الصحة النفسية

، بقلم حميد طولست

ترجع الكثير من الأزمات التي تنتاب دائرتها العديد من الأشخاص، في لحظات كثيرة من حياتهم، ويسبحون في فضاءاتها، ويكابدون تبعاتها، إلى اعتلال الصحة النفسية، وتوتر الاعصاب،الناتج عن الخوف من القادم والمجهول والغائب، الذي هو في حقيقته شعور طبيعي في كافة الكائنات الحية ورد فعل دفاعي لترقب الخطر وتوقعه حتى يدافع فيها الكائن الحي عن نفسه أو الفرار من مصدر الخطر، والذي سرعان ما يتحول إلى مظهر تأزم، وحقل ألغام توتر، وبؤر قلق، ومولد للانفعالية اللاعقلانية، والتصرفات الصبيانية، والصراعات النفسية المتهورة المتضاربة بداخل من أصيبوا بحالة رفض لواقع سلبي غير معتاد، والذي قد يدوم ويستمر طويلا، وربما ينتهي إلى حالة أعراض مرضية بدنية معينة، وانهيارات عصبية شديدة الوقع على النفسية، يصعب علاجها، في حالة الاستسلام له، وعدم القدرة على الحد من غلوائه، وإيجاد الحلول السليمة لمسبباته، التي تحول الخوف البسيط، إلى انفعال شديد، وسم عقلي مهلك للفكر، ومهدم للسعادة، وقاتل للرجاء، وعائق للتوازن النفسي، والتواصل الإيجابي مع المحيط، ويدخل الانسان لدائرة الخوف المرضي Phobiaوالذي قد ينتاب الانسان ويجعله يتصرف تصرفات لا معنى لها وأحيانا تصرفات غير مسؤولة، بل أحيانا يترجم هذا الخوف ومشاعر سلبية كثيرة مرتبطة به الى "القلق والتوثر"أسوأ الأمراض وأشدها على الإنسان من أي مرض جسدي آخر، والذي يجعله يسقط في صراعات نفسية لا يقوى الاطباء على التخلص منها بجميع إمكانياتهم، والتي جاءت "سورة الناس" لتبين أنها أصل الشرور كلها ومادتها، مصداقا بقله سبحانه وتعالى: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس". صدق الله العظيم.

وحتى أعيش في سعادة مستديمة، ينصحني الحبيب والطبيب، أن اتحرر من كل مخاوفي الدفينة، وأقذف كل هواجسي الكبيرة، وآهاتي العميقة، في مزبلة النسيان، وأؤجل كل ما يعتمل بداخلي من مشاعر الخوف والقلق والأرق إلى حين، ويوصونني بإعادة برمجة عقلي بأيدولوجية سليمة وتجديد طرائق تفكيري، وتغيير أنماط سلوكي في التعامل مع ما يواجهني من مستحدثات المواقف والمنغصات، بالحكمة والروية والهدوء، والبعد عن كل الانفعالات المؤثرة على نفسيتي وأعصابي، قويها وضعيفها.. فلا خوف، ولا أرق، ولا قلق، ولا صراع نفسي، ولا غضب، ولا عصبية، ولا صراعات ولا حزن و لا تعاسة ولا أنين!!!

إني على يقين، أن أهلي وأحبابي وأطبائي، على حق فيما ينصحون به، وأنه لو لم أكن عندهم أغلى، ما اهتموا بسلامتي، ولا طلبوا مني -حتى أرفع الألم عن نفسي المكلومة، وأقهر ما مصابني الحلل، لأستمر في الوجود غير مفقود ولا حائر- أن اهتم بصحتي النفسية، وبتوازناتي العقلية، كعامل أساسي لسلامتي العقلية والجسدية، وأن اتعامل مع واقعي بكيفية خلاقة، أداعب الحاضر، وأتناسى الآتي، وأجاري الأحداث، وأتعايش مع ما لا يعاش، وأتقبل ما لا يقبل، وألا أنشغل بمجهول السؤال -رغم الاعتقاد السائد، بأن الصمت، وعدم الصراخ بما يحسه المرء ويكابده، هو أكثر اضطهاد يمارسه المرء على ذاته - وألا أرفعه إلى أقصى مداه، الذي يسبح في غمرة "السؤال جواب"، الذي يستنطق الخفيا، التي تكون في المعتاد أعظم، وتجر، لا محالة، إلى متاهات الحيرة والتياهان في العوالم المشتتة، وتسقط في التافه واللامعقول، الذي يذوب في الفلسفات المنمقة، وتنغرس في الميتافيزيقات المذجنة، التي تقف وراء كل الأعراض القلقية، التي تصنع الاضطرابات النفسية، والجسمية، والعلائقية، بما تفرزه من تأويلات شخصية للموضوعات البسيطة، والأحداث المحايدة، التي يمر بها المرء، وتهول النتائج السلبية، وتعمم الخبرات المنعزلة، وتبالغ في الاستنتاجات الوهمية، وتنسب مسؤوليتها لذات، دون دلائل على قصورها، أو انطوائها على تهديد أو خطر أو امتهان، يسقط المرء في الخوف من الإقدام على أي عمل جديد سبق للغير أن فشل فيه.

وأعلم كذلك، أن ما يطلبونه مني، هو إجراء مفيد في مثل حالتي، ويساعد –بلا شك- على اكتشاف الكثير من المشاكل الناتجة عن طرق التفكير والتفسيرات الخاطئة، ويعيد الاتزان النفسي للإنسان ويكسبه مهارات عقلانية.. لأن سعادة الإنسان تكمن داخل عقله وفي توجهه نحو الحياة، وأنها لا تتأتى إلا بالتفكير الايجابي وحب الحياة ملاذاً من كل ما يواجه من منغصات، وباللجوء إلى مساعدة الطب النفسي الذي يكشف عن أسباب الضغط النفسي، ويبحث لها عن علاجات ملائمة تعيد للنفس اتزانها، وللذات توافقها مع محيطها.

لكن العلم وحده لا يكفي في أمور صعبة كهذه التي أعيش تأثيرها، وتتطلب قوة عزيمة حكيم يجمع في طياته الصبر الأيوبي، و يقطع مع توتر الأعصاب، ويملك القدرة على التعبير عن انفعاله باتزان تيتانيكي، دون ذعر أو تشنج، ويمتلك الدربة على ضبط النفس في المواقف الصعبة، ويستطيع تحمل الأزمات، وتأجيل اللذات، ويتمكن من تغليب الأهداف البعيدة على الأهداف القريبة.

ومهما بلغت من قوة العزيمة، فأبقى في غمرة تعقيدات هذا الوضع غير العادي، الذي أرخي بظلالهِ على توازنات حياتي اليومية، وجعلها مشحونة بالتوتر، والقلق، والصراع النفسي، وفرض علي تحديات جسام، وضغوطات سريعة الإيقاع، لم تكن في الحسبان، فأبقى إنسانا ضعيفا، تتحكم العواطف والأحاسيس والمشاعر في مسار حياتي، وتزعزع الأسئلة الحمقاء هوية دماغي، وتزيد الأجوبة التي لا تشفي الغليل، من حدة التوتر بدواخلي، وتفاقم إحساسي بعدم الاستقرار، ويدفع بي قلة تمكني من الحكمة، ونقص التجربة، إلى التفاعلات النفسية، المؤدية إلى الفتن والصراعات والمشاحنات والمصادمات الأسرية والاجتماعية، حتى صدقت على حالتي أغنية عبد الوهاب الدكالي وكلمات المرحوم أحمد الطيب العلج:

ما أنا إلا بشــر عندي قلب ونظـــر.
وأنت كلك خطر ما تبقاش تحقق فيـــا.
لا تقول لحتى كلمة أنا ضد الحكمــــة.
راضي بالقسمة وما كتاب في الحب عليا.

وهو شئ بديهي وطبيعي لتفاعلي مع الطوارئ والمستجدات النفسية والبيئية الاجتماعية المحيطة بي، والتي تحبطني أحياناً، وتخيفني فى أحيان أخرى وربما تجعلني أسقط في صراع نفسي خاصة جينما يتعلق الأمر بالاختيار بين خيارات أحلاهما مر..