قضـبـان

، بقلم محمد نجيب عبد الله

إهـداء خـاص:

إليـها..

إلى فـتاة مطـروح التي.. قابلتهـا للحـظات..

فاختفت..

((الفاصل بين أطياف الحلم
ومرارات الواقع
خيط رفيع واهٍ
من دخان أو سراب..
أو لاشى على الإطلاق..))

***

استيقظت الشمس الذهبية الرائعة لتنفض عنها كسل الأمس وتستقبل عمل اليوم الشاق بنفس راضية.. نسمات تهب على استحياء لا تقدر معه أن تحرك حتى نفسها.. صفحة المياه الناعمة كبشرة طفل وليد تتهادى وتخطر كعذراء ليلة حنتها..

في هـدوء..

انساب الشعاع البرّاق اللامع وتسلل من بين الفرجات المعدنية التي استقبلته إلا أنه أستكمل رحلته ليسقط على وجهها الوادع النائم في جلال ملائكي.. تململت قليلاً.. في تكاسل بدأت تفتح جفونها.. فمسحت عينيها بيديها الرقيقتين.. ثم استوت على سريرها في نصف جلسة.. نظراتها ما زالت تحمل ذهول عدم تصديق الاستيقاظ من النوم.. فكرت لوهلة أن تستأنف نومها.. إلا أنها - حتى هذه الفكرة البسيطة - وأدتها في مهدها.. في نشاط مفاجئ هبّت واقفة.. اتجهت صوب قضبان الشباك المعدنية.. أمسكتها.. تطلعت من خلالها إلى العالم البكر من حولها.. كانت القضبان المعدنية.. باردة.. مبللة بالندى.. بينما بدت - هي - في وقفتها تلك كأنما هي مستغرقة في تفكير عميق.. فيم ؟! لا شيء محدد.. مجرد تفكير كيلا يتوقف العقل عن التفكير.. تمرين ذهني يمنع الضمور والخلل.. مسحت يديها المبللتين في ذيل منامتها (الكستور).. ثم استدارت لتواجه مكونات غرفتها.. مملكتها الصغيرة.. أو عالمها الوحيد الذي تتحكم فيه ولا يشاركها فيه أحد.. على أحد الحوائط كانت بعض الرسوم الساذجة لوجوه من محيطيها.. وعلى آخر مكتبة متوسطة حبلى بروايات رومانسية.. يحمل جانب آخر مكتبها الصغير الذي اعتادت أن تذاكر عليه أيام دراستها.. وبالرغم من أن ذلك لم يمض عليه من الزمن الكثير.. إلا أنها حسبته دهراً كاملاً.. عاشت، وماتت وعشقت وكرهت وأكلت وشربت ونامت بل وتزوجت خلاله ألف مرة ومرة..

في رتابة بدأت - بلا وعى منها - ترتب سريرها.. تفرد الملاءة البيضاء أمام وجهها لتحجب عنها المرئيات.. خفضتها.. رفعتها.. خفضتها.. مستمتعة بالتغيير الذي يحدث كل مرة ثم أحست بالملل ففرشتها.. ثم ما لبثت أن استأنفت ترتيب باقي الغرفة.. وحينما انتهت.. نظرت إلى ساعتها.. كان الوقت لا يزال مبكراً جداً.. لا بد أن أحداً لم يستيقظ غيرها..هذا الوقت ملكها وحدها.. لو شاءت لرقصت أو غنت أو كتبت أو رسمت.. إذ لا أحد يراقبها.. يحاسبها.. يحصي عليها أنفاسها.. يتساءل كل لحظة عن الغرض وراء ما تفعل.. يخترق عيونها وفتحات أنفها وأذنيها ثم ينبش داخل دروب عقلها بحثا عن المجهول..
تلفتت حولها في تلقائية..

ثم في تردد ليس له ما يبرره تقدمت نحو (الكاسيت) القابع فوق المكتب.. فتحت درجا جانبياً - كما لو كان سرياً - لتنتقى شريطا تحبه.. ثم تعود للشباك الوحيد بالغرفة لتراقب منه مرة أخرى بينما النغمات الموسيقية المحببة قد بدأت تتسلل من خلال أذنيها إلى رأسها.. فجسدها كله.. تملأ كيانها.. تبدأ في التمايل والتراقص وفق الإيقاع المتناسق.. تتأود ضفيرتها الوحيدة يمنى ويسرى على ظهرها.. تتلاعب خصلات شعرها المتهدلة.. لا تعود تحس ببرودة أو بلل القضبان المعدنية.. بل أصبحت لا تدرك وجودها أصلاً.. هي الآن طائر مغرد يطير مفرود الجناحين.. يحلق في سماء سابعة.. يتقافز بين الفينات.. يحط أينما يحط..

لا يهمها الآن إن استكملت دراستها أم لا..
تزوجت ممن تحب أم لا..
عاشت حياتها في القاهرة أو الإسكندرية أو لا..

النشوة الكاملة التي تملؤها الآن أنستها كل أحلامها.. كل تطلعاتها المستقبلية.. أنستها عائلتها المحافظة.. التقاليد.. العادات.. الأصول.. الواقع.. كل شيء..

ارتفع الإيقاع صخباً.. وازدادت الحركة ليونة ويسراً..
كل خلجة من خلجاتها.. كل عصب.. كل عضلة.. كل كرة دم حمراء صارت تشارك في الموسيقى العامة.. وخلف الشباك رأت أضواءً مبهرة.. وألوانا صاخبة.. حمامات تتغازل فيما بينها في السماء الرحبة.. فساتين ملونة.. وأدوات زينة.. عطور باريسية أخاذة.. وشباب من الجنسين يشاركنها الرقص.. فاردة ذراعيها.. وفي حركات تشبه ڤالسات الدانوب الأزرق بدأت تتماوج عبر أرجاء الغرفة على موسيقى لم تعد تصدر من (الكاسيت) الكهل على المكتب القديم.. بل من داخلها هي ومن تلحينها وتأديتها هي..

لم تعد ترى باب الغرفة الموصد ولا الجدران الأربعة..
صار ما حولها حديقة غناء واسعة حافلة بكل أنواع الأزهار والرياحين.. ثم فجأة.. توقفت.. كأنما هو انقطاع الكهرباء..
كأنما انتهت الأغنية لضغطك زر الإيقاف..

في لحظة استعادت كل الواقعيات..
فتوقفت.. ليهتز ذيل منامتها وضفيرتها الوحيدة اهتزازة أخيرة قبل أن يسكنا سكونا مقبضاً.. وفي رعب مجائ تطلعت صوب الباب الموصد الذي ما لبث أن أنفتح ليبرز منه أخوها متسائلاً عما تفعل..
فى إرتباك غمغمت أن لا شيء فغادرها الأخ بعد نظرة متشككة.. لتنهار هي فوق أقرب كرسي منها.. ثم تزفر زفرة حارة..
وتنظر بعينيها للاشيء..
متمنية في قرارة نفسها..
أن يأتي يوم تستقل فيه ولو أحد تلك (الكارتات) العتيقة التي تجرها الحمير..
فتنطلق بها..
بلا توقـف..
تنطلق .. وتنطلق .. وتنطلق ..
إلى نقطة في الأفـق لا نراهـا..!!!


محمد نجيب عبد الله

الدكتور محمد: كاتب مصري

من نفس المؤلف