عندك بَحريّة، يا ريّس

، بقلم جوني منصور

حيفا قرية شبه مهجورة

لم يكن لحيفا أي مكانة لتكون ميناء للسفن على أنواعها، التجارية أو المسافرين. فحيفا قرية شبه مهجورة، ولم تجذب إليها حركة الحجاج المسيحيين في طريقهم إلى القدس أو الناصرة. ولعبت هذا الدور كل من عكا ويافا.

القراصنة من مالطة

من جهة أخرى، تعرض المكان، اي حيفا بما كانت عليه من وضعية رثة، والخليج الواصل بينها وبين عكا، لهجمات من قراصنة البحر المالطيين(من جزيرة مالطة) على وجه الخصوص. وفي واقع الأمر تفيدنا المصادر التاريخية أن السلطات العثمانية حاولت مرات كثيرة دفع هجمات القراصنة، إلا أنها لم توفق نهائيا في منعهم وقطع دابرهم.

تحول لصالح حيفا

التحول حصل في منتصف القرن السابع عشر عندما شهد البحر الأبيض المتوسط حركة تجارية نشطة من أوروبا باتجاه الشرق والعكس. وبدأ اسم ميناء حيفا يظهر في الخرائط المختلفة. وازداد عدد السفن المتجهة نحو حيفا بشكل خصوصي، لكون مرساها أكثر أمنًا من ناحية قلة نشاط الرياح والعواصف، ولأن ميناء عكا متهالك وبحاجة ماسة إلى صيانة وترميم، ما لم يبادر إليه اي حاكم، إلا بما هو قليل للغاية.

البحر مصدر رزق

لهذا بدأت المدينة تشهد حركة عمرانية واسعة، بحدود قدرات سكانها والوافدين إليها من بلاد الشام. وبودنا الإشارة هنا إلى أن موقع حيفا كان في منطقة "العتيقة" – اي حي محطة الكرمل حاليا وصولاً حتى أطراف المستشفى الحكومي(رامبام حاليا). إن توجيه السفن إلى ميناء حيفا شكل مصدر معيشة ورزق لعائلات كثيرة سواء كان العمل في السفن مباشرة أو بالمرافق التابعة، خاصة الخدمية منها.

عودة الرهبان الكرمليين

وتزامن اتساع رقعة المدينة مع وصول الرهبان الكرمليين إلى حيفا(في منتصف القرن السابع عشر تقريبًا)، خاصة إلى ستيلا مارس حيث شرعوا ببناء ديرهم القديم عند سفوح الجبل المطل على البحر(بالقرب من موقع القطار الكهربائي الأعلى).
واشار عدد من الرحالة الاوروبيين الذين زاروا البلدة وأيضا عكا، إلى ان حيفا آخذة بالاتساع وأيضا اتسعت أدوارها التي وفرت الخدمات اللازمة للتجارة البحرية.

هدم "العتيقة" وبناء "الجديدة"

ولوضع حد لهجمات القراصنة وتعدياتهم على عدد من السفن الاوروبية، عمل الشيخ ظاهر العمر عند وصوله إلى حيفا على نقل موقع البلدة من العتيقة إلى موقع أكثر شرقا، الممتد من ساحة الحناطير (الخمرة) غربًا وحتى ما بعد الجامع الصغير شرقًا، واطلق عليها اسم "العمارة الجديدة(أو حيفا الجديدة). وقام بهدم العتيقة ليحول دون استفادة القراصنة من اي حجر فيها.

تقاسم العمل بين حيفا وعكا

ويبدو أن حيفا تقاسمت تفريغ الحمولات التجارية التي كانت تصل إلى البلاد مع ميناء عكا، فكان زمن التفريغ في ميناء حيفا بين تشرين أول ونيسان، وباقي الأشهر في عكا. فلما تفرغ الحمولات في حيفا تنقل برًّا وبصورة مباشرة إلى عكا، ومنها إلى المواقع التي يجب ان تصلها.

التحول الذي حصل لصالح تجار حيفا، انهم بدأوا يستوردون قسمًا من الغلال، اي الحبوب عبر مينائهم مباشرة وتوريده مباشرة، وهذا كان ضربة قوية وقاسمة لميناء عكا. وفي واقع الأمر أن ميناء عكا بدأ يفقد من مكانته لصالح ميناء حيفا الذي شهد تطورًا هائلاً في مبناه وفي الخدمات التي كانت توفر للتجار ولصيانة السفن الواصلة والراسية فيه.

مرسى بتصميم روسي

وكان للحكومة الروسية دورًا في تطوير ميناء حيفا في منتصف القرن التاسع عشر، حيث اصدر الباب العالي في استنبول فرمانا لبناء مرسى في ميناء حيفا، وهو الأول والوحيد على طول الساحل السوري الممتد من مدينة الاسكندرونة وحتى العريش. وأشرف على هذا المشروع عدد من المهندسين والمعماريين الروس والايطاليين. واستثمرت الحكومة الروسية مبلغ ثلاثة آلاف جنيه استرليني لبناء المرسى بطول ثلاثين مترًا لرسو سفنها بأمان.

ومنافسة المانية ...

وفي العام 1886 ساهم المهندس الالماني غوتليب شوماخر(وهو من مؤسسي الكولونية الالمانية في حيفا وكبير مهندسي اللواء في ذاك العهد) في إطالة المرسى بواسطة بناء جدار طويل أشبه بجسر يحول دون تدفق المياه إلى داخل المرسى، وبلغ طوله 53 مترا. إلّا أنه مع مرور الزمن وتطور المدينة لم يفِ بالاحتياجات الضرورية.
ولما شرعت الدولة العثمانية بمد السكة الحديدية الحجازية ووصلها بخط إلى حيفا، طلبت من كبير مهندسي السكة المهندس الالماني مايسنر باشا بوضع مخططات(سكيتشات) لميناء حديث ومعاصر قريبا من موقع محطة السكة إلى الشرق من حيفا، وتحديدًا قرب جامع الاستقلال حاليا.

ميناء حيفا الحديث

وبقيت المدينة تستخدم المراسي القديمة إلى ان باشرت حكومة الاحتلال البريطاني ببناء الميناء الحديث في العام 1929. وافتتح رسميا في 31 تشرين اول 1933، واعتبر مبناء حيفا في عام إنشائه ثاني أكبر موانئ حوض البحر الأبيض المتوسط بعد ميناء مارسيليا(فرنسا).

شارع الملوك

وتم تجفيف مساحة هائلة من الأرض خلف شمال شارع يافا حتى بلغت العملية إلى موقع يصبح فيه رسو السفن عميقا وآمنا. وبهذا تكوّن شارع الملوك(الذي حول اسمه إلى شارع هعتصمؤوت) وشارع الميناء(وتعارف أهل حيفا على تسميته بشارع البور)، ثم رصيف الميناء. وكسب الذين اشتروا مساحات من الشاطئ قبل التجفيف، ومنهم الخياط وابراهيم صهيون وقرمان حيث ارتفعت اسعار الاراضي، وبالتالي كانت لهم فرصة لبناء حواصل ومحلات تجارية ومكاتب، وما تزال هذه المباني قائمة إلى يومنا هذا ابتداء من الرقم 1 وحتى الرقم 105(حيث بنك باركليز، مقابل مقبرة الروم الارثوذكس المحاطة بسور حجري وبالقرب منها مقبرة الروم الكاثوليك المحاطة بسيتج حديدي).

"ريّس البحر"

واعتاد من اشتغل في البحر، خاصة بكل ما له علاقة بالتفريغ والتحميل والاشراف على المراكب والمواعين أن يُسمى "ريّس" وجمعها "رُيّاس البحر". وأكثر عائلات حيفا اشتغالاً بالبحر عائلة "رنو العدلوني". وتوارث ابناء هذه العائلة رئاسة ميناء حيفا أبًا عن جد من العهد العثماني وحتى عهد الاحتلال البريطاني. ومن أوائل ريّاس البحر مصطفى رنو الذي تسميه السجلات بـ "ريّس حيفا" في عام 1868.

عائلات الريّاس

وتفيدنا سجلات المحكمة الشرعية في حيفا، وأيضا الصحف التي كانت تصدر في المدينة أن عائلات عدة عملت في مجال رياسة البحر، ومنها: الكسيح، الزقة، كيلو، القبطان، الشبلي. أما عائلة أبو زيد فظهرت في نهاية القرن التاسع عشر. وأيضا ظهرت عائلة "خرينو" في مطلع القرن العشرين حيث عمل افراد منها في البحر في الثلاثينيات من القرن.

رياس البحر من عائلتي رنو وأبو زيد

كان هناك نسب وقرابة بين عائلتي رنو وأبو زيد. ويعود هذا النسب إلى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين. وتوثقت الصلة بين العائلتين من خلال تسلم افرادها مهام رياسة البحر، بما فيها تفريغ وتحميل حمولات السفن حتى نهاية فترة الاحتلال البريطاني، اي حتى النكبة الفلسطينية في عام 1948.

ومن ابرزهم: علي رنو(1868)، أحمد علي رنو العدلوني(1870)، يوسف رنو العدلوني(1870)، محمود محمد رنو العدلوني(1892)، حسن مصطفى رنو(1889).

أما رياس البحر من عائلة أبو زيد: سليم ومصطفى وسعيد وأسعد أبناء محمد آغا أبو زيد رياس البحر في حيفا. واعتبر سعيد أبو زيد ريس الرياس في الاربعينيات من القرن الماضي. أما الريس كامل أبو زيد فكان شريكا مع جبرا المرشي في المراكب والبواخر التجارية.

كامل أبو زيد قصة نجاح مذهلة

وللإشارة هنا فإن كامل ابو زيد المولود بحيفا في 1903 ابتدأ حياته عاملا في المراكب الشراعية ثم مالكًا ومديرًا لعدة شركات في حيفا عملت في البواخر والتجارة، ومنها: شركة كامل ابو زيد وأخوانه، شركة رنو وأبو زيد وشركاؤهم، وشركة البواخر الفلسطينية المحدودة، وشركة الاستيفادورية(المحملين والمفرغين) لميناء حيفا. وكان كامل عضوا في مجلس إدارة البنك العربي، وعضوا في مجلس إدارة شركة البناء العهربية بحيفا. وتوسعت أعمال شركة رنو وأبو زيد في أعقاب التطور الهائل الذي أصاب قطاع التجارة البحرية في الثلاثينيات والاربعينيات. وانخرط معهم في أعمال إدارة الاستيراد الأخوان "فرعون" من لبنان اصلا، ومنهم قنصل لبنان العام في حيفا البيرتو فرعون، والذي يقال أنه كان عشيق غولدا مائير(التي تولت رئاسة حكومة اسرائيل بعد حرب حزيران 1967 وسقطت حكومتها في أعقاب الاخفاق في حرب تشرين أول – اوكتوبر 1973).

ونجحت عائلات رنو وابو زيد والحاج ابراهيم وغيرها من بسط يدها بقوة على قطاعات متنوعة من الاعمال والخدمات في الميناء، بالرغم من المحاولات الحثيثة للحركة الصهيونية ومنظماتها اختراق هذه العائلات. وساهمت هذه العائلات في دعم مشاريع خيرية كثيرة في المدينة، ومنها دعم الجمعية الاسلامية في مشاريعها الساعية إلى إقامة مدارس ومؤسسات تربوية في المدينة على وجه الخصوص.
وبرز من رياس العائلات الأخرى: مصباح الشبلي، ويوسف الهبيلة وعثمان الغرابلي، والعبد ديب ويوسف كيلُه.

بحرية حيفا

اشتهر من بحرية حيفا في القرن السابع عشر ومطلع القرن التاسع عشر عدد من أفراد عائلة عفارة، حتى تلقبت بعض فروعهم بـ "البحري". ومنهم الأديب والصحافي جميل البحري(طبعا لم يعمل في قطاع البحرية)، والذي قتل غدرا في عام 1930.
أما البحرية فهم مساعدو الرياس وعددهم اكبر. ومن أبرز هؤلاء في حيفا على وجه الخصوص: ابراهيم محمود عياش (1869)، ومحمود عياش البحري واسماعيل ابراهيم الزقة وخليل ابراهيم الكسيح وابراهيم طافش، وعطوان محمد عبد القادر شلون. وكان بحرية حيفا يلبسون الصداري والشراويل والشملات الحريرية المطرزة التي تثبت الشراويل على خصورهم. اما الريس فكان يلبس الطربوش التركي.

وأنشد شاعر حيفا الشعبي الشهيد نوح ابراهيم نشيدا خلال اضراب 1936 لبحارة حيفا ويافا البواسل:

نحيي رجال البحرية من إسلام ومسيحية
بحرية حيفا ويافا البواسل أصحاب الهمة العلية
نحيي بحرية حيفا رجال النخوة المعروفة
أظهروا مدة الاضراب شهامة عظيمة وموصوفة

خاتمة

هذا جزء صغير مما يجب ان ننقله إلى القارئ الكريم حول الميناء والبحر عموما، ودور أهالي حيفا في تطوير قطاع البحرية والخدمات في الميناء والتجارة البحرية. وبطبيعة الحال لم نتطرق إلى قطاع صيد الاسماك، وهذا ما سنتولى أمره في أعداد قريبة لنفي بحر حيفا حقّه.


جوني منصور

الدكتور المؤرخ جوني منصور من فلسطين.

من نفس المؤلف