السبت ٤ أيار (مايو) ٢٠١٣
بقلم محمد جمال صقر

نَظَرِيَّةُ النَّصِّيَّةِ الْعَرُوضِيَّةِ: قَانُونُ الطُّولِ

لما احتمل القَصْد في مادة "ق، ص، د" من متن اللغة العربية، أن يكون الإرادة أو الاتجاه أو الاعتدال، احتملت "القَصِيدَة" المشتقة منه مصطلحا على مُفْرَدَةِ الشعر، أن تكون المُرادة أو المُعْتَنى بها أو المُعْتَدِلة، وليس أَحَبَّ إليَّ في فهم مصطلح "القصيدة"، من تَدْرِيج هذه المعاني الثلاثة المحتملة.

لقد كان طالب الشعر الأول إذا شغله أمر من الحزن أو الفرح دَنْدَنَ أصواتًا غُفْلًا من المعنى -وعندئذ كان المقطع من التفعيلة- يُلَحِّنُها من سِرِّ نفسه تلحينا يُمَثِّل مشاعره ويُهَدْهِدُها. ثم صار يُدَنْدِنُ الأصوات مُركبةً في كلمةٍ ذاتِ معنى -وعندئذ كانت التفعيلة من البيت- يكررها باللحن نفسه. ثم صار يُدَنْدِنُ كلماتٍ مختلفةً مؤتلفةً في جملة واحدة -وعندئذ كان البيت من القصيدة- يكررها باللحن نفسه. ثم صار يُدَنْدِنُ جُمَلا مختلفةً مؤتلفةً -وعندئذ كانت القصيدة من الشعر- ينتقل من بيتِ الجملةِ منها إلى بيتِ الجملةِ باللحن نفسه.

ولقد ينبغي أن يُعَدَّ من مُخَلَّفَات رحلة طالب الشعر إلى القصيدة، البيتُ الذي يُروى يَتيمًا ليس معه غيره، والبيتان اللذان يُرْويان نُتْفَةً ليس معهما غيرهما، والأبيات المعدودات التي تُرْوى قِطْعَةً ليس معها غيرها- مثلما يُعدُّ من مسائل نقد الشعر الخلافية، ضَبْطُ طول القصيدة العمودية؛ أهو عَشَرات الأبيات، أم بضعة عشر بيتا، أم سبعة أبيات، أم كل ما اكتملت فيه رسالة طالب الشعر وإن كان بيتا واحدا.

وأَثْبَتُ الأقوال في ضبط طول القصيدة العمودية المتوسطة، أنه بضعة عشر بيتا، وأن كل قصيدة زادت على ذلك كانت طويلة، وأن كل قصيدة نقصت عنه كانت قصيرة؛ فقد قَسَمْتُ عدد أبيات الشعر العمودي الذي اشتملت عليه الموسوعة الشعرية الصادرة سنة 2003م عن مجمع أبي ظبي الثقافي (1442137)، على عدد قصائده (114234) -وهو جملة ما اجتمع لمُعِدِّيها من عصر ما قبل الإسلام إلى العصر الحديث (ثورة سنة 1952م المصرية)- فكان متوسط طول القصيدة بضعة عشر بيتا (12.62).

وأَوْسَطُ الأعداد المُبَضَّعَة وأَوْلاها بطول القصيدة المتوسطة هو الخمسة عشر، لأنه وَحْدَه هو الوتر الكامل الذي آثره دائما طالب الشعر، من حيث عدد الخمسة عشر في نفسه، ومن حيث انقسامه على ثلاثة أقسام، ومن حيث تَخْمِيس كل قسم، وهذا غاية اكتمال الأعداد المُبَضَّعَة.

ولكن ينبغي أن يُراعى طولُ البيت نفسه من داخل طول القصيدة؛ فأبيات كثير من البحور متفاوتة التفعيلات أعدادًا ومقاطعَ أصوات، ثم يكون من البحر الواحدِ البيتُ الوَافي (المستوفي عددَ التفعيلات)، والبيتُ المَجْزُوءُ (المنقوص تفعيلتين)، والبيتُ المَشْطُورُ (المنقوص نصفَ التفعيلات)، والبيت المَنْهُوك (المنقوص ثُلُثَيِ التفعيلات)، والبيت المُوَحَّد (المنقوص ما سوى تفعيلة واحدة).

إن أطول أبيات الشعر العمودي (أكثرها أصواتا) -وإن لم يكن أكثرها تفعيلات- لَهُوَ البيتُ الوافي من بحر الكامل (ثلاثون مقطعا صوتيا في ست تفعيلات: مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ) -وبحر الكامل من أكثر بحور الشعر العربي العمودي كله استعمالا بمادة الموسوعة الشعرية السابقة- فليس أعدل من الاحتكام إليه في ضبط طول القصيدة المتوسطة، بضرب عدد مقاطعه الثلاثين، في عدد أبيات القصيدة المتوسطة الخمسة عشر، ليكون مقدار أربعمئة وخمسين مقطعا صوتيا (450) -وهو هنا في تسعين تفعيلة (90)- هو طول قصيدة الشعر العمودي المتوسطة.

ينقطع طالب الشعر لقصيدته وقد انطبع في وعيه طول قصيدة الشعر العمودي المتوسطة، فيَقِفُ عنده بأسلوب المُساواة، أو يَزيدُ عليه بأسلوب الإِطْناب، أو يَنقصُ عنه بأسلوب الإِيجاز. وهي ثلاثة أساليب بلاغية معروفة، يستدل عليها طالب علم الشعر بمنزلة طول القصيدة الخاص من ذلك المتوسط العام، ويُعَلِّقُها بثلاثة معانيها المعجمية السابقة، بحيث يكون فيها على أسلوب الإيجاز معنى الإرادة، وعلى أسلوب الإطناب معنى الاعتناء، على أسلوب المساواة معنى الاعتدال.

ومن أسلوب الإيجاز كانت المُقَطَّعات القديمة والحديثة التي داخَلَ فيها طالب الشعر ذلك الطولَ المتوسطَ، وشَبَّهَها قديمًا بقِلادة العنق التي تَكْفِي فيها الحَبَّات، وشبهها حَديثًا بقَوْسِ السماء التي تَحْتَشِدُ فيها الألوان، فانطَوَتْ له القصيدةُ بعضُها على بعض أو أغنى بعضُها عن بعض، حتى استفرغ وُسْعَه.

ومن أسلوب الإطناب كانت المُطَوَّلَات القديمة والحديثة التي ضَاعَفَ فيها طالبُ الشعر ذلك الطولَ المتوسطَ، فاجتمعت له في إهاب القصيدة الواحدة قصائدُ متعددة، انقطع لها انقطاعاتٍ متعددة، فأضاف كُلَّ مرة إلى مِقْدارِ الطولِ المتوسطِ مقدارًا مثلَه أو مقاديرَ، حتى استفرغ وُسْعَه.

ومن أسلوب المساواة كانت المُقَصَّدَات القديمة والحديثة التي راعى فيها طالب الشعر ذلك الطول المتوسط، فاستقامت له عليه القصيدة، وارتاح فيها إلى المُعَادَلَة من كُرُوبِ المُضَاعَفَة والمُدَاخَلَة!

على أطوال قصائد الشعر مُقَطَّعَةً ومُطَوَّلَةً ومُقَصَّدَةً، ينبسطُ سلطانُ قانون الطول، ويراعيه وُجودًا وعَدَمًا طالبُ علم الشعر، لأن طالب الشعر يخضع له عَفْوًا وقَصْدًا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى