مُنشِدُو الحريّة ..

عشرة أصوات من المشهد الشعري الجديد

، بقلم أوس داوود يعقوب

يكمنُ سر فلسطين في أنها أكبر من كل من يحاول سرقتها، لأنها العدالة في أعظم حالاتها، ولأنها الألم في أفدح مستوياته، ولأنها الذاكرة التي تستعصي على النسيان، في وقتٍ يدير فيه العالم ظهره لأكبر سرقة في التاريخ.

في هذا الملف نسلط الضوء على مجموعة من الشعراء الفلسطينيين الجدُد، يُبشرون، كغيرهم، بالفعل الفلسطيني الجميل، ونسلط الضوء على تجاربهم الشعرية، وقد ركَّزنا على الشعراء من مواليد العام (1960م) فصاعداً، واقتصرنا على عشرة أصوات شعرية شابة، واختيارنا لهذه الأسماء ولقصائدهم المختارة لم يكن وليد مصادفة، مع ذلك هو لا يأتي من جهة تفضيلٍ ضيّق أبخلُ به على أصوات كثيرة تقع في فم المشهد الشعري الجديد، والشعراء المشاركون هم: أسماء عزايزة، وأيمن كامل إغبارية، وبشير شلش، ورانية ارشيد، وسامر خير، وصالح حبيب، وعبد المحسن نعامنة، وليليان بشارة ـ منصور، ونهاية عرموش، ووليد شلاعطة.
وقبل التعريف بهذه الكوكبة من الشعراء والشواعر، وتقديم نماذج منتخبة من أشعارهم، كمساهمة لإيصال نتاجاتهم الأدبية إلى مرافئنا العربية؛ يجب الإشارة إلى أن مجمل الأصوات الشعرية في المشهد الجديد في الداخل المحتل تتفاوت؛ في المقدرة على التعبير، والسلاسة في الأسلوب، والطاقة على التخيل، والرهافة في تذوق الصورة قبل تبنيها في النص، والموهبة.

لذلك كله، جاءت قصائد بعضهم، من التي وقعت بين أيدينا، تخلط ما بين فن الشعر والخواطر، بعيداً عن الشاعرية، وأغلبها من المستوى المتوسط. لكن هنالك عدداً من القصائد الواعدة، التي تحمل نفساً شعرياً مؤكداً، ويملك أصحابها الموهبة والمقدرة على التعبير عنها؛ كما تنوعت قصائد الشعراء والشواعر ومجموعاتهم(ن) الشعرية المشاركة بين فنون الشعر كلها: قصيدة الشطرين؛ قصيدة التفعيلة؛ قصيدة النثر. وهذا التنوع في الفنون الشعرية، وإقبال الشباب والشابات على الكتابة فيها، كلها أيضاً، مؤشران إيجابيان على أن المشهد الشعري الفلسطيني الجديد ساحة واعية، لا تجسِّد تياراً واحداً، ولا تلغي أو تقصي أو تهمّش، من شاء فليكتب، وليكتُب ما يشاء. كما مثّلت بعض القصائد والمجموعات الشّعرية النّقيضَين في الفكر: التيّار التقليدي، والتيار الحداثي.

كما نرصد في المشهد الثقافي في الداخل الفلسطيني في حدود العام 1948 أن «الكتابة النسوية آخذة بالتبلور والنضج. ولدينا كثير من الأقلام الأدبية الناضجة، التي تنشر إنتاجها الشعري.. في الصحف والمجلات الثقافية، وفي كتب خاصة، وعبر مواقع الشبكة العنكبوتية...»(#)، وتمتاز هذه الأقلام «بالصدق والصفاء والعفوية ورهافة الإحساس، والابتعاد عن المباشرة، والميل إلى الغموض والإبهام والرمزية، والمزج بين الشعر والنثر، وتوظيف الأسطورة والتراث، والتركيز على الذات، وتصوير العواطف المتأججة ولواعج القلب ومتعة الإحساس بالحب، ونقل صور حيّة من عالم المرأة المكبوت والمحاصر والمقموع، والتعبير عن معاناة الحياة اليومية وتفاصيلها الضاغطة على الوجدان وعن القضايا الاجتماعية الساخنة التي تهم قطاع النساء. وفي المقابل نجد كثيراً من الكتابات السطحية الهزيلة التي لا ترقى إلى مستوى الإبداع، ولا تمت للأدب بصلة».

تفاصيل المشهد..

1 ـ الشاعرة أسماء عزايزة:

ولدت أسماء عزايزة في قرية دبورية ـ قضاء الناصرة عام 1985م. شاركت في دورات وورشات علمية متخصصة متعددة، منها دورة «تطوير مهارات قيادية سياسية ـ جامعة حيفا»، وورشة «تطوير آليات للظهور بشكل مهني في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ـ مركز إعلام»، ودورة تطبيقية من قبل جامعة حيفا في إذاعة الشمس «تضمنت إنتاج وإعداد برامج»، ودورة «هندسة معمارية وتصميم داخلي في التخنيون»، و«دورة شاملة للمتفوقين في كلية المستقبل»، ودورة ذات لقاءات معدودة في موضوع «الاتصالات والتصوير في المركز الجماهيري ـ دبورية». وحازت عام 2006م لقب أول في الإعلام واللغة الإنكليزية من جامعة حيفا.
عملت في إذاعة «الشمس عام 2006م. بعدها عملت في «جمعية بلدنا» ضمن هيئة تحرير المجلة الصادرة عنها «شباب»، بالإضافة إلى كتابة زاوية ثابتة. كما عملت في مسرح «ديوان» اللجون.

وهي تعمل محررة في صحيفة «المدينة»، وتعمل أيضاً في المؤسسة العربية لحقوق الإنسان «في تحرير نشرة تقارير صحافية أسبوعية، بالإضافة إلى إعداد تقارير معمقة شهرية».
تكتب الشعر والمقالات ذات الطابع السياسي والاجتماعي، حيث تقوم بنشر بعضها في صحف مثل «حديث الناس»، و«فصل المقال»، و«بانياس»، ومجلات وصحف إلكترونية، مثل «صوت العروبة»، و«دنيا الوطن»، و«أدبيات»، و«بكرا»، وغيرها.

وفي العام الماضي، نالت أسماء جائزة الشعر عن مجموعتها الشعرية «ليوا»، (في مسابقة مؤسسة عبد المحسن القطان للكاتب الشاب في حقل الشعر)، وجاء في بيان لجنة التحكيم أن جائزة الكاتب الشاب في حقل الشعر لهذا العام، «تذهب إلى أسماء عزايزة، مع توصية بالنشر، وذلك لأنها مخطوطة مبدعة، وتنمُّ قصائد أسماء عن موهبة يمكن أن تتضح أكثر وأكثر في كتابات قادمة، وتقدم صوتاً أنثوياً فيه فرادة في شعرنا الفلسطيني والعربي، بعيداً عن فحولة القصيدة وذكوريتها، هذا الانفتاح والتعاطي مع التراث الأدبي العالمي، واختلاط الأنا بحبيبها وعدوها في آن، وهذا الخيال اللغوي والعمق النفسي الذي يحول المثل الشعبي إلى فلسفة وحكمة أبدية، حيث تلامس قصائدها القصيرة، الغموض أحياناً، لكنها لا تنغلق على الفهم في صور غنية جداً، ولغة شديدة العصرية متماسكة وسليمة. إنّ قصائدَ هذه المخطوطة مُتقَنةُ اللغة والإيقاع الدّاخليّ والصّورة، فهي موجزة وكثيفة وتعتني بالتفاصيل الصّغيرة».
من أشعارها:

حصانك لم يعد وحيداً
(إلى محمود درويش)
تعرف بيوتك من خفقان المناديل
أما أنا،
فأعرفها من صمت الوقتِ
وانتحار الدقائقِ
على حبال الغسيل،
أو من البنفسجْ
أو من البنفسج حين يصير لوناًَ للزهرِ
لزهركَ
وزهر لوزكَ..
أراه قوياً ثقيلاً
كأبياتكَ
يطل على حبري، فأستجير
بظلال حروفك وأكتب
***
تطل كشرفة بيت على ما تريد
أما أنا،
فيكفيني
أن أطل على بيت كثيفٍ
قد دونتهُ
وأطلب المزيد.
لا تخف على حلمك من وضوح الفراشةِ
ولا من بقع التوت فوق صهيل الحصانْ
فحصانك لم يعد وحيداً
رأيته يشتم رائحة الزهرِ
ويصهل من جديد
***
لا شيء يحيا بعد موتك أنتَ
فأنت الصوتُ
يشع من لغتك الظلامْ
وهو الصدى عبدٌ
يسحق الفوضى عن الأبوابِ
ويحفظ الأحلامْ
يحفظ أحلامكَ
من الأب والابن والعابرين
من يديكَ
ومن النجمة الواقفةِ
وحتى من مكان يأخذك إليه الكلامْ

2 ـ الشاعر أيمن كامل إغبارية:

ولد أيمن كامل إغبارية في أم الفحم ـ قضاء حيفا عام 1968م. أنهى الثانوية في الكلية الأرثوذكسية في حيفا، وبعدها التحق بجامعة حيفا، فدرس أولاً علم النفس، ثم الأدب الإنكليزي في الجامعة العبرية، وحاز على ماجستير في علم الإجرام في الجامعة العبرية في القدس، وبعدها ماجستير ثاني في موضوع التطوير الجماهيري، والدكتوراه في السياسات والنظرية التربوية في جامعة ولاية «بنسلفانيا» في أميركا، وذلك بين أعوام 2003م وحتى 2006م. وموضوعها عن مفهوم وتدريس ظاهرة العولمة في مناهج تعليم العلوم الاجتماعية في المدارس فوق الابتدائية في أميركا.

ويحاضر حالياً في جامعة حيفا، وكلية «بيت بيرل»، حيث يقوم بتدريس مساقات تتعلق بالعولمة والتربية والسياسات والجندر (النوع الاجتماعي) الذي يبحث في تاريخ الفكر النسوي واستراتيجيات العمل النسوي.

عمل سنين كثيرة في شركة المراكز الجماهيرية، بداية مديراً للمركز الجماهيري المتنقل للقرى العربية الصغيرة الذي بادرت إليه جمعية «إنسان»، وتبنته شركة المراكز الجماهيرية في عكا، وكان رئيس الطاقم الذي أسس المركز الجماهيري العربي المستقل في عكا، بعدها أصبح مديراً لقسم الثقافة والفنون في شركة المراكز الجماهيرية ما بين (1994م ـ 2000م)، حيث عمل على تطوير العمل الثقافي في أكثر من 30 بلدة عربية. يعمل حالياً رئيساً لقسم التربية اللامنهجية في المعهد العربي لإعداد المعلمين العرب.

ترجمت قصائده للغة العبرية والألمانية والإنكليزية.

من أعماله الشعرية: «تناثرت وأحب أن لايجمعني أحد»، 1997م، و«الغراب الأبيض».

من أشعاره:

طروادة
ـ 1 ـ
في جوف حصَان طِروادة
استنكَفَ مُحَارب صَرعتهُ العتمة.
هأنذا أَكتُبُ اسمَه بمعجونِ الأَسنانِ
على مرآة الحمّام.
هأنذا أحَصي مخاوفي بدلاً عنه
لأخفف عن سيف وحدتنا
ـ 2 ـ
منذ حاصرت طروادة حصانها
لم يتغيّر في العالم الكثير.
ولم يحدث شيء مما انتظرناه.
خيلٌ كثيرة
حلمتُ بدخول طروادة.
ومنها كتابي الأوّل
ديوان مليء بالفرسان والخسارات.
لم يلتفت إليه النقّاد
ولم يَعبَأ به حرّاسُ الأسوار.
ـ 3 ـ
منذ أن هدمت طروادة
لم تنجح القصائدُ بتغيير العالم
ولم يعد الشعراء يبتعدون عن أنفسهم.
كتب كثيرة
حاولت استعادة الأحلام الضائعة.
ومنها كتابي الأوّل
ديوان مليء بالمرايا والفشل
ظلّ خارج تاريخ النّهار والخيل.
لكنّهُ منذها
احتلَّ أكثر من وسادة
واستطاع أن يُشبهَ وجهَ اللَّيل

3 ـ الشاعر بشير شلش:

ولد بشير شلش في «عرابة البطوف» في الجليل عام 1978م. درس الأدب العربي والفلسفة في الجامعة العبرية والعلوم السياسية، أقام فترة في «برلين» و«فرانكفورت» لإكمال دراسته العليا في العلوم السّياسيّة والصحافة في «جامعة برلين الحرة». وهو شاعر وفنان تشكيلي، يعيش حالياً في حيفا متفرغاً للكتابة. ترجمت قصائد مختارة من أعماله إلى الألمانية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والإنكليزية والكورية.. ويعد بشير شلش أحد الأصوات الشعرية الأوضح والأكثر حضوراً في المشهد الشعري الفلسطيني الجديد.

نال جائزة الكاتب الشاب الأولى للشعر، التي تمنحها مؤسسة عبد المحسن القطان، لعام 2002م. وقد جاء في بيان لجنة تحكيم مسابقة القطّان للثقافة 2002: «قصائده ذات سيولة تعبيرية، تلتقط اليومي في صيغة شعرية توازن ما بين الواقعي والتأملي والغنائي. أفلحت في مقاربة سلسلة عريضة من الموضوعات دون أن تقع في فخ التكرار، أو الاختزال، وقدمت مشهدية حيوية النبرة، متغايرة الصوت، اعتمدت أساساً على القصة القصيرة واللقطة الكثيفة. ونأت عن المباشرة والتسطيح».

وكتب حسين بن حمزة في جريدة «الحياة اللندنية» عن التجربة الشعرية لشلش: «من منطلق التجربة الجديدة والشابة نفسها يمكن قراءة قصائد الشاعر بشير شلش التي يكشف فيها عن متانة بنائية واضحة وعن موهبة لافتة في كتابة القصيدة بضربة أسلوبية واحدة، خصوصاً أن كتابته القصائد القصيرة تساعده على النجاح في ذلك».

وكتب الشاعر السوري صالح دياب في جريدة «القدس العربي»: «شاعر ينتمي إلي الجيل الجديد في الشعر الفلسطيني، الذي يحاول أن يشق طريقاً مختلفاً، يتقاطع مع الكتابات الشعرية العربية الجديدة، بعيداً عن الإرث البلاغي والحماسي، وحتى الرومانسي، الذي انطبعت به التجارب المعروفة في الشعر الفلسطيني، ومن شعر بشير شلش قصيدة مهما ابتعدتَ ستصلُ الرسالة».

من أعماله الشعرية: «أرق أوسمة مستوحشة ونوارس»، 1997م. و«سماوات واطئة»، (شعر) بيت الشعر الفلسطيني، دار الزاهرة للنشر والتوزيع، رام الله، 2001م. و«حصاد العاصفة»، مؤسسة القطّان ودار الآداب، بيروت، 2003م. و«حتى لو كانت التماثيلُ عمياء»، دار ميريت، القاهرة، 2007م.

من أشعاره:
دعها تعوي هذه الوردة
بالتّساوي يوزّعُ الهَبَاءُ علينا هِبَاتهُ
فنذهبُ مسرورينَ إلى النومِ،
مفتونينَ بنجمتنا الغامضةِ بينما تهوي
من عِلّيينَ،
عاضّةً بنواجِذِها المُسنّنةِ سُرّةَ الليّلْ.
نركضُ في مطرِ الاسمِ ونقعُ
في الدّهشةِ،
بأحلامِنا التي تكتشفُ
جماليّات الأَلمْ.
روحُكَ تُؤلمكَ. خُدوشُ الفضّةِ
لا تُداوى بالسَّهر؛
يدٌ تكمشُ هواءً مُقنّعاً
راضيةً بحصّتها من الحَسْراَتْ.
دعها تعوي هذه الوردةُ
اجلِدْهَا بسياطِ عُزلتكَ
ومزاجِ أُلوهتِكَ المالحةْ،
تَنَفّس رائحةَ دمِها
المسفوحِ على السّجاد،
حيثُ عتمةُ عنيدةُ تنصبُ كمائنَها
لحُرّاسِ اليقظة،
وفي مجرّتهِ اَلحصينةِ يتدرّبُ الضوءُ
على تقمّصِ روحِ أَسَدْ.
العنقاءُ تطلقُ على نفسها
العنقاءُ تُطلقُ على نفسها رصاصةَ الرّحمةِ
دونَ أن ترتجف. ليكن معلوماً منذ الآنَ
وحينَ تخرجُ مُظِاهراتٌ غاصبةٌ ضد واو الجماعةِ علينا أن يكونَ لنا رأْيٌ.
شهِدْنا على الوردةِ وعلى السيفِ لكنّ المرايا
وحَدَها التي تتذكّرُ
وقوعَنا الخاطفَ في الشّبَهْ.
من أجل ألاّ نكرّرَ أخطاءنا التاريخيّةَ
في كتابةِ الهمزةِ، أو
في الثقةِ المفرطةِ بالأحلام،
لابُدّ من وقفةٍ حازمةٍ مع الظِّلالِ
والغيوم الشقيّةِ التي تغيّرُ أشكالها.
صحيحٌ. ثَمّة مُتعةٌ عصّيةٌ على الوصفِ
في كتابةِ المراثي، لكنّ ذلك
يجب ألاَّ يصرفنا عن إدانةِ المُحاولاتِ الدؤوبةِ
التي يبذلُها كاتمُ الصوتِ
للتقريب بينَ وجُهاتِ النظرْ.
سماواتٌ واطئة
ألمسُ بطنَ السّماءِ
بيديَّ،
تلسعُني النجومُ
من أطرافِ أصابعي...
لكنني أُواصِلُ الكتابةْ
الأزهارُ التى شهقت طوالَ الرَّبيع
تنامُ في العدمِ الكسولِ الآنَ
النوافذُ مُوزَّعَةٌ
مثلَ
نُوَتٍ
في سُلّمٍ موسيقيّ؛
أمّا قلبي
فهو الآنَ مثلَ كسرةِ خُبزٍ
مبلولةٍ بالعَتمةِ والماءْ.
أنظُرُ: لا أَرى!
دمي في الجهاتِ مُوزَّعٌ
و صوتي يجرحُ السماوات الثقيلة كالصدى....
***

4 ـ الشاعرة رانية ارشيد:

ولدت رانية ارشيد في الناصرة عام 1976م. تخرجت من مدرسة «الترسانطه» الثانوية فيها، وهي حاصلة على دبلوم صحافة. وتعمل حالياً في صحيفة «كل العرب» التي تصدر في الناصرة.

يقول نظير غانم في جريدة «الحياة» (03/03/2006م): «في مجموعتها الشعرية «أبجدية خاصة» ترحل شاعرتنا إلى حيث تمحى الحدود بين التصريح العلني والبوح الذاتي. وتنسكب كلماتها المشمسة على نوافذ البرودة والعطش، عائدة إلى ذاتها في أزمنة الهجرة إلى الآخر. شاعرة تفسح للنسيم الربيعي أن يداعب أفكارها الأنثوية متخطية خطيئة الحبر بعاطفتها الحسية، وبما لا يدع فرصة لأسيجة المحيط أن تأسر مداها. رانية ارشيد تزاوج بين الأفلاطونية والجسدية في عاطفة الأنثى التي لم تتحرر بعد من جاذبية الأرض ـ الحقيقة، ولعل وراء الحب بخصوصيته وقوة حضوره يتوارى رديف آخر للبقاء أكثر مما هو تمرد على النموذج، في ظرفية المكان الذي كان ولايزال فيه للمرأة الفلسطينية دور حياتي ونضالي لا يقل عن الدور الذي يؤديه الرجل».

ومما جاء في تقديم الشاعر محمد حلمي الريشة للمجموعة: «تلك هي الشاعرة القادمة رانية ارشيد، وهذا هو شعرها، يقفز بك من علو شوكة من دون ملامسة أخرى، لتبلغك بأن أبجديتها الخاصة ليست خاصة بها وحدها، إنها محاولة لاجتذابك فراشة نحو كوة الضوء المعلن، لا لتكويك به، بل لتقول لك: (هذا الجدار محصن أمامي/ وخلفه هو.../ فأجدني أنسج من خيوط شمس الغروب/ مستحيلاً يصلني بالغد)».

من أعمالها الشعرية: «كراسة حب»، الناصرة، 1999م. و«أبجدية خاصة»، تقديم: محمد حلمي الريشة، رام الله، 2006م. و«فراشة أم ضوء؟»، بيت الشعر الفلسطيني، رام الله، 2008م.

من أشعارها:

كريشـة عصفور
الأيامُ تمتلكُنِي، تسكُنني
تُخرجني من جِلدِ أنوثتي..
تُغيّر وريدي وشرياني
تكوّن سَاعتي وتَحرق أيامي،
ليصبحَ حاضري، رماداً
مستتراً خلفَ ستارِ ضياع مقدّر.
 
اختنقَ حلمي الأخير داخِلَ
ساعتي الزئبقيّة
خنقهُ عقربان، وبقايا
رياحٍ صفراء..
وعلى أرصفةِ الوقتِ
سلّمتُ حلمي للحظة الوهم.
 
تحنّط قلبي، ولا أدري لماذا
أشتَهي ساعَةَ النومِ
بدنِي يشتَعِلُ
وأشتمُ رذاذ الكلمات
وبقاياي تتبَعثَرُ...
أشعرُ بالموتِ بين جُدرانٍ
صمّاء،
يرتَعِشُ جَسَدي،
كريشَةِ عصفورٍ عاجزٍ
تحملها الرياح..
يجلدُني الغدُ بسياطِ الآمالِ
ويخلقُ فيّ حلمَ
وردةٍ ملَّت حرارة الصيفِ،
وانتظرَت الفجر بنداه.
حقيقة خطوة
كَأنَّها لَم تَكُن
ضَيّقة القَدَم.. مُختَزَلَةَ الرَّشَاقَةَ
هِي/
عَتبَةُ اللّقَاء
فِتنَةُ صَمتِهَا، تَتَكَدَّسُ ثَلجاً عَلى دِفءِ تِشريِن
تَتَهَجَانِي:
حَرفاً وَحَرَكَة
تَتلونِي:
كَلِمَةً وَبَسمَة
تَنقُشُنِي عَلى نحَاسٍ بَالٍ..
يُؤرجِحُ ضَوءهُ عَلى شَهَواتِ ظِلالِهِ الطّينيّةِ
أَيُّها النَّحاس:
مَا مِن بَريقٍ فِي شَهوَةِ لَمَعَانِكَ؛
كَأنَّهَا، تَموجَّاتِ بَيَاضٍ فِي قَلَقٍ مَغرُور
تُهدِينِي لَحظاتٍ مَنسوُجَة الصُّوَر
وَلِي/
أَن أٌفسّرَ وَمِيضَهَا فِي إطَارٍ ضَيّق
هِي خُطى/
بِسَاقَينِ عَقِيمَتَينِ مِن بَردِ سَريرٍ.. بِنِدَائِهَا الجَائِعِ
تَحملُ ذَاكِرَةَ الغُروبِ.
أنا بأشيائي:
وَحِيدةٌ عَلى مَرَايَا الضَّوءِ..
وَجهِي هَذا؟ّ أَم مَرمَر لَيلٍ تَكَدَّسَ عَلى حَافَتِهِ؟!
أنا.. أم سَدِيمَ جَسَدٍ لَم يَبخَل عَليّ بِعٌقمِهِ الغَيم؟!
هِي أَنا.. بِأَشيَائِي،
يُكَلِلَنِي بَردُ المَرَايا.
ـ (مَا مِن أَحَدٍ يَسرِقَ الكَرَزَ، العِنَبَ والخَمرَ،
إنَّها تَتَعَنقَدُ لِلَحَظاتٍ نَاضِجَة).

5 ـ الشاعر سامر خير:

ولد سامر خير في قرية «المغار» في الجليل الأعلى عام 1971م. حصل على اللقب الأول في الأدب العربي والأدب المقارن. يعمل في مركز رعاية المواهب العربية في المراكز الجماهيرية. بدأ العمل في الصحافة منذ العام 1992م ، حيث عمل محرراً ثقافياً في جريدة «الاتحاد» التي تصدر في حيفا حتى العام 2000م، بعدها عمل محرراً في جريدة «العين» التي تصدر في الناصرة. يقيم حالياً في الجليل، ويصدر صحيفة محلية في منطقة الجليل الأعلى، بعنوان «البيدر»، منذ العام 2002م.

ينشر نتاجه الشعري والأدبي في الصحف والمجلات المحلية والعربية، وقد تُرجم بعض شعره إلى اللغات الإنكليزية والإسبانية، ونشر في «أنطولوجيات» بهذه اللغات.
صدرت له المجموعات الشعرية التالية: «أمشي على قلبي» (1987م)، و«من كل جرح قطرة» (1989م)، و«تقاسيم على عود الجرح» (1991م)، و«لم أولد لأموت» (1994)، و«لن يعيش حياتي سواي» (1997م)، و«المكان يغادرنا كالغيوم» (2000م)، و«أعود مثل غيمة إلى الشجر» (2001م).

من أشعاره:
طالَ عيشُك يا مَوْت!
اهدئي يا سماءُ قليلاً
لنخرُجَ في نزهة
أو ليدخل بعضُّ الهواءْ
.. الدخانُ الذي يتهيَّأ كالغيمِ
هل فيه ماءْ؟
هل نُسَقِّي أزيزَ المدافع
رعداً؟ ونارَ المدينة برقَاً؟
إذاً ليسَ من مَطَر
غير وَرْدِ الدِّماءْ
كم أريحا سيُحرقُها يوَشعٌ
في أريحا؟ وكم مرَّةً
سنقولُ: الحريقُ ضياءْ
والقبورُ
أسرَّةُ أَطفالنا الشُّهداء؟
هل مضى ما مضى تحتَ لَيْلِكِ
أم أننا لم نكُنْ
غيرَ ما خطّهُ كاهنٌ بابِليٌّ
تخيَّل هذا الهباء؟
هل تُشرِّدُنا كلماتُ العَبيرِ القديمةِ
تمسَحُنا كالغُبار
وتزعُمُ أن المدائِنَ أرضٌ عَراءْ؟
يَتُها الكلماتُ اللعينةُ
ليسَتْ دمائي دواةً
لكاهِنك المَيْت
كُوني غُصوناً بلا شَجَرٍ
وايْبَسي في الخَلا!
اهدئي يا سماءُ قليلاً
تحْتَ شمسك
ما يستحقُّ انتظارَ التُّرابِ طويلاً
لكَ منّا البُخارُ
وَلكَنَ دَعينا
نموجُ قليلاً
لَك منّا اصفرارُ الوُجوهِ
ولكن دعينا
لنَخْضرَّ فَوْقَ الغُصونِ قليلاً
لَك نحنُ
اهْدَئَي يا سماءُ قليلاً!
آن يا موتُ
أن تترجَّل عن سرْجِ أكتافنا!
كُلِّ فَجْر نُشيِّعُ صُبحاً
إليكَ ونَقطفُ أثمارَنا فجَّةً
طالَ يا موتُ ظلُّكَ فوقَ مصابيحِنا
فَلْتَدَعْنا نَعشْ عُمرنا كاملاً
ثُمَّ قد نتمنّاكَ حُفرةَ نُورْ
طالَ عيشُكَ يا مَوْتُ
في أرضِنا طالَ نابُكَ
أكثَرَ ممَّا على عَظْمِنا من لُحومٍ
وطالَ سرابُكَ
قُل إنّكَ الغيْثُ
لا نَستَغثْ
قُل لَنا لنُصدّقَ أنَّ البُذُورْ
بعثها دَفنُها
قُل لنا نجمَةً في سوادكَ
حتى نظلَّ نُزغردُ في زفِّة الشّهداءِ
ولا نكْتَرِثْ!
طالَ عيشُكَ يا موتُ
في أرضنا. هل لَنا
كالرّصاصة أن نتنزَّه في الحقلِ
دونَ دمٍ في الخُطى؟
هل لنا أن نُطلَّ على شارعٍ هادئٍ؟
هل لنا أن نُزَوِّجَ أبناءنا قبل تأبينهمْ؟
هل لنا أن ننام كماءٍ زُلالٍ
وننهضُ في جدولٍ دافئٍ؟
هل لنا أن نموتَ على مَهلنا
آمنينَ
بلا طلقةِ في الجبين؟
هل لنا أن نسير ولا نتلفّتَ
ذاتَ الرَّصاص وذاتَ الكَمينْ؟
هل لنا أن نُفوِّتَ نشرةَ أخبارِ
هذا الصّباحِ؟
طالَ عيشكَ يا موتُ
طالَ نعيقُ السّلاح!
سنُسمِّيكَ حقلاً ونحفرُ أثلامنا
كُن رفيقاً بنا
حينَ نبذُرُ أجسامنا
فيكَ، يا مَوْتُ كُن
في المناديل بَرداً
كفى! لا تكُن
أنت أُمنيةً
لا تكُن أنتَ أَحلامَنَا!
اهدئي يا سماءُ طويلاً
كأحزاننا بعدَ صَحْو الرّحيلِ
.. سيحْلمُ جدِّيَ بالفجْر
دونَ مناقير تعزفُ نارَ العَويلِ:
يقومُ إلى حَقْلِهِ
ويُعدُّ زفافَ عَروسَته الأرضِ
للغيمِ قبل احتفال الشّتاء
.. أين قريتُهُ؟ أين غيمتُهُ؟
أين خطوتهُ؟
كيف ينهالُ صَخرٌ كَرَمْلٍ
وتنهارُ شمسٌ كَرمْشٍ
وترحَل أرضٌ كغيمٍ
وتفنى سماء؟
كيف تخلو القُرى من عصافيرها فجأةً:
لا نساء على العَين يحلبنَ ثديَ الصُّخورِ
ولا صبيةٌ يلعبونَ (هل اختبأُوا منذُ دهرٍ
وظلَّوا هُنا يلعبونَ) ولا بَيْدَرٌ
لتدورَ الحياةُ. ولا نسوة عائداتٌ
بصيد الحَطبْ
لا رجالٌ غَدَوْا ثُمَّ عادُوا
ونامُوا مَعَ الشّمس، أو سَهرُوا كالشّهُبْ
لا حميرٌ، ولا ثَمرٌ في السِّلالِ
ولا فرحةٌ بالغلال
ولا نأمةٌ.. غير نوْحِ الرياحٍ
فيَا للْعَجَبْ
كيفَ تَخلو القُرى من عَصافيرها فجأةٌ؟
ولا يُبلَّلُ قَطرُ النَّدىَ
أَوجُهَ النّائمينَ على أسطُحٍ من خَشبْ؟
هكذا.. دُونَ أيّ سببْ
وتحطُّ الثِّمارُ على أرضها
وَحْدَها.. دونَ أيديَ التَّعبْ؟
هكذا.. دونَ أيّ سببْ
وتصيرُ البيوتُ خِرَبْ؟
هكذا.. دونَ أيّ سببْ!
اهدئي يا سماءُ
كأحْزاننا..
كم أريحا سيَحْرقُها يوشَعٌ فوقَ أكفانِنا؟
كلُّ أرضٍ حَلَلنا بها
هزّها يوشَعٌ
وأراقَ تُرابَ النُّجومِ
وكلُّ سماءٍ حللنا بها
رَجَّها يوشَعٌ بالدُّخانِ
.. اهدئي يا سماءْ
أكثيرٌ عَليْنا البَقَاءْ؟
الهاوية
أُلازمُهُ صُدفةٌ منذُ نحو (30) عاماً
ولَم نتعارفْ بَعْد.
مَضى وقتٌ طويلٌ حتى تخلّص من ملاءة أحلامهِ
الواسعة التي اتَّسخَتْ من كثرة ما جَرْجرَ أذيالَهاَ
خلفَهُ في الأزقّة ثُمَّ رَماها وآثرَ السَّيرَ عارياً
حتى انطبعتْ قُبُلات الشّمسِ على كلِّ جسمِهِ كالنّدوب.
لَم يُصدِّقْ كيفَ نجا من طير الرّخِّ ومن شاطئ ظَهْر
السَّمكَة الكبير الّذي يحنُّ إليه أحياناً
لَمْ يُردْ أن يفعلَ أيّ شيءٍ فَعَلَهُ. كان مُضطراً فَقَطْ
إلى السُّقوط بحكم قانون التُّفاحة الذي ارتَعَبَ منهْ
جدّاً في أوَّل الأَمرِ عندماَ حاوَل التشبُّثَ بحافّةِ
الَهاويةِ اللَّزِجَة.
وَهَوى حتّى لَمْ يَعُدْ يعرفُ غيْرَ أن يهوي أكثَرَ
في هاويةٍ بلا قرارٍ سوى حُفرةٍ بحجمِ جسمهِ
.. لَمْ يَعُد إلَيْنا أحَدٌ من قاعِ الهاوية.
في الهاويةِ كُلُّهم يَهْوُوَن. وليس من اللاّئق أنْ
تقفَ مُعلّقاً في الفراغِ مثل ثُقبٍ في ثوبِ السّماء الأسْود.
في الهاوية لا وقتَ للنَّظر في مَعْنى السّقوط
طالَما لا يوجد خيارٌ آخر.
في الهاويةِ مُتعة لمَنْ لا ينظُرون إلى أسفَل.
فكُّرْتُ يَوماً باستَعمال البراشوت. ولكنّني لم أتحَمَّلْ
مُفارقة رفاقي الّذين كانُوا مُسرعين جدّاً بلا سَبَب
واضحٍ. فاضْطُرِرتُ إلى تمزيقِهِ وعناق صخرة كبيرة
للَّحاقِ بِهمْ.
اليومَ أصبحتُ أستمتع بهذه الهواية
حّتى أنني لا أشعر أنني أهْوَيَ.

6 ـ الشاعر صالح حبيب:

ولد صالح حبيب في «دير حنّا» في الجليل عام 1974م. حصل على اللقب الجامعي الأول في اللغة العربية وآدابها. يعمل في التدريس. ويحضر رسالة للحصول على اللقب الجامعي الثاني. ينشر قصائده في الوطن والخارج، مثل القاهرة وبيروت. صدرت له مجموعة شعرية بعنوان «قفز النظر».

من أشعاره:

كئيبٌ كَطَيرٍ بَعِيد
كَأنْ صَدنَّي بَعدَ هذا الهلاكِ عن الانطواءِ بصَبَّارِ غابِتكِ اليَابِسة
مَدَادٌ على مَدِّ كُميِّ،
تَشَظَّى كَما أنّهُ جَسَدٌ يَنْتَهي في شُجيراتهِ
يَتَبَجَّحُ عندَ الغيابِ ويَكشطُ أَفكارَهُ البائِسة
أُصَارِحُ فيك يَديَّ وأَجْعَلُ أقدحُ مَنْفاك
منفىً لهَ ألسَنٌ تَفتَقي أثَر الوطنِ السَّرمَدَيّ
يَبُوحُ بأَسرارِه للمفِارِقِ ثمَّ يُنادي على العاشقينَ بأسمَائِهِم
ويُكاتِبُ كُلَّ الذين يُحبونَ جَمعَ الطَّوابِع، في مِصرَ، تُونُس، لُندُنَ،
بَاريسَ، من شُعَرَاء ومُحتَجَزين.
مَدَادٌ
سَيَكرُجُ حتّى الكُهُولة
في الشطحَات وفي بُؤبُؤ العَين، فوقَ المراتب والرُّدُهات
وفي الاسترَاحَة، يَلهَجُ مثلي ومثْلَك، لكِنّهُ يَستريحُ إذا ما تَعِبنا.
كأن صَدَّني عنك هذا التَّقَاطُعُ
هذا التَّولُّهُ.
ما كان صوتاً وما كان مَعْصيَةً مَوسِمُ الكَلِماتِ.
سأَسقُطُ حَتماً على رُكبَتيَّ سَأَسقُطُ في ظلَّك المُخمَليِّ وأخرُجُ من صُلبِكِ المُتَعالي
أمَامي. وتَتْبَعُني حَالةٌ تَطرُقُ الوقتَ ثمَّ تُشبِّكُهُ بالمواسِمِ،
تَطرُقُ كوخَ التَّمَلمُلِ والذِّكريات.
أمن لُدنِ وقعَك بين الأصابعِ والخاتَم المَلَكي أُحَضِّرُ أسئلَةً
عن هَزيعِ السُقُوطِ بِلُدنِ الحَدَاثَةِ والبُوهيمية؟!
أٌنعَتُ بالإستعَارَة حَتّى أُجيدَ مُكاتَبةَ الأصدِقاءِ وَهُم لا يُجيدُونَ
غَيرَ تَذَكُّرِ ما قَرَأوهُ عن الشرقِ.
يَغشونَ في الوحدَةَ القارِسةْ.
فكُلُّ خُلُوصٍ من الانتظارِ انتظارُ، وفي كلِّ نافذةٍ أرقٌ ذاهلٌ في البَراري.
و في كُلِّ شِعرٍ نُثَارٌ وفي كُلِّ رَقصٍ كُلُومٌ.
سَمعتُكِ تَرتَشفينَ مسافَاتنا مثلَ أيِّ سَحَابٍ
وتَشتَبكينَ بأيِّ سَرَابٍ كأيَّةِ عُصفُورةٍ في قُرانا القديمة،
تنأى وتُوغلُ في عشقها،
تَتَملَّى المَدَى والحَدائقَ في حُرقٍ
سوفَ أشهدُ أنَّ المَدائنَ كانت بُكَاءً وما دَخَلتها الحُرُوبُ
سَأشهدُ أَنَّ الحَدائق آخذةٌ باليَباسِ وبالانتحارِ.
وآخذةٌ مْنْ يَديَ ما يُشاَبهُهُ حُزْني.
سَأشهدُ أنَّ اللُّغات تُمارِسُ فينا طٌقوسَ البداوةَ
تَجْتاحُ مَمْلكةُ الرَّملَ واللَّيلَ. تُغمضُ أجفانَهَا وتَنامُ عَلى حُزْمةٍ منْ وَداعٍ بمَهوى اليديْنِ.
سَأشهَدُ أنَّ النِّداءَ يَهونُ ولكنَّهُ لا يُوارى ويَسْقُطُ
كَالوَردِ في آخرِ الشُّرفاتِ، إلى أن يعودَ الكَلامُ إلى أوَّلِ
السَّطرَ في أحَرُف غَيْر مَنْقوطة ويُصوِّبَ نَحْوَ النَوَّاعيرِ
غُرْبَتَه ويراني كئيباً كَطَيْرٍ بعيدٍ عَنِ السَّربِ.
هَأنذا أَنحَني بين ضدَّينِ
لا أَرضَ لي غَيرَ قَلبِي

7 ـ الشاعر عبد المحسن نعامنة:

ولد في «عرّابة البطوف» في الجليل عام 1976م. يكتب الشعر والقصة والمقالة وينشر في الصحف المحلية مثل «الاتحاد» و«كل العرب» و«الصنارة» و«الجيل الجديد» ومجلة «شعراء»، في رام الله.

شارك في «مؤتمر القاهرة الخامس والثلاثون للكتاب»، وهناك ألقى بعض قصائده.
يكتب شعر التفعيلة والشعر الموزون والمقفى، ولديه تجربه ملفتة في مجال القصة القصيرة والمقالة.

صدرت له مجموعة شعرية: «الخروج من خسارات القبيلة»، دار نشر الهدف ـ عرابة، 2004م. وقد اعتبرها النقاد محطة هامة في الأدب الفلسطيني في الداخل المحتل، ونشر نقاد عديدون مقالات عن المجموعة كانت في معظمها تدور حول الإبداع والحزن العميق في كتابات نعامنة نتيجة الخسائر المتعددة، حيث كان يعالج في قصائده قضايا متعددة... ليصل القارئ في النهاية أن الخروج من خسارات القبيلة ما هو إلا خروج من بوابة الجروح، ودخول إلى بوابات الألم والحزن...

من أشعاره:

قصائد حائرة..!
1ـ شعرة من ضفيرة..!
مضى باكراً..
ولم يَتنبَّه لطقوسِ الوَداع الأخير..!
مَضى باكراً..
رغمَ دَمع الحبيبةِ..
إذ شيعتهُ..
ورغمَ الزَّعيم..
وأنفِ العشيرَة..!
ستذكره الأعينُ الظامئاتُ..
وتشتاق كلُّ الصبايا..
حضوره..!
مَضَى دونَ زادٍ..
مَضَى دونَ سيفٍ..
مضى دونَ شيئٍ..
سوى
شعرةٍ من ضفيرةْ..!
2- آخر ما قالَهُ بنو الأحمر..!
سيمضي كثيرٌ من الوقت..
لندركَ معنى السُّقوط
سَيذوي..
كثيرٌ من الوَرد في حضنِ ولاّدة..
لنفهمَ معنى غَياب الضيّاَء..
عن الوارفاتِ الظِّلالِ..
ونَعرفُ معنى..
سُقوط القبيلة..
ستسألُنا كلُّ ناصَياتِ الخيولِ
عن الغافقي..
وصقرُ قريش..
سيدخلُ كلَّ صُدورِ الرّجالِ
وقد أنكروا..
نعتهُم بالرجولَة..!
سينهضُ من بيننا طارقٌ..
ليُحيي رمادَ المَراكبِ
يمشي ويبحث..
عن ذكريات..
لدينا..
قتيلة..!
3 ـ صفعة على الجانب المنسي..!
قصائد عشقنا زائفة..!
وكلُّ ابتساماتنا..
راعفة..!
ستبقى جراحاتنا خَصبةً..
بملحِ النَّحيبِ..
وتبقى مواويلنا..
نازفة..!
سنبقى نعدُّ انتكاس الرِّياحِ..
نعدُّ الهزائمَ..
مثلَ صبي يعدُّ الحصى..
إذا لم يَمتْ ذكرُ بطن القبيلة..!
إذا لم يَمتْ ذكرُ..
فَخذ القبيلة..!
ولم نَقتلعْ جذرَ هذا التَّحزُّب..
وجَذرَ الجماعةِ والطائفة..!
قصائد عشقنا زائفة..
وكلّ ابتساماتنا..
راعفة..!

8 ـ الشاعرة ليليان بشارة ـ منصور:

ولدت ليليان بشارة منصور في «ترشيحا» في الجليل الأعلى عام 1962م. وهي شقيقة المفكر عزمي بشارة. درست الأدب الإنكليزي والأدب المقارن. حصلت على درجة الماجستير في الإبداع الكتابي (تخصّص: الذاكرة الفلسطينية من خلال الأدب الفلسطيني). تقول ليليان: «الأدب هو أحد المحاور الذي يطرح موضوع الذاكرة». وتضيف: «الأدب يحاور الذات الفلسطينية، ويُعيدُ إحياء ذاكرتنا التي تواجه هيمنة ثقافية وسياسية في حلة نتفاعل معها اضطرارياً».
وتقيم ليليان حالياَ في مدينة حيفا، وتعمل في تدريس اللغة والأدب الإنكليزيين. وهي مديرة جمعية «سرد» للتثقيف الأدبي، التراثي والفني.

صدر لها المجموعة الشعرية التالية: «كلمات على حافة الذاكرة الذهبية»، 1994م. و«ندى التين»، وزارة العلوم والثقافة، قسم الثقافة العربية، 2003م. و«عندما يغتسل التراب»، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 2006م.

يقول الناقد يوسف الخطيب في مقاله «الذاكرة والبحر والصراع الوجودي والبقائي.. قراءة في شعر الشاعرة ليليان بشارة ـ منصور»، (موقع ديوان العرب ـ 1/11/2004م): «عالجت الشاعرة ليليان في ديوانيها مواضيع تخص الذاكرة الفلسطينية والإنسانية من خلال تطرقها إلى عدد من الجوانب المتعلقة بحياة الفلسطيني، وما مر عليه من مآسٍ ونكبات من الغرباء ومن ذوي القربى. وفي سعيها إلى تبيان نوعية الذاكرة كثفت الشاعرة من رؤيتها لنوعية الجوانب التي يجب على الفلسطيني أن يعرفها. فالذاكرة التاريخية والمكانية تلعبان دوراً مركزياً في قصائد كثيرة في ديوانيها، وعلى وجه الخصوص في ديوانها الثاني «الندى والتين». ويضيف الخطيب: «يبدو بوضوح أن سير الشاعرة باتجاه بناء منهجية ورؤية مستقبلية لتاريخ هذا الشعب المناضل والصامد تأخذ منحىً واضحاً وشفافاً أكثر من خلال القصائد في ديوانها الثاني».

وفي مجموعتها الثالثة «عندما يغتسل التراب» يشعر القارئ أن الحزن صار في السنوات الأخيرة في شكل خاص جامعاً مشتركاً بين الشعراء العرب، وفي صورة خاصة تلك القصائد المتتابعة من شعراء فلسطينيين من «هناك» في الداخل وغيرهم من المتوزعين هنا وهنالك.... إنها قصائد يمتزج فيها الأسى والشعور بالظلم المذل الرازح على الصدور بما يبدو رؤية جمالية للحياة لم يستطع كل ذلك أن يجعلها تتفحم بل كل ما حققه ـ وهو مع ذلك رهيب ـ هو أن جعل ما يشبه غمامة خفيفة من الدمع تنسكب على ما يقع عليه القلب والعين. إن ذلك كما يبدو سمة فلسطينية راسخة الآن. وقد اشتملت المجموعة على (35) قصيدة جاءت في قسمين الأول هو «همس في ظلال الأرض»، وعنوان الثاني هو «عطر الطوباويات».
من أشعارها:

على حافّةِ الفُصولِ
ويتسرّبُ الرّحيقُ
مِنْ أطرافِها،
مِن أصابعِ يَدَيْها،
مِن أصابعِ رِجْلَيْها
وَيَغْرَقُ ثَوبُها في عِطرِ اللّوزِ.
* * *
ومع بداياتِ الرّبيعِ
عندما يَصحو اللّوزُ
وعندما يَصحو هو...
مِن سُباتٍ يَتبعُ طلاءَ أصابِعِها
يتَسلَّلُ إلى ينابيعِها
يَدخُلُ إلى حوضِ عِطرِها
يَرتشفُ ما طابَ لهُ،
يُحدِثُ ثورةً في بيئَتِها
يُخَزِّنُ عَسلاً في نَخاريبِ
خَليَّتِهِ
ويبني بيتَ عِشقٍ
لشتاءٍ قادمٍ.
علاقةُ التحامٍ ازدواجيّةٍ
أنتَ مدينتي،
ومدينتي أنتَ.
في البدءِ كانَ خروجُكُ،
مِنَ الرّحمِ
هناك في الكرملِ
والبحرِ
جاءَ موجٌ مِنَ الأحشاءِ،
صنَّعَ بُركاناً
وَشُقّتِ الأرضُ
وسالَ الزّبدُ مِن شفتَيْنِ مرتَجفتَيْنِ
مِن شعاعِ غُروبٍ
فطفحَ الصَّنوبرُ في الجليلِ
وأعلنْتَ عامَها،
عامَ المدينةِ.
* * *
أنتَ الكرملُ
وأنتَ البحرُ
وأنا مَنِ التحمْتُ مع صخَبِ الموجِ،
وَرَوَتِ النّوارسُ حكايَتَنا
وشَرِبْتُ
من ذبذباتِ ارتِجاجاتِهِ
حتّى الثّمالة.
* * *
بينَ القادمينِ والرّاحلينَ
أراكَ
تصطادُ قمَراً،
وينسكبُ النّورُ،
فتنيرُ المرفأَ ليْلاً،
وتُصبحُ مسيرةُ النِّساءِ والرِّجالِ
حكاياتِ عِشقٍ...
ومِن بَينِهِم،
ومِنَ البُركانِ،
بريقٌ مسحورٌ،
يَمْتدُّ إليَّ...
...
أيَّةُ نشوةٍ أنتَ
يا مالِئَ جميعِ الفراغاتِ؟
* * *
وفي مساءٍ خارجِ الفِكرةِ
والقمرُ بدرٌ،
أخلعُ ملابسي
وأرتدي عناقيدَ
مِن صنوبرِ الكرملِ
وأُلقي سمّاعةَ ذِكرياتي،
وأُصْغِي لكلماتٍ
في المرفأ
فتصبحُ الذّاكرةُ ياطرَتي
ريْثَما يبزُغُ الفجرُ
مِنْ حوضِ الرّملِ
لنُقيمَ شِراعاَ
ونُبْحِرَ مدينتي وأنا.

9 ـ الشاعرة نهاية عرموش:

ولدت في قرية «طمرة» في الجليل عام 1965م، وتقيم فيها. تعمل مركّزة لنادٍ نسائي. صدرت لها ثلاث مجموعات شعرية: «أريج الرذاذ والحبق» (1998م)، و«ضفيرتان» (2001م)، و«خيط عسل» (2007م).

من أشعارها:

مُثقَلون
مُثقلونَ بالدّخانِ
الّذي يُزاحمُ نقاءَ هوائِنا
فيخنقُنا مستمتعاً بغصّاتِنا
يَحمِلُنا بأعبائِنا المجنونةِ الصّاخبةِ
الّتي تستميتُ لقتلِنا.
***
مثقلونَ بالغربةِ
في وطنٍ جميلٍ وزاخرٍ
بأشجارِ الصّنوبرِ وأعشاشِ الطّيورِ
بنظراتِنا الزّائرةِ نَحوَ عُمقِ البحرِ
وسواحلِ مُدُنِنا المستعمَرَةِ
الّتي تُهفهفُ على أجسادِنا
بنسيمِ اللّيلِ الحزينِ.
***
مثقلون بِحَرِّ الصّيفِ
الّذي يَشُبُّ فينا
بصدى إحساسِ الغريبِ
الّذي يُشاهدُ حدودَ قُراهُ في التّلفازِ
وعلى لافتاتٍ أجنبيّةٍ
وقد لوّعَهُ ظمأُ الحُبِّ
والحسرةُ تُخيطُ أكفانَهُ
والموتُ وليفُنا ورديفُ موْلِدِنا.

10 ـ الشاعر وليد شلاعطة:

مواليد مدينة «سخنين» في الجليل الأعلى عام 1980م. حاصل على اللقب الأول الثاني في علوم التمريض والصحة العامة من جامعة حيفا، ويعمل في صندوق المرضى العام. وهو عضو في منتدى الطلائع الثقافي في الناصرة. حصل على الجائزة الثانية في الشعر بمسابقة اختصت بذكرى النكبة أقيمت في جامعة حيفا بمبادرة لجنة الطلاب العرب. ينشر أشعاره في الصحف الفلسطينية المحلية، وفي مواقع إنترنت عديدة. صدر ديوانه الأول بعنوان: «نزف الوقت ولحن الحطام» عام 2002م.

من أشعاره:

في ليلة الشتاء!
في ليلة الشتاء
تصير كل أصابعي
أزهار كستناء
وينتشي المساء...
ويطرب الظلام والفضاء.
في ليلة الشتاء
تزورنا الغيوم والرياح
بزهرة ارتياح
وفي أقوالهم لآلئ اشتياق
وتهدنا كتاب
كتاب ألف ليلة من قصر شهريار....
في ليلة الشتاء
نار وكوب شاي
وسر آه ناي
وألف
ألف قصة
من أرض سندباد.
في ليلة الشتاء
تراقص الرياح في الطريق
فلا خطى تجوب
ولا صدى الصغار
سوى رنين قطرة
يزين الجدار
وكومة من الأخشاب
وعلبة الثقاب...
في ليلة الشتاء رعد وبعض كان
ورقصة انتظار
في حضرة المكان
وعود صولجان.....
في ليلة الشتاء
تجتمع الأشجار
تسامر الندى
تغازل الأطيار
وتبعث الحياة
في الليل والنهار.
في ليلة الشتاء
يزقزق المدى
أغنية اعتذار
فيصمت الصباح
ويطرب المحار.
في ليلة الشتاء
مليون ألف دعوة
للريح والصقيع
كي يحتوينا وحدنا
فيزهر البعيد
ويرحل البكاء.
في ليلة الشتاء
تسريحة الطيور
تناغم الزمان
والحب والنقاء
يهمي على بيوتنا
فكلنا نصير
قوالب عطاء.
في ليلة الشتاء
تهاجر الطيور
لتحمها صدورنا
وتغمض الجفون
على سماء حينا
فاليوم يوم عيد
في ليلة الشتاء.

-أهم مصادر ومراجع الدراسة:

1 ـ أحمد عمر شاهين، موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين، دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية، 1992م.

2 ـ راضي صدوق، شعراء فلسطين في القرن العشرين ـ «توثيق أنطولوجي»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2000م.

3 ـ سلمى الخضراء الجيوسي، موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر، الجزء الأول: الشعر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997م.

4 ـ غسان زقطان، ضيوف النار الدائمون، (بالاشتراك)، بيت الشعر الفلسطيني، رام الله، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2000م.

5 ـ محمد حلمي الريشة، شعراء فلسطين في نصف قرن (1950 ـ 2000) توثيق أنطولوجي، (بالاشتراك مع مراد السوداني)، تقديم المتوكل طه، المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي في رام الله، 2007م.

6 ـ محمد حلمي الريشة، نوارس من البحر البعيد القريب؛ المشهد الشعري الجديد في فلسطين المحتلة 1948، (بالاشتراك مع آمال عواد رضوان)، بيت الشعر الفلسطيني، رام الله، 2008م.

7 ـ يحيى جبر، الأدب الفلسطيني في المثلث والجليل، مركز الأبحاث، دائرة اللغة العربية، جامعة بيت لحم، ط 1ـ 2007م.

8 ـ يوسف أسعد داغر، مصادر الدراسة الأدبية (1 ـ 4)، بيروت، الجامعة اللبنانية، 1987م.


أوس داوود يعقوب

كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف