الثلاثاء ٢ نيسان (أبريل) ٢٠١٣
بقلم محمد جمال صقر

فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّث

القسم الرابع

أَسْئِلَةُ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ

ومن كف على الاستماع، وظن أنه قد اكتفى، فقد صَمَّ عن الذِّكْرَى، وآثر الجهل على العلم؛ ومن ثم أتحدث إليكم فيما يأتي بكلام آخر جديد عليكم -أو ينبغي أن يكون جديدا عليكم حتى تستمر التجربة على منهجها- أحب من خلاله أن أقيس درجة مهارتي بالتحدث، ودرجة مهارتكم بالاستماع، بالأسئلة الآتية التي لا تمنع اقتراح غيرها:

- كَيْفَ تَخْتَلِفُ الْأَخْلَاقُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ؟

- مَا أَفْضَلُ أَحْوَالِ الْأَخْلَاقِ؟

- هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الْأَخْلَاقِ مَنْ لَا يَتَخَلَّقُ بِهَا؟

- هَلْ مِنَ الْمُفِيدِ تَعْلِيمُ شُؤُونِ الرَّذَائِلِ؟

- مَا سَبِيلُ الْفَضِيلَةِ الْمُقَدَّسُ الْمَعْرُوفُ؟

- مَا الْأَخْلَاقُ الَّتِي كَانَتْ قَدِيمًا وَاضِحَةَ التَّضَادِّ؟

- مَا الْأَخْلَاقُ الَّتِي صَارَتْ حَدِيثًا وَاضِحَةَ الْخَطَأِ؟

- كَيْفَ اخْتَلَفَتْ دَلَالَاتُ أَسْمَاءِ الْأَخْلَاقِ ثَبَاتًا وَزَوَالًا؟

- كَيْفَ اضْطَرَبَ أُسْلُوبُ هَذَا الْكَلَامِ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ؟

- لِمَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ؟

وعلى رغم اختلاط أساليبِ التفكير (حركة أفكار المتحدث)، والتعبير (حركة عبارات المتحدث)، والتقويم (حركة أحكام المستمع)، في أجوبة هذه الأسئلة كذلك، أميز فيما يأتي بعضها من بعض، فأتحدث إليكم بالكلام نفسه ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لأسألكم بعد المرة الأولى عن أسلوب التفكير، وبعد المرة الثانية عن أسلوب التعبير، وبعد المرة الثالثة الأخيرة عن أسلوب التقويم.
فَاسْتَمِعُوا أَوَّلًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّفْكِيرِ:

"عِنْدِي أَنَّ الْفَضِيلَةَ وَالرَّذِيلَةَ كَالْجَمَالِ وَالْقُبْحِ، أَمْرَانِ اعْتِبَارِيَّانِ، يَخْتَلِفَانِ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ؛ فَكَمَا أَنَّ الْجَمَالَ فِي أُمَّةٍ قَدْ يَكُونُ قُبْحًا فِي أُمَّةٍ أُخْرَى، كَذَلِكَ الْفَضِيلَةُ فِي عَصْرٍ قَدْ تَكُونُ رَذِيلَةً فِي عَصْرٍ آخَرَ.

لَيْسَتِ الْفَضَائِلُ وَالرَّذَائِلُ أَسْمَاءً تَوْقِيفيَّةً[1] كَأَسْمَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى!- لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهَا وَلَا تَبْدِيلُهَا! وَلَيْسَتِ الْفَضِيلُةُ فَضِيلَةً إِلَّا لِأَنَّهَا طَرِيقُ السَّعَادَةِ فِي الْحَيَاةِ، وَلَا الرَّذِيلَةُ رَذِيلَةً إِلَّا لِأَنَّهَا طَرِيقُ الشَّقَاءِ فِيهَا؛ فَحَيْثُ تَكُونُ السَّعَادَةُ فِي صِفَةٍ فَهِيَ الْفَضِيلَةُ -وَإِنْ كَانَتْ رَذِيلَةَ اللُّؤْمِ- وَحَيْثُ يَكُونُ الشَّقَاءُ فِي صِفَةٍ فَهِيَ الرَّذِيلَةُ، وَإِنْ كَانَتْ فَضِيلَةَ الْكَرَمِ[2].

اعْتَادَ عُلَمَاءُ الْأَخْلَاقِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ مِنْ عَهْدِ آدَمَ إِلَى الْيَوْمِ، أَنْ يَنْشُرُوا لَنَا فِي كِتَابٍ يُؤَلِّفُونَهُ أَوْ رِسَالَةٍ يُدَوِّنُونَهَا، جَدْوَلَيْنِ ثَابِتَيْنِ لَا يَنْتَقِلَانِ وَلَا يَتَحَلْحَلَانِ[3]، يَكْتُبُونَ عَلَى رَأْسِ أَحَدِهِمَا عُنْوَانَ الْفَضَائِلِ وَتَحْتَهُ كَلِمَاتِ الشَّجَاعَةِ وَالْكَرَمِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعِفَّةِ وَالْمُرُوءَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعِدْلِ وَالرَّحْمَةِ- وَعَلَى رَأْسِ ثَانِيهِمَا عُنْوَانَ الرَّذَائِلِ وَتَحْتَهُ كَلِمَاتِ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْخِيَانَةِ وَالْغَدْرِ وَالطَّمَعِ وَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالْقَسْوَةِ. وَأَرَى أَنَّهُ قَدْ آنَ لَهُمْ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ غَيْرُهُمْ بِالْأَمْسِ، وَأَنَّ أَسَالِيبَ الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ غَيْرُ أَسَالِيبِ الْحَيَاةِ الْمَاضِيَةِ، وَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي عَهْدِ الْبَدَاوَةِ وَالسَّذَاجَةِ رَذَائِلَ يَجْتَوِيهَا[4] النَّاسُ وَيَتَبَرَّمُونَ بِهَا وَيَسْتَثْقِلُونَ مَكَانَهَا[5]، قَدْ أَصْبَحَتْ فِي هَذَا الْعَصْرِ عَصْرِ الْمَدَنِيَّةِ الْمَادِّيَّةِ الْمُؤَسَّسَةِ عَلَى الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ، حَالَةً وَاقِعَةً مُقَرَّرَةً فِي نِظَامِ الْمُجْتَمَعِ الْبَشَرِيِّ، وَأُسُسًا ثَابِتَةً تُبْنَى عَلَيْهَا جَمِيعُ أَعْمَالِهِ وَشُؤُونِهِ؛ فَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهَا، وَلَا غِنَى لَهُمْ عَنْهَا، وَلَا مَنْدُوحَةَ لَهُمْ -إِنْ أَرَادُوا أَنْ يَخُوضُوا مُعْتَرَكَ الْحَيَاةِ مَعَ خَائِضِيهِ- مِنْ أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا تَعَلُّمًا نِظَامِيًّا وَيَدْرُسُوهَا مَعَ مَا يَدْرُسُونَ مِنْ عُلُومِ الْحَيَاةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا نِظَامُ عَيْشِهِمْ وَيَتَأَلَّفُ مِنْهَا شَأْنُ سَعَادَتِهِمْ وَهَنَائِهِمْ.

كَانَ الْكَرَمُ فَضِيلَةً يَوْمَ كَانَ النَّاسُ يَحْفَظُونَ الْجَمِيلَ لِصَاحِبِهِ وَيَعْرِفُونَ لَهُ يَدَهُ الَّتِي أَسْدَاهَا إِلَيْهِمْ؛ فَإِذَا هَوَى بِهِ كَرَمُهُ فِي هُوَّةٍ مِنْ هُوَى الْفَقْرِ لَا يَعْدَمُ أَنْ يَجِدَ مِنْ بَيْنِ الَّذِينَ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ أَوْ عَظُمَ فِي نُفُوسِهِمْ شَأْنُ إِحْسَانِهِ، مَنْ يَمُدُّ إِلَيْهِ يَدَ الْمَعُونَةِ لِيَسْتَنْقِذَهُ مِنْ شَقَائِهِ أَوْ يُرَفِّهَ عَلَيْهِ. أَمَّا الْيَوْمَ وَقَدْ أَنْكَرَ النَّاسُ الْجَمِيلَ، وَاسْتَثْقَلُوا حَمْلَهُ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، بَلْ أَصْبَحُوا يَشْمَتُونَ بِصَاحِبِهِ يَوْمَ تَزِلُّ بِهِ قَدَمُهُ، وَيَصُبُّونَ عَلَى رَأْسِهِ جَمِيعَ مَا فِي كُتُبِ الْمُتَرَادِفَاتِ مِنْ أَسْمَاءِ الْجُنُونِ وَأَلْقَابِهِ- فَلَيْسَ الْكَرَمُ فَضِيلَةً، وَلَيْسَ مِنَ الرَّأْيِ الدُّعَاءُ لَهُ وَالْحَضُّ عَلَيْهِ!
وَكَانَتِ الرَّحْمَةُ فَضِيلَةً يَوْمَ كَانَ النَّاسُ صَادِقِينَ فِي أَحَادِيثِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ فَلَا يَعْتَرِفُ بِالْبُؤْسِ إِلَّا الْبَائِسُ، وَلَا يَلْبَسُ الْقَدِيمَ إِلَّا مَنْ عَجَزَ عَنْ لُبْسِ الْجَدِيدِ. أَمَّا الْيَوْمَ وَقَدْ ذَلَّتِ النُّفُوسُ، وَسَفُلَتِ الْمُرُوءَاتُ؛ فَلَبِسَ ثَوْبَ الْفَقْرِ غَيْرُ الْفَقِيرِ، وَانْتَحَلَ الْبُؤْسَ غَيْرُ الْبَائِسِ، وَأَصْبَحَ نِصْفُ النَّاسِ كُسَالَى مُتَبَطِّلِينَ لَا عَمَلَ لَهُمْ إِلَّا اللُّجُوءُ إِلَى ظِلَالِ الْقُلُوبِ الرَّحِيمَةِ يَعْتَصِرُونَهَا وَيَحْتَلِبُونَ دِرَّتَهَا حَتَّى تَجِفَّ جَفَافَ الْحَشَفِ[6] الْبَالِي- فَالرَّحْمَةُ هِيَ الْفَقْرُ الْعَاجِلُ وَالْخُسْرَانُ الْمُبِينُ!
وَكَانَتِ الشَّجَاعَةُ فَضِيلَةً يَوْمَ كَانَ النَّاسُ يَنْصُرُونَ الشُّجَاعَ وَيُؤَازِرُونَهُ وَيَتَّبِعُونَ خُطُوَاتِهِ فِي طَرِيقِهِ الَّتِي يَذْهَبُ فِيهَا؛ فَلَا يَتَخَلَّوْنَ عَنْهُ، وَلَا يَخْذُلُونَهُ حَتَّى يَتِمَّ لَهُ الظَّفَرُ الَّذِي يُرِيدُ. أَمَّا الْيَوْمَ وَقَدْ فَتَرَتْ هِمَمُ النَّاسِ، وَوَهَتْ عَزَائِمُهُمْ، وَمَاتَتْ فِي نُفُوسِهِمُ الْحَفَائِظُ وَالْغَيْرَةُ[7]، وَوَكَلَ كُلٌّ أَمْرَهُ إِلَى صَاحِبِهِ؛ فَإِنْ رَأَوْهُ قَائِمًا بِدَعْوَةٍ وَطَنِيَّةٍ أَوِ اجْتِمَاعِيَّةٍ أَغْرَوْهُ بِالْمُضِيِّ فِيهَا، وَوَقَفُوا عَنْ كَثَبٍ يَنْظُرُونَ مَاذَا يَفْعَلُ؛ فَإِنْ ظَفِرَ هَتَفُوا لَهُ وَانْحَدَرُوا إِلَيْهِ يُقَاسِمُونَهُ الْغَنِيمَةَ الَّتِي غَنِمَهَا، وَإِنْ فَشِلَ خَذَلُوهُ وَتَنَكَّرُوا لَهُ- فَالشَّجَاعَةُ لَا يَجِدُ صَاحِبُهَا مِنْ وَرَائِهَا إِلَّا التَّهْلُكَةَ وَالشَّقَاءَ!

وَكَانَتِ الْقَنَاعَةُ فَضِيلَةً يَوْمَ كَانَ الْفَضْلُ هُوَ الْمِيزَانَ يَزِنُ بِهِ النَّاسُ أَقْدَارَ النَّاسِ وَقِيَمَهُمْ، وَيَوْمَ كَانَ الْفَقْرُ مَفْخَرَةً لِلشَّرِيفِ إِذَا عَفَّتْ[8] يَدُهُ وَعَزَفَتْ نَفْسُهُ، وَالْغِنَى مَعَرَّةً لِلدَّنِيءِ إِذَا سَفُلَتْ مَسَاعِيهِ وَأَغْرَاضُهُ. أَمَّا الْيَوْمَ وَقَدْ مَاتَ كُلُّ مَجْدٍ فِي الْعَالَمِ إِلَّا الْمَجْدَ الْمَالِيَّ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَعَارَفُونَ بِأَزْيَائِهِمْ وَمَظَاهِرِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَتَعَارَفُوا بِصِفَاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ- فَالْقَنَاعَةُ ذُلُّ[9] الْحَيَاةِ وَعَارُهَا وَبُؤْسُهَا الدَّائِمُ وَشَقَاؤُهَا الطَّوِيلُ!

وَكَانَ الْغَضَبُ رَذِيلَةً يَوْمَ كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ فَضِيلَةَ الْحِلْمِ، وَيَقْدُرُونَهَا قَدْرَهَا، وَيُطَأْطِئُونَ رُؤُوسَهُمْ إِجْلَالًا لِصَاحِبِهَا- أَمَّا وَقَدَ أَصْبَحَ النَّاسُ أَشْرَارًا يَحْمِلُونَ شُرُورَهُمْ عَلَى كَوَاهِلِهِمْ وَيَدُورُونَ بِهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ يَطْلُبُونَ لَهَا رَأْسًا يَصُبُّونَهَا عَلَيْهِ، وَلَا يُعْجِبُهُمْ مِثْلَ الرَّأْسِ الضَّعِيفِ الْمُتَهَالِكِ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الذِّيَادَ عَنْ نَفْسِهِ- فَلَا خَيْرَ فِي الْحِلْمِ، وَالْخَيْرُ كُلُّ الْخَيْرِ فِي الْغَضَبِ!

الْحَيَاةُ مُعْتَرَكٌ أَبْطَالُهُ الْأَشْرَارُ، وَأَسْلِحَتُهُمُ الرَّذَائِلُ؛ فَمَنْ لَمْ يُحَارِبْهُمْ بِمِثْلِ سِلَاحِهِمْ هَلَكَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى!

يَجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ جَمِيعًا إِمَّا فُضَلَاءَ لِيَسْعَدُوا بِفَضِيلَتِهِمْ، أَوْ أَدْنِيَاءَ لِيَتَّقِيَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. أَمَّا أَنْ يَتَقَلَّدَ سَوَادُهُمْ سِلَاحَ الرَّذِيلَةِ، وَالنَّزْرُ الْقَلِيلُ مِنْهُمْ سِلَاحَ الْفَضِيلَةِ، وَهُوَ أَضْعَفُ السِّلَاحَيْنِ وَأَوْهَاهُمَا- فَلَيْس لِذَلِكَ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ، هُوَ أَنْ يَهْلِكَ أَشْرَافُ النَّاسِ وَفُضَلَاؤُهُمْ فِي سَبِيلِ أَدْنِيَائِهِمْ وَأَنْذَالِهِمْ!

إِنَّ الدُّعَاءَ إِلَى الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، إِنَّمَا هُوَ حِبَالَةٌ يَنْصِبُهَا الْأَقْوِيَاءُ الْمَاكِرُونَ لِلضُّعَفَاءِ السَّاذَجِينَ، لِيَخْدَعُوهُمْ بِهَا عَنْ مَائِدَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا، فَيَسْتَأْثِرُوا بِهَا مِنْ دُونِهِمْ؛ فَلَا يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى الْكَرَمِ إِلَّا لِيَنْقُلَ مَا فِي جُيُوبِ النَّاسِ إِلَى جَيْبِهِ، وَلَا إِلَى الْعَفْوِ إِلَّا لِيُصِيبَ بِشَرِّهِ مَنْ يَشَاءُ دُونَ أَنْ يَنَالَهُ مِنَ الشَّرِّ شَيْءٌ، وَلَا إِلَى الْقَنَاعَةِ إِلَّا لِيُقَلِّلَ مِنْ سَوَادِ الْمُزَاحِمِينَ لَهُ عَلَى أَعْرَاضِ الْحَيَاةِ وَمَطَامِعِهَا، وَلَا إِلَى الصِّدْقِ إِلَّا لِيَتَمَتَّعَ وَحْدَهُ بِثَمَرَاتِ الْكَذِبِ وَمَزَايَاهُ!

كُلُّنَا يَكْذِبُ؛ فَلِمَ يَعِيبُ بَعْضُنَا بَعْضًا بِالْكَذِبِ وَالتَّلْفِيقِ! وَكُلُّنَا يَبْتَسِمُ لِعَدُوِّهِ وَصَدِيقِهِ ابْتِسَامَةً وَاحِدَةً؛ فَلِمَ نَسْتَنْكِرُ الرِّيَاءَ وَالْمُصَانَعَةَ! وَكُلُّنَا يَطْمَعُ فِي أَنْ تَكُونَ لَهُ وَحْدَهُ جَمِيعُ خَيْرَاتِ الْأَرْضِ وَثَمَرَاتِهَا؛ فَلِمَ نَسْتَفْظِعُ الطَّمَعَ وَالْجَشَعَ! وَكُلُّنَا يَتَرَبَّصُ بِصَاحِبِهِ الْغَفْلَةَ لِيَخْتِلَهُ عَمَّا فِي يَدِهِ؛ فَلِمَ نَشْكُو مِنَ الظُّلْمِ وَالْإِرْهَاقِ! إِنَّنَا لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَخْدِمَ الْفَضِيلَةَ فِي أَغْرَاضِنَا وَمَآرِبِنَا، كَمَا كَانَ يَسْتَخْدِمُ رِجَالُ الدِّينِ الدِّينَ فِي الْأَعْصُرِ الْمَاضِيَةِ!

يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ الطِّفْلُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يَجْلِسُ فِيهِ أَمَامَ مَكْتَبِ مَدْرَسَتِهِ، أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الْحَيَاةِ غَيْرُ الْمَوْجُودِ فِي الْكُتُبِ، وَأَنَّ قِصَصَ الْفَضَائِلِ الَّتِي يَقْرَؤُونَهَا وَنَوَادِرَ الْمُرُوءَاتِ وَالْكَرَمِ وَالْإِيثَارِ وَأَحَادِيثَ الشَّهَامَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَعِزَّةِ النَّفْسِ وَإِبَائِهَا- إِنَّمَا هِيَ رِوَايَاتٌ تَارِيخِيَّةٌ قَدْ مَضَتْ وَانْقَضَى عَهْدُهَا، حَتَّى لَا يُصْبِحَ نَاقِمًا عَلَى الْعَالَمِ يَوْمَ يَنْكَشِفُ لَهُ وَجْهُهُ وَيَرَى سَوْءَاتِهِ وَعَوْرَاتِهِ، وَحَتَّى لَا يَضِيعَ عَلَيْهِ عُمْرُهُ بَيْنَ التَّجَارِبِ وَالِاخْتِبَارَاتِ!

وَلَيْتَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ مِنْ شُؤُونِ الرَّذَائِلِ وَدَخَلِهَا فَوْقَ مَا أَعْلَمُ، يَضَعُونَ لِلنَّاشِئِ كِتَابًا مَدْرَسِيًّا عَلَى نَمَطِ كُتُبِ التَّارِيخِ، يُوَضِّحُونَ لَهُ فِيهِ كَيْفَ يَكْذِبُ التَّاجِرُ، وَيَغُشُّ الصَّانِعُ، وَيُلَفِّقُ الْمُحَامِي، وَيُدَجِّلُ الطَّبِيبُ، وَيَخْتَلِسُ الْمُرَابِي، وَيُرَائِي الْفَقِيهُ، وَيُصَانِعُ السِّيَاسِيُّ، وَيَتَقَلَّبُ الصِّحَافِيُّ- ثُمَّ يَقُولُونَ لَهُ: هَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ، وَهَذَا هُوَ مَا يَجْرِي فِيهَا؛ فَإِنْ أَرَدْتَهَا عَلَى عِلَّاتِهَا فَذَاكَ، أَوْ لَا فَدُونَكَ مَغَارَةً مُوحِشَةً فِي قِمَّةٍ مِنْ قِمَمِ الْجِبَالِ، فَعِشْ فِيهَا وَحِيدًا بَعِيدًا عَنِ الْعَالَمِ وَمَا فِيهِ، وَكُلْ مِمَّا تَأْكُلُ حَشَرَاتُ الْأَرْضِ، وَاشْرَبْ مِمَّا تَشْرَبُ، حَتَّى يُوَافِيَكَ أَجَلُكَ!

الشَّرُّ لَا يُقَوَّمُ إِلَّا بِالشَّرِّ، وَالظُّلْمُ لَا يُدْفَعُ إِلَّا بِالظُّلْمِ، وَحَامِلُ السَّيْفِ لَا يُغْمِدُهُ فِي غِمْدِهِ إِلَّا أَمَامَ حَامِلِ سَيْفٍ مِثْلِهِ، وَالسَّيْلُ الْجَارِفُ لَا يَقِفُ عَنْ جَرَيَانِهِ إِلَّا إِذَا وَجَدَ فِي وَجْهِهِ سَدًّا يَعْتَرِضُ طَرِيقَهُ. وَالظَّالِمُ لَا يَظْلِمُ إِلَّا إِذَا وَجَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ ضَعِيفًا، وَالْمُحْتَالُ لَا يَحْتَالُ إِلَّا إِذَا وَجَدَ أَمَامَهُ غَبِيًّا، وَالنَّاسُ لَا يَتَحَامَوْنَ وَلَا يَتَحَاجَزُونَ وَلَا يَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ إِلَّا إِذَا بَرَزُوا جَمِيعًا فِي مَيْدَانٍ وَاحِدٍ يَتَقَلَّدُونَ سِلَاحًا وَاحِدًا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ!

مَنْ أَرَادَ الْفَضِيلَةَ لِلْفَضِيلَةِ فَسَبِيلُهَا الْمُقَدَّسُ الشَّرِيفُ مَعْرُوفٌ لَا رِيبَةَ فِيهِ، فَلْيَسْلُكْهُ كَمَا يَشَاءُ. وَمَنْ أَرَادَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ وَسِيلَةً مِنْ وَسَائِلِ الْعَيْشِ فِي عَصْرٍ مِثْلِ هَذَا الْعَصْرِ وَنَاسٍ مِثْلِ هَذَا النَّاسِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ وَأَضَلَّ السَّبِيلَ.

مَا أَجْمَلَ الْفَضِيلَةَ، وَمَا أَعْذَبَ مَذَاقَهَا، وَمَا أَجْمَلَ الْعَيْشَ فِي ظِلَالِهَا، لَوْلَا أَنَّ شُرورَ الْأَشْرَارِ وَوَيْلَاتِهِمْ قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا! فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا! وَوَا أَسَفَا عَلَى أَيَّامِهَا وَعُهُودِهَا"!
كَيْفَ تَخْتَلِفُ الْأَخْلَاقُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ؟

على أساس تَحْصِيل السعادة للإنسان، دعا هذا الكلام إلى تمييز الأخلاق بعضها من بعض، ليُعَدَّ ما يُحَصِّلها له من الفضائل (الأخلاق الحسنة المطلوبة المحبوبة)، وما لا يحصلها من الرذائل (الأخلاق القبيحة المتروكة المكروهة). وإذا كانت أساليب حياة الناس قد اختلفت على الأمكنة والأزمنة، فاختلفت أسباب سعادتهم- وجب على أهل كل مكان وزمان مراعاة هذا الاختلاف، وإلا سعد بعضهم وشقي بعضهم. ثم انصرف هذا الكلام بكُلِّه إلى تفصيل وجوه مختلفة من الاحتجاج لهذا الرأي، حتى لَيَجُوزُ -لو لم يكن عُنْوِنَ- أن نُعَنْوِنَه "اخْتِلَاف الْأَخْلَاقِ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ"!

ولا بأس بالاحتكام إلى السعادة، ولكن بين من يعرفون حقيقتها، أنها الرضا الوُجداني الذي يملأ على الإنسان أقطار نفسه، ويحفظه في رحلته الشريفة إلى تَعْمير الأرض. فأما الأَثَرَةُ التي تخدع الإنسان عن حقيقة نفسه، وتُمْلِي له في رحلته الوَضِيعة إلى تخريب الأرض، فهي عين الشقاء لا السعادة.

إننا إذا احتكمنا إلى السعادة على الفهم الصحيح، احتكمنا إلى معيار ثابت، لا تختلف الأخلاق فيه باختلاف الأمكنة والأزمنة، وإن اختلفت أساليب حياة الناس.

مَا أَفْضَلُ أَحْوَالِ الْأَخْلَاقِ؟

يرى هذا الكلام أنه "يَجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ جَمِيعًا إِمَّا فُضَلَاءَ لِيَسْعَدُوا بِفَضِيلَتِهِمْ، أَوْ أَدْنِيَاءَ لِيَتَّقِيَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. أَمَّا أَنْ يَتَقَلَّدَ سَوَادُهُمْ سِلَاحَ الرَّذِيلَةِ، وَالنَّزْرُ الْقَلِيلُ مِنْهُمْ سِلَاحَ الْفَضِيلَةِ، وَهُوَ أَضْعَفُ السِّلَاحَيْنِ وَأَوْهَاهُمَا- فَلَيْس لِذَلِكَ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ، هُوَ أَنْ يَهْلِكَ أَشْرَافُ النَّاسِ وَفُضَلَاؤُهُمْ فِي سَبِيلِ أَدْنِيَائِهِمْ وَأَنْذَالِهِمْ"!

وينبغي أن يحمل هذا الرأي على أنه مِنْ فَرَطَات غضب الغاضب للأفاضل على الأراذل، أما أن يُتَّخَذَ أصلا يبنى عليه ويحتكم إليه، فلا خير فيه؛ إذ قد اشتمل الإنسان في طبيعته على الاستعداد للخير والشر جميعا معا، ولو انفرد فيه الاستعداد للخير لكان من الملائكة، ولو انفرد فيه الاستعداد للشر لكان من الشياطين! ثم لو لم يختصم في نفسه الاستعدادان لم يكن للحياة الدنيا قيمة، ولا للجهاد الأكبر معنى -وهو جهاد النفس لتغليب الخير على الشر- الذي يرتفع بالإنسان على مرتبة الملائكة أنفسهم، ليستحق رضا الحق -سبحانه، وتعالى!- قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ "[10].

هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الْأَخْلَاقِ مَنْ لَا يَتَخَلَّقُ بِهَا؟

حَكَمَ هذا الكلام على الناس جميعا بوقوعهم فيما ينهون غيرهم عنه من الرذائل؛ ومن ثم نهاهم عن نَهْيِ غيرهم عنها، لأنه لن يكون إلا من خداعهم لهم عن أغراض دنيئة باطنة: "إِنَّنَا لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَخْدِمَ الْفَضِيلَةَ فِي أَغْرَاضِنَا وَمَآرِبِنَا، كَمَا كَانَ يَسْتَخْدِمُ رِجَالُ الدِّينِ الدِّينَ فِي الْأَعْصُرِ الْمَاضِيَةِ"!

وعلى رغم سوء ما في آخر هذا الجزء من إشارة عامة إلى رجال الدين السابقين من غير تحديد، تَشْمَلُ بهم من لا يجري عليه هذا الحكم منهم، وتُقَارِبُ كلامَ الفاسقين من الدين- أُشيرُ إلى أننا مأمورون بمراعاة الظاهر دون الباطن؛ إذ يمكننا قياس الظاهر والحكم عليه، فأما الباطن فمن الصعب علينا -إن لم يكن من المستحيل- قياسه والحكم عليه؛ ومن ثم ينبغي أن نكتفي بخلو ظاهر ناهينا عن الرذائل مما ينهانا عنه، أما أن نذكر فساد الزمان واشتمال كل إنسان من الرذائل على ما يمتنع معه نهيه لغيره عنها، فهذا كذلك مِنْ فَرَطَاتِ غضب الغاضب نفسه!

هَلْ مِنَ الْمُفِيدِ تَعْلِيمُ شُؤُونِ الرَّذَائِلِ؟

نَبَّهَ هذا الكلام على ضرورة إطلاع أطفال المدارس من أول أيام دراستهم، على زوال الفضائل التاريخية، وأوصى العارفين بالرذائل أن يؤلفوا في تفصيل شؤونها الكتب، حتى يَعُمَّ عِلْمُ الرَّذَائِلِ، فلا يبقى كبير ولا صغير إلا وله بها علمٌ وافٍ شافٍ كافٍ؛ فلا يصطدم الصغير حين يكبر بالحقيقة المرة، ولا يتوهم الكبير الأشياء على غير حقائقها؛ إذ لا خير في كلتا الحالين!
ولقد حَدَثَ طَرَفٌ مما أوصى به هذا الكلام في معاهد تربيتنا وتثقيفنا المختلفة؛ فلم نَجْنِ منه غير تَمَكُّنِ الرذائل القديمة وازديادها على ما فيها! وما أكثر ما اشتغل الفنانون بتصوير أراذل الناس على أنهم يعيشون أحسن عيشة ويموتون أقبح ميتة، أو كما قال بعضهم في بعضهم: "عَاشَ خَائِنًا، وَمَاتَ كَافِرًا"؛ فماذا كان؟ اشتغل الناس بمعيشة الأراذل الحسنة، عن مِيتتهم القبيحة، وشعارهم: "أَحْيِنِي الْيَوْمَ، وَأَمِتْنِي غَدًا"!

ينبغي أن تُفَصَّل شؤون الفضائل لا الرذائل، وتُمَثَّل الأمثلة الصالحة لا الفاسدة، وتُوجَز شؤون الرذائل لا الفضائل، وتُسْتَر الأمثلة الفاسدة لا الصالحة!

مَا سَبِيلُ الْفَضِيلَةِ الْمُقَدَّسُ الْمَعْرُوفُ؟

إذا جمعنا من هذا الكلام بين قوله: "إِنْ أَرَدْتَهَا عَلَى عِلَّاتِهَا فَذَاكَ، أَوْ لَا فَدُونَكَ مَغَارَةً مُوحِشَةً فِي قِمَّةٍ مِنْ قِمَمِ الْجِبَالِ، فَعِشْ فِيهَا وَحِيدًا بَعِيدًا عَنِ الْعَالَمِ وَمَا فِيهِ، وَكُلْ مِمَّا تَأْكُلُ حَشَرَاتُ الْأَرْضِ، وَاشْرَبْ مِمَّا تَشْرَبُ، حَتَّى يُوَافِيَكَ أَجَلُكَ"، وقوله: "مَنْ أَرَادَ الْفَضِيلَةَ لِلْفَضِيلَةِ فَسَبِيلُهَا الْمُقَدَّسُ الشَّرِيفُ مَعْرُوفٌ لَا رِيبَةَ فِيهِ، فَلْيَسْلُكْهُ كَمَا يَشَاءُ. وَمَنْ أَرَادَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ وَسِيلَةً مِنْ وَسَائِلِ الْعَيْشِ فِي عَصْرٍ مِثْلِ هَذَا الْعَصْرِ وَنَاسٍ مِثْلِ هَذَا النَّاسِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ وَأَضَلَّ السَّبِيلَ"- انتهينا إلى أن سبيل الفضيلة المقدس، أن يعتزل الأفاضل الحياة، حتى يدركهم الموت!

ولا ريب لدي في أن هذا الرأي كذلك من فرطات غضب الغاضب نفسه، بل إنه منتهى ما تَدَهْوَرَ به إليه غضبه؛ إذ لا فرق عندئذ في وهمه بين أفاضل الناس وأعاجم البهائم، ولقد كان ينبغي أن ينعكس لديه الرأي، فيكون الأشبهَ بأعاجم البهائم أراذلُ الناس الذين استأسروا في أنفسهم لنزغات الشيطان وشهوات الحيوان، لا أفاضلُهم الذين خالفوا الشيطان والحيوان جميعا معا، واستضاؤوا بنور الإيمان، في رحلة تعمير الأرض!

ولقد ينبغي ألا يذهب بنا العجب من مثل هذا الكلام إلى إنكار أن يكون قيل؛ كيف وهو مما يتكرر على مدار الزمان كلما ادْلَهَمَّ ليل الظلم، فيظهر في أثنائه من ينكر الفضيلة، ويدعو إلى الرذيلة؛ "وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ"، أو كما قال زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي، منذ مئات السنين!

ثُمَّ اسْتَمِعُوا ثَانِيًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّعْبِيرِ: ...

مَا الْأَخْلَاقُ الَّتِي كَانَتْ قَدِيمًا وَاضِحَةَ التَّضَادِّ؟

لقد سخر هذا الكلام من جدولين من الأخلاق المتضادة، أُولِعَ الأخلاقيون القدماء، في أحدهما بصَفِّ "الفضائل"، وفي الآخر بصَفِّ "الرذائل"، على النحو الآتي:
الفضائل

الشجاعة

الكرم

الأمانة

الوفاء

العفة

المروءة

الصدق

العدل

الرحمة

الرذائل

الجبن

البخل

الخيانة

الغدر

الطمع

×

الكذب

الظلم

القسوة

ولقد جرى إيراد الأخلاق بينهما على منهج التضاد المحكم، غير أنه اختل في أثناء ذلك مرة واحدة؛ إذ لم يُورَدْ في الرذائل الخلق المضاد لخلق "المُرُوءَة" الذي أُورِد في الفضائل!
إن المُرُوءة في المَرْء هي الرُّجُولة في الرَّجُل، أي كمال الفضائل التي تتم بها حقيقة وجوده، وضدها "الفُسُولة"، أي النقص في "الفَسْل" أي الناقص؛ فإما أن يكون ضِدُّها قد تُرِك عن جهل لغويٍّ به، وإما أن يكون قد تُرِك عن علم بعموم "المُرُوءة" الذي يغني عن مُضَادَّتِه مُضَادَّةُ الفضائل الخاصة التي يشملها. ولكن لم يكن ينبغي للمروءة عندئذ أن تُذْكَرَ في تفصيل الفضائل، لكيلا يلتبس العام بالخاص.

مَا الْأَخْلَاقُ الَّتِي صَارَتْ حَدِيثًا وَاضِحَةَ الْخَطَأِ؟

ولقد استطرد هذا الكلام في باب السخرية نفسه، إلى أخلاق من الفضائل والرذائل المختلفة التقدير بين القدماء والمحدثين، أجدولها فيما يأتي على مثل الجدول السابق:
فضائل صارت رذائل

الكرم

الرحمة

الشجاعة

القناعة

×

رذائل صارت فضائل

×

×

×

×

الغضب

وعلى رغم أنه اكتفى في الفضائل التي صارت رذائل، بهذه الأربع بعد تلك التسع المجدولة فيما سبق من فضائل الأخلاقيين القدماء، وقعت الثلاثة الأولى في جدولهم نصا، فأما فضيلة "القناعة" الواقعة هنا رابعا، فرديفة فضيلة "العفة" الواقعة هناك خامسا.

وعلى رغم أنه اقتصر من الرذائل التي صارت فضائل، على رذيلة "الغضب" التي لم ينص عليها الأخلاقيون القدماء في رذائلهم الثماني المجدولة فيما سبق- يجوز أن تُردف برذيلة "القسوة"، ولا سيما أنها كانت هناك ضد فضيلة "الرحمة" التي وردت هنا في الفضائل التي صارت رذائل.

ربما استحسن بعض المتلقين أن تتطابق في هذا الكلام آخرًا الفضائلُ والرذائلُ كُنْهًا وعَدَدًا، على مثل ما ورد أولا في جَدْوَلَيِ الأخلاقيين القدماء، غير أن قَصْدَ هذا الكلام إلى النَّعْي عليهم والسخرية منهم، جعل من حسن البلاغة ألا يكون ذلك؛ فإن من أهم وسائل السخرية أن يَتَناسى الساخر ما قال المسخور منه، وكأنه لم يُلْقِ له عند قوله بالًا، وإن كان قد استوعبه مَعْنًى ومَبْنًى!

كَيْفَ اخْتَلَفَتْ دَلَالَاتُ أَسْمَاءِ الْأَخْلَاقِ ثَبَاتًا وَزَوَالًا؟

في اللغة العربية ثلاثة أنواع من صيغ أسماء المعاني:

1 صيغ مهيأة للدلالة على الأعمال الحركية:

- وهي مصادر الأفعال الماضية التي على وزن فَعَلَ، كما في فَتْح مصدر فَتَحَ، ونَصْر مصدر نَصَرَ، وضَرْب مصدر ضَرَبَ.

2 صيغ مهيأة للدلالة على الأحوال المستمرة:

- وهي مصادر الأفعال الماضية التي على وزن فَعِلَ، كما في حَوَر مصدر حَوِرَ، وبَطَر مصدر بَطِرَ، ومَرَض مصدر مَرِضَ.

3 صيغ مهيأة للدلالة على الطبائع الثابتة:

- وهي مصادر الأفعال الماضية التي على وزن فَعُلَ، كما في مَنَاعَة مصدر مَنُعَ، ووَضَاءَة مصدر وَضُؤَ، وبَشَاعَة مصدر بَشُعَ.

وإذا صنفنا أسماء الأخلاق التسعة عشر المجدولة في الجدولين السابقين، على حسب أنواع صيغ المعاني الثلاثة، تصنفت على النحو الآتي:

1 تسعة أسماء من النوع الأول: الوفاء، العفة، الصدق، العدل، الخيانة، الغدر، الكذب، الظلم، القسوة.

2 ستة أسماء من النوع الثاني: الأمانة، الرحمة، البخل، الطمع، القناعة، الغضب.

3 أربعة أسماء من النوع الثالث: الشجاعة، الكرم، المروء، الجبن.

ولا ريب في أننا توقعنا أن تكون أسماء الأخلاق كلها من النوع الثالث، جريا على المعروف من ثبات الأخلاق وعدم تغيرها: "وَتَأْبَى الطِّبَاعُ عَلَى النَّاقِلِ"، أو كما قال أبو الطيب المتنبي الشاعر الحكيم!

ولكن لم يكن من النوع الثالث غير الخُمس تقريبا (أربعة من تسعة عشر)؛ وكأنما تُبَشِّرُنا لغتُنا (قلب ثقافتنا)، بإمكان تغيير الأخلاق، مثلما بَشَّرَنا قولُ أبي الدرداء -رضي الله عنه!- الذي رُفِعَ إلى رسول الله -صلى الله عليه، وسلم!-: "إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ"[11] -أي مَنْ تَحَلَّمَ (طَلَبَ الحِلْم) حَلُمَ، كَمَا أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ (طَلَبَ الْعِلْمَ) عَلِمَ- لتمتزج العروبة والإسلام في إهاب ثقافتنا الواحدة.

ثُمَّ اسْتَمِعُوا ثَالِثًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّقْوِيمِ: ...

كَيْفَ اضْطَرَبَ أُسْلُوبُ هَذَا الْكَلَامِ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ؟

لقد حرص هذا الكلام على تحصيل أسباب القوة، فاعتنى بتنسيق مقاطع الأصوات، وتدقيق صيغ الكلمات، وتقريب معاني المفردات، وتأليف عناصر المركبات. ولكنه توهم القوة في بعض مظاهر تلك الظواهر، حتى إذا ما استعملها كانت مظاهر ضعف، ولم يستطع الرجوع عنها!
لقد وصف جدولي الأخلاقيين القدماء بأنهما ثابتان لا ينتقلان، ثم ألح عليه مظهر قديم من التعبير، فقال: "وَلَا يَتَحَلْحَلَانِ"، فكان في توالي الحاءين واللامين على هذا النحو من الثقل على بعض الطابعين، ما حمله على تحريف الكلمة إلى "يَتَلَحْلَحَانِ"!

وأراد أن يعبر عن كراهة بعض الصفات، فقال: "يَجْتَوِيهَا النَّاسُ وَيَتَبَرَّمُونَ بِهَا وَيَسْتَثْقِلُونَ مَكَانَهَا"، فكان في "يَجْتَوِيهَا (يكرهها)"، من الغرابة على بعض الطابعين، ما حمله على تصحيفها إلى "يحتويها"!

وأراد أن يصور اعتصار الأراذل لقلوب الأفاضل، فقال: "يَعْتَصِرُونَهَا وَيَحْتَلِبُونَ دِرَّتَهَا (لبنها، أي قِوَام حياتها)، حَتَّى تَجِفَّ جَفَافَ الْحَشَفِ الْبَالِي"، فكان في "الحَشَفِ (أردأ التمر ويابسه وفاسده)"، من الغرابة على بعض الطابعين، ما حمله على تصحيفها إلى "الخشف (الظبي)"!

وأراد أن يزيد وجوه السرور في قوله: "يَتَأَلَّفُ مِنْهَا شَأْنُ سَعَادَتِهِمْ وَهَنَائِهِمْ"، فعطف على كلمة "سَعَادَة" من "سَعَادَتِهِمْ"، كلمةَ "هَنَاء" من "هَنَائِهِمْ"، والذي في متن اللغة العربية "هَنَاءَة"[12]، وهي -لو انتبه- أحسن مُلَاءَمَةً لكلمة "سَعَادَة" التي قبلها، فكلتاهما مع تلاقيهما على معنى السرور، مِنْ وزن صرفي واحد (فَعَالَة).

وأراد النهي عن حض الناس على بعض الأخلاق، فقال: "(...) لَيْسَ مِنَ الرَّأْيِ الدُّعَاءُ لَهُ"، و"إِنَّ الدُّعَاءَ إِلَى (...)"، بدلا من أن يقول: "(...) ليس من الرأي الدَّعْوة إليه"، و"إن الدَّعْوة إلى (...)"؛ فلئن بَدَتِ الدَّعْوةُ مَرَّةَ الدُّعَاءِ، لقد اختص دونها بمعنى التوسل إلى الحق، سبحانه، وتعالى!

وأراد أن يشترط وجود السعادة للوصف بالفضيلة ووجود الشقاء للوصف بالرذيلة، فقال: "حَيْثُ تَكُونُ السَّعَادَةُ فِي صِفَةٍ فَهِيَ الْفَضِيلَةُ -وَإِنْ كَانَتْ رَذِيلَةَ اللُّؤْمِ- وَحَيْثُ يَكُونُ الشَّقَاءُ فِي صِفَةٍ فَهِيَ الرَّذِيلَةُ، وَإِنْ كَانَتْ فَضِيلَةَ الْكَرَمِ"، فتوهم "حيث" أداة شرط، ورتب الكلام بعدها ترتيب عناصر الجملة الشرطية، ولو انتبه لقال: "حيث تكون السعادة (...) تكون الفضيلة (...) وحيث يكون الشقاء (...) تكون الرذيلة
...

القسم الرابع

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى