السبت ٢٥ شباط (فبراير) ٢٠١٢
حوار مع الباحث في الخط العربي
بقلم عيسى حديبي

والفنان التشكيلي الطيب العيدي

يقول درويش:

بين ريتا وعيوني ..بندقية
والذي يعرف ريتا، ينحني
ويصلي
لإله في العيون العسلية
وأنا قبلت ريتا عندما كانت صغيرة،
وأنا أذكر كيف التصقت
بي، وغطت ساعدي أحلى ظفيرة...

- وأخرج من غفوة حلم درويش، لأعود إليك عندما كنت صغيرا يا الطيب!
- عندما كنت صغيرا، كنت أعتبر كل ما أقرأه مسلمات، لكن بعدما تابعت كل المدارس الفنية، وقرأت عن علم الجمال، وجدت أنه من الممكن النقد، وأحيانا رفض فكرة ما، ولو لمفكر قياسا مع بيئتي وشخصيتي، وخاصة مع قراءات أخرى، وربما بعض من النضج، جعلني أفكك ما أقرأ وأتابع، أنقد الفكرة ليس لأقول أن الآخر أخطأ أو أنا تفوقت عليه، بقدر ما أجد ذلك لا يلائم طبيعتي وبيئتي، وهنا أفتح قوسا للتاريخ ؛ في الجزائر التي تعرضت للإستعمار منذ القديم، ما جعلنا مسيرين، ليس بأقدارنا ولكن بالآخر الذي يرسم الطريق حسب أفكاره، وقناعاته هو، للأسف أحيانا لا تعنينا ولسنا ملزمين بها.

أرجع إلى موضوع الثقافة، طبعا مع احترامي لأصدقائي وكأنه يجب أن تتكلم مشرقيا، لتكون مبدعا، وإما فرنسيا قلبا وقالبا، وكأن لا حضارة لنا، وهذه هي الإشكالية، قضية الموروث.
أتكلم عن الفن، الذي بدأ على شكل مبادرات شخصية، فردية متقطعة، هنا وهناك، لم تأخذ الشكل المنتظم.

أرى تعليم الأولاد في المؤسسات المدرسية، وعلى مستوى دور الشباب، أمر سيعطي نتائجه حتما، ولا يهم الآن، إذا كنا فعلا نؤسس لموروث (لاحق)، يصبح مرجعية للأجيال اللاحقة، ولا أعتبر أن الوقت قد فات على ذلك، إذا كان هناك حقا نية صادقة في البناء، والتأسيس؛ فمثلا الزخرفة والنمنمات في الهند وإيران، صاحب الفن لم يذهب إلى مكان آخر، بل انطلق من زهرة أو شكل كان يراه في بيئته وأضاف هو من خياله وفنه.

أنا هنا، ليس لدي وردته ربما، لكن عندي وردة الرملla rose de sable، تضاريس جبل عمور، والرموز الأمازيغية، والأواني والنسيج...، هذه عناصر فنية يمكن توظيفها، وتعكس البيئة والإنسان، وهكذا يمكن أن نعبر عن أنفسنا ونؤرخ للأجيال القادمة.

- ربما لديك مثال!
- في اللوحة التي سميتها [ غناء الأصابع] le chant des doigt، والتي رمزت فيها لعهد الأندلس المفقود وزرياب والأوتار الأربعة، التي تعني ربع النقطة في الموسيقى العربية، le quart de note، والقوس الذي يرمز للحضارة الإسلامية.

- لو سألتك أين أنت على غوغل إيرثgoogle earth؟
- أنا عربي مسلم إفريقي جزائري بنكهة أمازيغية أو بربرية أو كما شئت ، المهم في النهاية جزائرية، ربما ليس لنا رصيد أو موروث واضح مقارنة مع غيرنا، لكن هذا لا يبرر عقدة التاريخ، التي نصر عليها أحيانا سواء كنا ندري أو لا ندري.

فلنبدأ من اليوم و بعد مئة عام ، يصبح هذا اليوم موروثا، وهكذا؛ الصدق فقط هو كل ما يتطلبه الأمر لتحقيق ما نريد.

- لنرجع قليلا إلى موضوع الخط العربي، ولنكن أكثر دقة الخط المغربي؟
- يعيب المشارقة على الخط المغربي، كونه يفتقر لقواعد تضبطه، لكن لو تأملنا قليلا، نجد له زوايا تحدده وتميزه، ويظهر فيه طبيعة التصوف التي تزخر بها منطقة المغرب العربي، وكذلك أيضا مراحل تطوره عبر تاريخ الحضارة الإسلامية.

- كل الخطاطين الحاليين يكتبون بخط القرن التاسع عشر، فهل بدأ الخط أول مرة على الصورة التي يظهر بها الآن؟
- بعضهم يقول لا يمكن تغيير الخط لأنه بلغ أوج الصورة التي هو عليها الآن، وكأنه يجب أن يبقى حبيس المعارض والكتب، لكن ألا يجب أن يكون جزءا من حياتنا التي تتطور بشكل أو بآخر؟.

المسجد وأعمدته وأقواسه جزء من الخط العربي، ألا يمكن إدخال الخط العربي في استعمالات جديدة؟ فالألف رسم للبناء والعمارة، والنقطة التي تحمل دلالات ظاهرة( يتم بها نطق معظم الحروف )وأخرى خفية (التأمل ).

- لو رجعنا إليك قليلا، فماذا تقول عن نفسك، برغم أني استدرجتك بـ"ريتا "محمود درويش ولم أفلح؟
- أنا أفضل الحديث في كل شيء، إلا عن نفسي،

- يا أخي حاول أن تقول شيئا للقارئ
- دخلت المدرسة وفي سن الخامسة أدركت أني خلقت للرسم، وكم كنت مضطهدا لأن الرسم كان يعني إهمال الدراسة، ومن رغبتي فيه كنت أبحث عن كل شيء يتحدث عنه أو يتناول موضوعه، واستفدت كثيرا من أساتذة المعهد التكنولوجي آنذاك، لمّا كنا نخوض في موضوع علم الجمال، ومختلف تقنيات الرسم، وعرفت وقتها أهمية التسلسل التاريخي لتطور الفنون والعلوم، وأهمية وضرورة معرفة ذلك.

الفنان والعربي عموما مطالب بالثقة بأفكاره وبنفسه، كما يجب عليه أن يدرس ويقارن بين الأشياء التي يلاحظها، أو يقرأ ويطلع عليها، لأن البحث ينتهي بربط الأشياء منطقيا، والخروج بنتائج موضوعية ومفيدة.

- أروع لوحة رسمتها إلى حد الآن؟
- أنا أرسم باستمرار ولا يمكنني تحديد لوحة أو رسم أو جملة وفقرة من الخط العربي، الروعة أو النشوة بالنسبة لي، تكون منذ نقطة البداية حتى النهاية، وبعد ذلك، اللوحة لا تعنيني، لأنها ملك للآخر، وله أن يستمتع وينتشي.

- نرجع إلى الخط العربي، والمغربي تحديدا ماذا تقول عنه؟
حضرت للصديق عيسى يحي بودودة، في محاضرة " إشكالية الخط العربي، هل هو خط أم كتابة؟
- أغلب الناس يعتبرونه كتابة، جاءتني فكرة أن أجعل له قواعد، ولم أستطع ، لأن القاعدة يجب أن تشمل سطرا كاملا أو فقرة كاملة.

وأنا أتابع الخط العربي، لاحظت الخط الغوطي اللاتيني، وأصل هذا الخط عربي إسلامي، قلت لو كتب الغربي الخط العربي كيف كان سيكتبه؟

ما أردت قوله؛ بعد المحاضرة قررت أن أقعد الخط المغربي بقواعد كالخطوط الأخرى فلم أستطع، أو قل لا يمكن أن تكون له قواعد ...لأن كل خطاط يكتبه بشكل يختلف من منطقة إلى أخرى ...وقوة الخط تكون في النص ككل ...لكني توصلت إلى خط أسميته " الخط الجزائري " هو مزيج من المغربي والسنبلي والغوطي بالإضافة إلى ذلك أغلب الخطاطين الكبار أعجبوا به.

- أنت عصامي (وتصر على ذلك بالرغم من دراستك وتدريسك للرسم)، كيف ترى العالم من مجالك المفتوح؟
- أرى في العصامية كل شيء، الجانب الأكاديمي بالطبع موجود، لكن مع فوضى الفنون الأخرى ؛ أي بحيث يكون المنجز أغنى وأكرم، وأقرب إلى التلقائية الواقعية الطبيعية.

العمل... العمل باستمرار، أراه أحسن طريق للإكتشاف، والحمد لله أنا صبور وسعيد بذلك، لأني لا أريد نتائج آنية، يكفيني تحديد الهدف، أما وسائل وظروف الوصول إليه، فتلك لذة المغامرة، لأن الفنان تقتله النهايات، ولأن البحث هو أروع حالات الكينونة لديه، عن نفسي ، أريد نتيجة بعد موتي، كم يروق لي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " رب اغفر لقومي إنهم لا يعلمون".

- الثقافة، من وجهة نظرك كيف تراها؟
- الثقافة لا تعني أن نتبنى فلسفة واحدة، أو مدرسة واحدة، وأفتح قوسا هنا لأشير إلى الإطلاع، والإستفادة من تجارب الآخرين، الحكمة ضالة المؤمن، قد أتعلم من تجربة المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي، المعرفة لا تحدد دينا أو هوية أو إقليما، أدولف هيتلر نازي ودمر أوربا لكن من آثاره، حكم كثيرة، كقوله : إذا طعنت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة- لا تطعن في عرض زوجتك لأنها اختارتك- لا تجادل الأحمق فقد يخطئ الناس في الفرق بينكما- وهكذا..

أقول، ما دمت حيا فكل الإحباطات ممكنة، لذلك لا أهتم لها، بل تزيد من عزيمتي، لأني أزرع ليوم يؤسس لوجودي لا لحياتي، وهذا ما يجعلني مقبلا دائما، أبحث وأستمر وأتواصل، قد نجد شيخا في الخلاء يعلمنا شيئا يحفزنا على الإستمرار، وقد نفهم فكرة من آخر لم يستوعبها هو، ونتعلم الكثير وهكذا...

- كيف يمكن تفعيل الذوق الفني حسب تجربتك؟
- هنالك عوامل يكمن أن تُفعّل أو تـُترك للممارسات الكلاسيكية تخنقها وتبقيها أسيرة نظم بالية.
إن أول أداة يمكنها تفعيل الذوق هي البرنامج الدراسي، الطفل أرض خصبة للإبداع والباقي يمكن اعتباره تحديثا وتطويرا، أنا لا أحب أن يختصر دور الفن في مجرد ديكور، وتزيين واجهات وعرض لوحات، بل يجب أن يكون الفن مؤثرا، وللإعلام دوره في استمرار الفن، وتشجيعه وتسهيل التواصل بين الفنانين.

يجب غرس الذوق والتذوق عند الناشئة، والفن الذي لا يحمل رسالة لا يمكن اعتباره فنا.

- ماذا تقول عن الرسم بالرمل؟
- يبقى الرسم بالرمل تقنية مثله مثل الرسم بالزيتية والمائية فقد نرسم نفس الموضوع على لوحتين (بالزيتية والرملية).

- وما قولك عن المهرجانات أو التظاهرات الثقافية بشكل عام؟
- في الحقيقة بدأت المشاركات في السنة الماضية، واستفدت يالإحتكاك بفنانين جدد وأخذت معلومات وخاصة في الخط العربي، وأخذت جائزتين وطنيتين الأولى في بسكرة، والثانية في البيض 2011.

أنت فنان وللفنان رسم وتعبير مختلفان، يفتقدهما الإنسان العادي ؛ لذلك سأسألك عن معاني الكلمات التالية بالنسبة للطيب العيدي:

- الحب؟
- الحب هو الوجود وقيمة كل شيء،

- الحرية؟
- الحرية هي الإبداع، لأن الحرية الداخلية وحدها من تملك مفاتيحه،

- الوفاء؟
- سألتني عن مشكلتي مع الحياة، أنا أكره الخيانة بكل أشكالها، الوفاء هو الإنسانية والإنسانية هي الوفاء،

- التغيير؟
- تريد أن تقول حملة التغيير التي يشهدها العالم العربي؟ هي فعلا حملة لكنها ليست بريئة.

- أروع لحظات جنونك؟
- عندما تأتيني فكرة، تشغل حيزا من تفكيري، وقد تستبقيني وقتا طويلا، سأفتح قوسا لقصة طريفة حدثت لي مع والدتي ذات مساء، أمضيت وقتا طويلا مع لوحة، ولم أتناول شيئا، أحضرت والدتي فطور الصباح، وأكل العشاء لا زال على حاله.

لا أظنني أمزح حين أقول أني أحب الفن بجنون، والعمل باستمرار لأني أريد فعلا أريد أن أضيف شيئا.

أدونيس، يختصر العالم في اللون الأسود،أو يرى اللون الأسود جميلا، كيف تعلق على ذلك وأنت دائما مع الألوان؟

بالنسبة لي يمكنني الرسم بالأسود، لأن درجات الضوء تحوله إلى ألوان، البني مثلا.. يكفي رسم العالم بلون واحد، لكن يشترط وجود الضوء، لأنه أساسي، النور يتشكل منه العالم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى