الجمعة ١٣ تموز (يوليو) ٢٠١٢
بقلم هيثم نافل والي

سيرة ذاتية -رحلتي معَ الكتابة

لا أستطيع أن أقول أو أجزم، بأن مرحلة ما قبل الخامس الإعدادي كانت ناضجة أو مثمرة، لكن البداية الحقيقة كانت بعد ذلك الوقت من حياة الدراسة العلمية التي اخترتها دون تفكير أو رغبة، خاصة بعد أن استبدلت المواد الأدبية بالعلمية لأن أصحابي ذهبوا إلى مجال العلم ولم يتبقى لي من صديق يعزيني في تخصص الأدب... وهكذا كان قرار توجهي العلمي ساذجا وطفوليا، وكأني سأذهب مع أصحابي الذين فضلتهم عن جهل، إلى سفرة أو رحلة... لأجد نفسي فيما بعد إنسانا يعبد الأدب ويتخذه مذهباً له وفي ذات الوقت يكفر بالعلم وشياطينه، خاصة الزراعي منه!!

قلت بأن المرحلة الإعدادية العلمية الخامسة كانت نقطة التحول في حياتي الكتابية... وذلك عندما أهداني أستاذ اللغة العربية حينذاك كتابين أعجاباً وتشجيعاً لما كتبته من قصة في مادة الإنشاء وقتها... عندها شعرت بزهو واعتداد وثقة بنفسي لأعيد الكرة مرة أخرى وبقصة جديدة كادت تكون أفضل من أختها، وهكذا بدأت أكتب ما يخطر في بالي من أفكار ومواقف حدثت لي أو لأهلي أو لأصدقائي لأصقلها بقصة ذات حبكة ساخرة، لذيذة ومشوقة، وكأن اللعبة قد أعجبتني... لأجد نفسي فيما بعد الطالب الذي يكتب للطلاب مواد الإنشاء والخطابة من غير قصد أو غرور...

في هذا الوقت لم تتغير مناهج قراءاتي في عالم الأدب... فقد بقيت على حالها، مبعثرة وغير مبرمجة: أقرأ كل ما يصادفني أو أجده أمامي حتى وأن كانت معلوماتي وقتها غير كافية ولا حتى قدرتي الإدراكية تستطيع استيعابها، ككتاب رأس المال لماركس أو العقب الحديدية لجاك لندن ولا حتى الكتب التي لم أع حينها بأنها لا تتناسب وعمري الصغير، ككتاب ضياع في سوهو لكولن ولسن!! والسبب يعود بالتأكيد هو غياب السيطرة أو التوجيه من قبل العائلة البسيطة في هذا المجال، وبقيت أقرأ هكذا بشغف وجنون دون إدراك خطر القراءة غير الموجهة والتي قد تؤدي إلى مشاكل نفسية وفكرية لا يحمد عقباها... ولكنني تجاوزت تلك المرحلة بفضل الشيطان ولم أصب إلا بعفريت الحيادية الذي جعلني لا أحب أن أتخذ نظرية أو مبدأ أو قانون في اتجاه واحد... وآمنت بالوسط وخضعت لسلطانه، وكأني عبد له، وقلت في نفسي جاداً مستسلماً لتلك الهواجس التي وشمت في عقلي: أن الكون له أربعة اتجاهات ولا يمكن أن أتحدد في اتجاه واحد... وهكذا كنت وترعرعت... لأكون في نظر نفسي: كاتباً لكل الاتجاهات، وأقصد بالتأكيد هنا الاجتماعية طبعاً داخل المجتمع، وهل يخلو مجتمع من هذا التنوع؟! أبداً، فالتنوع هو الثقافة، هو الاختلاف والرأي الآخر وهو طبيعة الإنسان والأشياء. لذلك كتبت للطفل والتاجر والفنان والسكير والشيطان والدجال والنبي والملاك والآلهة... ومع ذلك هناك الكثير مما لم أكتب له بعد...

درست الموسيقى في معهد خاص، ليسَ لصاحب المعهد من هم سوى الدينار! فخرجت منه بعد مضي أكثر من سنة وأنا لا أعزف إلا على الجيتار وبمبادئ لا تتناسب والمال المدفوع!! مضيت في عالم الأدب وأنا أنظر إلى الفنون التشكيلية نظرة حالم لا يستطيع أن يمسك بزمام الواقع... لأنه يحلم! فالمرض الحيادي جعلني استقل في أفكاري حتى الحزبية منها... فلم أنتم إلى أي حزب وحتى يومي هذا... وهذا كان السبب الرئيسي من عدم قبولي في أكاديمية الفنون الجميلة رغم حصولي على معدل يجعلني أدرس الهندسة بدل الفن!! ومعَ ذلك جاء الرفض صريحاً، وقحاً ومتمادياً... وقررت بعدها أن أدرس أي شيء كي أتجنب الحرب التي كانت نارها مستعرة بين العراق وإيران... وشاءت الصدف أن أدخل الزراعة التي لي فيها مواقف وحكايات نادرة، لو سجلتها على الورق، لخرجت منها بكتاب لذيذ، مشوق ونادر.

ففي إحدى المرات التي سئلت فيها من قبل أستاذي بمادة البستنة الزراعة بقولة: عدد لي خمسة أنواع من أسرة الحمضيات؟!

وكانت النتيجة مؤلمة وخائبة كما توقعت ولم أصدم فيها!! قلت بإيجاز وحذر شديدين: البرتقال، الليمون والنارنج ثم قررت الصمت لجهلي المطبق بالأنواع الأخرى، ولولا شيوع هذه الأنواع الثلاثة في أسواق الخضار... لما كنت قد عرفت!! وقلت في سري متألماً: ماذا سيحصل لو سألني عن خمسة أنواع من روايات أناتول فرانس أو خمسة أنواع من مسرحيات الحكيم أو شكسبير أو حتى خمسة من روايات مينة أو ماركيز؟! لأثبت له مقدرتي الفائقة التي لا تنازع ولا تقارع... لكنه سألني فيما أنا محجم عنه للأسف.

أو عندما قمت بإقامة ثلاثة معارض للرسم التشكيلي، ولكم أن تعرفوا مدى حرصي على الفن وخيبتي في العلم، وأنا أقدم للفلاحين الفن التشكيلي الذي خرجت منه بعلاقات نسائية رائعة، جميلة وذو فائدة وخبرة جعلت مني أتخرج من صفوفها الراقية النهائية وأنا مازلت في المرحلة الأولى من عهد الدراسة في الجامعة... فيا لها من علاقات فذة وحميمة!!

انتشر صيتي في الكلية... على إني الطالب الذي يفحم الأساتذة بأسئلته!! ولكن ما نوع هذه الأسئلة التي يقصدون؟!

إنها أسئلة مخربة... هدفها تضييع الوقت، وتأخير الدرس، ونشر الفوضى في قاعة المحاضرات!! إذ تعودت مع الوقت وبخبث شيطاني لا أعلم كيف أتاني ولا من أين: أن أوجه للأساتذة المحاضرين أسئلة صعبة ومعقدة وأغلبها مصطلحات لا ترحم ولا تغني وأطلب تفسيراً لها... فيعجز الأستاذ عن الإجابة عليها وهو صاغر!! وهكذا بدأت أتفنن في البحث عن المصطلحات المعقدة الغريبة التي يجهلها الشيطان نفسه... كي أهيئ نفسي لدفعها في قاعة الدرس عن مكر، بحثاً عن تضييع الوقت، والطلبة يتغنون وينشدون هذه الحركات بعد أن أعجبتهم اللعبة... ويا لها من لعبة كنا فيها الخاسرين دائماً!! وهذا ما ذكرته في شخصية فارس في قصة صورة الرئيس.

ولكن لا يبقى الشيء على حالة، وهكذا تجاوزت المرحلة الجامعية وأنا لا أنشد سوى الأدب الضائع مني! بعدها قررت السفر إلى خارج أسوار الوطن، وأنا لا أملك سوى أوراق تثبت على أني مهندس زراعي، ولكن بمقدرة علمية ضحلة ولا تكاد تذكر، وبتفوق أدبي طاغ عجيب!!

لم تمض على إقامتي في ميونخ سوى أسابيع، حتى كنت أحد أفضل زبائن مكتبة جامعة ميونخ/ القسم الشرقي الرائع، والذي تديره امرأة ألمانية، حاصلة على شهادة دكتوراه في اللغة العربية؛ وسرعان ما شعرت بتواجدي المستمر والشبة يومي في قاعة المكتبة، وكأنني أسكن فيها! فبادرتني بالسؤال، باستغراب وحيرة: لماذا أنت هنا؟! ثم استطردت بجد وحزم: لقد اطلعت على هويتك والمعلومات المدونة فيها واتضح بأنك صائغ ذهب ومتخرج من صفوف كلية الزراعة، ولكنك لا تأتي إلى هنا لتقرأ ما يتعلق في اختصاصك؟!

ابتسمت ماكراً، وتذكرت الأسئلة التي كنت أوجهها لأساتذتي الأفاضل، وقلت بإيجاز مقتصد: ما أقرؤه هو الأدب العربي، وأنا كما ترين من بلاد العرب... إذن، فأنا أقرأ لبلادنا، فهو بالتالي أدبنا!! فضحكت وأصبحنا كالصديقين، أسألها عن كتب أتوق لقراءتها في العراق ولم أجدها، لكنها كانت تحضرها لي عن طيب خاطر عجيب، وكأنها أمي!! حتى وأن كانت تلك الكتب النسخة الوحيدة المعتمدة والموجودة في مكتبة الجامعة... فيا لها من إنسانة تفهمت معنى الشعور الذي يخالج من يحب الأدب حد العشق... حب لا يبارى ولا يتزعزع ولا يتنازل أو يتهاون ولا تختلف أو تضعف درجاته بالقدم! بل على العكس تماماً، فكلما تعمقت كلما اكتشفت أسراراً جديدة... تعطيك دفعة البحث وبقوة أكبر وبطاقة وشوق عارمين... وهذا هو الأدب الذي أعرفه وعشقته حد الإيمان والعبادة، وكأنه إله الكون!!

تراكمت مسؤولياتي في الغربة سريعاً، وأصبحت فجأة شخص يسعى للرزق كي يعيش! فقلت قراءاتي ولم أهملها... بدأت أكتب المقال والقصة القصيرة ولكن بشكل مضحك ولا يمت لشروط وأساسيات وقواعد فن الكتابة... لكنها نشرت لي رغم فقرها وبساطتها، ثم قمت وبمساعدة زوجتي أن نؤسس مجلة فصلية ناطقة باللغة العربية، وتهتم بالقضايا الاجتماعية والدينية والأدبية والعلمية وكانت تباع بسعر تكاليفها، والهدف منها كان: أن أبقى بجانب الأدب والقراءة والكتابة، كيلا أموت!!

أصبحت قراءاتي موجه، بعد أن كانت مبعثرة ولا تعرف طريقاً واضحاً لها؛ وأكثر ما كان يفرحني هو عندما تعلمت أسلوباً جديداً في القراءة وهو: أن أقتني كل ما أستطيع للكاتب الذي أنوي أن أتفرغ وأقرأ له... وبعد أن أحصل على مؤلفاته، أقرأها تباعاً دون انقطاع أو توقف... الكتاب تلو الآخر، حتى أفرغ من الكاتب ومؤلفاته... عندها أكون قد عرفت عنه كل شيء، حتى ما يحبه من طعام وما هو نبيذه المفضل!!

فكرت يوماً بدراسة شخصية يوحنا المعمدان... ولم أجد نفسي بعد حين، إلا غارقاً في بحر الأديان دون إرادة، وكأني منوم مغناطيسياً... ابتعت كل ما توفر من مؤلفات تخص أديان الشرق القديمة وبدأت الغوص فيها... واستغرقت في البحث والتنقيب والتفسير والتحليل، مدة لم تقل عن أربعة سنوات متواصلة دون انقطاع... بعدها كتبت ملاحظاتي التي خرجت فيها في كتاب تحت عنوان/ الدين والنبي في التاريخ، في مائتين وثمانين صفحة دون صور!!

وفي خلال تلك الفترة الحرجة التي استهلكت فيها طاقة تجاوزت حدود قدرتي الجسمانية... تعرفت بالصدفة، بعد أن نصحني صديق لي بالكتابة إلى موقع مندائي اسمه مندائين كروب... وكانت البداية والانطلاقة التي جعلت مني أدخل حقل المنافسة بعد أن وجدت من يكتب القصة القصيرة... فكتبت دون ملل وبنشاط وهمة عالية بعد أن تركزت قراءاتي ودراستي في مجال القصة القصيرة، ولا انسي فضل وجهد من كان يحثني على المواصلة أو من كان يقدم لي يد العون والنصيحة دون مقابل، فيا لهم من أصدقاء أوفياء قل مثيلهم في عالماً لا يعرف سوى المال لغةً، ولا يتخذ سوى المصلحة الذاتية مذهباً في حياته! كما لا يفوتني أن أذكر تشجيع زوجتي ووقوفها بجانبي وهي تختار لي عناوين القصص بعد أن تقرأها بكل دقة وحذر، وكأنها تسير على حبلٍ مشدود.

لم أقرأ لمحفوظ إلا قبل شهرين فقط من كتابتي لهذه السطور، بعد أن نصحني فيها شاعر مندائي عزيز، ولكن المضحك في الموضوع هو أنني تلقيت الكثير من الآراء التي كانت تردد جازمة: بأن أسلوبي الكتابي يكاد يكون مشابهاً لأسلوب نجيب!! وهذا ما جعلني أشعر بالسعادة والضحك: لأنني وكما قلت للتو، لم أقرأ لمحفوظ إلا قبل شهرين، وما كتبته كانَ أقدم من هذا التاريخ بكثير... وشعرت بالسعادة والغبطة، لأنني أحسست بقدرتي في الكتابة، خاصة عندما يشعر القارئ بأن أسلوبي يشابه أسلوب كاتبنا العالمي نجيب محفوظ، وهذا الأمر ليسَ بالهين ولا هو بالبسيط... قدرني الله أن أكون كما ضن بي القارئ الكريم، آمين يا رب العالمين.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى