النص الأدبي النسوي..

تحدٍّ للمعوقات وتطلّعٌ إلى الحرية

، بقلم بشير خلف

شاعت في الأوساط الثقافية العربية منذ سنوات، ولا تزال مجموعة من الأبحاث التي تنظر لأدب المرأة باعتباره أدبا مختلفا، ومنفصلا عن الأدب الذي ينتجه الرجل. وقد استندت هذه الكتابات على الفرضية التي تقول بوجود خصائص نوعية في النصوص التي تبدعها المرأة الكاتبة.. في هذه الأثناء قفزت إلى الواجهة مجموعة من المصطلحات التي تصف هذه الظاهرة، كالكتابة الأنثوية مقابل الكتابة الذكورية، والكتابة النسوية مقابل كتابة الرجال.

تعبير" النص النسائي" أو مصطلح "الكتابة النسوية" يُــعدّان من أكثر المفاهيم جدلاً ونقاشًا لدى النقاد ..ذلك أن مصطلح ــ الكتابة النسوية ــ ينطوي على تأويلات، وتفسيرات عدة..فالمبدعات العربيات يريْن أن هذا المصطلح من صُنْع الرجل وحده، ويدخل ضمْن المحظورات التي صنعها الرجل، وكبّل بها المرأة قرونا وقرونا،
ولا يزال..

ومن المواقف المختلفة يمكن استخلاص ثلاثة مواقف رئيسة..أولاها الموقف الرافض للمصطلح جملة وتفصيلا بسبب الحساسية التي يضمرها هذا التصنيف بين أدب نسوي،وآخر ذكوري، وثانيها الموقف المضاد الذي تبنّى المصطلح وأطروحاته..أمّا الموقف الثالث فهو وسط بين الموقفيْن؛ إذ يعترف من جهة بخصوصية التجربة التاريخية والاجتماعية التي عاشتها، وتعيشها المرأة العربية وجعلتها أسيرة ومكبّلة، ومن جهة أخرى ترفض المرأة أن تكون هذه الخصوصية التي ليست من صنعها طبيعة تلازم الأنثى المبدعة، وتشكّل محددات للأدب الذي تكتبه..فالمصطلح مقبول شريطة ألاّ ينتقص من قيمة ما تبدعه المرأة على أساس أنها أنثى وكفى.

محظورات وقفت أمام النص الأدبي الأنثوي

الكاتب بشكل عام ذكرًا كان أم أنثى يكتب من خلال خياله الإبداعي، وما اختزن في ذاكرته من مشاهدات، وخبرات، واطلاع، وثثقّف وتعليم، وتجارب إنسانية، حيث يعكس خبراته المتراكمة حول الحياة لينسج منها مادته الأدبية شعرًا كانت أم قصة، أم رواية..فهو لا يكتب من فراغ، ومن هنا نجد أن الكتابة الأدبية لا بدّ أن يظهر فيها جزء من هُويّة الكاتب.سواء كان أنثى أم ذكرًا.

وبحكم الوضع التاريخي، والسياسي، والاجتماعي الذي أحاط بالأنثى على مرّ العصور والذي كان مُعيقًا لها وحاصرا إياها في أدوار محددة نجد أن هوية هذه الأنثى وثقافتها، وإدراكها قد تأثرت بهذا الوضع، ولا تزال، إذْ ما حصلت عليه حتى للتوّ من فُُـــرصٍٍٍ للاندماج في الحقل الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي محدودة مقارنة بالرجل الذي كل الفرص متاحة أمامه، فحركة المرأة واحتكاكها بالعالم الخارجي،وعلاقتها الإنسانية، وحريتها في التعبير بدون الوقوع في هاجس الخوف من العيب والمحظور..

تقول الروائية السورية روزا ياسين حسن:

«...إن المرأة تعاني في حقْل الكتابة أكثر من الرجل، إذْ ترى أن للإبداع بصورة عامة ضريبة يدفعها المبدع؛ فما بالك إذا كان المبدع أنثى؟ وتوضح روزا حسن أن الكاتبات دفعْن أثمانًا أخرى مباشرة كونهن نساء في هذا المجتمع( العربي)، ويخضعن لمنظومة اجتماعية معينة..والأثمان الغير مباشرة هي الأكثر مضاء لأنها مستترة، وتشمل الرقابة الاجتماعية،كالتقاليد،والأعراف،والعادات..حيث يُساء إلى الكاتبة بالألفاظ،والتصرفات، والسخرية..والأمر الأشد مرارة هو القراءة الخاطئة للنص الأدبي الذي تكتبه المرأة ..ففي النص الروائي الذي تبدعه المرأة على سبيل المثال، يُحال أيّ سلوك لأبطال النص إلى شخص الكاتبة نفسها، وكأنها هي منْ قامت بأفعال البطلة، متناسين مسألة التخييل التي هي بديهية في النص الأدبي.(1)

كل ذلك دون ريب شكّل الاختلاف بينها وبين الرجل في الكتابة عمومًا والإبداع الأدبي بخاصة، وما تولّد عن ذلك من تقسيم للأدب حسْب الهُويّة الجنسانية لصاحب النص المُنتج لتكون الكتابة النسوية هي كتابة المرأة، والتي بدت في أغلب الحالات مجسِّدة لقهرها وعذاباتها،وأحلامها الضائعة،ومعاناتها مع الأخر ممثلاً في (الذكر)، وفي الجماعة، وحتى من الأقرباء، والعشيرة..هذه عوامل أعاقت المرأة في مراحل تاريخية من الولوج في عالم الإبداع الأدبي بالمستوى الذي وصل إليه الرجل، إنما لا يعني أن النص الأدبي الأنثوي خلْوٌ من مقوّمات الإبداع
الفني..

في الواقع الثقافي العربي الراهن شكّـــلت النصوص (الشعرية والروائية والقصصية) التي أبدعتها النساء العربيات، بالإضافة إلى الطروحات الفكرية والنقدية المقدمة من قبلهن إضافة مهمة للحركة الأدبية العربية الحديثة. لقد تمحورت هذه النصوص حول القضايا الشائكة التي يمرّ بها الإنسان العربي والحياة العربية عموما. لقد رصدت هذه النصوص مثلها مثل النصوص التي كتبها الرجل التحولات الهائلة الاجتماعية، والسياسية التي مرّت بها البلاد العربية تحديدا في المراحل التي تلت حقبة الاستقلال.

بالنسبة للبُــنى الفنية لم تكن تلك النصوص لتختلف عن البُنى الفنية المقترحة من قبل الكتاب الرجال. بناء على هذه المعاينة نسأل: من أين جاءت فكرة الكتابة الأنثوية أو النسوية؟ وهل هناك مسوغات موضوعية لإبرازها والتنظير لها باعتبارها كتابة تصدر عن النوع، وهو هنا الأنثى دون الذكر؟! بعد ذلك يمكن لنا أن نسأل: هل الكتابة التي تنتجها المرأة، والتي لا تتناول من خلالها واقعها الخاص كأنثى مضطهدة تعاني من السلطة الذكورية السائدة هي محض كتابة أخرى تقع خارج السياق؟ أخيرا نسأل: ماذا بشأن النصوص التي يكتبها الرجال، والتي تنتصر للمرأة وتتحدث عن عذاباتها في الواقع القائم؟ هل نصنفها كنصوص نسوية نسبة إلى موضوعاتها أم نعتبرها نصوصا (رجالية) لأن أصحابها هم من الرجال في الأصل؟(2)

الكلمة..هي مخبوء الإنسان

إن الكلمة أكانت منطوقة أم مكتوبة هي مخبوء الإنسان الداخلي، ومحتواه الفكري والوجداني، تُكتب، وتُلفظ معبّأة بطاقة الإنسان، وقد تكون طاقة سالبة، أو مُوجبة بحكم شخصية الكاتب، ومزاجه وحالته النفسية..الإمام علي رضي الله عنه قال:« تكلّموا فإن المرء مخبوء تحت لسانه.»

القلم الأنثوي واقع يفرض نفسه، ويمكن تقييمه من حيث هو بوحُ الخلجات السريّة حينما تجتمع النساء في دائرة مغلقة لها خصوصية، واستثناء قد لا يفهمها الرجل ..المرأة أبرع في التقاط النتوءات المهملة، وأدقّ في تصوير التفاصيل المهمّشة، والتي لا يراها الرجل، أو يتجاهلها بحكْم تقييمه المختلف عن المرأة، والذي قد لا يرى أهمية لهذه التفاصيل.

العديد من النقاد يروْن أن النص الأدبي يستطيع المتلقّي الخبير أن يكشف جنس كاتبه على الفور بحكم الاختلافات الكثيرة التي تلوّن النص إنْ كان أنثويا أو ذكوريا ..قد يختزل الكاتب بعض المشاهد، وينغلق على الحدث بشكل مكثّف دون الخوض في الجزئيات المُملّة، والتفاصيل المخلخلة للفكرة، فيأتي نصّه متينا، مركَّزًا مشبعا غنيا، في حين تبدو المرأة متشبعة أشبه بشبكة عصبية متصلة ببعضها، ومنفعلة مع كل الدقائق الصغيرة والبعيدة، فهي تتسع أفقيا بينما نص الرجل يتغلغل عموديا، وإنْ كان النص الأدبي يحمل صبغة الذكورة أو الأنوثة، فإن القاسم المشترك بينهما هو الهدف .

إن النص الأدبي لا يأتي أنثويا بحتًا، ولا ذكوريا بحتًا، لأنهما متصلان ببعض فطريا، ومتناغمان في سياق المبنى العام للنص..فالمرأة حينما تكتب معاناتها، إنها تفعل ذلك في إطار علاقتها بالرجل أبًا كان أم زوجًا، أخًا،ابنًا، حاكمًا، أو مسؤولا..فالعلاقات الإنسانية المتفاعلة تفرض نفسها في النص كعنصر هام وحيوي.(3)

ومن هنا نقف على ضفاف الإشكالية التي يطرحها المصطلح، إشكالية مجتمع يقبل المرأة ويرفضها، وفي رفضه ينكر عليها ذاتيتها وتفردها واختلافها، الأمر الذي يؤثر في مكانة المرأة لصالح تثبيت مكانة الرجل. وواضح ما في هذا الموقف من التناقض والازدواجية والتعارض مع منطق يفترض التساوي في الواجبات، ويغض الطرف عن الحقوق. والحال إن أهم حقوق المرأة هو التعبير عن ذاتها وحقها في بلورة رؤيتها لذاتها عبر الإبداع.(4)

الكتابة عند المرأة

الكتابة نظرة للعالم وطريقة حضور فيه، واختيار المرأة للكتابة يعني رغبتها في أن تكون، وأن توجد، وتحضر بالفعل وبالقوة، وتحقق ما يمكن اعتباره تجاوزاً لوضعها الحالي؛وهكذا تصبح الكتابة نوعاً من الخلاص، ويصبح الاستمرار فيها رغم ما يتضمنه من عذاب وضنىً نوعاً من توسيع دائرة الخلاص. إن الأنثى عن طريق الكتابة تشرّع الوجود لنفسها..بها تجد كل مبررات وجودها وتنهض.‏

ورغم أن الكتابة لا تشفي، بل تصون... فإن الكتابة هي آلية دفاع بلا ريب، في أتم الكمال أكثر من غيرها، لكنها ليست أكثر فاعلية..ورغم ذلك ففيها ـ أي الكتابة ـ وحدها يجد الفنان "متنفّساً" لأوجاعه الداخلية التي يعيشها بشكل عميق كما في حال أغلبية الناس.‏

إن كل كاتب أدبي إنما يكتب ليخلق تعويضاً عن غربته، أو تعلّة لما يكابد من شعور بالاغتراب. ليس ثمة كتابة أو أدب ينشأ من فراغ أو ينبع من عدم؛ إن فعل الإبداع يكون أو يتكون نتيجة مطلب ضروري لحسم تناقض ما حتى ولو كان هذا الحسم يقتضي عنفاً معيّناً.‏

إن المرأة كثيراً ما تتخذ من الكتابة وسيلة لحلّ تناقضاتها مع الرجل أو الأم أو المجتمع الذكوري بشكل عام.. هي لا تكتب من أجل السيطرة على الرجل كما يفعل هو بواسطة القانون والأدب، لأنها حين تريد أن تسيطر عليه تستعمل كتابة من نوع آخر لا يفقه الرجل تفكيك رموزها بسهولة. فهي ترمي من الكتابة والكلام إلى تفجير كل شروخ جسدها وتموّجاته. ومع ذلك تبقى كتابتها بعيدة كل البعد عن رغبتها العارمة في الإحاطة باللغة الضرورية لصياغة رغبتها في الكتابة، لمحاولة الرد على القهر الوجودي العام الذي تمارسه على العلاقات الاجتماعية، والأخلاقية، والنفسية الذكورية.

هذا القهر الذي لا يتمثل في المحظورات التي تواجه المرأة في الخارج فحسب، وإنما هي (تدرك أن بعضها ما يزال في أعماق المرأة نفسها)، وقد توارثت نوعاً من الاستخفاء والتواري، فضلاً عن عوامل الخوف المتراكمة، وطلب السلامة، والبعد عن مخاطر المواجهة..‏

في الكتابة، تستطيع المرأة أن تتخلى عن المقتضيات "الأخلاقية" التي تطوّقها كامرأة مشيّأة أو خاضعة لـ "إرادة" المجتمع، لتقترب من تلك الأصقاع الحميمية التي تجعل ذاتها تبرز في خصوصيتها وتميّزها ومعارضتها لقيم الذكورة السائدة.

بتعبير ثان، المرأة الكاتبة تستطيع، مثل الرجل الكاتب، أن تذهب إلى حافة جنونها لتستعيد حريتها وإنسانيتها المغيّبتين، ولتسائل الرجل في مقاييسه، وقيمه الموروثة وتحاصره بصورة المرأة المتحققة داخل حرية الكتابة بعيداً عن الصورة التي شيّدتها استيهاماته.(5)

الكتابة النسوية في الأدب الجزائري المعاصر

ظل الصوت النسائي في الأدب الجزائري بعيداً عن الساحة، (وهذا ما يجعلنا نقول إن هذا الأدب وليد الستينات، وبصورة أدق من مواليد السبعينات، عدا الرواية التي ظلت غائبة حتى عام 1979 لتطل علينا رواية "من يوميات مدرسة حرة،..لزهور ونيسي؛ وكان هناك مشروع رواية في أدب الراحلة (زليخة السعودي) إلا أن رحيلها حال دون ذلك).‏

إن المتتبع للحركة الأدبية في الجزائر قبل الثورة يلاحظ غياب مساهمة المرأة في الحركة الثقافية، ويعود ذلك في رأي أكثر النقّاد والمتابعين للموضوع إلى أسباب عدّة منها ظروف الاحتلال الذي انتهج سياسة مناهضة للغة العربية، حيث وضع الثقافة الوطنية في وضْعٍ شلّ فاعليتها وحركتها، ممّا نتج عنه تأخّر الأدب الجزائري عن مثيله في المشرق العربي،بل وحتى في تونس والمغرب؛ ومن ثمّ تأخر ظهور الحركة الأدبية النسائية نتيجة الحصار المضروب على الثقافة والأدب العربيّيْن، في حين شجّع لغته، الأمر الذي سمح لكثير من الأسماء النسائية اللائي اتخذن من اللغة الفرنسية وسيلة للكتابة بالظهور في الساحة الأدبية خارج الجزائر.

كما يعود تأخر الكتابة النسوية بالجزائر إلى التقاليد الاجتماعية التي كانت تنظر إلى المرأة نظرة دونية، ولا تزال إلى أيامنا هذه في كثير من مناطق الوطن..نظرة دونية تنطوي على كثير من الاحتقار، وترى أن تواجدها في الحركة الاجتماعية، والثقافية، والأدبية يثير الفتنة، ويشجع الانحلال، ممّا كبّلها وفرض عليها ظروف العزلة، والتجميد لطاقاتها الإبداعية، بل ومحاربتها حتى وإنْ حاولت ذلك.(6)

والملاحظ لدى الباحث أن الكتب التي تناولت الأدب الجزائري قبل الثورة وأثناءها لم تذكر اسم أديبة سوى "زهور ونيسي"، وكان ذلك مروراً عابراً، وإن كانت هناك كتب تناولت الأدب الجزائري بالفرنسية، وتعرضت للأديبات الجزائريات اللواتي يكتبن بالفرنسية، وهن لسن أكثر ممن كتبن بالعربية..‏

ولعل سبب ندرة الكاتبات يتمثل في حواجز التقاليد والعادات، حيث (إن كثيراً من الأسماء ما تزال تنشر تحت أسماء مستعارة أو تشير إلى أسمائها برموز تترك الدارس لا يعتمد عليها لكون الأسماء الحقيقية مجهولة، حتى إن إحدى الأديبات التي قطعت مرحلة في الساحة الأدبية تجيب على سؤال في مقابلة أدبية عما إذا كان هناك ما يعترض دربها بقولها: "الكثير..منها التقاليد، الجهل، الأمية،...)، ولم تكن هذه الإجابة في الخمسينات وإنما في عام 1978.‏

وليست وحدها التي تؤكد على ذلك، وإنما عموماً هذه إجابة مشتركة، ولا بأس أن نقرأ ما تقوله الشابة (مريم يونس) في لقاء معها: «كانت دروبي في هذه المدينة الجميلة ـ جيجل ـ كلها أشواكاً وعقبات. كانت عذاباً واضطهاداً، خاصة عندما بدأت الكتابة. فقد غُــصْتُ في دوامة من القيل والقال، لكنني لم أستسلم. قاومت في هدوء ومازلت إلى أن أنتصر لوجودي بين الأديبات الجزائريات إن شاء الله»..‏

ورغم أن المرأة في الجزائر لها مشاركة فعلية في الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وليس هناك من ينكر دورها وحقوقها... لكن هذا لا يبرر وجود فارق بين ما يُشرّع، وبين ما يطبق في الواقع، وبصورة أخرى هل يوجد هناك معادلة بين النظرية والتطبيق في هذا الميدان؟..‏(7)

التجربة الإبداعية النسائية فـي الجزائر

الحديث عن التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر حديث يشوبه الارتباك، لأنه مرتبط بحقيقة المجتمع الجزائري قبل كل شيء، فالإبداع فن.. ومن أهم دعامات الفن بعد الموهبة: الحرية، وعنصر الحرية يبدو عنصرا غير واضح الملامح في الأجواء الجزائرية خاصة ما يتعلق بحرية المرأة. ولأن الكتابة قبل أن تكون تركيبا لغويا فهي تعبير وبوح فإن المسألة تتعقد أكثر حين تأخذ الكتابة منحى البحث عن الخلاص من الوضع الاجتماعي الذي تعاني منه المرأة. و لنقرأ مثلا ما تقوله الكاتبة اللبنانية هدى بركات مفسرة لمن تكتب.تقول «نكتب..نبعث بما يشبه تلك الرسائل التي تودع زجاجة وتلقى في مياه البحر، ولو كان المرسل مستتبا في يأسه الكامل لما أرسلها.. إنه على الحافة.. على الصراط الذي يجعله بين صورة القعر وصورة عينين تقرآن».(8)

إن مشكلة المرأة في الوطن العربي، والمبدعة أشدّ مأساوية.. الكاتبة الجزائرية جميلة زنير تشير إلى ذلك، وهي تصف انتحار الشاعرة صفية كتو بقولها: «الموت المأساوي رسالة احتجاج قاسية اللهجة من ذات كاتبة أنثوية عانت القهر والقمع الاجتماعي لا لشيء إلا لأنها متهمة بخطيئة الكتابة».

قد يقول البعض أن كتابا كثيرين انتحروا من أجل قضايا وطنية أو سياسية- فلماذا يجب اعتبار انتحار (كَتُّو) رسالة احتجاج على أنوثتها المهدورة? ذلك أن المختلف بالنسبة للمرأة الكاتبة هو أنها تحارب من أجل قضيتها التي هي قضية نصف المجتمع.. حيث تقول جميلة زنير: «كنت أكتب من غير أن يطلع أحد على كتاباتي أو يشجعني حتى على مواصلة الكتابة.. فأنت تلاحظ أن القمع ينطلق من الأسرة إلى المجتمع (القبيلة).. هذا المجتمع القبلي يمارس عليك قمعا آخر أشد وأقسى: عدم الاهتمام بما تكتب، فهو لا يشجعك، لأنه يرى هذه الأشياء ضربا من العبث وتدخل في خانة( لا يجوز)، فكنت أول فتاة في جيجل تتجرأ على كسر أعراف القبيلة وتنشر اسمها عبر الإذاعة في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات.

وإذا كانت جميلة زنير تصف تجربتها بجرأة وألم دون أن تعتمد أسلوبا مستفزا في طريقة كلامها فإن الشاعرة زينب الأعوج تتخذ موقفا فيه شيء من الاستفزاز حيث تصف المجتمع الجزائري ب(المتخلف)و(المريض).. حيث تتعلق القضية بالمرأة والكتابة فتقول: «مجتمع مثقل بالتقاليد البالية بإرث طويل من الظلم والفكر الإقطاعي.. إنه مجتمع يمشي على كثير من جثث النساء البريئات».. ويبدو الأمر مثيرا لأكثر من تساؤل بالنسبة للأعوج حيث تقترب من تلك الصورة التي يجتمع فيها الرجل والمرأة الجزائريان بشكل يجمع بين التوافق والتنافر معا.. فهما «بالرغم من ارتباطهما في العمق مع مشاكل يومية ذات بعد اجتماعي واقتصادي في الأساس».. إلا أنهما لا يلتقيان عند مشاكل المرأة.

وبدبلوماسية تتعرض الكاتبة زهور ونيسي لهذا الموضوع من خلال حديثها عن تجربتها الكتابية قائلة: «...ما أردت طرحه لا تدوينه، وروايته كحياة امرأة، وأحداث وطن تلخص ما طرأ على الإنسان عموما عبر مراحل الطفولة والثورة إلى منصب الوزارة في هذا الجزء من المجتمع العربي الذي لا تزال فيه المرأة ذلك الهامش الذي يقدس تارة ويستعبد تارة أخرى..حسب مفهوم النفعية والمصلحة والمفهوم الضيق للشرف».

وعلى هذا الأساس جاءت التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر عموما شحيحة سواء من حيث الكم أو من حيث الكيف.. خاصة منها ما هو مكتوب باللغة العربية، واتصفت تقريبا بما اتصفت به التجربة الإبداعية في الوطن العربي.. فمثلا «يغيب عن مضمون القصة النسائية بوجه عام الوعي بأن قمع المرأة هو اجتماعي في أساسه، ويضرب جذوره في تقسيم العمل القديم قدم المجتمعات الطبقية التي استغنت عن دور المرأة في الإنتاج ، وحولتها إلى لعبة في متحف الإقطاع/..../ حيث تسلي وتمتع وتنجب الورثة.. أي أن المؤامرة الأساسية على حرية المرأة كمنت بالتحديد في اختزالها إلى جسد، وتجريدها من أسلحة الفكر والعمل الاجتماعي المنتج التي تشكل الضمانة الوحيدة للحرية والتجربة الحرة»(9)

وحيث ظهر للمرأة أصوات جاءت قليلة وضعيفة ــ وجاءت على استحياء ووجل ـــ أو لعلها تعرضت لعمليات مسخ وتحريف وتحويل، وهذا هو الأقرب. ولعل على ذلك علامات من أبرزها كتاب (ألف ليلة وليلة) وهو كتاب يوحي بأنه حكايات نسائية في أصلها ولكنها عندما حولت إلى كتاب مدون تعرضت إلى التحريف والمسخ على يد الرجل أو الرجال المدونين، وتحولت القصص من خطاب نسوي شفهي إلى مدونة مشوهة اختلط فيها صوت الأنثى بصوت الرجل..
فاختلطت الأساليب والحبكات حتى صار الكتاب كتابا عن المرأة وضد المرأة في آن واحد .. و إذا كانت المسافة الزمنية بين شهرزاد الأصل وشهرزاد التي وصلتنا مسافة طويلة غاب خلالها التدوين الأمين لحكاياتها ولذلك حرفت، فإن ما تكتبه المرأة اليوم يخضع لنوع جديد من التشويه..ألا وهو التأويل أو القراءة الخاطئة للنص، فالغالبية الساحقة من النقاد يفكرون من خلال تلك الفروق الجنسية بين الجنسين، فيتعاطون النصوص النسائية على أساس هذا الوصف، ومنذ البداية يتتبعون آثار الأنثى في النص.. فتتحول القراءة إلى تشريح جسدي قبل كل شيء، ثم تأتي الوقفة المجابهة لكل فكرة تعبر عن وجع المرأة في مجتمعنا إذ يدخل القارئ(الرجل) نص المرأة من موقع الهجوم.. متوقعا مسبقا أن هذه المرأة التي كتبت قد أخذت حقا ليس لها بممارستها الكتابة وبالتالي من وراء هذه الخلفية تتكون لديه مجموعة من التهم-التي يعرفها في سلوكه- ويجدها في النص فيقرأ كرافض لما كُــتب، لا كمرحب لإبداع المرأة..(10)

إن وضع المرأة الكاتبة في مجمله متشابه من شرقه إلى غربه؛ وهذا يعني أن المشكلة الأولى لدى الكاتبات هي أنوثتهن لا كعقبة جسدية، ولكن كعقبة تعبير فقد بلغنا مستوى ثقافيا لا بأس به سمح للمرأة عموما بإدراك لغة جسدها: طبيعة الجسد.. متطلباته.. تغيراته....إلخ. لكنها لم تستطع إيجاد جسد كتابي يترجم كل ما أدركته بعقلها وحواسها كامرأة ولعل المتتبع للمادة الإعلامية الأدبية يلاحظ أن الكتابات النسائية كثيرة ولكنها تتسم بعدد من الصفات التي تقلل من وزنها..تقول الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق:

« الأدب هو واحد لدى الإنسان مذكراً كان أو مؤنثاً. ولكن قضية الاختلاف موجودة. فإذا عدنا إلى ما تكتبه المرأة فإننا نجد الخصوصية تكمن في التكوين الفكري لا في الشكل الفني. وهذا يتطلب منا أن نقرأ نتاج المرأة بشكل جيد حتى نقف على معاناتها وليس على شكل الكتابة. فالمبدع فنياً لا علاقة له بالذكورة أو الأنوثة وهذا يجعلني أقف عند جزء من السؤال الذي يتعلق بالشك في مقدرة المرأة، أي أن المرأة ليست ناقصة إبداع بدليل أن عدداً كبيراً من اللواتي أبدعن في السياسة والأدب والثقافة ليس على مستوى الوطن العربي حسب إنما على المستوى العالمي لذلك لا ضير في مقولة «الأدب النسوي» لأن الأدب وقع إنساني أما الاختلاف كما قلت سابقاً فيتعلق بالمضمون الفكري لكل جنس.»

النص الأدبي الجزائري النسوي يتألق

إن النص الأدبي النسوي في الجزائر أخذ مكانه في المشهد الثقافي العربي، وانتزع الجوائز، والمراتب الأولى سواء من خلال جيل ما بعد السبعينات كالروائية والقاصة زهور ونيسي، المرحومة زليخة السعودي، مبروكة بوساحة، المرحومة صفيّة كتّو،آسيا جبار، أحلام مستغانمي، زنير جميلة،فضيلة الفاروق، ياسمينة صالح، ربيعة جلطي،جميلة طلباوي،نفيسة الأحرش،نوارة الأحرش،حسيبة موساوي،مليكة مقدم،لطيفة عثماني،جبالي،زهرة ديك،آمال بشير، زينب الأعوج التي فازت أخيرا بمسابقة نازك الملائكة للإبداع الأدبي النسوي الشعري في دورتها الرابعة بالعراق، والشابة الإعلامية الروائية هاجر قويدر التي فازت أخيرا بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي عن روايتها “نورس باشا” وهي واحدة من أهم جوائز الرواية في العالم العربي.

..لكن في كل الحالات وفي مجتمع عربي إسلامي يحفظ للمرأة كرامتها وحقوقها، ويصونها كأنثى وكسيدة مجتمع، وكأم، وكمربية ..لا أقول هناك خطوط حمراء، إنما هناك قيمٌ وتوجهات ..المرأة الحكيمة الواعية بدورها الحقيقي من تلقاء نفسها تلتزم بها، ولا تتعدّاها، وحتى وإنْ أُعطيت حريات بدون حدود فقد تكتفي ببعضها..إن الادعاء بأن المرأة لا تزال حقوقها مهضومة، وخاصة في عالم الكتابة والإبداع بزعم أن الرجل يقف في طريقها، نقول إن هذا الزعم باطل من أساسه..

في السرد العربي أيامنا هذه.. المبدعات العربيات وحتى المسلمات في غير بلاد العرب فقْن الرجل، وبلغن مستوى عاليا سيّما في الرواية العربية، وتحصّل بعضهن على أحسن الجوائز، واحتللْن المراتب الأولى..إنما ما يُعاب على بعضهن أن يسعيْن وبإصرار على الاشتغال بالأدب الإيروتيكي، وتكسير الطابوهات بدعوى ممارسة الحرية في الكتابة، ولا بدّ من أنّ الكتابة تنطلق من حرية الكاتب في قوْل ما يؤمن به، وما يدعو إليه دون رقيب.

الجدل لا يزال مستمرّا، وسيبقى حول وجود أدب نسائي، وأدب رجالي لأن العديد من المبدعات العربيات والجزائريات يرين أن النص النسوي له خصوصياته، والنص الرجولي له خصوصياته..والقارئ الذكي وحده يميّز ما بين النصّيْن حتى وإنْ قدم له النص الإبداعي خلوا من اسم كاتبه.ولا يمكن أبدا التوحيد بين ما تؤمن به وتفكر به المرأة وما يفكر به الرجل ويدعو إليه، وكأن هؤلاء يتماهين مع ما قالته الكاتبة جيني هيربكورت قبل مئة عام:«سادتي لا أستطيع أن أكتب إلا كامرأة بما أن لي شرف كوني امرأة»

شخصيا ومن خلال تجربتي الإبداعية، وخبرتي ..وقراءاتي الكثيرة للنصوص الذكورية والأنثوية أرى أن الملامح الأنثوية المنتِجة للنص الأدبي لا تنتقص من قيمته الفنية البتّة، ويجب في رأيي ألاّ تكون مقياسًا يُصنّف الأدب بسببه إلى أدب نسوي، وأدب ذكوري لأن ذلك عمليا لا يخدم القيمة الفنية للنص الأدبي المنتج، بل هو تصنيف نظري أكثر، ولعلّنا إنْ أخفيْنا في بعض النصوص الإبداعية هُــوية منتجة النص الأدبي تمامًا،أو استبدلنا اسم الأنثى باسم ذكر لما تنبّه المتلقّي لذلك، فالنص المميّز ذو المقومات الإبداعية الراقية يفرض نفسه بغضّ النظر عن جنس منتِجه..الاختلاف فقط يكمن في أن الرجل في نصوصه يغوص في الفضاءات المعرفية المتنوعة يوظفها لخدمة نصّه كالتاريخ، والأنتربولوجيا، وعلم النفس، والاقتصاد، والمعلوماتية، والحروب، وعلم النفس وتفرعاته..بينما الأنثى غالبا ما تنكفئ في عالمها الخاص، وتطلعها إلى الحرية، ومقاومتها للرجل، وتنديدها بالحدود الحمراء التي فرضها، ويفرضها المجتمع عليها، وعلى بنات جنسها.

هوامش

(1) ــ أ.إبراهيم حاج عبدي/الكتابة النسوية..إشكالية المصطلح.ص: 17 المجلة العربية السعودية.العدد422 فبراير 2012

(2) ــ ... الكتابة النسوية/ شبكة النبإ المعلوماتية.عدد 19 أفريل 2007

(3) ــ أ.أحمد الهلال/نقْد الكتابة النسوية..الدفاع عن ذكورية القلم.ص: 26 االمجلة العربية السعودية.العدد:422 فبراير 2012

(4) ــ د.صالح مفقودة/النسوي في الأدب الجزائري المعاصر. موقع http://www.palmoon.net/

(5) ــ المرجع السابق.

(6) ــ د.يمينة عجناك/قضايا المرأة في الكتابة النسائية في الجزائر ـ زهور ونيسي نموذجا.ص:94 ــ مجلة التبيين ..الجاحظية.العدد36 2011

(7) ــ د.محمد برادة.

(8) ــ أ.فضيلة الفاروق./التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر.مجلة نزوى العدد:36 .جويلية 2009

(9) ــ المرجع السابق.

(10) ــ المرجع السابق.