ذاكرة مسرحية

تداعيات ما بعد النكبة

، بقلم سلمان ناطور

قبل أكثر من نصف قرن، لم يتصور أهلنا في حيفا ، أنه سيأتي يوم وتتوقف الحياة تماما في هذه المدينة التي لو ظلت على حالها وأهلها لكانت عل قمة واحدة مع شقيقاتها بيروت والاسكندرية وتونس على سواحل المتوسط، منارة حضارية وشعلة متوهجة.

قبل أكثر من نصف قرن كانت حيفا ويافا وعكا والناصرة والقدس مدن الحلم الفلسطيني باقامة نهضة ثقافية وفنية، وملتقى لثقافات الشرق والغرب، ولكن انقطع هذا الحلم مع تقطع وصال الشعب الفلسطيني في النكبة التي لم تقض على الحلم فقط بل على مسيرة شعب بأسره وجد نفسه بين ليلة وصبحها مشردا في جميع بقاع الأرض، في المخيمات والمنافي ومع ذلك كان عليه أن يبني كيانه وثقافته من جديد.
نحن الفلسطينيين الذين بقينا في وطننا، في بيوتنا وعلى أراضينا، أو منا من بقي على حدود أراضيه بعد أن سلبت منه بصفة الحاضر الغائب العبثية، نحن أفقنا من الصدمة والا البحر أمامنا والحدود من ورائنا وعلى صدورنا يجثم الغريب الذي لا نعرف لغته ولا مبرر وجوده في عقر دارنا، وقال لنا: سنتعايش، شئتم ذلك أم أبيتم والا سنلحقكم بركب شعبكم.

ما قبلنا هذا التعايش ولكن ما كان باليد حيلة، فبدأنا نضمد جراحنا ونعيد ما هدمته الواقعة في ظل حكم عسكري وحكم أجنبي وخليط من ثقافات العالم وسياسة لم تخف امتعاضها من مجرد بقائنا.

يقول أهلنا: في حيفا غنّت أم كلثوم وفريد الأطرش ومثّل يوسف وهبي ونجيب الريحاني وأمينة رزق والتقينا توفيق الحكيم والمازني ومي زيادة وميخائيل نعيمة، وحاولنا سوية أن نقيم مسرحا في جمعية "الرابطة الأدبية" عام 1929 فشاهدنا مسرحية "قاتل أخيه" لجميل البحري واستضفنا فرقة رمسيس بقيادة يوسف وهبي وجورج أبيض، وفي هذه الفترة بدأ تنافس شديد بين نوادينا الثقافية للنهوض بحركة مسرحية بين "النادي الاسلامي" و"النادي العربي" وفرقة كشاف حيفا وفرقة الكرمل، كانت نتيحة هذا التنافس انتاج ثماني مسرحيات في ثلاثة شهور تنوعت بين ما أبدعه كتاب حيفا وبين هاملت شكسبير.

عندما اختار شاعر فلسطين عبد الكريم الكرمي مدينة حيفا ليقيم فيها، شدّه اليها ليس فقط بحرها وجبلها بل حياتها الثقافية وأحيى مع زملائه حنا نقارة واميل حبيبي واميل توما النادي الأرثوذوكسي الذي كان منبر الثقافة والفنون الوطنية، وفي عام النكبة حمّل أبو سلمى على ظهر قارب وليس في يده سوى مفتاح البيت ومخطوطة شعرية سقطت في البحر، وهكذا شلت حياة حيفا مثلما شلت حياة فلسطين وشعبها.
بين الرغبة القوية في استمرار الحياة وتحت وطأة حكم عسكري لا يرحم بدأت في مطلع الخمسينات روح فنية تنمو بين الأنقاض، بحثا عن مسرح مستوحى من المقولة الثورية: أعطني مسرحا أعطيك أمّة، ولكن أي مسرح ينشأ تحت رقابة عسكرية صارمة؟

كانت المدارس العربية الأهلية الخاصة تحاول مواصلة المشوار الفني بما أعدته من تمثيليات مدرسية في المهرجانات والمناسبات الدينية ونهاية العام الدراسي، تمثيليات عن التربية الصالحة وعن اطاعة الأم والأب والابتعاد عن الشر، كان يكتبها معلم اللغة العربية أو مربي الصف أو أحد الطلاب البارزين في دروس الانشاء، وكانت هذه التمثيليات تجذب وتثير الحماس ليس فقط لمضمونها التربوي بل لأن أطفالا يقدمونها أمام أهاليهم، وفي المدارس الحكومية الخاضعة لرقابة وتوجيه وزارة التربية كانت أيضا تعقد الاحتفالات والمهرجانات في المناسبات الدينية ونهاية السنة ويضاف اليها في عيد استقلال اسرائيل. كل مدرسة كانت ملزمة باعداد مهرجان احتفالي باستقلال الدولة العبرية الصهيونية، وكان الطلاب يقدمون تمثيليات مسرحية عن الأخلاق لكن يضاف اليها حب الدولة والتعايش والسلام، وكان الأهالي يحضرون المهرجان ورجال الحكومة ويصفقون للأطفال الصغار وهم يهتفون: تعيش دولة اسرائيل.
معظم المسرحيين الذين ألهبوا الحياة الثقافية قبل النكبة حملتهم القوارب أو الشاحنات الى المنافي. مع العدد القليل الذي بدا ومع الأطفال الذين كبروا على هذه التمثيليات بدأت تعود الحياة المسرحية في النوادي والمراكز الأهلية في أواخر الخمسينات تحت عين الرقيب العسكري، وكان على المسرح أن يستعمل ذكاءه الفطري فاختار أعمالا لكتاب عالميين مثل موليير وشكسبير وفيكتور هوجو، عن الظلم والبؤس وفي مطلع الستينات بدأت مجموعة من الشبان بتشكيل فرقة مسرحية في الناصرة هي "المسرح الحديث" لتجمع بين ما كتبه العالميون وما كتبه مؤلفون من البلد وفي كثير من الأحيان كان التأليف جماعيا، وأذكر عندما شاهدت مسرحية "رجال وفئران" لجون شتاينبك في القدس العربية، بعد احتلالها عام 1967، خرجت منفعلا ليس فقط من العرض بل من الرسالة الواضحة التي قدمها هذا المسرح ضد الظلم والحرمان والاستغلال.

حتى نهاية الستينات تميز مسرحنا الفلسطيني بحالتين بارزتين أمام كل من يدرس هذا المسرح، ألأولى: أنه كان مسرحا تحايل على الواقع وعلى الرقيب فلجأ الى النص العالمي ليعبر عن واقع محلي، من خلال التداعي والجملة الموحية وعملية اسقاط تستوجب المقارنة والاستقراء، والثانية : غياب العنصر النسائي، وقد اختيرت مسرحيات تخلو من الأدوار النسائية أو أن ممثلين رجالا قاموا بهذه الأدوار أو أن المخرج حذف الدور النسائي وفي أحسن الحالات تشجعت فتاة نصراوية في منتصف الستينات ، هي أليس أبو سمرة، وقامت بشجاعة وجرأة بدور في مسرحية " الأيدي الناعمة" لتوفيق الحكيم وفي اطار المسرح الحديث.

ما أحدثته هزيمة حزيران على النفس العربية في العالم العربي لم يكن أقل ايلاما على النفس الفلسطينية في الداخل، فقد كان حجم توقعاتنا من عالمنا العربي الذي لم نره ولم نسمعه ولم تطأه أقدامنا، بقدر حجم جهلنا له وهكذا كانت خيبتنا، لكننا رفضنا أن تهزمنا الهزيمة.

هزيمة ال 67 واطلالتنا على العالم العربي بعد حصار طويل وحماس مجموعة من الشبان أنجبت في حيفا مسرحا عربيا جديدا هو الأول في المدينة بعد النكبة، انه "المسرح الناهض" ولعل في تسميته ما أراد أن يعبر عنه مقيموه وهو النهوض من جديد واعادة الحياة المسرحية لمدينة حيفا.

اختار هذا المسرح أعمالا عربية مثل "البيت القديم" و "الزوبعة" لمحمود ذياب، و"حلاق بغداد" لألفرد فرج ومسرحية "بعدين" لوليد مدفعي، وفي عام 1972 قدم المسرح الحر المنبثق عن المسرح الناهض مسرحية "زغرودة الأرض" من تأليف سهيل أبو نوارة ابن الناصرة واخراج أنطوان صالح، وهي عن التمسك بالأرض وعلاقة جيل الآباء يالأبناء في مسألة البقاء والتمسك بالقيم الوطنية، وعمل هذا المسرح الى منتصف السبعينات، حيث كان المنعطف الآخر في بناء حياتنا الثقافية والمسرحية وبلورة هويتنا، وأعني يوم الأرض في الثلاثين من آذار 1976 الذي كان انتفاضة على سياسة الهيمنة الصهيونية على الأرض العربية وعلى الشخصية العربية الفلسطينية، وأنجب يوم الأرض حالة مسرحية جديدة هي ادخال البعد الفلسطيني والواقع المحلي الى عالم المسرح وكذلك المباشرة في التعامل مع الواقع دون لف أو دوران وبالرغم من مقصات الرقيب، بل مع تحدي هذه المقصات، ففي عام 1976 قدم مسرح الصداقة في الناصرة مسرحية "رجال في الشمس" التي أعدها وأخرجها رياض مصاروة عن رواية غسان كنفاني، وحاولت الرقابة منعها الا أن الضجة التي أثيرت حولها أعتقتها وقامت فرق أخرى في القرى والمدن العربية متأثرة بيوم الأرض حتى بأسمائها: مثل المسرح الثائر، والمسرح الشعبي ومسرح آذار في شفاعمرو والذي اعتقلت السلطات الاسرائيلية طاقمه بعد عرض مسرحيته الأولى "أنا راجع يما" من تأليف واخراج رياض الخطيب لأن هذه المسرحية تتناول مسالة الحق الفلسطيني بالعودة والتشبث بالأرض.
قدم المسرح الناهض في حيفا عام 1977 عملا مسرحيا بعنوان "مهما صار" مؤلفا من تسع مشاهد كتبها طاقم المسرح وأخرجها أديب جهشان وكلها عن الحالة الفلسطينية: مجزرة كفر قاسم، الاستيطان، الحرب الأهلية في لبنان وعبثية الحالة العربية والفلسطينية في ظل انقسامات وتشتت ونزاعات لا مبرر لها، كانت مسرحية نقدية ساخرة ومباشرة مهدت الطريق لبلورة هوية الحركة الفلسطينية في الداخل ومضامين مسارحها، فشهدت بداية الثمانينات نهوضا مسرحيا لم تعرفه البلاد من قبل. تشكلت فرق مسرحية في كثير من البلدات العربية، القرى والمدن، وصار الواقع الفلسطيني هو الهاجس الأول بكل تفاصيله وهمومه، حتى أن مسرحة هذا الواقع أصبحت الانشغال الأساس لكل نشاط فلسطيني، ولعل في ازدهار مسرحيات الممثل الواحد ما يعكس رؤية سياسية وفنية في صلبها بناء الرواية الفلسطينية ممسرحة، او توظيف المسرح لبناء هذه الرواية وهذا أمر طبيعي في غياب رواية فلسطينية شفوية وفي استمرار واقع التشرد والمنافي والمعاناة تحت الاحتلال: كانت "المتشائل" لاميل حبيبي ثم "أم الروبابيكيا" لاحقا و"ذاكرة النسيان" لمحمود درويش و"العجقول" عن قصة توفيق فياض، وبالمقابل ازدهرت في هذه المرحلة المسرحيات الغنائية مثل أعمال فرقة موال وفرقة سلمى وغيرها من الفرق التي جمعت بين النص الممسرح والرقص والغناء.

مسرحنا الفلسطيني ليس ملتصقا بالواقع فقط بل هو تعبير عن هذا الواقع الذي لا يحتاج الى الفنتزي المسرحي ولا الى الدراما المختلقة للتشويق ولا الى الحبكة فهو واقع دراماتيكي بطبيعته وهو أيضا شديد التعقيد وفيه متسع للتراجيدي والكوميدي والعبثي.

لم يكن غريبا على الجانر الأدبي أن يبتدع الكتابة التسجيلية التي تجمع بين الصحافة والأدب، أي تصوير الواقع كما هو ولكن بعين ترى ما وراء الواقع وتختار الزاوية الصحيحة لرصده، وفي أدبنا الفلسطيني أصبح العمل الأدبي شهادة والقصيدة حكاية والرواية رصد لمسلسل درامي لا تكاد تنهي حلقة حتى تأتيك واقعة جديدة تتحول الى حلقة جديدة في المسلسل الذي لا نهاية له، وفي هذا الواقع ينشأ المسرح التسجيلي، المسرح الذي ياخذ صورة من واقع الحياة ويعيد صياغتها بجمل مسرحية ويقدمها بأبطالها الحقيقيين، مضيفا عليها مؤثرات فنية وتقنية وصوتا داخليا أن أوقفوا هذا المسلسل.

لقد كانت تجربتي الأولى في الكتابة المسرحية عام 1982، كنت مثل أبناء جيلي الذين نشأوا في ظل الدولة العبرية التي أرادتهم أن يكبروا بلا هوية وانتماء وهم بحثوا عن كل ما يقوي انتماءهم العربي ويغني ثقافتهم ويكشف تاريخهم وجذورهم، تعلمت في الجامعة العبرية وعشت في المجتمع الاسرائيلي، في الشارع تسود اللغة العبرية وفي البيت اللغة العربية، المدينة عبرية يهودية اسرائيلية والقرية عربية فلسطينية، في النهار لك لغة للخطاب وفي الليل لك لغة أخرى، في هذين العالمين المتناقضين كان يجب أن تخوض معركة البقاء والصمود، وفي هذا العالم المشطور كان عليك ان تتحول الى بطل تراجيكومي (كما وصفه اميل حبيبي في المتشائل) تلجأ الى السخرية اللاذعة كي تتحايل على الجلاد وتضحك ثم تبكي وتسخر من الغير ثم من نفسك وفي كل الحالات تأسف على "الحالة اللي احنا فيها". في تلك الفترة استحوذت علي هذه الحالة العبثية فكتبتها قصصا ساخرة ثم مسرحتها في عمل مونودرامي أسميته "المستنقع" وقد أخرجه رياض مصاروة ومثله غسان عباس، كان هذا العمل يصور يوما في حياة عامل فلسطيني يعمل في تل أبيب، مجرد عامل يبحث عن لقمة عيشه فيجدها أحيانا في مطاعمهم وفي أحيان أخرى في ورشات البناء وحتى في تنظيف شوارعهم، لم أكن بحاجة الى عملية اختلاق الصور المسرحية كي أبني هذا العمل، كل ما فعلته هو أنني ذهبت الى تل أبيب والتقيت العمال الفلسطينيين الذين يعملون هناك وسجلت قصصهم وحكاياتهم وحتى جملهم اليومية التي تعبر عن نقمة وغضب واذا بها عناصر رهيبة لصياغة المونولوج الفلسطيني المؤثر والنازف.

في اليوم الأول لعرض المسرحية عرضا احتفاليا اقتحمت قاعة المسرح البلدي في الناصرة قوة بوليسية وأمرت بمنع العرض، كان الجمهور قد دخل القاعة وينتظر البدء بالعرض وأفراد الشرطة على الأبواب ولم تطفأ الأنوار فدخل الممثل غسان عباس ووقف وسط صمت حاد وقد ربط على فمه شريطا من القماش ووقف دقيقتين صامتا دون حراك ثم غاب وراء الكواليس وانتهت المسرحية، لكن لم ينته دور الشرطة التي اعتقلت الممثل والمخرج وأصدرت أمرا صارما بعدم عرض المسرحية بحجة أنها "تحرض ضد أمن الدولة"، وبحجة "أمن الدولة" فرضت علي اقامة اجبارية في ذلك الوقت ولم يسمح لي بمغادرة بيتي لمدة ستة أشهر. لو أن ما وصفته هنا ليس واقعا لكان مسرحية عبثية، انه واقع ومسرح في نفس الوقت.
تغير هذا الواقع منذ العام 1982، فمن جهة ألغيت الرقابة على المسرحيات، ولم تعد مسرحية عن عامل عربي يبحث عن لقمة عيشه في تل أبيب تشكل خطرا على أمن الدولة العبرية، ولم تعد هذه الدولة تخاف من المسرح لأنها بحجة الأمن تقصف البيوت وتقتل الناس في بيوتها، لقد أصبحت المسرحية أعنف وأكثر دموية وصارت الحالة كما وصفها أحد كتابنا، علي عاشور، "باسم الأمن فقدنا الأمن وصار الأمن عدو الأمن"، فلماذا نجتهد في كتابة مسرحية بعيدة عن هذا الواقع/ المسرح؟

قبل عشر سنوات ومع التوقيع على اتفاقات أوسلو والحديث عن سلام وهمي، أو كما أسميته في ذلك الوقت " السلام الفكري"، اعتقدت أنه حان الوقت للانفصال عن الواقع والتحليق في فنتزي السلام المنشود وكان يشغلني السؤال: هذا السلام الذي يتحدثون عنه ، هل يضمن لقاء الأخ بأخيه؟ كان الجواب واضحا لي أن هذا السلام لا يضمن لقاء أم تعيش في قرية عربية في الجليل مع ابنها الذي هرب الى لبنان قبل ثلاثين عاما وصار مقاتلا هناك ثم في معركة الكرامة ثم وصل الى تونس بعد الخروج من بيروت، وهذه حالة حقيقية. أخذتها كما رأيتها في الجليل وتونس وبنيت عليها مسرحيتي "هبوط اضطراري" التي عرضها مسرح الحكواتي. في المسرحية لا يلتقي شقيقان، الأول بقي في وطنه والثاني شرد منه لأن النظام الاسرائيلي لا يريد هذا اللقاء والأنظمة العربية لا تريد هذا اللقاء فظل الاثنان عالقين في المطارات تحت رحمة محققين صلفين واتهامات لا حصر لها بالعمالة والخيانة. في المسرحية يلتقي الشقيقان في الحلم وهو المكان الوحيد للقائهما.

"الهبوط الاضطراري"، هي الحالة الفلسطينية الدائمة التي ترافق مسيرتنا في الحرب والسلم منذ بداية القرن العشرين، ومنذ بدأنا نصوغ حلم الاستقلال والحرية، فما ان نحلق بأحلامنا ونقدم التضحيات لتحقيق الحلم واذا بقوة أعنف منا تضطرنا على الهبوط والتحطم على أرض الواقع. هكذا كنا مع انهيار الدولة العثمانية. كنا سنحظى بالحرية بعد موت "الرجل المريض" ولكن جاءت بريطانيا وحطمت هذا الحلم، وفي ثورة ال36 كنا مع الشعوب التي بدأت تصفي الاستعمار في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وناضلنا لتحقيق الحلم ولكننا هبطنا هبوطا اضطراريا ولم نفقد الأمل طيلة عشر سنوات. ناضلنا واقتربنا من الحرية وقبل أن نعانقها نزلت علينا نكبة مزقت جسدنا المنهك، ثم في حزيران 67 نسجنا الحلم العربي مع أشقائنا، فما هبطنا نحن وهم هبوطا اضطراريا بل حطمت طائراتنا في مطاراتنا وحلقنا مرة أخرى في انتفاضة الحجر وكانت تلك جولة الطفل الفلسطيني الذي لا حدود لأحلامه، وكنا عن النصر قاب قوسين وأدنى، ولكننا هبطنا بصواريخ حاملات الطائرات الأمريكية في موانيء الخليج وباللعبة السياسية التي تدعى المؤتمر الدولي، الذي لم يترك لنا فضاء للحلم.

هكذا صغت هذا التاريخ في مسرحية لساعة من الزمن، يقدمها ممثلان يتبادلان الأدوار، كل منهما يكون ضحية وكل منهما يكون جلادا وعندما يلتقيان في الحلم يهربان الى عبث الطفولة في سجال من تصفية حسابات الى حدود القرف.
كاتبنا المسرحي ليس بحاجة الى عبقرية الكتابة، لأن عبقرية الواقع أقوى بكثير، وما علينا الا أن نصوغ هذه العبقرية ونختزلها في ساعة من الزمن لنعرض مسرحا مؤثرا، مبكيا ومضحكا، جادا وساخرا، محليا وعالميا، واقعيا وعبثيا، تماما مثل حياتنا اليومية.

ليس لدينا متسع للتأمل، بل لمعايشة الحدث، وترجمته الى لغتنا الأدبية والفنية.

عندما يصبح واقعنا تاريخا سنكون مؤهلين لانشاء مسرح من نوع آخر، سيكون مسرحا مبتورا عن تاريخه وماضيه، سنكتب مسرحا عن القمر وعن الحب العذري، وعن فقراء ليسوا نحن، ومظلومين ليسوا نحن، سنعيد الينا الرومانسية والتجريد وفلسفة الواقع.

حتى ذلك الحين سنظل نمسرح الواقع على علاته لأننا على خشبة المسرح ووسط اضاءة ملونة ومتغيرة ومع موسيقى تأتي من الخلف وتحتضن النص هكذا نحن في الواقع وفي حياتنا اليومية. في نصوصنا الكوميدية والتراجيدية صرخة مدوية: أوقفوا هذا النزيف! أوقفوا هذا النزيف!

كتبت الكثير للمسرح وعن المسرح ولكنني لم أفكر يوما أن أكون ممثلا مسرحيا الى أن أخذتني الذاكرة، ذاكرة شعبي وذاكرتي التي أفقدها يوما بعد يوم.

منذ ثلاثين عاما وأنا مشغول بالذاكرة الفلسطينية، ذاكرة أولئك الناس الذين كانوا شاهدين على المرحلة، الناس المهجرين الذين فقدوا بيوتهم وأراضيهم وصاروا لاجئين في وطنهم. ذهبت الى المسنين لأنقل ذاكرتهم قبل أن ينصرفوا من هذا العالم، كل منهم عالم قائم بذاته وعلى لسانه حكايات لا حصر لها ولا عد، كان وما يزال يعنيني الرجل البسيط، الانسان الطيب الذي لا يعرف كيف يؤدلج الحياة، الانسان الذي يتقن ربط الماضي بالحاضر بعفوية تثير الدهشة، جمعت مئات الحكايات وصغتها من جديد وصرت أقرأها وأرددها على مسامع الغير، أقرأها ولكن شيئا فشيئا صارت الشخصيات تتمرد على النص، كان يخيل الي وأنا أقرأها بلغتي الأدبية أن الشيخ أبو على من أم الزينات يخرج من الحكاية ويقول لي : ما هكذا قلت لك، وما هذه جملي بل جملك أنت، قلها كما قلتها ولا تزيف، بكلماتي ونبرتي ولهجتي. هذه الشخصيات نهضت من النص الأدبي متمردة لأنها لا تحتمل البلاغة بل البساطة، ووجدتني أخضع لها فتنازلت عن بلاغة الصياغة وأخذت بلاغة البساطة، الى أن استحوذتني هذه الشخصيات واستحكمت في اللاوعي فدفعتني الى المسرح لا كاتبا وحسب بل ممثلا أيضا.

أبو صلاح اللواح هو انسان بسيط يحب المرح والدبكة، انه ابن بلدنا، دائما يحمل الحطة، ليس لتقيه الحر والبرد، بل ليلوّح بها في الدبكة. كلما رأى جمهرة من الشبان كان يقبل اليهم ويوبخهم لأنهم يثرثرون ولا يدبكون، فيمسك بيد أحدهم ويقود الجميع لساعة من الفرح والرقص والغناء. أردت أن أكتب سيرة هذا الشيخ فالتقيته في بيته واذا به يجسد الحالة الفلسطينية في سبعين عاما وأكثر. لقد تملكني بحكاياته وحكمته وبمأساته الفردية التي يستر عليها بمرحه الجنوني. كتبته للمسرح وحين أعطيته لممثل حفظه واعتلى خشبة المسرح ليقدمه أحسست أن أبا صلاح الذي توفي في هذه الأثناء ينهض من قبره ويقبض على عنقي ويصرخ: ما هكذا قلت لك، هذه ليست حكاياتي.

عدت الى صوته ونبرته وضحكته واذا بها في داخلي، قرأت النص بصوت عال واذا به يمسرحني وينقلني الى حالة التطهر التي تغيبني عن الواقع، أبو صلاح في وأنا فيه، فلماذا أسلمه للآخرين؟

هذه الذاكرة هي حكايات بسيطة لكنها تكشف عن عالم كبير، فيه ألم بحجم المأساة وفيه ابتسامة بحجم سخريات القدر وفيه حكمة بحجم العالم الفلسطيني العبثي.

انها ذاكرتي الخاصة، وفي الوقت نفسه ذاكرة شعبي، ذاتية وجماعية، لي وحدي ولنا جميعا، عني كمن لا يحتفل بيوم ميلاده وعنا كمن نحتفل بمناسبات موتنا واستشهادنا.

الشيخ عباس كان رجلا بسيطا وكان يعتقد أنه يستطيع اسقاط الطائرات الانجليزية ثم الاسرائيلية، كان يحلم باسقاط طائرات العدو فأصابه هوس أفقده ذاكرته فأكلته الضباع، وأبو صلاح اللواح جعل من الحطة علما وأغنية الشمالية نشيدا وطنيا، خلف نكاته وسخريته وحماسه اللامحدود للدبكة شخصية مأساوية تجسد حياة الفلسطيني بمرحه وحزنه.

هذا العمل مبني كالذاكرة، حالات وحكايات وتداعيات متفرقة، ولا بطل فيها الا الذاكرة نفسها حولت كاتبا غاضبا مثلي الى حكواتي يسرد القصص ثم فرضت عليه أن يتقمص الشخصية التي أحبها، ليؤديها على المسرح في أشد حالات انفعالها.
عبد الحسن كان مناضلا أيام الانتداب البريطاني. قرر ضابط بريطاني تصفيته، فخلق حالة أدت الى أن تقوم أم عبد الحسن بقيادة الضابط البريطاني الى ابنها فيقتله أمام ناظريها واتهمت هي بموته، فهل هناك مأساة أعمق من هذه المأساة، أن تتهم الضحية؟

مخيم جنين الأمس كما مخيم جنين اليوم، وعامر الذي ولد مقعدا وتركته أمه على الطريق كبر "لا بيسمع ولا بيحكي ولا بيمشي" ظل تحت الانقاض في الاجتياح الأخير.

هذه الحكايات لن يبدعها كاتب مسرحي مهما كان عبقريا، انها هي عبقرية الواقع الفلسطيني، وما نفعله نحن الذين نتقن توظيف الكلمة والتقاط المشهد هو أننا نسجلها كما هي ونقدمها لكم وفاء لأصحابها وصدقا مع أنفسنا ومع المشاهد.


سلمان ناطور

روائي وكاتب فلسطيني

من نفس المؤلف