حوار خاص مع لؤي صافي

، بقلم نور الدين علوش

بداية من هو الدكتور لؤي صافي؟

أنا واحد من أبناء الجيل المعاصر الذين حملوا هموم الانفصام بين الوعي التاريخي للأمة والواقع الحضاري المتولد في رحم ثقافة غربية ذات تجربة مغايرة في جوانب عديدة لتجربة المجتمعات الإسلامية التاريخية. هموم الجيل الذي انتمي إليه تتعلق بالرغبة العميقة والشديدة لتأكيد القيمة والتصورات الإنسانيةالتيميزت رسالة الإسلام وحضارته، واستعادة الدور التاريخي للأمة والهوية الحضارية التي تعبر عن الذات العربية والإسلامية التي تحمل رؤيتها الكونية المتميزة.
عانيت مع ابناء جيلي طويلا من الثنائية الثقافية التي أدت إلى التوتر بين الرؤية الكلية للحياة الضاربة في الوعي التاريخي للعرب والمسلمين، والنابعة أصلا من الإسلام وتراثه الثقافي من ناحية، والفاعلية الاجتماعية والحضارية الراهنة المرتبطة بالوعي الحداثي الغربي الذي يهيمن على وعي الإنسان المعاصر من ناحية الأخرى. لذلك فإن رحلتيالشخصيةوالعلمية والعملية تميزت بالجهد المستمر لفهم الانفكاك الحاصل بين الوعي الروحي والإخلاقيفي حياة العرب المعاصرةوالوعي العلمي والاجتماعي والسياسي، كما تميزت كذلك بالعمل لاعادة الفاعلية الأخلاقية والسياسية والدور التاريخي والإنساني للمجتمعات العربية والإسلامية.

هذا الهم وتلك المعاناة جعلاني أحرص على الجمع بين العمل الفكري والبحثي والتنظيري من جهة والعمل التنظيمي والسياسي من جهة أخرى، ويعكس كذلك إحساسي العميق بالعلاقة الجدلية بين الفكر والفعل وبين تطوير التصورات والأفكار والنظريات من ناحية والانخراط في الحراك الاجتماعي والسياسي وتطوير المنظمات والمؤسسات المجتمعية من جهة أخرى.

باعتباركم من رواد النهضة والتجديد الفكري ما هو رأيكم في المشاريع الفلسفية والفكرية العربية المطروحة ( الجابري ومالك بن نبي وابو القاسم الحاج حمد .....)؟

المشاريع الفكرية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الماضي وحملها مفكرون من أمثال مالك بن نبي ومحمد عابد الجابري وأبو القاسم حاج حمد، وغيرهم كثير من مفكري النهضة العربية الحديثة أغنت كثيرا الفكر العربي المعاصر وطرحت أسئلة مهمة حول طبيعة الحراك التاريخي، وأسباب التراجع والنهوض الحضاري في المناطق العربية والإسلامية.

بطبيعة الحال لا يمكن أن نطلق حكما واحدا على جميع المشاريع الفكري المطروحة، فكل منها له خصائصه المميزة وبالتالي يستحق تقييما مستقلا. القاسم المشترك الذي يجمع بين الكثير من هذ المشاريع هو الزخم الفكري الإبداعي والاستعداد لنقد الذات بغية تجاوز نقاط الضعف والبناء على نقاط القوة.

هل تتفقون مع الذين يقولون بأننا نعاني من أزمة منهج وليس أزمة مشاريع فلسفية؟

أنا لا أرى امكانية فصل المنهج عن المشروع الفكري الفلسفي. فالمنهجية أداة من أدوات الفكر والرؤية الفلسفية وهي تتعلق بطرائق البحث والتعاطي مع الخبرة الإنسانية، وهذا بالضرورة ينعكس على نتائج البحث المعرفي. التجربة الحضارية الإسلامي تفرض بوضوح التعامل مع الابعاد الوجدانية والاخلاقية ذات الأساس الديني، وهذا ما يتطلب النظر في طرائق التعاطي مع الظاهرة القرآنية والرسالة النبوية. هذا ما اكتشفه على سبيل المثال مفكرون ليبراليون كمحمد عابد الجابري ومفكرون يساريون كحسن حنفي.

لقد اكتشف رواد الحداثة العربية بعد اصرار شديد على تجاوز قضايا التراث الإسلامي التاريخي أستمر لعقود أن لا مناصة من التعاطي مع هذا التراث بشكل مباشر للتأسيس للفكر العربي الحديث، كما تظهر بوضوح أعمال لمفكرين حداثيين عادوا لتأسيس منظوماتهم الفكرية ذات المرجعية الغربية على أساس الخبرة التاريخية الإسلامية، وفي مقدمتهم حسين مروة والطيب التيزيني بالإضافة إلى الجابري وحنفي.

باعتباركم من الباحثين المتميزين في الفكر الإسلامي المعاصر فهل هذا الفكر قادر على تقديمأجوبة للتحديات التي تعيشهاالأمةالعربيةالإسلامية؟

يقف الفكر الإسلامي المعاصر في موقع ريادي في التعامل مع المشكلات الثقافية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات الإسلامية المعاصرة لأنه يسعى إلى بناء الحياة العربية على أساس أخلاقي وتصوري ينبع من الأساس العلوي للمجتمعات العربية المعاصرة ذات الأغلبية المسلمة. ذلك أن الاطارين التصوري العلوي والأخلاقي القيمي يشكلان القاعدة الصلبة والنواة المركزية للبناء الفكري. فالنظم الفكرية والفلسفية تسعى الى تطوير البنية النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية الضرورية لنقل القيم الأخلاقية والتصورات الكلية لمجتمع معين من دائرة القناعات والالتزامات الأخلاقية إلى دائرة المؤسسات والعلاقات والممارسات.

ولأن فاعلية الفكرة تتعلق بقدرة المفكر على البناء على الالتزام الوجداني والقيمي للقوى الاجتماعية المهيمنة فإن التيارات الفكرية القادرة على البناء على الوعي الوجداني الجمعي للأمة هيالأكثر قدرة على تحويل افكارها ونظرياتها إلى واقع معيش. وهذا ما يجعل الفكر الإسلامي أكثر فاعلية في تحريك الشارع العربي، خاصة بعد أن تجاوز مرحلة الانغلاق الفكروي الإديولوجي لينفتح على الخبرات الإنسانية، فيستفيد منها ويتفاعل معها.

اسمح لي ان انتقل بكم إلى المجال السياسي، سيدي الكريم نحن أمام منعطف تاريخي كبير الا وهو الربيع العربي هل من قراءة فلسفية وسياسية له؟

يشكل الربيع العربي عتبة تاريخية في نمو وعي الإنسان العربي ومؤشرا مهما لعودة المتجمعات العربية إلى الفاعلية. انتفاضة الشعوب العربية في وجه الظلم والفساد واستعدادها لتقديم التضحيات للخلاص من وصاية النخب السياسية المتحكمة في الواقع العربي تشير إلى عودة الثقة بالذات والارتقاء النفسي والوجداني للشعوب العربية.

النخب السياسية والثقافية التي حكمت المجتمعات العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار حاولت نقل الخبرات المتولدة في المجتمعات الغربية إلى العالم العربية دون اعتبار للأساس الثقافي والأخلاقي التاريخي للمجتمعات العربية. الجهد المستمر لفرض الحداثة من قمة الهرم السلطوي على الإنسان العربي ولد بنية استبدادية اعطت العسكر سلطة سياسية مطلقة وأدت إلى تهميش الشرائح الاجتماعية المتمسكة بالارث الثقافي التاريخي للأمة، وولدت اشكالا عديدة من الفساد الاداري والاجتماعي نتيجة غياب المحاسبة الشعبية للقوى السياسية الحاكمة.

وبالتالي فإن المرحلة القادمة تمثل رؤية مختلفة جوهريا لجهود التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية أكثر التصاقا بالوعي التاريخي للأمة، وهذا ما يفسر بروز الحركة الإسلامية كقوة أساسية في قيادة التحولات السياسية الكبرى التي يشار إليها اليوم بمصطلح الربيع العربي. التحدي في هذا المرحلة هو تأكيد القيم الثقافية والاجتماعية المرتبطة بالذات العربي الضاربة بحذورها في عمق الحضارة الإسلامية دون الانفكاك عن الحضارة الحداثية ذات الجذور الغربية. وهذا يتطلب وعيا كبيرا لدى قادة الرأي من مفكرين وتربويين وأدباء وفنانين وصحفيين وسياسيين وحقوقيين وغيرهم من صناع الثقافة وحماتها.

سيدي الكريم هل من دور ثوري للمثقف العربي في اللحظة الراهنة؟

دور المثقف في ترشيد الثورات العربية والدفاع عن انجازاتها الكبيرة أساسي، لأن التخلف والنهوض الحضاريين يرتبط في جوهرة بالحالة الثقافية للمجتمع. التخلف الذي عانت منه الأجيال المتأخرة نجم عن ثقافة التخلف التي تميزت باستلاب المثقف وانبهاره بحضارة ناجزة، والسعى الحثيث للتماهي معها على حساب ارتباطه بسياقه الثقافي والتاريخي وتفاعله مع هموم الإنسان العربي.

أما بناء مستقبل حضاري يعكس القيم الأصيلة للإنسان العربي المرتبطة ثقافيا ووجوديا برسالة الإسلام الحضارية فإنه يحتاج إلى قدرات عالية لتحرير الرسالة الإسلامية من خصوصيات تطبيقاتها التاريخية وتحويلها إلى رسالة إنسانية تبعث الروح والأمل في الجماهير العربية وتتفاعل معها لانتاج نموذج حضاري إنساني رفيع. وهنا يبرز دور المثقف العربي، حامل الرسالة الحضارية الإسلامية. التحدي بطبيعة الحال يتمثل بتحرير العقل العربي من القوالب التاريخية التي تجسدت من خلالها القيم السامية التي حملتها الرسالات السماوية التي ختمتها الرسالة الإسلامية، والسماح له بانتاج قوالب وبنى حضارية معاصرة تستصحب هذه القيم وتعيد صياغتها في اطار تاريخي متجدد.

بعد نجاح الثورات العربية في إسقاط الأنظمة الاستبدادية فهل نحن قادرون على بناء دول ديمقراطية تعددية؟

دولة المشاركة السياسية حماية الحقوق الأساسية للإنسان مشروع انضجته تجربة سياسية مريرة وحمله الربيع العربي، لكنه لا يزال يحمل صفة "المشروع". فالحراك الديمقراطي والروح الديمقراطية التي حملها الربيع العربي لا يمكن ترجمتها إلى أشكال وعلاقات ناجزة يمكن تنزيلها على الواقع العربي، بل هي في جوهرها مجموعة من القيم والتوقعات والاحلام ستتطلب زمنا قبل أن يتم انضاجها على المستويين الثقافي والمؤسسي.

اعتقد أن من ينتظر أن يشهد تبدلا آنيا من حال الاستبداد والتخلف في الأداء إلى حالة الفاعلية السياسة والاجتماعية والاقتصادية سيصاب بخيبة في الأمل. إسقاط الأنظمة الاستبدادية هي الخطوة الأولى لا الأخيرة في عملية البناء الحقيقي للمجتمعات العربية وبالتالي فإن ثمة حاجة إلى كثير من الصبر والعمل الدؤوب للوصول إلى الدولة الديمقراطية التعددية التي تتماهى مع ضمير الإنسان العربي وتتحقق طموحاته.

هل انتم متفقون مع القائلين بان المستفيد الوحيد من الربيع العربي هم الإسلاميون؟

المستفيد الحقيق من الربيع العربي هو الإنسان العربي، والإسلاميون يمثلون في هذه المرحلة الحاضنة التي تحمل هم هذا الإنسان في الوصول إلى حياة سياسية واجتماعية كريمة. الإسلام كما يعلم الجميع دين سماوي وليس مذهبا سياسيا، ومصطلح إسلامي الذي يستخدم اليوم لإشارة إلى القوى الاجتماعية والسياسية المؤكدة على الدور الأساسي لقيم الإسلام في إعادة تنظيم الحياة العامة يعبر عن حالة تاريخية نجمت عن جهود فصل الإسلام وقيمه عن مهمته في توفير القاعدة الروحية والإخلاقية للحياة السياسية.

لعل من أهم تداعيات الربيع العربي هو دخول الحركة الإسلامية التي حملت رسالة الدفاع عن تراث الأمة واستمراريتها التاريخية في مرحلة جديدة تجرد وصف "اسلامي" من دلالاته السياسية وتعيده إلى مجاله الدلالي عبر تاريخ الإسلام الطويل. ذلك أن المرحلة القادمة ستشهد بروز العديد من التصورات والمذاهب السياسية تنطلق من القيم المعيارية الإسلامية. بل يمكن القول بأن مصلح "إسلامي" يفتقد اليوم من دلالة سياسية محددة نظرا للتفاوت الكبير بين العقائد السياسية لمن يوصفون اليوم بالإسلاميين، فهم يشملون على سبيل المثال من يدعون إلى نظام سلطاني مركزي يمثل فيه "الخليفة" أو "الأمير" مركز الثقل السياسي من جهة، ومن يدعو إلى نظام شوري ديمقراطي يخضع في الرئيس إلى الإرادة الشعبية.

ما هي السيناريوهات المقبلة لما بعد الثورات العربية؟

سيكون الهم الإساسي لدول الربيع العربي انجاز التحول الديمقراطي داخليا، وسنشهد هذه الدول في المرحلة القادمة اهتمام كبير في بناء مؤسسات المجتمع المدني واصلاح الانظمة التعليمة والمنظومات القانونية. ستشهد المرحلة القادمة كذلك اصطفافات سياسية جديدة على الصعيد الداخلي والخارجي، قد تؤدي إلى ازدياد التوترات بين الدول الإقليمة. كما ستشهد محاولات لدعم الثورات المضادة لاضعاف قدرة القوى الثورية بغية الاستمرار في توجيه الحياة السياسية في المنطقة العربية.


نور الدين علوش

كاتب مغربي

من نفس المؤلف