الربيع العربي والنخبة الحداثية

، بقلم عبد الغني حسني

يهتم المحللون والباحثون في الآونة الأخيرة بدراسة الآثار السياسية والاقتصادية للربيع العربي وما أفرزته أولى الانتخابات فيه من صعود الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في بعض البلدان العربية التي أنجزت ثورتها أو تحولها الديمقراطي، في انتظار أن تلتحق بها قوى مماثلة في بلدان حديثة العهد بالثورة أو ما زالت ثورتها لم تكتمل.

غير أن قلة من هؤلاء يهتمون بآثار هذه التحولات ودلالاتها الثقافية. إذ أن علينا أن نقرر أن ما جرى بهذه البلدان ليس مجرد حدث سياسي، يتمثل في صعود أحزاب سياسية، بل هو أيضا حدث ثقافي، أقل دلالاته تكمن في كشف عورة نخبة، تصف نفسها بالحداثية، فرضت هيمنتها على الحياة الثقافية بهذه البلدان لفترة زمنية طويلة.

فقد عرف العالم العربي من محيطه إلى خليجه، ومنذ ما يزيد عن ستة عقود من الزمن، تصاعد خطاب يصف نفسه بالحداثي، لم يكف عن الدعوة إلى إعادة تشكيل الثقافة العربية وبنائها على أساس يحل فيه العقل البشري والقيم الكونية المتمثلة خاصة في الحريات الفردية، محل الدين والخصوصية، اللذين أصبحا، في نظر كثير من هؤلاء، عائقين من عوائق تحديث هذه المجتمعات.

وأثير نقاش طوال هذه المدة حول حدود الحريات الفردية والهوية والعلمانية وعلاقة الدين بالدولة. وكان النقاش في بعض الأحيان أعمق يمس قداسة النص الديني وحدود تأويله وعلاقة العقل البشري بالوحي... وغيرها من القضايا الفلسفية، التي تتفق الأجوبة التي قدمتها عنها هذه النخبة حول أولوية العقل على الدين والوحي، وأولوية القيم الكونية على هوية هذه المجتمعات وخصوصيتها.

لكن صعود الأحزاب السياسية ذات المرجعية الدينية في الانتخابات التي جرت بهذه البلدان يجعلنا نتساءل: ما الذي حدث حتى كان اختيار الشعوب العربية مخالفا لما نظَّرت له تلك النخب "الحداثية" وأفنت فيه زمنا طويلا من عمرها ودبجت فيه كتبا ومجلدات تستعصي على الحصر؟

لقد هيمنت هذه النخبة الحداثية على الحياة الثقافية بالبلدان العربية وهيمنت على الإعلام لمدة عقود من الزمن، واستفادت من مؤسسات الدولة وإمكانياتها المادية، خادمة بذلك، بوعي منها أو بدونه، مصلحة الأنظمة في تحجيم دور الحركات والأحزاب الإسلامية. لكنها لم تتمكن من إنتاج خطاب يسير بهذه الشعوب نحو الغاية التي ترتضيها لها. وهذا يعود في تقديرنا إلى عيوب تشوب هذا الخطاب جعلته منقطع الصلة عن المجتمع، نوجزها فيما يلي:

هو خطاب متسلط، يسعى إلى فرض رأيه بكل السبل، ويضيق ذرعا بمخالفيه ولا يتردد في نعتهم بالرجعية والتخلف.

خطاب متعال ومتعجرف، يَعُدُّ أصحابُه أنفسَهم أنبياء للمستقبل لا للحاضر، لأنهم وُجدوا في زمن غير زمنهم، ويعيشون في مجتمع متخلف لا يستحقهم وبين شعوب أدنى منهم مرتبة.
خطاب غير مبدع، اكتفى منتجوه بترديد مقولات الحداثة الغربية وقيمها دون بذل مجهود لتكييفها مع خصوصية المجتمعات العربية، تحت ذريعة انتفاء الخصوصية في زمن عولمة القيم "الكونية".

خطاب منفصل عن الواقع، سعى إلى تحقيق التحرر عن طريق مسخ الهوية، حتى فاجأته الشعوب بما يدل على أن التحرر الحقيقي لا يتحقق بهدم القيم ولا بتفكيك النص الديني ولا بنزع القداسة عنه ولا بتمزيق أوصال اللغة... ولكنه يتحقق بالإطاحة برأس الحاكم المستبد ونظامه الذي سخر هذه النخبة الحداثية عقودا من الزمن لإطالة عمر تسلطه ونهبه للثروات.
خطاب يدعي الديموقراطية ولا يؤمن منها إلا بما يحقق له أهدافه. ولهذا نفهم الأسف الذي عبر عنه بعض من يصفون أنفسهم بالحداثيين (كأدونيس ومحمد الطوزي والطاهر بنجلون) من وصول الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية إلى الحكم، متناسين أن ما أوصلهم إلى ذلك ليست سوى الديموقراطية التي يدعيها هؤلاء "الحداثيون" ويدعون إليها. فهو خطاب حداثي ديمقراطي في ظاهره، لكنه، في عمقه، رجعي استبدادي، تعايش مع الأنظمة الانقلابية المستبدة عقودا من الزمن. وحين شهد أولى نسمات الحرية تحمل إلى السلطة من يخالفه الرأي أبدى انزعاجه وحنينه إلى أزمنة القمع والاستبداد، مدعيا الخوف على مستقبل المجتمعات العربية من استبداد الفكر التقليدي.

تلك مواصفات جعلت هذا الخطاب نخبويا منفصلا عن الواقع. وتلك حقيقة ما أجدرها أن تعلم هذه النخبة فضيلة التواضع واتهام النفس، عسى ذلك يعيد بينها وبين المجتمع سببا من أسباب التواصل، حتى لا تتحول إلى مجرد متفرج على هامش الملعب، يتابع ما يجري ويبدي بين الحين والآخر أسفه وامتعاضه.


عبد الغني حسني

كاتب مغربي

من نفس المؤلف