، والرسالة(النص-الأدب-الخطاب- التلفظ...)، والمتلقي(القارىء-المرسل إليه-المستقبل-المتلفظ إليه). ومن ثم، فالباث أو المرسل هو الذي يسنن رسالة ما سواء أكانت ذهنية أم وجدانية ليرسلها إلى المتلقي، ليقوم بدوره بتفكيكها في ضوء سنن مشترك أو لغة يعرفها كل من المرسل والمرسل إليه. وفي هذا النطاق، يقول الباحث التونسي حسين الواد:" لقد اعتنت نظرية التخاطب، على وجه الخصوص، بمرور البلاغ من الباث إلى المتقبل عبر قنوات الاتصال، ورأت أن الباث يسجل بلاغه في الكلام حسب قواعد في التسجيل تواضع عليها الناس، وأن المتقبل يعمد إلى فك رموز الكلام ليحصل على البلاغ منها.إلا أن إيصال البلاغ، في الغالب، مغامرة لاتتم دائما بسلام. فمهما بذل الباث من جهد في تفادي عناصر التضليل والتحريف وسوء الفهم، فإن بلاغه لابد من أن يتأثر بها. ولقد كان لهذه النظرية أثر بارز في درس الآثار الأدبية، إذ عمدت طائفة من الباحثين إلى جعل المؤلف باثا والقارىء متقبلا والأثر يحمل بلاغا. إلا أنهم رأوا التخاطب في الأدب يختلف كثيرا عن التخاطب العادي، فمنتهى أمل الباث في التخاطب العادي أن يصل بلاغه سالما من العثرات إلى المتقبل. والذي يساعده على ذلك ارتباط البلاغ عادة بالمرجع أو السياق يحضر القارىء أثناء القراءة، فيتجنب به الوقوع في الخطإ. إن الخطاب العادي يقوم في أساسه على الوظيفة المرجعية.أما التخاطب الجمالي في الآثار الأدبية فلا وظيفة مرجعية له. وبالتالي، فإن العثرات فيه كثيرة والعقبات كأداء. ومن هنا، حلت فيه الوظيفة الأدبية محل الوظيفة المرجعية في التخاطب العادي. لذلك، كان الغموض في الأثر الأدبي، وكان التفاف الكلام فيه على نفسه أشد مايكون."#

وإذا كانت الملفوظات التخاطبية العادية لاتثير مشاكل على مستوى التداول والتواصل والتخاطب، فإن النص الأدبي باعتباره ظاهرة تخاطبية بين المتكلم والمخاطب يثير عدة صعوبات ؛ بسبب الغموض، والانزياح، والتضمين، والتلميح، والترميز، والأسطرة. لذا، فعلى المتلقي أن يبذل مجهودا لفك الخطاب الأدبي عن طريق عملية التأويل، وفك الرموز. وفي هذا النطاق، يقول حسين الواد مرة أخرى:" والمهم في نظرية التخاطب أنها أسلمت الآخذين بها إلى الإقرار بالغموض في الآثار الأدبية ميزة من طبيعتها. ولأن التخاطب في الأدب غامض، ولأن الغموض ظاهرة ملازمة له، توقع الباث (أي الأديب) من القارىء أن يقوم بالتأويل أثناء القراءة، وانتظر منه أن يثري البلاغ الأدبي بإضافات شخصية من عنده يسلطها عليه. ولأن التخاطب الأدبي غامض في أساسه، عمد القارىء، كلما واجه نصا أدبيا، إلى امتحانه، فاختبر قدراته على تحمل المعاني الإضافية بموجب ماركب فيه من مواطن غامضة تتحمل التأويل. ومن هنا، كان الأثر الأدبي، في نظرية التخاطب، أثرا مفتوحا يستدعي التأويلات العديدة، ويتقبلها، فيزداد بها ثراء على ثرائه."#

هذا، وينبني التخاطب بين أطراف التكلم على مجموعة من مبادىء المحادثة والتخاطب، وقد جمعها فيلسوف اللغة الأمريكي بول كرايس هربرت (Paul Grice Herber) في قاعدة التعاون الذي يقتضي أن المتكلمين متعاونون في تسهيل عملية التكلم والتخاطب. وتتفرع قاعدة التعاون إلى مجموعة من المبادىء، ومنها:

مبدأ الكم: تكلم على قدر الحاجة فقط، ولاتتجاوز بإفادتك القدر المطلوب. ويعني هذا الابتعاد عن الاستقصاء المفصل، وتفادي الإطناب والاستطراد في الكلام أو التخاطب.

مبدأ الكيف: لاتقل ما تعتقد كذبه، ولاتقل مايعوزك فيه دليل بين. ويسمى هذا المبدأ أيضا بمبدإ الصدق.

مبدأ الأسلوب: تجنب إبهام التعبير،وتجنب اللبس، وأوجز كلامك، بحيث تتجنب الإطناب الزائد، وليكن كلامك أيضا كلاما مرتبا.

مبدأ المناسبة: ليكن كلامك مناسبا لسياق الحال، فالكلام هو مراعاة مقتضى الحال، أو مناسبة المقال للمقام.#

بيد أن نظرية كرايس خضعت لنوع من التطوير والتعديل والنقصان والإضافة: " وذلك بفضل جهود باحثين في مجال علم التخاطب، ومن بينهم هارنيش(Harnish) الذي أضاف بعض التعديلات منها: الجمع بين مبدأي الكم والكيف، وصادوك (Sadock) الذي أشار إلى إمكان تقليص بعض مبادىء كرايس، وأبرز بعض الثغرات في معيار الإبطال الذي صممه كرايس لاكتشاف المفاهيم الخطابية المولدة نتيجة انتهاك أحد مبادىء المحادثة المشار إليها سابقا. وتمكن صادوك من إضافة معايير أخرى لاختبار تلك المفاهيم، غير أن أقوى التحديات جاءت من ويلسون (Wilson) وسبيرير(Sperber) اللذين شككا في مبادىء كرايس، واستثنيا من ذلك مبدأ المناسبة الذي جعلا منه أساسا لنظرية سمياها بنظرية المناسبة."#

ويعني كل هذا أن الناقد التداولي يمكن أن يتعامل مع النص الأدبي أو الخطاب الإبداعي باعتباره بنية تخاطبية وتبادلية بين طرفين، وذلك ضمن سياق عام، أو سياق موقفي، أو سياق نصي، مع تحديد نوع التخاطب والتبادل التداولي.

 النص الأدبي تلفـــظ في سياق:

تهدف المقاربة التلفظية إلى دراسة الخطاب الإبداعي والأدبي في ضوء المعينات الإشارية، أو قراءتها بواسطة القرائن اللغوية، أومقاربتها عبر المؤشرات التلفظية التي تحدد سياق الملفوظ اللغوي واللساني. وهذه المعينات هي ضمائر الشخوص، وأسماء الإشارة، وظروف المكان والزمان، وصيغ القرابة، والصيغ الانفعالية الذاتية. ومن ثم، تنبني المقاربة القرائنية أو المقاربة "التلفظية" على دراسة سياق التلفظ، وتحديد أطراف التواصل اللغوي، عبر التركيز على ثلاثة مبادئ منهجية، وهي: البنية، والدلالة، والوظيفة. ومن المعلوم أيضا أن هذه المقاربة القرائنية أو الإشارية تمتح آلياتها من اللسانيات الخارجية ذات البعد المرجعي، مع الانفتاح بشكل من الأشكال على التداوليات والسيميوطيقا النصية والخطابية.

وتطلق عدة مصطلحات ومفاهيم على المعينات (déictiques) في الدراسات الغربية، من بينها: القرائن المدجمة أو الواصلة (Embrayeurs) كما عند رومان جاكبسونRoman Jakobson، أو الوحدة الإشارية (Index)عند شارل بيرسPeirce، أو التعبير الإشاري كما لدى بار هيليل Bar- Hillel، أو المؤشر (indicateur)، أو دليل التلفظ (indice de l’énonciation)، أو القرائن الإشارية (schifters) باللغة الإنجليزية...

ويستعمل مصطلح المعينات(déictiques) غالبا مرادفا لمصطلح الواصل (Embrayeurs)، على الرغم من كون المعينات مصطلحا عاما له دلالات خاصة ومتميزة عن مصطلح الواصل المرتبط بالسياق فقط؛ لأن مصطلح المعينات يشمل أطراف التلفظ، والسياق التواصلي للمتكلمين. كما يرتبط بالاستعمال الشفوي والتلفظي للخطاب، مع تشغيل الحركات والإشارات وإيماءات التعيين، وتوظيف وحدات التأشير الدالة على التعيين المكاني والزماني.

ومن المعلوم أن كلمة المعينات (déictiques) جمع لكلمة مفردة هي المعين الإشاري(déixis). وبالتالي، لا تأخذ هذه المعينات والقرائن الإشارية معناها، بما فيها: الضمائر، وأسماء الإشارة، وظروف الزمان والمكان، والصيغ الانفعالية، وأسماء القرابة... إلا داخل سياق التلفظ، والتواصل، وفعل القول.

هذا، ويراد بالمعينات (déictiques) – لغــة - الإشارة والتحديد والتعيين والعرض والتمثيل والتبيين والتأشير، وهو مشتق من كلمة "ديكتيكوس/ deiktikos " اليونانية. ويراد به – اصطلاحا- مجموعة من المرجعيات الإحالية المبنية على شروط التلفظ الخاصة وظروفه، كهوية المتكلم، ومكان التلفظ وزمانه(أنا- الآن-هنا). ويعني هذا أن كل ملفوظ يتكون من مرسل ومستقبل ومكان التلفظ وزمانه. وهذه المؤشرات السياقية هي التي تسمى بالمعينات أو القرائن السياقية. وبتعبير آخر، فالمعينات هي مجموعة من العناصر اللسانية التي تحيل على السياق المكاني والزماني لعملية التلفظ الجارية بين المتكلمين أو المتحدثين أو المتلفظين.
إذاً، يقصد بالمعينات أو القرائن الإشارية تلك الكلمات أو التعابير أو الروابط أو الوحدات اللغوية التي ترد في ملفوظ كتابي أو شفوي، تحدد الظروف الخاصة للتلفظ، وتبين الشروط المميزة لفعل القول، وذلك ضمن سياق تواصلي معين. ومن ثم، لا يتحدد مرجع هذه القرائن والمعينات الإشارية دلاليا وإحاليا إلا بوجود المتكلمين في وضعية التلفظ والتواصل المتبادل.

هذا، وتحيل المعينات على أطراف التواصل، من: متكلم ومستقبل، ومرسل ومرسل إليه، بالإضافة إلى الضمائر المنفصلة والمتصلة(أنا-أنت- نحن-أنتم...)، وأدوات التملك المتعلقة بضمير المتكلم وضمير المخاطب(كتابي، كتابك، كتابنا، كتابكم...)، وأسماء الإشارة(هذا-هذه- ذلك- تلك...)، وظروف الزمان والمكان(هنا-هناك-اليوم- الآن- البارحة- في يومين، هذا الصباح، إلخ...)، بله عن كل المؤشرات اللغوية التي تعين الشخوص والأشياء من قبل المتكلم.

ومن هنا، فالمعينات هي وحدات التلفظ ومؤشراته، تساهم في تحيين فعل التلفظ إنجازا وقولا وفعلا، وذلك عن طريق الضمائر، وأسماء الإشارة، وظروف المكان والزمان. وبالتالي، فالمعينات هي التي تعنى بتحديد مرجع الوحدات اللغوية حين عملية التلفظ والتواصل. ويحيل هذا المرجع على واقعية لسانية خارجية تسيج علاقة الدال بالمدلول. ومن ثم، لايمكن أن يتحقق معنى الشيء، وتتعين هويته، إلا بمعرفة ظروف التواصل وشروطه المميزة. فإذا أخذنا على سبيل المثال هذا الملفوظ اللغوي:" سأذهب لأنام"، إذا كنا نعرف بأن أحمد هو الذي قال هذه الجملة، فضمير المتكلم يعود عليه إحالة وسياقا ومقاما.أي: إن ضمير المتكلم هو أحمد. وإذا لم نكن نعرف متلفظ هذه الجملة، فإننا لن نعرف بتاتا على من يعود ضمير المتكلم. وهكذا، يتبين لنا، بأن الضمائر تتحدد دلالة وإحالة ومرجعا بوجود أطراف التلفظ والتواصل.

ويرى إميل بنيفنست(Émile Benveniste) في كتابه:" قضايا اللسانيات العامة" بأن المعينات تحدد اللحظة المكانية والزمانية الآنية أثناء لحظة التلفظ بضمير التكلم #. وإذا تأملنا هذه الجملة على سبيل المثال: "أسماء قالت: سأسافر هناك غدا"، فأسماء مكون اسمي يحيل على المتكلم، ولكنه ليس معينا؛ لأن المكون الاسمي لايشكل معينا إشاريا. في حين، يحيل ضمير المتكلم على المتكلم"أسماء"، وتحيل كلمة " هناك" على سياق تواصلي مكاني، بينما تحيل كلمة" غدا" على سياق تواصلي زمني. ومن هنا، لابد من استحضار السياق المكاني والزماني والشخوصي لتحديد المعينات والمؤشرات اللغوية. وبالتالي، يستلزم الحديث عن المعينات وجود أطراف التواصل، وفعل التلفظ، والمعينات، ووجود السياق.

أطراف التواصل

فعل التلفظ

المعينات

السياق

المرسل والمرسل إليه، أو المتكلم والمستقبل.

الملفوظات والعبارات والجمل والكلمات المكتوبة أو الشفوية.

الوحدات اللغوية من ضمائر، وأسماء الإشارة، وأدوات التملك، وظروف المكان والزمان.

- السياق التواصلي الذي يتكون من سياقات فرعية، كالسياق الشخوصي، والسياق المكاني، والسياق الزماني.

و يلاحظ أن المعينات ترتبط دائما في علاقة جدلية بلحظات الخطاب الفورية والآنية لفعل القول، وتتعلق كذلك بلحظات فعل التلفظ (le discours direct)، ولكن حينما يتحول الخطاب أو الحوار المباشر إلى سرد أو حكي(le récit)، أو يتخذ صيغة الكلام المنقول(le discours indirect)، فهنا لايمكن الحديث عن المعينات. وللتوضيح أكثر، حينما يكون هناك حوار مباشر، فهنا يتم الحديث بطبيعة الحال عن المعينات كما في هذا المثال:

" - أسماء: سأسافر غدا إلى مراكش.

- لمياء: أنا سأسافر معك غدا هناك إذا وافق والدي."

نلاحظ في هذا الحوار أو الخطاب المباشر مجموعة من المعينات المتعلقة بأطراف التواصل(أسماء ولمياء)، ووجود ضمائر الشخوص(ضمير التكلم)، ومعينات المكان (هناك)، ومعينات الزمان(غدا). في حين، إذا حولنا هاتين الجملتين الحواريتين إلى سرد محكي أو خطاب منقول، فلايمكن إطلاقا الحديث عن المعينات الإشارية؛ لأن المعينات تختفي حينما تتحول إلى وحدات لغوية في لحظة الغياب، ولاتشير إطلاقا إلى لحظة التكلم والقول والتلفظ:" قالت أسماء بأنها ستسافر إلى مراكش، وردت عليها لمياء بأنها ستفعل مثلها إذا وافق والدها".

ونستخلص من هذا أن المعينات تظهر حضوريا مع الحوار الداخلي (المنولوج) والحوار المباشر(الديالوج)، وتختفي غيابيا مع الخطاب المنقول أو المحكي السردي.

وهكذا، فالمعينات هي الوحدات اللسانية التي لها وظيفة دلالية ومرجعية، وهذه الوحدات اللسانية هي مجموعة من العناصر التكوينية لوضعية التواصل. وتتضمن المعينات أو التعبيرات الإشارية (deictiques)، وذلك في المنظور اللساني واللغوي الحديث، كل ما يحيل على وضعيات التكلم والتخاطب والتواصل والتبليغ والتبادل بين المتكلم والمخاطب. وترتبط المعينات الإشارية بـ:

- الدور الذي يقوم به عاملو القول في عملية التلفظ.

- الوضع المكاني- الزماني للمتكلم والمخاطب على حد سواء#.

ويعني هذا أن المعينات هي التي تتضمن إحالة خاصة ومتميزة، وهذه الإحالة قد تكون مطلقة عامة، أو إحالة سياقية خاصة، أو إحالة إشارية تعيينية. وللتوضيح أكثر نورد هذه الأمثلة:

• يقطن أحمد مدينة الرباط.(إحالة مطلقة).

• يسكن علي في جنوب الرباط.( إحالة سياقية)

• يقطن علي هنا. (إحالة إشارية أو تعيينية)

• سيسافر علي في 24 من شهر دجنبر.(إحالة مطلقة)

• سيسافر علي أمسية العيد.(إحالة سياقية)

• سيسافر علي غدا. (إحالة إشارية أو تعيينية)

وثمة مجموعة من الدارسين الغربيين الذين اهتموا بالمعينات والقرائن الإشارية في ضوء مقاربات متنوعة: نفسية، واجتماعية، وأنتروبولوجية، وبلاغية، وأسلوبية، ولسانية، وسيميائية،وتداولية...، منهم: إميل بنيفنست في كتابه:" قضايا اللسانيات العامة"#، وكاترين كيربرا أوريكشيوني في كتابها:"ملفوظ الذاتية في اللغة"#، وكريماص في كتابه:" موباسان: سيميوطيقا النص:تمارين تطبيقية" #، وفيليب هامون في كتابه:"سيميولوجية الشخصيات"#،وتزيتيفان تودوروف في كتابه:" الشعرية"#، إلى جانب بول ريكور Paul Ricoeur#، و رومان جاكبسون#، وييسبيرسين Jespersen، وكلود ليفي شتراوس#، وفينريش Weinrich#،وجان بياجيJean Piajet، وشارل بالي#Bally، وشارل فيلمورFillmore #، وفونديرليش #Wunderlish، وآخرين...

ومن الدارسين العرب الذين اهتموا بالمعينات الإشارية، لابد من ذكر محمد مفتاح في كتابيه:" في سيمياء الشعر القديم"# و" تحليل الخطاب الشعري"#، وعبد المجيد نوسي في كتابه:"التحليل السيميائي للخطاب الروائي"#،...

وبناء على ماسبق، يقصد بالمعينات أسماء الإشارة، والضمائر المتصلة والمنفصلة، وظروف الزمان والمكان. وبتعبير آخر، ما يشكل صيغة: أنا، الآن، هنا. كما يمكن الحديث أيضا عن ألفاظ القرابة (أبي وأمي وخالي...)،وصيغ الانفعال و التعجب، وآليات الحكم والتقويم الذاتي.

ويمكن الحديث بصفة عامة عن معينات المتكلم أو المتلفظ، ومعينات المستقبل أو المخاطب أو المرسل إليه أو المتلفظ إليه. فمن المعروف أن ضمير المتكلم يحدد هوية المتكلم، ويعين حضوره ووجوده سياقيا ومرجعيا حين عملية التلفظ والتواصل. ويتحدد ضمير المتكلم في صيغة المفرد " أنا" أو صيغة الجمع "نحن"، وذلك عبر الطرائق التالية:

•استعمال الضمائر المنفصلة: " غدا، سأسافر."، و" غدا سنسافر".

• الضمائر المتصلة المرتبطة بالفعل: "خرجت مبكرا"، و"ذهبنا هناك مسرعين".

• أدوات التملك: " كتابي"، و" كتابنا".

• صيغ العلاقة والقرابة والتفاعل الوجداني المرتبطة ضمنيا بضمير المتكلم: " التقيت بصديق"، و"هاتفني الجد "،و" الرضيع مريض"، وتحيل هذه الملفوظات الضمنية على الجمل التالية:" التقيت بصديقي"، و" هاتفني جدي "، و" رضيعنا مريض".

•صيغ الأمر والاستفهام والتوبيخ: " اخبرني. كم الساعة؟ بدأ علي في البكاء".

• العلامات الدالة على عواطف المتلفظ وانفعالاته: وتسمى كذلك بموجهات الخطاب(modalisateurs du discours)، حيث تسمح للمتكلم أو المتلفظ بالتعبير عن أحاسيسه وعواطفه الوجدانية، وإصدار أحكامه التقويمية إيجابا أو سلبا. وفي هذا السياق، يمكن الحديث عن الذاتية والموضوعية، مثل:

- زرت فيلاه على شاطىء البحر.

- زرت كوخه على شاطىء البحر.

نستنتج، من خلال هذين المثالين، بأن هناك تقويما سلبيا قدحيا (الكوخ)، وتقويما إيجابيا حول مكان الإقامة (الفيلا).

وتساهم صيغة الافتراض في تأكيد الحضور الذاتي، مثل: " يمكن أن تكون أسماء مريضة"، أو استعمال صيغة الشك " لاأعتقد ذلك!".

• صيغ الانفعال والتفجع والتحسر والتأثر والتعجب: " آه!"، و" كم هو جميل هذا المكان!"..

• الموجهات: مثل " بدون شك"، و" حسب رأيي"، و" في منظوري"...

ومن جهة أخرى، يتحدد وجود المستقبل عبر الطرائق الشكلية التالية:

• ضمائر المخطاب: أنت، وأنتم، ونحن(أنا، وأنت)...

•الضمائر المتصلة بالفعل: كتبت- كتبتم...

•ضمائر التملك: كتابك، كتابكم،...

• ألفاظ القرابة والعلاقات الحميمية: " صديق يريد رؤيتك"، " هاتفت الأم "، وذلك من أجل أن تقول:" صديقك يريد ريتك"، و"هاتفت أمنا(أنا، وأنت)"

• صيغ الأمر والاستفهام والتنوبيخ:" اسمع! أين هي النظارات؟ لمياء، سأذهب لأنام".
أما فيما يخص المعينات الفضائية، فنستحضر: هنا، هناك، ورائي، يساري، قربي،...

أما المعينات الزمانية، فهي: الآن، اليوم، غدا، البارحة، في هذا الشهر، في هذه اللحظة...
وفيما يتعلق بأسماء الإشارة، فنذكر: هذا، هذه، ذلك، تلك، هؤلاء، أولئك...

ويمكن الحديث كذلك عن أفعال الحركة والانتقال، مثل: جاء- ذهب- انطلق- سافر- ارتحل: "جاء سمير ليساعدني". أي: تشير إلى الوصول إلى منطقة التلفظ أو مغادرتها.

ويمكن اعتبار كذلك بعض الأزمنة الفعلية من بين المعينات كالحاضر: أشتغل، ألعب، تلعب...
ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن نوعين من المعينات والقرائن الإشارية، فمنها ما يتعلق بالعوامل أو أطراف التلفظ والقول(actants)، و هناك ما يتعلق بظروف التواصل والتلفظ والقول والكلام (circonstants). فمن ثم،تحيل معينات العوامل على المرسل والمرسل إليه، أو المتكلم والمستقبل، وتسمى بالمعينات الذاتية (embrayeurs subjectifs)، أو المعينات الشخوصية أو الضمائرية (embrayeurs personnels). أما المعينات الثانية، فتحيل على ظروف التلفظ وسياقه التواصلي، ويمكن تقسيمها كذلك إلى معينات مكانية (embrayeurs locatifs) أو معينات فضائية (embrayeurs spatiaux)، ومعينات زمانية (embrayeurs temporels).

أقسام المعينات

المعينات الذاتية

المعينات السياقية

عوامل التلفظ: المرسل والمرسل إليه، أو المتكلم والمستقبل.

المعينات المكانية أو المعينات الفضائية.

المعينات الزمانية.

زد على ذلك، تحمل المعينات والتعبيرات الإشارية في طياتها وظائف عدة، يمكن حصرها في الوظيفة المرجعية، حيث تحدد هذه العناصر الخطابية، وهذه الوحدات اللسانية سياق التواصل والتلفظ سواء أكان سياقا شخصيا أو سياقا مكانيا أو سياقا زمانيا.فلا يمكن دراسة المعنى بدون تحديد المرجع. وفي هذا الصدد، تقول أوريكوشيوني:" يستحيل في بعض الأحيان الوصف المناسب للأداء الكلامي دون الاهتمام بمحيطها غير الكلامي بشكل عام. لايمكن دراسة المعنى دون تحديد صلته بالمرجع؛ ولايمكن تحليل القدرة اللسانية بتفريغ القدرة الإيديولوجية التي تنتظم عليها، لايمكننا وصف الإرسالية دون الاهتمام بالمقام الذي تأسس عليه، والنتائج التي تهدف إليها."#

علاوة على هذا، تؤدي هذه المعينات والقرائن الإشارية وظيفة التعيين والتأشير، والتركيز على الإحالة المقامية والنصية، وتحديد الوضعية المكانية والزمانية، وتبيان المشار إليه قربا وبعدا، والتأكيد على وظيفة الحضور والغياب، والتنبيه إلى الوظيفة الذاتية والموضوعية، ورصد وظيفة الاندماج واللاندماج، إلى جانب تحديد الوظائف الدلالية والمرجعية والتداولية واللسانية. ويعني هذا حسب بنفينست أن:" الضمير ليس إلا شكلا فارغا، إذا كان خارج الخطاب الفعال، و لا يرتبط بأي موضوع أو مفهوم أو تصور"#. ويرى بول ريكور أيضا بأن الضمائر:" هي بالضبط لا دالة، الكلمة "أنا" ليست لها دلالة في ذاتها..."أنا" هو الذي، في جملة، يمكن أن ينطبق على نفسه أنا على أنه هو الذي يتكلم ؛ إذاً، الضمير هو أساسا اشتغال الخطاب، ولا يحمل معنى إلا حينما يتكلم شخص ويعين نفسه بقوله أنا."#

وبتعبير آخر، إن للمعينات وظائف دلالية تتمثل في ارتباط القرائن الإشارية بالسياق المرجعي والمعنى الدلالي. كما تؤدي هذه المعينات وظيفة نفسية كما عند جان بياجي. وبالتالي، فهل:" القرائن الإشارية تكتسب مبكرا أو بكيفية متأخرة من قبل الطفل؟ ولكن الآراء متعددة حول هاته النقطة: بالنسبة لبياجي القرائن الإشارية هي أكثر حضورا في الخطاب الطفولي؛ نظرا لارتباطها باستعمال أنوي ذاتي التمركز للغة."#

كما تؤدي هذه المعينات وظيفة أنتروبولوجية. وفي هذا السياق، يعلن كلود ليفي شتراوس ضمن مقاربته الأنتروبولوجية بأن:" في اللغات الهندوأوربية المصطلحات الدالة على القرابة منظمة في بعد ذاتي، على خلاف نظيرتها الصينية حيث يتعلق الأمر بنسق موضوعي كليا؛ إذ علاقات القرابة تدرك عن طريق صلتها بالشخص، باعتبار أن الألفاظ تصير مبهمة جدا ونادرة لتنطبق على أقرباء بعيدين. إذاً، الأنساق الهندأوروبية أنساق ذاتية التمركز وأنوية، معتبرة الأنا نقطة الانطلاق."#

وقد تتخذ المعينات وظيفة بلاغية حينما تتجاوز التعيين والتقرير إلى الإيحاء والتضمين، وذلك عبر عملية الانزياح والخرق، وانتهاك المعيار التقعيدي، من خلال تصادم الوحدات اللغوية وتوترها، كما في الأمثلة التالية

• " نحن الآن منذ ثلاثين مليون سنة ".هنا، ظرفان زمنيان (الآن/ ثلاثون مليون سنة) لا يشتغلان على نفس النسق الاستدلالي، بل هناك تصادم دلالي بينهما على المستوى الزمني.

•" غدا ذهب القطار"، يلاحظ أن الذي يتكلم يعيش نسقين زمنين مختلفين(الماضي/المستقبل).

كما يقع هذا الانزياح البلاغي على مستوى الزمن، يقع أيضا على مستوى الضمائر والفضاءات، وكل ذلك من أجل خلق أبعاد إيحائية وفنية وجمالية واستعارية.

ومن وظائف المعينات الأخرى التمييز بين الأساليب والخطابات والأجناس الأدبية، كالتمييز مثلا بين الحوار والسرد، فالحوار يتميز بوجود المعينات الحضورية، مثل: أنا، أنت،أنتم، ونحن...، واستعمال زمن الحاضر، وتشغيل الصيغ الانفعالية، وتنويع التعبير إلى: استفهام، وتعجب، وتفجع.... في حين، يتميز السرد أو الحكي بغياب هذه المعينات، مع استعمال الأفعال الماضية، وتشغيل ضمائر الغياب، مثل: هو، هي، هم، وهن، وخلوه من الصيغ الاستفهامية والانفعالية

 النص الأدبي أفعال كلامية:

إن النص الأدبي ليس مجرد خطاب لتبادل الأخبار والأقوال والأحاديث، بل يهدف عبر مجموعة من الأقوال والأفعال الإنجازية إلى تغيير وضع المتلقي، وتغيير نظام معتقداته، أو تغيير موقفه السلوكي من خلال ثنائية افعل ولاتفعل#. ويعني هذا أن الخطاب أو النص الأدبي، وذلك في مفهوم التداوليات التحليلية التي ظهرت في سنوات الخمسين من القرن العشرين مع أوستين، كما في كتابه:" نظرية أفعال الكلام" (1962م)#، وسورل في كتابه:" أفعال اللغة" (1969م)#،عبارة عن أفعال كلامية تتجاوز الأقوال والملفوظات إلى الفعل الإنجازي والتأثير الذي يتركه ذلك الإنجاز. ومن هنا، فنظرية الأفعال الكلامية تنبني على ثلاثة عناصر رئيسة، وهي: أولا، فعل القول، ويراد به إطلاق ألفاظ في جمل مفيدة سليمة التركيب، وذات دلالة، تحمل في طياتها حمولات قضوية وإخبارية. وبالتالي، تشتمل على مستوى صوتي وتركيبي ودلالي، مثل: "أشكرك ياعلي". وثانيا، الفعل المتضمن في القول: وهو الفعل الإنجازي، وهو يحدد الغرض المقصود بالقول، كصيغة الأمر في هذه الجملة:" انتظري اللحن الجديد". وثالثا، الفعل الناتج عن القول، وهو ما ينتج عن القول من آثار لدى المخاطب إثر فعل القول، كإقناع المخاطب، وحثه، وإرشاده، وتوجيهه، أو تضليله...وتحضر هذه المستويات الثلاثة للفعل الكلامي جميعها في الوقت ذاته، و بدرجة متفاوتة، وهي التي تجعل هذا الفعل الكلامي كاملا.

وعلاوة على ذلك، يميز أوستين بين الجمل الخبرية والجمل الإنجازية، وتتنوع هذه الأقوال الإنجازية إلى أقوال ظاهرة وأقوال مضمرة. فالأقوال الإنجازية قد تكون لها قوة حرفية، مثل: الاستفهام، والتمني، والأمر... وقد تكون لها قوة إنجازية حوارية وسياقية، مثل: الالتماس، والإرشاد، والتهديد، والتحسر،...

ويعني كل هذا أن الفعل الكلامي ينقسم إلى ثلاثة أنواع: فعل القول، والفعل المتضمن في القول، والفعل الناتج عن القول، وقد لايدل الفعل المتضمن في القول على دلالته المباشرة، بل يفيد معنى إنجازيا آخر غير مباشر يحدده سياق القول. بتعبير آخر، للجملة الواحدة ثلاثة مستويات: محتواها القضوي، وهو مجموع معاني مفرداتها، والقوة الإنجازية الحرفية، وهي قوة مدركة مقاليا، والقوة الإنجازية المستلزمة، وهي التي تدرك مقاميا. ويعني هذا أن أوستين يربط الأقوال بالأفعال، والمقال بالمقام. فأن نقول كلاما، يعني أننا ننجز فعلا. ومن هنا، فنظرية الأفعال الكلامية تنبني على فعل القول (قول شيء ما) الذي يتخذ مظهرا صوتيا وتركيبيا ودلاليا، والفعل المتضمن في القول (إنجاز فعل معين ضمن قول ما)، وقد يكون فعلا مباشرا أو غير مباشر، والفعل الناتج عن القول(الآثار المترتبة عن قول شيء ما). ويتميز الفعل الكلامي بالمطابقة مع الواقع والسياق، والتعبير عن حالة نفسية، والقدرة على الإنجاز، واختلافه باختلاف منزلة المتكلم من المتلقي، والاختلاف في أسلوب الإنجاز، واختلاف القوة الإنجازية...#
ويمكن تقسيم أفعال الكلام حسب مايقصد بها من أغراض إنجازية إلى:

1- التقريريات: وتفيد تأكيد وإقرار المتكلم لبعض الوقائع والأحداث في الواقع الخارجي، مثل: " إنني كاتب وناقد وفيلسوف".

2- الطلبيات أو الأمريات: وتحضر في توجيه المتكلم طلبا للمخاطب لإنجاز فعل ما، مثل: "هل سيسافر أحمد غدا؟"، و" اخرجوا كلكم من مدرج الكلية".

3- البوحيات أو الإفصاحيات: تعبر عن الحالة النفسية للمتكلم، مثل:" أحب أن أراك سعيدا"، و" مللت الانتظار".

4- الوعديات: تفيد التزام المتكلم بإنجاز فعل في الزمان المستقبل، مثل:" أعدك بسفر رائع إلى مصر".

5- التصريحات: ويقصد بها إعلان المتكلم عن إنجاز فعل يفيد تغييرا مرتقبا على مستوى العالم الخارجي، مثل:" أعلن أيها الحضور الكريم عن برنامجي الانتخابي قريبا".

وعليه، وتأسيسا على ماسبق ذكره، يعمد الناقد في المقاربة التداولية حين التعامل مع النص الأدبي إلى استخلاص الأفعال الكلامية، وتصنيفها إلى الأفعال القضوية، والأفعال الإنجازية الخبرية، والأفعال السياقية، وتصنيف الجمل الأدبية حسب سياقها ومقامها الوظيفي والتداولي والمقصدي.

 النص الأدبي مقصديـــة:

لقد اهتمت الدراسات التداولية في بداية الأمر بالمتكلم باعتباره قوة عليا، يمتلك سلطة متفوقة، فيوجه للمخاطب، والذي يكون في مرتبة دنيا، مجموعة من الأوامر لتنفيذها بطريقة ميكانيكية، دون تردد أو مناقشة، كما هو حال الأوامر الدينية والعسكرية، ويسمى هذا بالتواصل التوجيهي. لكن هناك من يرفض هذا التصور الميكانيكي، فيعتبر المقصدية قاسما مشتركا بين كل من المتكلم والمتلقي، ولافرق بينهما إلا من باب الأخذ بزمام المبادرة. لكن هناك من يرى بأن المقصدية قد يتحكم فيها المتلقي، فيجعل المتكلم في قبضة يده، فيتصرف فيه كيفما يشاء، ثم يضطر المتكلم إلى تكييف خطابه حسب رغبات المتلقي، بل قد يكون ناطقا بلسانه#.

وهكذا، " لم تخل كتابة من الإشارة إلى القصد والقصدية والمقصدية، ومما يفيد هذا المعنى؛ فالباحثون جميعهم يجعلون المميز الأساسي بين الإنسان وغيره هي المقصدية. ولكن هناك من قصرها على ماورد فيه جذرها صراحة أو ضمنا (هرمان باريت Parret )، ومنهم من جعلها مسبقة (كريماص Greimas)، كما أن منهم من جعلها ميكانيكية موجهة (أوستين Austin، وسورل Searle، وكرايس Grice). بيد أنها لاتقتصر على المتكلم، ولكنها تشمل المخاطب أيضا. ولهذا، فقد تتفق المقصديتان درجات من الاتفاق، وقد تختلفان درجات من الاختلاف (نظرية التلقي)، مما أدى إلى طرح إشكاليتها الفلسفية والمنهاجية، باعتبار أنها غالبا مالا تكون ظاهرة في النص، وإنما يفترض أنها تكمن خلفه. لذلك، بذلت محاولات لصورنتها (بتيطوJean Petito/ وأبوسطل Leo Apstel) للخروج بها من ميدان علم النفس إلى مجال اللسانيات.

إنها – مهما اختلفت وجهات النظر في كيفية تناولها- مجمع على وجودها. كأنها تكسب الكلام دينامية وحركة، بل هي منطلق الدينامية."#

ويعني هذا أن النص الأدبي باعتباره جملا وملفوظات لغوية يحوي مجموعة من المقاصد المباشرة والضمنية التي يعبر عنها المتكلم أو المتلقي أو هما معا. بتعبير آخر، ثمة مقاصد أولية تتعلق بالمتكلم المرسل قد يكون شاعرا - مثلا -، فيعبر عن بعض مقاصده كالحب والخوف والاعتقاد والتمني والكراهية. وفي المقابل، ثمة مقاصد ثانوية، تتعلق بالمتلقي السامع الذي عليه أن يفهم مقاصد الشاعر المبدع، و يتعرف ظروفه وحالاته النفسية والذهنية والوجدانية.
وإذا انتقلنا إلى النص الأدبي، فإن المبدعين والشعراء يوظفون كلمات وتعابير وأسماء أعلام لها مقصدية مباشرة وغير مباشرة، قد تدرك بطريقة ظاهرة، أو تفهم بالتضمين والتلميح. وهذه المقصدية واضحة في الشعر العربي المعاصر أكثر من الشعر العربي القديم، فالشاعر المعاصر يوظف اللغة في ضوء سيميائية قصدية، حيث تتحول قصائده إلى علامات ورموز وإشارات وأيقونات تحمل في طياتها دلالات مقصدية، ينبغي استكشافها من قبل المتلقي عبر آليات التفكيك والتشريح والتقويض والتأجيل والتأويل:"إن الشعراء مهما كانت أجناسهم وأمصارهم وأزمنتهم حرصوا على قصدية اللغة الشعرية، بمعنى الارتباط الطبيعي بين الدال والمدلول. فقد اعتنقوا، بدرجات متفاوتة النظرية "الكراتيلية" على حساب" الهرموجينية". إلا أنه إذا كان الشعراء القدماء يستعملون اللغة بحسب ماتملي عليه تجاربهم، فإن المحدثين والمعاصرين الذين تأثروا بالتيارات السيميائية المعاصرة صاروا يقصدون اللغة بسبق الإصرار.وهكذا، نجد، في قصائدهم، مايحاكي أصوات الطبيعة، وحشدا هائلا من أسماء الأعلام المختلفة ذات الدلالات الإيحائية، وألفاظا عتيقة ضاربة في أعماق التاريخ، أو حديثة آتية من آفاق مختلفة. وهذا التداخل المعجمي يخلق عدة معان فرعية عرضية تقرأ بتشاكلات مختلفة بحسب الوسط الذي دعيت منه الكلمة مما يجعلها مؤشرا كنائيا عليه. وقد تصبح أيقونا إذا توفرت فيها علاقة المثلية أو المشابهة."#

وهكذا، فالمقاربة التداولية تتعامل مع النص الأدبي والخطاب الإبداعي باعتباره مقصدية سياقية، ينبغي استحضارها، بغية تأويل النص تأويلا صحيحا وسليما.

 النص الأدبي تفاعل:

ينبني النص الأدبي حسب النظرية التفاعلية على التفاعل (Interaction)، من خلال استحضار المتكلم والمتلقي اللذين يدخلان في علاقة تفاعلية دينامية إيجابية أو سلبية حسب منطق السلطة، والتفاوت الاجتماعي والمعرفي والطبقي.بيد أن السلطة التفاعلية قد يحوزها المتكلم، وقد يمتلكها المتلقي، وقد يشتركان فيها عبر التفاعل التضامني الإيجابي والتعاون التداولي المثمر. وفي هذا الإطار، يقول محمد مفتاح:" نقصد بالتفاعل علاقة المرسل بمتلقيه، سواء أكان ذلك المتلقي فردا أو جماعة، موجودا بالفعل أو بالقوة. ومن شأن هذه العلاقة أن تسلب السلطة المطلقة من المرسل على إصدار خطابه بعجرفة أولامبالاة نحو الآخرين، وأن تدخله في دائرة القواعد الضمنية أو العلانية، وأن تجعله يكيف خطابه على قدر متلقيه ليحصل التفاعل، وكسب استمالة المتلقي، ونيل رضاه. ونظرية التكيف هذه تتيح لنا معرفة السبب في تلون خطاب مؤلف واحد، فقد يكون من عادة الإجادة، واستعمال أساليب راقية، وصور غريبة، ولكننا قد نفاجأ بغير ماهو معتاد منه، وليس من سبب رئيسي وراء ذلك إلا محاولة التكيف.
على أن هناك اعتراضا قد يطرح وهو: إن هذا الذي قلتموه يصح في الخطاب التقليدي الروتيني الشعائري المخاطب للناس بما ألفوه، ولكنه لايستقيم في الخطاب الأدبي العربي الحديث أو المعاصر القائم على مفاجأة المتلقي، وعلى تعتيم الطريق أمامه...ومع وجاهة هذا الاعتراض، فإننا نفترض أن كل خطاب جاد يهدف إلى عملية ربح المتلقي، وكسبه إلى جانبه، والربح- هنا- كيفي، وليس كميا."#

وللتوضيح أكثر، فإذا كانت النظرية الإبلاغية تهدف إلى نقل المعلومات، فإن النظرية التفاعلية تهدف إلى توطيد العلاقات الاجتماعية بين الطرفين المتحاورين تدعيما وتقوية وتعزيزا. وفي هذا الصدد، يقول الباحث المغربي محمد خطابي:" يقصد بالوظيفة التفاعلية قيام شكل من أشكال التفاعل اللغوي بين فردين أو بين مجموع أفراد عشيرة لغوية. على أن هذه الوظيفة الثانية تكتسي صبغة خاصة باعتبار أنه لا يهدف من ورائها إلى نقل المعلومات، وإنما إلى تأسيس وتعزيز العلاقات الاجتماعية والحفاظ عليها.إضافة إلى ذلك، فهي تعبر عن هذه العلاقات الاجتماعية والآراء والمواقف الشخصية والتأثيرات المرغوب إحداثها في العقيدة أو الرأي أو ماشابه ذلك. فمن الطبيعي – إذاً- أن يهتم بهذه الوظيفة علماء الاجتماع وعلماء الاجتماع اللغوي ودارسو التخاطب وأضرابهم."#

وعليه، يمكن دراسة النص الأدبي في ضوء النظرية التفاعلية، وخاصة حينما نريد مقاربة النص المسرحي، فحواراته تحمل في طياتها وظائف عدة، وخاصة ما يتعلق بالتخاطب والتفاعل بين الشخصيات داخل مقام تواصلي وسياق تداولي معين.

 النص الأدبي حجــــاج وإقناع:

تذهب التداولية الحجاجية إلى أن النص أو الخطاب عبارة عن روابط لغوية حجاجية. وخير من يمثل هذه المقاربة الحجاجية أوزوالد دوكرو (Ducrot)، الذي أدخل البعد التداولي ضمن الوصف اللساني، باعتباره أحد مكوناته الرئيسة إلى جانب التركيب والدلالة على غرار شارل موريس. ويعني هذا أن البعد التداولي للملفوظ يوجد في اللغة نفسها، وليس مرتبطا بسياق تلفظي ما. ومن ثم، فالعلاقات الموجودة بين الملفوظات هي علاقة حجاجية، وليست منطقية استنباطية. بمعنى أن القواعد الحجاجية هي التي تتحكم في ترابط ملفوظات النص، وتسلسلها في علاقاتها بمعانيها، وليست هي القواعد المنطقية والاستنباطية. أي: إن الروابط الحجاجية هي التي تتحكم في اتساق النص وانسجامه، كالضمائر، وحروف العطف، والأسماء الموصولة، وأسماء الإشارة، وروابط الإثبات والنفي، والاستنتاج، والاستدراك...ومن ثم، يتحقق تواصل الملفوظات عبر أفعال الكلام، وليس عبر الصفات من جهة، وفهم الملفوظ يعني فهم أسباب تلفظه من جهة أخرى. ومن ثم، اهتم دوكرو كثيرا بالروابط التعبيرية التي تخلق اتساق النص وانسجامه، واهتم كذلك بالتمفصلات اللغوية التي تساهم في خلق النص الحجاجي برهنة واستدلالا وترابطا وهيكلة.

هذا، والغرض من هذا الحجاج هو الإقناع والتأثير والتداول والتواصل والتخاطب. ومن ثم، فالحجاج فعالية تداولية جدلية دينامنيكية فعالة، وهناك نوعان من الحجاج: حجاج عادي عند البلاغيين الجدد، يستعمل آليات وتقنيات بلاغية ومنطقية.أي: مجمل الإستراتيجيات التي يستعملها المتكلم من أجل إقناع مخاطبه. وفي هذا المجال، ارتبطت البلاغة الجديدة بالحجاج ارتباطا وثيقا، فاستعملت تقنيات البلاغة في عملية الإفهام والإقناع، وقد اهتم بها كل من بيرلمان(Perelman) و أولبريشت تيتيكا(Tyteka) في كتابهما:" مصنف في الحجاج: البلاغة الجديدة" (1958م)، وقد ركز بيلمان كثيرا على مبدأين رئيسين، وهما: القصد والمقام. ويمكن الاستفادة من هذا التصور الحجاجي التقليدي، حيث يساعدنا على:" اكتساب خبرة منهاجية دقيقة في تحليل نصوص ذات طبيعة حجاجية قوية،كالنصوص القضائية والسياسية والفلسفية، بناء على تصور تفاعلي بين الذات المتكلمة والمخاطبين.وعلى الرغم من ميزات هذا التصور، فإنه يقصر الحجاج على بعض التقنيات والآليات البلاغية والمنطقية، وهو مايدفعه إلى تقسيم الخطابات إلى خطابات حجاجية ذات طبيعة إقناعية، كالمناظرات والمجادلات الدينية والفلسفية والسياسية والقانونية، وأخرى غير حجاجية. بينما يتبنى التصور التقني للحجاج تقسيما آخر تصير بمقتضاه كل الخطابات المختلفة التي تستعمل لسانا طبيعيا خطابات حجاجية بدرجات مختلفة."#

وفي المقابل، هناك حجاج لغوي يعتمد على الروابط اللغوية في عملية الإقناع والمحاججة، ويمثل هذا الاتجاه كل من أوزوالد دوكرو في كتابه:" السلالم الحجاجية " (1989م)، وأنسكومبر (Anscobre). ويسمى هذا أيضا بالحجاج داخل اللغة، وهو امتداد للمقاربة التلفظية عند إميل بنيفنست. ويتم التركيز عند دوكرو على منطق الكلام، وذلك باستكشاف القواعد الداخلية للخطاب التي تتحكم في ترابط النص وتسلسله واتساقه وانسجامه. ومن هنا، فالحجاج ليس خارجا عن اللغة أو يضاف إليها، بل هو موجود في داخل اللغة وعبرها وفي بنيتها الضمنية، كما أن الجملة كمورفيمات ومونيمات وتعابير وصيغ، بالإضافة إلى محتواها القضوي الإخيباري يمكن أن توجه للمتلقي تأثيرات إقناعية حجاجية سلبية أو إيجابية.

ومن هنا، يمكن مدارسة النص الأدبي سواء أكان سردا أم مسرحية أم نصا شعرية في ضوء المقاربة الحجاجية، عن طريق استكشاف الروابط الحجاجية اللغوية التي تتحكم في بناء النص وترابطه،مع تبيان البعد الحجاجي والإقناعي في النص، وذلك بالتشديد على السلم الحجاجي الذي يعنى بدراسة مسار الحجاج انطلاقا من قول الحجة إلى نتيـــجتها، مع تبيان طريقة التــــــلازم، و التعاقد، وسلّم التفاضل بين الحجج من حيث القوة و الضعف، و الكم و الكيف...إلخ

 النص الأدبي استلزام حواري:

ترى المقاربة التداولية والوظيفية بأن النص أو الخطاب الأدبي استلزام حواري وإنجازي. وهنا، نتحدث بطبيعة الحال عن الدلالات الصريحة والضمنية. فالاستلزام الحواري يتعلق بالدلالات الضمنية التي يستلزمها السياق الكلامي. ومن ثم، يرتبط الاستلزام الحواري بنظرية الأفعال كما هي عند أوستين وسورل. أي: ينتقل الكلام من نطاق حرفي وقضوي مباشر إلى معنى حواري استلزامي غير مباشر، ويتحكم فيه المقام أوالسياق التداولي. وللتوضيح أكثر: قد تكون معاني العبارات اللغوية صريحة، وقد تكون ضمنية. فالمعاني الصريحة هي التي تحمل محتوى قضويا، وتتوفر على القوة الإنجازية الحرفية. فهذا معنى مباشر صريح. أما المعنى الضمني فينقسم بدوره إلى قسمين: معنى عرفي يتعلق بالاقتضاء (الإحالة )، والاستلزام المنطقي(الدلالة المنطقية)، ومعنى حواري ينقسم كذلك إلى معنى خاص(الاستلزام الحواري)، ومعنى معمم. وينتج عن كل هذا وجود أنماط من الأفعال حسب أوستين، وهي: فعل التلفظ، والفعل القضوي، والفعل الإنجازي، والفعل التأثيري. ففعل التلفظ يشمل الفعل الصوتي والفعل التركيبي.أما الفعل القضوي فيتفرع إلى الفعل الإحالي والفعل الحملي. أما الفعلان الإنجازي والتأثيري فلايختلفان في مقترح سيرل عنهما في مقترح أوستين كبير اختلاف. وقد اقترح سيرل كذلك أفعالا أخرى انطلاقا من نظرية الأفعال اللغوية، وصنفها في خمس: الأفعال الحكمية(تمثل الواقع صدقا أو كذبا)، والأفعال الأمرية، والأفعال الالتزامية، والأفعال التعبيرية، والأفعال الإنجازية. بيد أن سورل يركز فقط على فعلين رئيسين، وهما:الفعل القضوي، والفعل الإنجازي.

وبناء على ماسبق، يرى كرايس أن جمل اللغة الطبيعية قد لاتدل على معانيها القضوية المباشرة والحرفية، بل تخرج إلى دلالات سياقية إنجازية. لذا، صاغ قانون التعاون بمبادئه الأربعة: مبدأ الكم، ومبدأ الكيف، ومبدأ التعبير، ومبدأ المناسبة. ومن ثم، يسمي كرايس هذا النوع من الجمل الإنجازية التي تحمل معاني سياقية ضمنية بالاستلزام الحواري. ويتحقق هذا الاستلزام حينما تخرق إحدى القواعد الأربع، مع احترام مبدإ التعاون. ويدرج كرايس هذا النوع من الدلالة في تصنيف عام للمعاني التي يمكن أن تدل عليها العبارات اللغوية. ويشرح الباحث الللغوي المغربي أحمد المتوكل ماقلناه سابقا بقوله:" تنقسم الحمولة الدلالية للعبارة اللغوية إلى معان صريحة ومعان ضمنية، وتعد معاني صريحة المعاني المدلول عليها بصفة الجملة ذاتها. في حين، تعد ضمنية المعاني التي لاتدل عليها بصيغة الجملة.
تشمل حمولة المعاني الصريحة: (أ) المحتوى القضوي (معاني مفردات الجملة مضموما بعضها إلى بعض)، و(ب) القوة الإنجازية الحرفية (القوة الإنجازية المشار لها بصيغة الجملة كالاستفهام والأمر والإخبار...).

2- المعاني الضمنية صنفان: معان عرفية ومعان حوارية (أو سياقية).

تعد معاني عرفية المعاني المرتبطة بالجملة ارتباطا يجعلها لاتتغير بتغير السياقات. في حين، تعد معاني حوارية المعاني التي تتولد طبقا للسياقات أو المقامات التي تنجز فيها الجملة. من المعاني المتضمنة عرفا المعنى المقتضى أو الاقتضاء، والمعنى المستلزم منطقيا أو الاستلزام المنطقي.

أما المعاني الضمنية المتولدة عن السياق، فهي نوعان: المعاني الناتجة عن سياق خاص والمعاني البالغة من العموم أنها لم تعد مرتبطة بسياق خاص أو بطبقة معينة من السياقات. يصطلح كرايس على تسمية هذين النوعين من المعاني الضمنية " الاستلزامات الحوارية الخاصة" و" الاستلزامات الحوارية المعممة" على التوالي."#

إذا أخذنا على سبيل المثال جملة: " هل تعيرني القلم الأحمر؟"، فالمعنى القضوي يتمثل في جمع الكلمات والمورفيمات التالية: هل-تعير- ني- القلم الأحمر. أما القوة الإنجازية الحرفية فتتمثل في الاستفهام والأداة "هل" والتنغيم. وإذا جمعنا القضوية مع الإنجاز الحرفي يتشكل لدينا المعنى الصريح من الجملة أو العبارة.

أما المعنى الضمني في الجملة، فيتألف من معنيين عرفيين، وهما: الاقتضاء (اقتضاء وجود قلم أحمر)، والاستلزام المنطقي(كون القلم ذا لون)، ومعنى حواري خاص أو استلزام حواري خاص، وهو معنى الالتماس. أي: التماس المتكلم من المخاطب أن يعيره القلم الأحمر.#
ويمكن التمثيل للاستلزام الحواري المعمم بالجملتين المنفيتين التاليتين:

1- ألم أعطك كل ماعندي؟

2- أما بلغت مرادك؟

فهاتان الجملتان، وكل الجمل التي هي من هذا النوع، تفيدان في جميع السياقات معنى الإثبات. #

ونلاحظ من كل هذا أن ظاهرة الاستلزام الحواري، كما طرحها كرايس، قد درست في إطار نظرية الأفعال اللغوية، بمعنى أن:"ظاهرة الاستلزام الحواري درست، بعد كرايس، في إطار نظرية الأفعال اللغوية على أساس أنها ظاهرة تعدد الأفعال اللغوية بالنسبة للمحتوى القضوي الواحد. يصنف سيرل الجمل، من حيث عدد الأفعال اللغوية المواكبة لها،صنفين:جملا يواكبها فعل لغوي واحد، وجملا يواكبها أكثرمن فعل لغوي واحد(فعلان لغويان في أغلب الحالات). في حالة مواكبة فعلين لغويين اثنين للجملة الواحدة، يميز سيرل بين الفعل اللغوي المباشر والفعل اللغوي غير المباشر،بين الفعل اللغوي الحرفي المدلول عليه بصيغة الجملة ذاتها والفعل اللغوي المفاد من المقام."#

وللتمثيل نختار المثال التالي:

س: لنزر سمير في حديقته هذا اليوم.

ج: علي أن أحضر درس الامتحان

يتحقق في هذا المثال فعلان لغويان: فعل لغوي مباشر، وهو إعداد الدرس استعدادا للامتحان، وفعل لغوي غير مباشر، وهو رفض الدعوة.

هذا من جهة، ويرى أحمد المتوكل من جهة أخرى بأن فلاسفة اللغة العادية لم يهتموا بجوانب أخرى من:" تداوليات اللغات الطبيعية كالجوانب المرتبطة بالبنية الإخبارية للجملة عنايتهم بالإحالة والاقتضاء والأفعال اللغوية والاستلزام الحواري. هذه الجوانب المغفلة في الدرس الفلسفي هي أنواع العلاقات الإخبارية القائمة بين مكونات الجملة. فبالإضافة إلى العلاقات الدلالية (الأدوار الدلالية) كالمنفذ والمتقبل والمستقبل والأداة، والعلاقات التركيبية كالفاعل والمفعول، تقوم بين مكونات الجملة علاقات تداولية كالمبتدإ والذيل والمنادى والمحور والبؤرة والمعطى والجديد وغيرها."#

هذا، وإذا انتقلنا إلى النص الأدبي لتحليله تداوليا، فنقوم بتصنيف العبارات اللغوية إلى عبارات صريحة المعنى، فنحدد أفعالها القضوية، وتبيان قوتها الإنجازية الحرفية. وبعد ذلك، ننتقل إلى استكشاف المعاني الضمنية سواء أكانت اقتضائية إحالية أم عرفية أم منطقية. ومن ثم، ننتقل إلى الاستلزام الحواري باستكشاف المعاني الإنجازية السياقية والمقامية سواء الخاصة منها أو العامة. ويمكن الاستعانة بالمفاهيم التي تنبني عليها التداوليات الوظيفية لاستخلاص المعاني الاستلزامية السياقية والمقامية، من خلال التركيز على الأدوار التركيبية النحوية، والأدوار الدلالية، والأدوار التداولية. زد على ذلك، يمكن تصنيف أفعال النص الأدبي إلى أفعال تلفظية، وأفعال قضوية، وأفعال اقتضائية، وأفعال عرفية، وافعال إنجازية حرفية، وأفعال إنجازية سياقية، إلخ...

 النص الأدبي حوارية تداولية وبوليفونية:

تعرف فرانسواز أرمينكو (Françoise Armengaud) الحوارية بأنها:" مكون لكل كلام، وتعرف كتوزيع لكل خطاب إلى لحظتين تلفظيتين توجدان في علاقة حالية، ويقدم المبدأ الحواري من خلال الحدود التالية: كل تلفظ يوضع في مجتمع معين لابد من أن ينتج بطريقة ثنائية، تتوزع بين المتلفظين الذين يتمرسون على ثنائية الإصاتة وثنائية العرض، على حد تعبير فرانسيس جاك، وإن كل كلام إلا وله مالكان تقريبيان، وربما كان من المضبوط القول بأن سيدة الكلام الحواري هي العلاقة التخاطبية ذاتها."#

بمعنى أن الملفوظ التخاطبي دال، مادام يتموضع في مجتمع المتحاورين والمتناظرين. وبالتالي، يمتلكون علاقات حوارية وتخاطبية. ومن ثم، تقوم الحوارية على عرض الملفوظات المتبادلة، فتترابط الحوارات الحالية مع الحوارات السابقة والحوارات اللاحقة.

علاوة على ذلك، يمكن الحديث عن أنواع من الحوارية، فهناك حوارية حجاجية فلسفية وتداولية كما عند فرنسيس جاك، وحوارية أدبية كما عند الروسي ميخائيل باختين. كما تنقسم الحوارية أيضا إلى حوارية صريحة، وحوارية مضمرة، وحوارية متعددة الأصوات.

هذا، وتحقق الحوارية مجموعة من الوظائف والأهداف:" نجد في الدرجة الأولى أنها تمنح للتلفظ طبيعة نسبية وتفاعلية. وتحكم في الدرجة الثانية عند المتكلمين- وأكثر في اللحظات التلفظية – نشاطين لايفترقان عن إرادة القول والفهم: في الدلالة والفهم،. حين، تكون العلاقة التخاطبية غير متعادلة، أو حين تكون موضوعا لنفي صراعي في الخطاب. وتحكم الحوارية في الدرجة الثالثة الدلالة العميقة للتلفظ: مادامت الآلية الإحالية والمضمون القضوي، والقوة الإنجازية للجملة في وضعية تخاطبية.

وتعد آثار الحوارية في مفهوم المتكلم هامة بصفة خاصة. إذ تلغي استقلال الفاعل المتكلم تجاه الدلالات الموصلة. ويحيل التحليل المتعالي، في علاقة بهذا، لا على الفاعل، بل على العلاقة التخاطبية نفسها."#

ومن هنا، فالحوارية تتجاوز الجملة، مادام التخاطب قائما على السؤال والجواب، وتجاوز للمتكلم إلى العلاقة التخاطبية التي تجمع بين المتكلم والمتلقي، ووجود إحالة على الأشخاص وإحالة على العالم سياقا ومقاما.

أما فيما يخص الحوارية المتعددة في الأدب، فتنبني على تعددية في الأطروحات والأفكار والإيديولوجيات ووجهات النظر، وتعدد في الرواة والسراد، وتعدد في اللغات واللهجات والأساليب، واعتماد السخرية والباروديا والتهجين والأسلبة والتناص. بمعنى أنها رواية تفاعلية نسبية، تحتكم إلى دمقرطة السرد والرؤية والإيديولوجيا.

هذا، ويعرف ميخائيل باختين الرواية البوليفونية بقوله:" إن الرواية المتعددة الأصوات ذات طابع حواري على نطاق واسع. وبين جميع عناصر البنية الروائية، توجد دائما علاقات حوارية.أي: إن هذه العناصر جرى وضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، مثلما يحدث عند المزج بين مختلف الألحان في عمل موسيقي.حقا إن العلاقات الحوارية هي ظاهرة أكثر انتشارا بكثير من العلاقات بين الردود الخاصة بالحوار الذي يجري التعبير عنه خلال التكوين، إنها ظاهرة شاملة تقريبا، تتخلل كل الحديث البشري وكل علاقات وظواهر الحياة الإنسانية، تتخلل تقريبا كل ماله فكرة ومعنى."#

وهكذا، تنبني الرواية البوليفونية على تعدد المنظورات السردية ووجهات النظر(الرؤية من الخلف- الرؤية الداخلية - الرؤية من الخارج)، بالإضافة إلى تعدد الضمائر السردية (ضمير المتكلم- ضمير المخاطب- ضمير الغائب)، وتعدد الرواة والسراد الذين يعبرون عن اختلاف المواقف الفكرية، وتعدد المواقف الإيديولوجية، واختلاف وجهات النظر تواصلا وتبليغا واقتناعا. بمعنى أن كل قصة نووية يسردها سراد مختلفون، كل سارد له رؤيته الخاصة إلى زاوية الموضوع. أي:يعطي المؤلف للشخوص الحرية والديمقراطية في التعبير عن وجهات نظرها، دون تدخل سافر من المؤلف لترجيح موقف على حساب موقف آخر، بل يترك كل شخص يدلي برأيه بكل صراحة وشفافية، فيعلن منظوره تجاه الحدث والموقف بكل صدق وإخلاص، ثم يعبر عن نظره وإيديولوجيته بكل مصداقية، دون زيف أو مواربة أو تغيير لكلامه. كأن تعبر شخصية ما عن رؤيتها الإسلامية، وتعبر شخصية أخرى عن رؤيتها الاشتراكية، وشخصية ثالثة عن الرؤية الشيوعية، وشخصية رابعة عن رؤية أرستقراطية، وهكذا دواليك. ولكن للقارىء الحق الكامل في اختيار الرؤية التي يراها مقنعة ووجيهة، دون أن يفرض عليه الكاتب أو المؤلف أو السارد المطلق رؤية معينة، وذلك عبر مجموعة من الآليات كترجيح وجهة نظر شخصية معينة، وتسفيه آراء الشخصيات الأخرى، وذلك عن طريق التقويم الذاتي والانفعالي، وإصدار أحكام القيمة.

 النص الأدبي سيــــاق:

من المعلوم أن النظرية التوليدية التحويلية مع نوام شومسكي قد أعطت أهمية كبرى للكفاءة اللغوية، وذلك على حساب الإنجاز أو القدرة التداولية، أو على حساب الاستعمال والأداء والإنجاز. ومن ثم، فالنظرية التوليدية نظرية صورية تتسم بقدر عال من التجريد والأمثلة، مادامت لاتعنى بالسياق والاستعمال الإنجازي التداولي. و" لقد جاءت البراغماتية بعد مراحل من الدراسات الصورية أو البنائية للمعنى، التي عرف بها التوليديون على وجه الخصوص، ولعل روبين لاكوف(Robin Lakof) من أوائل التوليديين الذين شككوا في إمكان دراسة المعنى معزولا عن السياق، وتحمل شهادة أحد التوليديين المعروفين بإغراقهم في التجريد على إخفاق النهج الصوري البنائي في دراسة المعنى قيمة خاصة في البرهنة على أهمية السياق، والاستخدام في تقديم تفسير سليم لعملية التخاطب."#

بيد أن النظريات اللسانية الصورية سواء أكانت بنيوية وصفية أم بنيوية تفسيرية تعرضت لمجموعة من الانتقادات الداعية إلى ربط التركيب والدلالة بالسياق الوظيفي والتداولي. وهكذا، " فمنذ السبعينيات، توالت الانتقادات للدراسات التي تجعل من الجملة وحدة للتحليل اللغوي، وزاد عزوف مختلف الباحثين عن الدراسات التي لا تأخذ في حسبانها العناصر السياقية، والجوانب التخاطبية في دراسة اللغة. فاللسانيون الاجتماعيون بدأوا يرفضون فكرة المتحدث المثالي عند تشومسكي، وشبيه بهذا ما فعلته اللسانيات النصية، وتحليل الخطاب حين رفضتا قصر الدراسات اللسانية على ما يسمى بنحو الجملة ؛ متأثرين في ذلك ببعض الوظيفيين من أمثال: فيرث، وهاليداي، وميتشال (Mitchell) الذين بلغت شهرتهم أوجها في الخمسينيات".#

هذا، ويذهب كل من براون ويول في كتابهما:" تحليل الخطاب" (1983م) إلى أن محلل النص ومؤوله عليه أن يراعي مجموعة من العناصر المهمة في عملية التداول، وهي: المتكلم، والمخاطب، والسياق الذي تبلور فيه النص بمعرفة الزمان والمكان، وقد يؤدي القول الذي قيل في سياقين مختلفين إلى تأويلين مختلفين. ويعني هذا أن السياق يتحكم في بنية التأويل الخطابي. ويرى هايمس بأن السياق له وظيفة مزدوجة تتمثل في تقييد مجال التأويل، ودعم التأويل المقصود.كما صنف هايمس السياق إلى العناصر التالية: المرسل، والمتلقي، والحضور (المستمعون الآخرون)، والموضوع، والمقام (زمان الحدث التواصلي ومكانه)، والقناة، والنظام(اللغة أو اللهجة...)، وشكل الرسالة، والمفتاح (هل كانت الرسالة موعظة حسنة، شرحا مثيرا للعواطف؟...)، والغرض. أما ليفيس فيحصر السياق في العناصر التالية:العالم الممكن، والزمان، والمكان، والحضور، والشيء المشار إليه، والخطاب السابق، والتخصيص#.

زد على ذلك، فالسياق يقوم بدور هام في تحقيق اتساق النص وانسجامه. وفي هذا الصدد، يقول محمد خطابي:" إن الخطاب القابل للفهم والتأويل هو الخطاب القابل لأن يوضع في سياقه، بالمعنى المحدد سلفا، إذ كثيرا ما يكون المتلقي أمام خطاب بسيط للغاية (من حيث لغته)، ولكنه قد يتضمن قرائن (ضمائر أو ظرفا) تجعله غامضا غير مفهوم بدون الإحاطة بسياقه. ومن ثم، فإن للسياق دورا فعالا في تواصلية الخطاب وفي انسجامه بالأساس. وماكان ممكنا أن يكون للخطاب معنى لولا الإلمام بسياقه."#

ويعني هذا أن النص الأدبي لايمكن أن يبقى منغلقا على ذاته، منطويا على بنياته السيميائية أو الصورية المجردة، بل عليه أن ينفتح على العوالم السياقية المتعددة الدلالات، بمعنى أن النص لابد أن يخضع لمبدإ التأويل السياقي، وذلك من خلال الانفتاح على السياق النصي الداخلي، والسياق الخارجي المتعدد الأبعاد. وعليه أن يبين أنواع السياق التي تتحدد – حسب باريت(Parret) في: السياق النصي (تجاوز الجملة إلى سياق الخطاب)، والسياق الوجودي (الإشارة إلى أشياء العالم الخارجي)، والسياق المقامي (مجموعة من السياقيات الموقفية والاجتماعية والزمانية والمكانية والمؤسساتية)،وسياق الفعل(سياق نظرية الأفعال اللغوية)، والسياق النفسي(إدماج الحالات الذهنية والنفسية). ولايكتفي الناقد بهذا، بل لابد من إبراز عناصر السياق التي تتمثل في: المرسل، والمرسل إليه، والعناصر المشتركة بينهما من معرفة مشتركة( معرفة عامة بالعالم، ومعرفة بنظام اللغة،ومعرفة بالزمان والمكان...)، وعلاقة اجتماعية تفاعلية سواء أكانت علاقة حميمية أم رسمية (علاقة سلطة). ولا ننسى أن نحدد إستراتيجيات الخطاب التي تربط الخطاب بالمقام السياقي. ومن بين هذه الإستراتيجيات، نذكر: الإستراتيجية التوجيهية، والإستراتيجية التضامنية، والإستراتيجية التلميحية، وإستراتيجية الإقناع. وتستند هذه الإستراتيجيات إلى عاملين رئيسن، وهما: السلطة والمقصدية.

ولا ننسى أن يحدد الناقد التداولي حين التعامل مع الخطاب الأدبي القدرة الكفائية التي يمتلكها صاحب النص أو الخطاب الأدبي، وتتمثل هذه القدرات حسب فان ديك في خمس ملكات رئيسة، وهي: الملكة اللغوية(إنتاج عبارات لغوية متعددة في سياقات موقفية معينة)، والملكة المنطقية ( توظيف معارف قائمة على الاستدلال الاستنباطي أو الاستقرائي أو الاحتمالي)، والملكة المعرفية (استثمار المعرف المنظمة في تأويل العبارات اللغوية المنتجة)، والملكة الإدراكية (إدراك المحيط، واستثمار معارف المحيط في إنتاج العبارات اللغوية)، والملكة الاجتماعية(تعني أن المتكلم على دراية تامة بما يقوله، بل يعرف كذلك كيف يستعمل مايعرفه من جمل ومعارف في سياق تواصلي معين)#.

وهناك قوالب خطابية تتلاءم جدليا مع كل ملكة كفائية، وتتعلق بالقدرة اللغوية من جهة، والسياق من جهة أخرى، فيوجد القالب اللغوي (الملكة اللغوية)، والقالب المنطقي(الملكة المنطقية)، والقالب المعرفي(الملكة المعرفية)، والقالب الإدراكي(الملكة الإدراكية)،والقالب الاجتماعي(الملكة الاجتماعية)، وهناك مقترح بإضافة قالب سادس، وهو القالب الشعري الذي يتناسب مع الملكة الشعرية(رصد الملكة الشعرية لدى مستعملي اللغة الطبيعية، ويمكنهم من إنتاج وفهم ما يسمى بالخطاب الشعري أو الفني بوجه عام)، وقد أضافها الباحث اللغوي المغربي أحمد المتوكل، بل هناك من أضاف قالبا سابعا، وهو الباحث المغربي عزالدين البوشيخي، ويسمى بالقالب التخييلي الذي يتناسب مع الملكة التخييلية(رصد الملكة التخييلية لدى مستعملي اللغة الطبيعية، ويمكنهم من إنتاج وفهم ما يسمى بالخطاب التخييلي أدبا وفنا)#. بيد أن مايلاحظ على هذه القوالب أنها قد تكون جميعها مجتمعة في الخطاب، أو قد لا نجد في الخطاب سوى قالب واحد أو قالبين..

 النص الأدبي إحالــــة:

من المعلوم أن النص أو الخطاب الأدبي إحالة مرجعية وسياقية ومقامية وتداولية، فلا يمكن فهم الملفوظ النصي أو الخطاب باعتباره كلية عضوية متسقة ومنسجمة إلا إذا راعينا مفهوم الإحالة النصية والمقامية والسياقية. وقد تحدث هاليداي وحسن في كتابهما:" الاتساق في اللغة الإنجليزية" (1976م) عن الإحالة كثيرا، واعتبرا الإحالة مظهرا من مظاهر اتساق الخطاب اللغوي. ومن ثم، " يستعمل الباحثان مصطلح الإحالة استعمالا خاصا، وهو أن العناصر المحيلة كيفما كان نوعها لاتكتفي بذاتها من حيث التأويل، إذ لابد من العودة إلى ماتشير إليه من أجل تأويلها. وتتوفر كل لغة طبيعية على عناصر تملك خاصية الإحالة، وهي حسب الباحثين: الضمائر، وأسماء الإشارة، وأدوات المقارنة. تعتبر الإحالة علاقة دلالية. ومن ثم، لاتخضع لقيود نحوية، إلا أنها تخضع لقيد دلالي، وهو وجوب تطابق الخصائص الدلالية بين العنصر المحيل والعنصر المحال إليه."#

وتنقسم الإحالة إلى إحالة مقامية، وهي إحالة إلى خارج النص، وإحالة نصية لها علاقة وثيقة بالداخل النصي. وتنقسم الإحالة النصية بدورها إلى إحالة قبلية تحيل على سابق ما، وإحالة بعدية تحيل على لاحق ما. ويرى هاليداي ورقية حسن بأن الإحالة المقامية:" تساهم في خلق النص، لكونها تربط اللغة بسياق المقام، إلا أنها لاتساهم في اتساقه بشكل مباشر"#،بينما تقوم الإحالة النصية بدور هام في اتساق النص وترابطه تماسكا وانسجاما.

 النص الأدبي والتأويل السياقي:

يتضمن النص أو الخطاب الأدبي عوالم غامضة من الدلالات العائمة والأفكار الضمنية التي تختفي وراء متاريس مجازية وإيحائية. ومن هنا، يتميز النص الأدبي عن الأقوال العادية بقوالب شعرية وتخييلية، ويتسم أيضا بقوة الانزياح والخرق والترميز والأسطرة والكثافة البلاغية المعقدة والمتشابكة. وهذا يحتاج إلى قارىء ومحلل وناقد تأويلي يفكك الدلالات في ضوء مقاصدها وسياقاتها الوظيفية. وبالتالي، يتقيد بمبدأ التأويل المحلي الذي قال عنه محمد خطابي في كتابه:" لسانيات النص" (1991م):" يرتبط هذا المبدأ بما يمكن أن يعتبر تقييدا للطاقة التأويلية لدى المتلقي باعتماده على خصائص السياق، كما أنه مبدأ متعلق أيضا بكيفية تحديد الفترة الزمنية في تأويل مؤشر زمني مثل:" الآن"، أو المظاهر الملائمة لشخص محال إليه بالاسم " محمد" مثلا. ويقتضي هذا وجود مبادىء في متناول المتلقي تجعله قادرا على تحديد تأويل ملائم ومعقول... في مناسبة قولية معينة.إن أحد هذه المبادىء هو التأويل المحلي الذي يعلم المستمع بألا ينشىء سياقا أكثر مما يحتاجه من أجل الوصول إلى تأويل ما؛ فبهدف تقييد التأويل، يضطر المتلقي إلى اعتبار ماتقدم خاصة (وهو ما يسمى في اصطلاح ليفيس " الخطاب السابق")."#

ويعني كل هذا أن الدارس للنص الأدبي لابد من مراعاة المقصدية والسياق والإحالة في عملية التأويل إن تفكيكا وإن تركيبا. ومن الذين دافعوا عن التأويل السياقي والإحالي نذكر: الفيلسوف الفرنسي بول ريكور الذي تجاوز ثنائية فرديناند دوسوسير: الدال والمدلول، لينفتح على المرجع. ويعني هذا أن اللسانيات البنيوية والسيميائيات قد أقصت من حسابها الإحالة أوالمرجع، بينما سيميوطيقا بول ريكور أعادت لها الاعتبار؛ لأن المؤول لاينبغي أن يقف عند حدود التفسير العلمي للواقعة النصية، فلا بد أن يقرأ النص قراءة ذاتية من أجل فهم الذات، وفهم الغير، وفهم العالم الخارجي لتأسيس هويته الشخصية. ومهما كان النص تخييليا أو علاماتيا أو رمزيا، فإنه ينقل عبر استعاراته ولغته ومخياله العالم الخارجي، أو المعطى الواقعي المادي محاكاة وتماثلا وتقابلا. ومن ثم، تضع سيميوطيقا ريكور تقابلا بين البنيوية باعتبارها علما لعالم مغلق من العلامات، والهيرمونيطيقا كمقاربة تأويلية تفسيرية للمرجع اللغوي في علاقته بالعالم والسياق الوظيفي.

 النص الأدبي بين المعنى الحرفي والمعنى السياقي:

من المعلوم أن النصوص والخطابات تتأرجح بين المعاني الحرفية القائمة على التقريرية والمباشرة والتعيين، والمعاني السياقية المبنية على التضمين والإيحاء والاقتضاء والاستلزام الحواري والإنجازي. بمعنى أن النص قد يحتوي على ملفوظات وجمل دلالية تحمل مضامين قضوية إخبارية تنقل العوالم الذاتية والموضوعية الكائنة والممكنة بطريقة حرفية مباشرة، وقد توجد مجموعة من المعاني، وخاصة في النصوص الإبداعية، تحمل في طياتها أبعادا سياقية وتداولية وإنجازية تحتاج إلى تأويل واستكشاف وظيفي. وقد ميز سورل (Searl)في كثير من كتاباته التداولية بين المعنى الحرفي والمعنى السياقي المرتبط بالمقام والسياق والإحالة. وفي هذا النطاق، تقول فرانسواز أرمينكو في كتابها:" المقاربة التداولية" (1985م):" يعمل المعنى الحرفي والمعنى السياقي على مشكل الحدود بين الدلالة والتداولية،من خلال الاختلاف بين فكرة المعنى الحرفي والسياق المنعدم، لقد دعم سيرل فيما يخص هذه النقطة أطروحات متطرفة ظاهريا.إذ يقوم أساس ما يقول به سيرل على شروط تطيبيق مفهوم المعنى الحرفي. ويدعمه كون المعنى الحرفي لجملة ما، لايعني عدم وجوده، بل نسبيته، بالنسبة لتصعيدات سابقة، يطلق عليها التصعيدات السياقية، وذلك خارج كل مايعترف به عادة، في خضوعه للسياق.أي: الإشارية، إلخ. ويقوم غرض سيرل على الطرح موضع تساؤل للفكرة التي يمكن بها، بالنسبة لكل جملة إدراك المعنى الحرفي لهذه الجملة، في استقلال عن بعض السياقات، كيفما كانت. وندعم كون مفهوم المعنى الحرفي لجملة ما، لايجد تطبيقه عامة، إلا بالنسبة لمجموع التصعيدات السياقية القبلية... ويعبر عن المفهوم الذي سأركز عليه في بعض الأحيان، بقولنا بأن المعنى الحرفي للجملة ما هو المعنى الذي نجد لهذه الجملة، في سياق الصفر، أو في سياق منعدم. وتقوم الإستراتيجية المتبعة عند سيرل على اعتبار الجمل، التي يظهر أنها تكون حالات مسعفة للفكرة، التي يكون المعنى الحرفي بموجبها مستقلا عن السياق، وتوضيح نسبية تطبيق مفهوم المعنى لجملة ما، في كل حالة، فيما يخص تصعيدات سياقية."#

وتأسيسا على ماسبق، فقد ميز سورل (Searle) بين اللغة العادية واللغة الانزياحية كما في كتابيه:" التعبير والمعنى" وكتاب:"المقصدية". وإذا كانت اللغة العادية لغة تحيل على الواقع، فإن اللغة الانزياحية تسبب التشويش، كالمسرح والرواية. ومن ثم، فاللغة العادية تقوم على مجموعة من أفعال الكلام، وقد حصرها في أنواع خمسة: الإخبار بحيث تبلغ مخاطبك خبرا صادقا أو كاذبا، والأمر بحث تحاول أن تجعل مخاطبك ينفذ أمرا ما، والالتزام بحيث يلتزم المتكلم بفعل شيء ما، والتصريح بحيث يصرح المتكلم بإحداث تغييرات على العالم المتحدث عنه، والتعبير الانفعالي بحيث يكون الحديث عن الأحاسيس والمشاعر تجاه الذات أو الموضوع. بيد أن الصدق في الكلام العادي يختلف عن الصدق في مجال الأدب. وقد وضع سورل قواعد شروط النجاح التداولي في أنواع ثلاثة: الشروط التحضيرية كامتلاك الأهلية، والكفاءة السياقية، والسلطة العليا، وشروط الصدق بمعنى ألايقول المتكلم إلا ماهو مؤمن به، ويعتقده عن صدق وإخلاص، والشروط الجوهرية التي تتلخص في صدق المقاصد والنيات، كأن لايقول المتكلم ما يناقض معتقداته ورغباته#.

وهكذا، فعندما نريد تحليل النصوص والخطابات، ولاسيما الأدبية منها، لابد من التمييز بين المعاني الحرفية ذات الطابع الخبري والقضوي، والمعاني السياقية التي ترتبط بسياقها الوظيفي والإنجازي. ويعني هذا أنه لابد من الانتقال من مستوى الدلالة إلى مستوى التداول لتفكيك الجمل، واستكشاف أبعادها الوظيفية والسياقية مقاما وزمانا ومكانا، وهذا يشبه بشكل من الأشكال ما يسمى بالاستلزام الحواري. ويعلم الكل أن النصوص الشعرية طافحة بالصور البلاغية المجازية والمعاني الإيحائية، وهي تترابط شعريا بسياقاتها الإحالية والمقامية والنصية والوظيفية، وما على الناقد إلا استجلاؤها وتحليلها وتبيان وظائفها السياقية والمقامية.

5- المقاربة التداولية في العالم العربي:

يمكن الحديث عربيا عن مجموعة من الدارسين والباحثين الذين اهتموا بتداوليات النص والخطاب الأدبي، بشكل من الأشكال، ومعظم هذه الدراسات أنجزها باحثون مغاربة وجزائريون وتونسيون، ومن بينهم: محمد مفتاح الذي تحدث عن بعض المفاهيم التداولية في كتابه:" في سيمياء الشعر القديم#" كالمقصدية عند حازم القرطاجني، والمعاني الجمهورية، والوضوح، واحترام العقدة بين المتكلم والمخاطب، وهي ما يسميه التداوليون بمبدإ التعاون، بما يعنيه من قواعد: الكمية (الاستقصاء)، والكيفية (الصدق)، والعلاقة، والجهة. وقد اعتمد محمد مفتاح في ذلك على تصورات حازم القرطاجني#، وفرانسوا ريكاناتي#، وأوزوالد دوكرو الذي عرف مبدأ الكمية بقوله:" إن هذا القانون يحتم على المتكلم أن يعطي، على الموضوع المتحدث عنه، المعلومات الأساسية التي يمتلكها، والتي من شأنها أن تفيد المخاطب"#

كما خصص محمد مفتاح البعد التداولي بالفصل السابع في كتابه:"تحليل الخطاب الشعري"، حينما تحدث عن التفاعل بين المتكلم والمخاطب. ومن ثم، فقد ذكر بعض التيارات التداولية، وهي: تيار موريس، وتيار فلاسفة أكسفورد، وتيار التوليديين، وتيار السرديين. ومن هناك، فقد اهتم تيار موريس بذاتية اللغة والبعد التوصلي والسياقي، كما عند بنيفنست، ولاينس، وأرويكشيوني، وتم التركيز على المعينات، والزمان، والمكان، وتعابير الجهة، وألفاظ العاطفة و التقويم #. أما تيار فلاسفة أكسفورد، فيهتم بدراسة أفعال الكلام، ومن أشهر أعضاء هذا التيار: أوستن وسورل، فقد ميزا بين الأقوال الخبرية والاقوال الإنجازية (الأمر- الوعد- التصريح- والمنع- والحث- والتحريض- والنهي- والردع-...). وقد تم الإشارة إلى قواعد المحادثة عند كرايس، وقوانين الخطاب عند دوكرو وشروط النجاح عند سورل.. أما تيار التوليديين، فقد ركز على النص في علاقته بالسياق، ويمثله كل من: أوهمان صاحب كتاب:" الأدب كفعل"، وفان ديك في دراسته:" السياق التداولي: النص كأفعال كلامية"، وأشار إلى تيار آخر، سماه بتيار السرديين الذي اهتم بمنطق السرد كما هو الحال عند السيميائيين الذين يمثلهم: كريماص.
ومن جهة أخرى، فقد اهتم أحمد المتوكل بالبعد التداولي التوليدي في العديد من كتبه، ولاسيما في كتابه:" الوظائف التداولية في اللغة العربية" (1985م)، و" اللسانيات الوظيفية، مدخل نظري" (1987م)، متأثرا في ذلك بفان ديك، وهاليداي على سبيل التمثيل، وقد ركز في مشروعه الوظيفي على الأدوار النحوية، والأدوار الدلالية، والأدوار التداولية.

ونذكر كتابا تداوليا آخر يندرج ضمن لسانيات الخطاب ألا وهو كتاب:" لسانيات النص" (1991م) لمحمد خطابي، الذي تحدث فيه صاحبه عن مبدأي: الاتساق والانسجام، وذلك في ضوء تصورات لسانيات الخطاب، ومنظور الذكاء الاصطناعي، وتصورات التداولية الخطابية والسياقية كما عند: فان ديك، وهاليداي، وحسن رقية، وبراون، ويول، وجري سميت، وروجي شانك، دون أن ينسى محمد خطابي المساهمات العربية في مجال الاتساق والانسجام. وبعد ذلك، اتخذ قصيدة أدونيس:" فارس الكلمات الغريبة" مطية للتحليل وتطبيق لسانيات النص بجل أبعادها النصية والخطابية والتداولية والسياقية#.

ونستحضر من الشرق العربي كتابا قيما تحت عنوان:" إستراتيجية الخطاب، مقاربة لغوية تداولية" للباحث السعودي عبد الهادي بن ظافر الشهري (2004م)#، حيث يتناول فيه مفهوم المنهج التداولي وإستراتيجية الخطاب، من خلال التشديد على الخطاب والسياق،وذكر العوامل المؤثرة في هذه الإستراتيجية كالسلطة والمقاصد. وبعد ذلك، يتطرق الكاتب إلى أنواع الإستراتيجيات، فيصنفها إلى: الإستراتيجية التوجيهية، والإستراتيجية التضامنية، والإستراتيجية التلميحية، وإستراتيجية الإقناع، وختم كتابه بذكر آليات الإقناع والحجاج على حد سواء.
وعلى العموم، يمكن القول - بشكل عام ومختصر- بأن الدراسات التداولية تنظيرا وتطبيقا قد ازدهرت في المغرب العربي (المغرب، والجزائر، وتونس تحديدا)بشكل لافت للانتباه، حيث انطلقت هذه الكتابات النظرية والتطبيقية من خلفيات معرفية متنوعة، وذلك من حيث المصادر والمراجع والتصورات والرؤى، سواء أكانت تلك المرجعيات والخلفيات فرانكفونية، أم أنكلوسكسونية، أم عربية قديمة وحديثة ومعاصرة.

5- تقويـــم المقاربة التداولية:

لا أحد ينكر إيجابيات المقاربة التداولية في مقاربة الخطاب أو النص الأدبي؛ لأنها تساعدنا على فهم النص فهما عميقا من خلال ربط الدلالة بالوظيفة السياقية والأداء الإنجازي. فلايمكن تأويل النص الأدبي مهما كان هذا النص إلا بالاستعانة بالإحالة النصية والمقامية والسياقية، والانفتاح على المقصدية، وأفعال الكلام، وفهم حواريته الصريحة والمضمرة والبوليفونية النصية، دون أن ننسى أنه من الضروري بمكان دراسة النص الأدبي باعتباره تلفظا سياقيا، وملفوظا حجاجيا لغويا من الداخل، وينبغي كذلك الانتقال من المعاني الحرفية إلى المعاني المجازية تأويلا واستكشافا وتشريحا. ويعني كل هذا أن المقاربة التداولية متكاملة إلى حد ما، مادام يترابط فيها التركيب النحوي بالدلالة والوظيفة السياقية والمقامية. لكن على الرغم من ذلك، فثمة مجموعة من السلبيات من جهة أخرى، فالمقاربة التداولية طبقت على اللغة الطبيعية العادية الواضحة من حيث ملفوظاتها اللغوية، ولم تطبق على اللغة الأدبية والشعرية التي تتميز بالبعد الإيحائي والتشويش الدلالي كما في الشعر والمسرح والرواية. كما أن المقاربة التداولية في عمومها تعاملت نظريا وتطبيقيا مع الجملة أكثر مما تعاملت مع النص أو الخطاب. لذا، فصعوبات الخطاب التطبيقية أعوص من تطبيقات الجملة. وفي هذا، يقول الدكتور محمد مفتاح:" إننا لم نصل بعد إلى مبادىء قارة للتحكم في استعمال اللغة بكيفية ناجعة وناجحة لضبط حساب تأويل مانتلقاه، كما توصل اللسانيون إلى وضع قواعد تركيبية وصوتية. وإذا كان هذا العجز على مستوى استعمال اللغة بكيفية عادية، فإنه أدهى وأمر على مستوى استعمالها بكيفية أدبية. وهذا ما أدركه كثير من اللسانيين وفلاسفة اللغة، فلذلك نادى بعضهم بإخراج اللغة الأدبية من الدراسات اللسانية مؤقتا.

إن أهم من دعا إلى هذا:" أوستن"، ولانستغرب موقفه ؛ لأن منطلقه كان هو تحليل اللغة العادية، وليس اللغة الشعرية التي هي- في نظره- غير جدية وغير عادية ومشوشة، لاترجع إلى الأفعال بالكلام، يقول:" إن المقال الإنجازي سيكون فارغا أو خاليا إذا نطق به ممثل على الخشبة أو أدمج في نص شعري..." #

كما ميز سورل بين اللغة العادية الواضحة واللغة الأدبية المشوشة، أو بين اللغة التي تحيل على الواقع، واللغة التي تتمرد عنه، مفضلا اللغة العادية الخاضعة لمعايير معنوية وتداولية معينة. وقد اعتبر استعمال مقاييس اللغة العادية في المجال الأدبي ليست بحقيقة، وإنما هي ادعاءات أوإيهامات بالفعل الكلامي... " فالمتكلم ليس ملزما بصدق إخباره الأدبي مثلما هو ملزم بصدق إخباره العادي، وقول سورل هذا هو الخلاصة التي انتهى إليها كثير من الباحثين في الخطاب الأدبي."#

بيد أن محمد مفتاح له تصور مخالف في ذلك، ونحن نؤيده في ذلك كل التأييد، فهو يرى أنه من الممكن دراسة الخطاب الأدبي في ضوء نظرية الأفعال الكلامية، وفي ضوء التصورات التداولية؛ لأن النص الأدبي فيه قسط من الواقع وقسط من الخيال. وفي هذا السياق، يقول محمد مفتاح في كتابه:" تحليل الخطاب" (1985م):"إن هذا الإجماع لايمنع من مناقشة بعض الأفكار الواردة في برهنتهم، مثل: المقابلة بين الادعاء/ الواقع، وبين العادي/ اللاعادي وغيرهما، فهي ليست متقابلات متناقضة، إذ قد يكون بين المتقابلين طرف محايد. كما أن برهنة سورل لم تشمل جميع الأنواع الخمسة (الفعل الإخباري، والفعل الأمري، والفعل الالتزامي، والفعل التصريحي، والفعل البوحي الشعوري)، وإنما ضرب مثلا للإخبار والالتزام، وقد نسلم له بما قاله في المثلين من ادعاء، ولكننا لانسلم له بأن النوع التعبيري فيه ادعاء، بل يمكن القول إنه واقعي في كل استعمالات اللغة وبخاصة في الشعر، وهذا ما أثبتته دراسات كثيرة جعلت الوظيفة الاتفعالية أو التعبيرية من بين الوظائف الأساسية للغة، فالوظيفة الانفعالية أو التعبيرية هي جوهر الشعر الذي هو عبارة عن توجع وآهات إلى حد كبير. فهناك خلط،إذاً، يضاف إليه غموض آخر نجده في التفرقة بين الخيالي/ اللاخيالي، ودلالة الكلمات في كل منهما، فهي ليست لها الدلالة العادية في الخطاب الخيالي، إن هذه الثنائية مجحفة أيضا، فالخطاب الخيالي يكون محتويا بلاشك على قسط واقعي، وعلى هذا، فإن هناك في النص الأدبي مايحكم بقواعد الخطاب الواقعي، ومنه مايتمرد عليها، وقد يتجلى خرق العادة اللغوية في أنواع أدبية خاصة، مثل: الأدب الفانتازي، وأدب الغرائب والعجائب، وفي بعض النصوص الشعرية الحديثة.

ومهما يكن، فإن هذا الجيل من فلاسفة اللغة أبعد البحث في الأدب مؤقتا، ولكن سورل بدأ ينفتح عليه أخيرا بوضع مفاهيم إجرائية مفيدة لدراسة النص الأدبي، وبخاصة في كتابه:" المعنى و التعبير" و" المقصدية"، كما نجد لدى كرايس مفهوم التضمن الذي يتيح الفرصة للبحث عن التشاكل الجامع، وترابط الكلام بعضه ببعض، على الرغم مما يعترضه من انقطاعات وثغرات."#

علاوة على ذلك، لاتعنى المقاربة التداولية كثيرا بالجمالية الفنية، ولاتركز اهتمامها على أدبية النص في حد ذاتها، بغية تعميق الفهم في الآليات التي تتحكم في بناء النص الأدبي، كما لاتعنى هذه المقاربة بالعواطف والانطباعات والذوق الأدبي.

وعل الرغم من هذه الاتقادات، تبقى التداولية أو الذرائعية – كما يسميها البعض- مقاربة شبه متكاملة، فقد استطاعت أن تسد ثغرة اللسانيات الموجودة، كاللسانيات الوصفية واللسانيات التفسيرية بإضافة البعد التداولي إليها. وقد عملت التوليدية التحويلية مع نوام شومسكي بإضافة القدرة التداولية إلى القدرة الكفائية على مستوى التصور النظري والتطبيقي. ولهذا، " ظهرت دراسات مختلفة منها (على سبيل المثال لا الحصر) محاولات ستيفن ليفنسون في كتابه:"التداوليات". فهو يرى أن نقص التركيز على الجانب التبادلي يفضي إلى عجز اللسانيات عن تبرير الجانب الاتصالي للغة، خاصة أن نظرية علم المعاني لا تعيننا كثيرا على فهم اللغة. من هذا المنطلق، أصبحت الذرائعية أو التبادلية جزءا ثالثا في الدراسة اللسانية.أما في الدراسات الأدبية، فقد ركزت الذرائعية على سمة الأدب الاتصالية انطلاقا من أن الاتصال عموما لا يكتمل دون أخذ الأدب وسياقه في الاعتبار، كما أن دراسة الأدب لاتكتمل دون الأخذ في الاعتبار توظيف الأدب لمصادر الاتصال المختلفة.إن أبعاد مثل هذا الطرح لاشك مثرية، فالأدب لم يعد نصا مغلقا أو بنية شكلية معزولة عن سياقها، بل إن هذا الاتجاه أعاد إلى الدرس الأدبي الصلة القديمة بين الخطابة والشعرية. ولهذا، فإن الدراسة الذرائعية/ التبادلية للأدب تسعى إلى اكتشاف التقنيات العملية في النص (الإيحاء، والافتراض المسبق، والإقناع)، وربطها بالقوى الخارجية في عالم الكاتب والقارىء، مثل: علاقات القوى والتقاليد الثقافية، وأنظمة النشر والتوزيع والرقابة، وهلم جرا. ويبقى التركيز في كل هذا على صلات الاتصال والتفاعل الخاصة والدقيقة الفعلية."#

وهكذا، فلا يمكن للنقد الأدبي أن يحقق نجاعته الكفائية والتقنية إلا بتمثل المقاربة التداولية التي تجمع بين ثلاثة عناصر متكاملة، ألا وهي: النحو، والدلالة، والوظيفة.

خلاصات واستنتاجات:

وهكذا، نستنتج بأن المقاربة التداولية هي التي تدرس النص في سياقها التخاطبي والتفاعلي والتحاوري، وذلك بالتركيز على أفعال الكلام، وعمليات التخاطب والتفاعل، والتشديد أيضا على الإحالة، والسياق، والمقصدية، والوظيفة، والتأويل، والاستلزام الحواري... بيد أن المقاربة التداولية من الصعب جدا تطبيقها بكل سهولة ويسر على النص الأدبي التخييلي؛ نظرا لتمرده عن المعيار، واتسامه بالتخييل، والانزياح، والتشويش، والخرق، ومجانبة الحقيقة والصدق الواقعي، كما يعترف بذلك التداوليون أنفسهم كسورل وأوستين وكرايس وغيرهم كثير...، إلا أن هناك بعض الباحثين من يرى عكس ذلك، كالباحث المغربي محمد مفتاح، أنه بالإمكان تطبيق مفاهيم المقاربة التداولية على النص الأدبي مادام يتأرجح بين الواقع والتخييل، كما أن نظرية الأفعال الكلامية يمكن استعمالها في مجال الأدب والنقد، ويمكن تشغيل غيرها من المفاهيم الوظيفية، وخاصة في مجال المسرح والسرديات.

ومهما تكن من تصورات مختلفة حول إمكانية تطبيق المقاربة التداولية في مقاربة النص الأدبي، فإن هذا النص الخيالي والفني والخيالي قد استفاد – فعلا- من آليات المقاربة التداولية ولسانيات النص استفادة كبيرة، لايمكن إنكارها بأي حال من الأحوال، على الرغم من صعوبتها النظرية والتطبيقية، كما لا يمكن إطلاقا غض الطرف عن أهميتها، أو الحط من قيمتها، وتتمثل هذه الاستفادة بكل جلاء في كون المقاربة التداولية تنظر إلى النص الأدبي خطابا، ووظيفة، وسياقا، وإحالة، وتأويلا، وحجاجا، وإقناعا، وتلفظا، واتساقا، ومقصدية، وتخاطبا، وتفاعلا، واستلزاما حواريا. وبالتالي، فالنص الأدبي في جوهره يتأرجح بين المعاني الحرفية والمعاني المجازية السياقية، ويجمع بين الأدوار النحوية والأدوار الدلالية والأدوار التداولية، وينتقل في سلمه التعبيري والحجاجي من التركيب والدلالة إلى التداول السياقي والمقامي.

المصادر والمراجع:

1- د.أحمد المتوكل: اللسانيات الوظيفية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 2010م.

2- أريكشيوني: فعل القول من الذاتية في اللغة، ترجمة: محمد نظيف، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2007م.

3- ترنس هوكس: (مدخل إلى السيمياء)، مجلة بيت الحكمة،المغرب، العدد5، السنة الثانية، سنة 1987م.

4- تزفيطان تودوروف: الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1987م.

5- جون أوستين: نظرية أفعال الكلام العام، ترجمة: عبد القادر قينيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.

6- حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تونس، طبعة 1966م.

7- د. حسين الواد: في مناهج الدراسات الأدبية، منشورات الجامعة، المغرب، الطبعة الثانية، سنة 1985م.

8- د.حافظ إسماعيل علوي: اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2009م.

9- د.رضوان الرقبي: (الاستدلال الحجاجي التداولي وآليات اشتغاله)، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد2، المجلد 40، أكتوبر- ديسمبر 2011م.

10- د.عبد الهادي بن ظافر الهشري: إستراتيجية الخطاب،دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، سنة 2004م.

11- فيليب هامون: سيميولوجية الشخصيات، ترجمة: سعيد بنكراد، دار الكلام، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1990م.

12- فرانسواز أرمينكو: المقاربة التداولية، ترجمة: د.سعيد علوش، المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى سنة 1987م.

13- فان ديك: النص والسياق، ترجمة: عبد القادر قينيني، أفريقيا الشرق، الدرالبيضاء، الطبعة الأولى سنة 1999م.

14- د. عبد المجيد نوسي: التحليل السيميائي للخطاب الروائي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2002م.

15- د.محمد خطابي: لسانيات النص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1991م.

16- د. محمد الحناش: البنيوية في اللسانيات، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1980م.

17- محمد مفتاح: في سيمياء الشعر القديم،دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1989م.

18- د. محمد محمد يونس علي: مدخل إلى اللسانيات، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2004م.

19- د.ميجان الرويلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية 2000م.

20- ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.