سيميــــــوطيقــــا التــــرجمــــة

، بقلم جميل حمداوي

(النص الهدف عند أحمـــد بوحسن نموذجا)

الترجمة هي عملية نقل رسالة من لغة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى، ومن قارئ إلى آخر. وبتعبير آخر، تعني الترجمة نقل المعنى من النص المنطلق إلى النص الهدف، وتحويل علامات اللغة الأولى إلى علامات اللغة الثانية. أي: يقوم المترجم بتفكيك الشفرة اللسانية بعد أن تكون مشفرة في لغة أخرى. ويتضمن النص المترجم مجموعة من العلامات السيميائية كالعلامات المنطقية، والعلامات الاجتماعية، والعلامات الجمالية، والعلامات اللسانية. ومن ثم، فالهدف الرئيس لمترجمها هو الوصول إلى ترجمة صادقة ووفية وقريبة من معاني النص المعيار.

لذا، فالترجمة عملية وساطة بين النص والمتلقي. والهدف منها هو تقريب المعاني وتبسيطها لقارئ ينتمي إلى لغة ومنظومة ثقافية أخرى. ومن ثم، تحمل هذه الترجمة في ثناياها مقصدية المترجم الظاهرة أو المضمرة، وتحوي تأويلاته القيمية ومعتقداته الإيديولوجية سيما إذا كنا أمام ترجمة أدبية أو إبداعية. ومن المستحيل - في اعتقادنا- أن تكون هناك ترجمة صادقة وأمينة ووفية بشكل مطلق، بل تبقى الترجمة المعهودة تقريبية ونسبية ليس إلا. أي: إن الهدف المهم من فعل الترجمة هو التقارب بين المعاني والأفكار عبر منظومتين لغويتين مختلفتين أو أكثر. ومن هنا، فلابد للمترجم من الإلمام بالعلامات اللغوية والثقافية والمرجعية للغتين معا. ويعني كل هذا أن الترجمة ليست نقلا للرسائل والمعاني فقط، بل هي نقل للقيم السلوكية والثقافية والحضارية. والترجمة ليس نقلا فقط أو محاكاة أو اقتباسا، بل هي إبداع قبل كل شيء. وللترجمة وظائف عدة: وظيفة تأويلية، ووظيفة جمالية، ووظيفة لسانية، ووظيفة رمزية، ووظيفة إيديولوجية، ووظيفة مرجعية، ووظيفة ميتالغوية، ووظيفة تواصلية، ووظيفة معرفية ، ووظيفة ثقافية، ووظيفة تقنية ومهنية...
ومن جهة أخرى، قد يكون فعل الترجمة نظرية أو تطبيقا. ومن هنا، تبدو المقاربات اللسانية والسوسيولوجية والتواصلية والسيميوطيقية أصلح وأنجع لمقاربة الترجمة تصورا وممارسة وأداة وتقنية.

وللعلم، فقد ارتبطت الترجمة عبر مسيرتها التاريخية بتفسير الكتب المقدسة ، وتطورت مع علم التأويل وظهور الدراسات الاستشراقية والكولونيالية، وازدادت أهميتها مع التوسع الاستعماري، والحاجة إلى خلق كراس جامعية للأدب المقارن بغية معرفة العلاقة بين الأنا والغير، واستكشاف آليات التثاقف والتواصل والاحتكاك الثقافي بين الشعوب والحضارات والثقافات...

وما يهمنا في هذه الدراسة هو مقاربة كتاب(المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي) لروس.إ.دانالذي ترجمه أحمد بوحسن عن الإنجليزية سنة 2006م، وقد ترجم هذا الباحث أيضا كتاب(تكوين الخطاب السردي العربي: دراسة في سوسيولوجية الأدب العربي الحديث) لصبري حافظ سنة 2002م، وترجم كذلك كتاب(نظرية الأدب: القراءة والفهم والتأويل، نصوص مترجمة) سنة 2005م. وسنحاول في هذه الدراسة قراءة الكتاب التاريخي الذي ترجمه أحمد بوحسن لروس .إ. دان عن اللغة الإنجليزية، بتمثل سيميوطيقا الترجمة التي تمتح آلياتها التحليلية والمنهجية من آراء غريماص، وجوزيف كورتيس، وجاك فونتاني وفرانسوا راستيي، ومبادئ علم الترجمة ...

 واقـــع الترجمـــة في المغـــرب:

عرفت الترجمة بالمغرب حركة إيجابية وتطورا لافتا للانتباه في العقود الأخيرة، مع تطور الانفتاح الثقافي على الغرب في سياق التعاون والتواصل والتثاقف، علاوة على تطور النقد العربي المعاصر الذي استوجب تمثل المناهج النقدية الغربية، وفهم فلسفاتها النظرية، واستيعاب تصوراتها الإبستمولوجية، بالإضافة إلى تحكم الكثير من الكتاب والمثقفين في اللغات الأجنبية (الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية)، وترجمة مجموعة من النصوص المهمة ، سواء أكانت تقنية أم أدبية أم علمية... وقد أفرز هذا الوضع الإيجابي أن خصصت وزارة الثقافة المغربية جائزة للترجمة تشجيعا للمترجمين لمواصلة عملهم الدؤوب، ونقل الإرث الثقافي الغربي إلى القارئ العربي.

وثمة مجموعة من الكتب التي انصبت حول الترجمة تنظيرا وتطبيقا وتعريفا وتأريخا في ضوء مجموعة من المناهج النقدية المتنوعة. وفي هذا السياق، يمكن استحضار الكتاب الجماعي (الترجمة والتأويل)، وكتابي (خطاب الترجمة الأدبية من الازدواجية إلى المثاقفة) و(شعرية الترجمات المغربية) لسعيد علوش، وكتاب ( في الترجمة) لعبد السلام بنعبد العالي، وكتاب (قضايا ترجمة القرآن) لعبد النبي ذاكر، وكتاب (أسئلة الترجمة) لعبد الرحيم حزل، وكتاب(أوضاع الترجمة في المغرب) لعبد الله العميد، وكتاب(أبراج بابل، شعرية الترجمة : من التاريخ إلى النظرية) لحسن بحراوي ، وكتاب( في تاريخ الترجمة) لأحمد جوهري، وهلم جرا...

وعليه، فقد صدر بالمغرب أكثر من أربعين كتابا أو دراسة حول الترجمة نظرية وتطبيقا وتصورا وتعليما من 1990إلى 1012م. وشهد المغرب أيضا أكثر من ستين مؤتمرا وندوة في موضوع الترجمة من 1984إلى غاية 2012م. وقد ظهرت مجلات في الترجمة من بينها(مجلة ترجميات) لعبد الرحيم حزل التي صدرت سنة 2006م، و( المجلة المغربية لدراسات الترجمة) الصادرة عن مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة سنة 2013م...

هذا، وقد تعددت فروع الترجمة بالمغرب، فهناك الترجمة التقنية، والترجمة الأدبية، والترجمة الآلية، والترجمة العلمية، والترجمة الفورية...

ومن أهم المترجمين المغاربة: إبراهيم الخطيب، وسعيد علوش، ومحمد برادة، ولحسن أحمامة، والمبارك الغروسي، ومحمد بنيس، وعز الدين الخطابي، وعبد الكريم غريب، وعبد السلام بنعبد العالي، ومحمد نظيف، وأحمد بوحسن، وإدريس بلمليح، ومحمد الوالي، وسعيد بنكراد، والصديق بوعلام، والطاهر لكنيزي، وعبد الرحمن بوعلي، وعبد القادر قنيني، والحسين سحبان، ورشيد بنحدو، ومحمد الناجي، وعبد الكريم الشرقاوي، وعائشة جرير، وعبد الجليل بن محمد الأزدي، ومحمد البكري، ومحمد العمري، وحميد لحمداني، ومحمد السرغيني، ومحمد مشبال، وعبد النبي ذاكر، وعبد الرحيم حزل، وعبد المجيد جحفة، ومحمد أونيا، وكنزة الغالي...

 التصــور السيميوطيقــي للترجمـــة:

تنبني الترجمة سيميائيا على مجموعة من المرتكزات المنهجية هي: النص والعلامة واللغة والمعرفة والتواصل. ويعني هذا أن الترجمة عبارة عن علامات لغوية وسيميائية تشكل نصا متسقا ومنسجما، يحمل في طياته رسائل ثقافية ومعرفية وعلمية متنوعة ومتعددة ومختلفة، يكون الغرض منها التواصل والتبادل والتثاقف.

وثمة مجموعة من النظريات حول الترجمة نذكر منها: النظرية اللسانية التي تعنى بالترجمة لغويا وبنيويا وتداوليا ، وخير من يمثل النظرية: جورج مونان، وفيناي، وداربيلنيت ، وأوستين ... والنظرية الأدبية كما عند إدموند كاري، وإزراباوند، ووالتر بنجامين، وهنري ميشونيك، وأنطوان بيرمان... والنظرية التطبيقية أو الوظيفية التي تعنى بالتأويل، وترجمة ما يدور في الندوات، والاهتمام بالترجمة المعنوية لا الحرفية، ومن ممثليها: سيليسكوفيتش، ولديرير، وإستيان دولي ... والنظرية السوسيولسانية التي تعتبر الترجمة نتاج مجتمع ثقافي كما عند مدرسة تل أبيب التي يمثلها كل من: آني بريسي ، وإيفين زوهار، وگيديون طوري، والنظرية الفلسفية الهرمونيطيقية التي تستوجب أن يكون المترجم كاتبا ومبدعا حقيقيا يعي مقاصد النص الأصلي عن طريق معايشته فعليا ، ويعد جورج شتاينر خير من يمثلها.

وينضاف إلى ذلك أن الترجمة تستند إلى ثلاث مراحل أساسية هي: فهم النص المنطلق، وتفكيك الشفرة الأصلية، وإعادة التعبير في ضوء شفرة النص الهدف.

وعلى العموم، تستوجب الترجمة معرفة السياق اللغوي والثقافي والحضاري والمرجعي، والتمكن من آليات الميتاترجمة، والتمييز بين الإيحاء والتعيين أو بين الحرفي والمعنوي...

ويلاحظ كذلك أن الترجمة لم تكن ضمن حسابات اللسانيات أو السيميائيات العامة، بل كانت تحتل مركزا هامشيا، لكنها ستحظى بمكانة مهمة مع اللسانيات المقارنة، والأدب المقارن، والسيميوطيقا الثقافية.

ويعد فرانسوا راستيي من أهم الذين اهتموا بسيميولوجية الترجمة خاصة في مقاله عن (الترجمة وتوليد المعنى) الذي حدد فيه الأسس اللسانية والسيميوطيقية لفعل الترجمة، مع ربطها باللسانيات التأويلية مادام هدف الترجمة في الأساس هو التأويل.

وعليه، فالترجمة عبارة عن نسق لغوي يتضمن دلالة سيميوزيسية قائمة على علاقة الدال بالمدلول عند فرديناند دوسوسير ، أو نتاج العلاقة بين المضمون والشكل، أو بين المادة والتعبير عند لوي هلمسليف، أو نتاج العلاقة الثلاثية عند شارل ساندريس بيرس المبنية على الرمز والإشارة والأيقون.

ويمكن الحديث عن أنواع أخرى من السيميوزيس على مستوى الترجمة، فهناك سيميوزيس التطابق أوالتماثل، وسيميوزيس الخيانة ، والسيميوزيس الحرفي، والسيميوزيس المعنوي، وسيميوزيس التعيين، وسيميوزيس التضمين ، وسيميوزيس التحول بالتصرف والنقص والزيادة والتحوير والتشويه، وسيميوزيس الإبداع، وسيميوزيس التناص...

وتأسيسا على ماسبق، تعتمد الترجمة على عمليتين رئيستين هما: تشفير النص، وتفكيك الشفرة النصية . ويعني هذا أن المترجم للنص يبدع نصا سيميائيا آخر يقابل النص الأول، ويخضع النص المترجم لشبكة من العمليات، مثل: الفهم والتأويل والتفسير واختيار المعجم والنسق اللغوي. ويعني هذا أن الترجمة عملية سيميائية قائمة على التشفير والتفكيك معا. وبالتالي، فالترجمة هي عملية سيميوزيسية مزدوجة قائمة على سن الشفرة وتفكيكها.

وتستوجب الترجمة التفكير في آلياتها في إطار ما يسمى بالميتاترجمة التي تندرج ضمن علم الترجمة ، وقد أضحى هذا العلم بدوره مقترنا باللسانيات المعاصرة. ومن ثم، تبحث السيميوطيقا في آليات الترجمة وميكانزماتها الأسلوبية والتركيبية والدلالية، والتفكير في ممارستها تصنيفا وبنية ودلالة ومقصدية.

والهدف من سيميوطيقا الترجمة هو مقارنة نص المنطلق بالنص الهدف، ومعرفة مختلف الأنظمة العلاماتية والتحولات الدلالية والتركيبية التي تخضع لها عملية الترجمة، فضلا عن استكشاف آليات التوظيف للأنظمة السيميائية في لغة الأصل، وانتقالها إلى لغة الهدف

ومن ثم، يمكن الحديث عن أربع تراجم على المستوى المنطقي التوليدي: ترجمة صادقة حينما يكون الظهور والكينونة متطابقين، وترجمة كاذبة حينما يكون الظهور والكينونة غير متطابقين، وترجمة زائفة حينما يكون الظهور بدون كينونة، وترجمة متوارية أو مقنعة حينما تكون الكينونة بدون ظهور ( تأويل الصوفية أو تقية الشيعة). ويمكن تصوير مربع الصدق سيميائيا ومنطقيا وتوليديا على الشكل التالي:

يكون يظهــر

لا يظهر لا يكون

وينضاف إلى ذلك - حسب تصور رومان جاكبسون أن الترجمة تؤدي وظيفة ميتالغوية أي: وظيفة وصفية أو نقدية أو تفسيرية. بمعنى أن هناك لغة واصفة للغة أخرى عن طريق الشرح والتفسير والتأويل (ل1 ول2)، وتستوجب اللغتان معا من اللساني المقارن أو السيميوطيقي معرفة النسق الأسلوبي والتركيبي واللساني للغتين معا .

 التحليل السيميوطيقي للنص الهدف:

يستوجب التحليل السيميوطيقي للنص المترجم الانطلاق من مجموعة من البنيات والمستويات، مثل: البنية التكوينية، والبنية التركيبية، والبنية الدلالية، والبنية السطحية الظاهرة، والبنية المنطقية على النحو التالي:

 البنيــة التكوينيـــة:

صدر كتاب (المقاومة في الصحراء للباحث الأمريكي روس إ.دان في طبعته الأولى سنة 1977م ، وقد طبع الكتاب بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا ولندن ضمن منشورات جامعة ويسكونسان. ويحمل الكتاب عنوانا فرعيا آخر (مقاومة المغاربة للإمبريالية الفرنسية). ويحوي الكتاب( 291) صفحة . وقد نشرت بعض مقالات هذا الكتاب في الصحف الأجنبية في بدايات السبعينيات من القرن الماضي. ويتضمن الكتاب مقدمة وقسمين وتسعة فصول تمتد عبر ثلاثة عقود من تاريخ الجنوب الشرقي المغربي من سنة 1881 إلى 1912م. وقد اعتمد الكاتب في دراسته التاريخية على مجموعة من المصادر هي: الوثائق المكتوبة الأجنبية، والوثائق العربية المترجمة، والوثائق الشفوية، والاستجوابات، والبحث الميداني.

وقد استهل الدارس كتابه بصفحة لغوية ولسانية يبين فيها بعض الملاحظات المتعلقة بنطق بعض الحروف والكلمات العربية والأمازيغية؛ لأن الكتاب موجه إلى المتلقي الأنجلوسكسوني الذي ليست لديه معرفة كافية بالمجتمع المغربي في الجنوب الشرقي. وبعد هذه الصفحة، توجد كلمة شكر موجهة إلى الذين أشرفوا على أطروحته الجامعية، وأيضا إلى الذين ساعدوه من قريب أو من بعيد. وبعد ذلك، أورد الكاتب بعض الرموز المختصرة للإشارة إلى بعض المصادر والمراجع. وقد وظف الكاتب مجموعة من الخرائط والجداول والرسوم في متن الدراسة، وذيلها بفهارس وملاحق. ويتضمن غلاف الكتاب صورة فوتوغرافية لمجموعة من الفرسان المقاومين ببندقياتهم الطويلة التي تحيل على الفضاء المغربي بالجنوب الشرقي، واستعمل الكاتب كذلك عنوانا خارجيا عريضا (المقاومة في الصحراء) ملونا بالبرتقالي.

أما الترجمة العربية لهذا الكتاب، فقد قام بها أحمد بوحسن تحت عنوان(المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي)، وقد حافظ المترجم على بنية الكتاب نفسها على مستوى الأقسام والفصول والملاحق، مع تغيير طفيف على مستوى العنوان الرئيس؛ لأن العنوان الأصلي هو (المقاومة في الصحراء). بيد أن العنوان الفرعي بقي كما هو(المقاومة المغربية للإمبريالية الفرنسية). كما تغيرت صورة الكتاب في الترجمة من النص المنطلق (صورة الفرسان المقاومين) إلى النص الهدف( صورة قصر طوبي بواحات الجنوب الشرقي المغربي)، وقد تفاوت عدد الصفحات من نص إلى آخر من ( 291) إلى ( 332 ) صفحة. وقد تخلص المترجم من صفحة النطق، فاستبدلها بمقدمته الاستهلالية؛ لأن هذا الكتاب التاريخي موجه إلى القارئ المغربي الذي يعرف العربية والأمازيغية معا، بيد أنه يجهل اللغة الإنجليزية.

ويتبين لنا أن ترجمة الكتاب هي من النوع العلمي المتعلق بالتاريخ ، والهدف منها هو تقديم وجهة نظر أجنبية حول تاريخ الجنوب الشرقي المغربي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مع رصد مختلف الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية التي كانت تعرفها تافيلالت وفجيج وقنادسة . وتتكئ هذه الترجمة الفرعية في علاقة مع الشفرة الأصلية على مجموعة من الآليات السيميائية، مثل: آلية التفصيح (استعمال العربية الفصحى)، و آلية التقديم، وآلية التحقيب، وآلية الوصف، وآلية التوثيق، وآلية الأرشفة، وآلية الأيقنة (الصور والرسوم والجداول)، وآلية التحشية (الهوامش)، وآلية التعليق، وآلية الفهم، وآلية التفسير، وآلية التأويل، وآلية التخطيط (التنسيق بين الفصول والأقسام)، وآلية التقويم، وآلية المراجعة(عبد الأحد السبتي وأحمد بنعابد علي..)...

وينضاف إلى ذلك أن سياق الترجمة يتحدد في مرجع مكاني هو الجنوب الشرقي المغربي بما فيه تافيلالت وفجيج وقنادسة، ومرجع زماني هو أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، و عامل بشري فاعل هو الإنسان الصحراوي، سواء أكان أمازيغيا أم عربيا، وعامل الترجمة الذي يتمثل في أن أحمد بوحسن من أبناء تلك المنطقة (فجيج)، فهو يعرفها بشكل جيد، ويمتلك أدوات الترجمة نظرية وتطبيقا، ويتقن اللغتين الإنجليزية والعربية معا. وأكثر من هذا فقد راجع عبد الأحد السبتي ترجمته بشكل دقيق باعتباره باحثا متخصصا في التاريخ المغربي الحديث والمعاصر.

هذا، ويلاحظ اختلاف مكان الطبع بين النص الأصلي والنص الفرعي (لندن والرباط)، واختلاف اللغة (الإنجليزية والعربية)، واختلاق القراء (القارئ الأنجلوسكسوني والقارئ العربي). ويتبين لنا أن من أهم الحوافز التي دفعت المترجم إلى اختيار هذا النص لترجمته رصد الكتاب لقضايا تاريخية تتعلق بمنطقته (فجيج)، وأهمية المواضيع التي ركز عليها النص الأصلي كالتعريف بالمجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي ، والإشارة إلى مرحلة زمنية مهمة لا نعرف عنها الكثير هي مرحلة تغلغل الإمبريالية الفرنسية في المغرب، ومناقشة قضية السيبة أو التبعية للسلطة المركزية ، وذلك في مجموعة من الجهات بالمغرب، كجهة الريف، وجهة الجنوب الشرقي، وجهات ما وراء الأطلس. ويعني هذا أن الكتاب يندرج بامتياز ضمن ما يسمى بالتاريخ الجهوي...

 المظهر السطحي للنص الهدف:

يستند النص المترجم إلى خطاطة سردية سببية تاريخية تتكون من العناصر التالية: وضعية الانطلاق أو الافتتاح التي تتسم باستقرار الصحراويين العرب والأمازيغ في الجنوب الشرقي من المغرب إبان القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتجمعهم في الأماكن التي توجد فيها الأودية والأنهار والمياه الجوفية سيما الواحات والقصور، ووضعية الاضطراب التي تتمثل في دخول المستعمر الفرنسي إلى المنطقة ، والوضعية النهائية التي تنحصر في الثورة والمقاومة والجهاد (ثورة بوعمامة، ومقاومة السي العربي الدرقاوي، ومقاومة الحنفيين، ومقاومة الشعب المغربي...).

أما من حيث البنية الزمنية، فيمكن الحديث عن ثلاث محطات كرونولوجية: مرحلة ما قبل الاستعمار (مرحلة التطاحن الداخلي)، ومرحلة التغلغل الإمبريالي إلى المنطقة، ومرحلة ما بعد الدخول هي مرحلة المقاومة والثورة والجهاد.

ويمكن الحديث كذلك عن ثلاثة فضاءات مختلفة: فضاء الانطلاق الذي يتمثل في الفضاء الصحراوي (فضاء الهوية)، وفضاء العبور الذي يتمثل في الحدود المغربية الجزائرية (فضاء التبادل والتشابك)، وفضاء الهدف الذي يتمثل في الداخل الجزائري (فضاء التغريب والانسلاخ عن الهوية).

 البنيـــة التركيبيـــة:

ثمة مجموعة من الذوات المرجعية في كتاب (المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي) لروس إ.دان ، سواء أكانت ذواتا سياسية أم ذواتا دينية أم ذواتا عرفانية أم ذواتا عسكرية أم ذواتا مقاومة وثائرة. بيد أن ما يتحكم في هذه الذوات هو منطق الصراع حول مجموعة من المواضيع ذات القيمة، مثل: الأرض، والماء، والمال، والسلطة، والحرية، والاستقرار... لذا، يتخذ هذا الصراع شكلين: صراعا داخليا بين الذوات العربية والأمازيغية الموجودة بتافيلالت وقنادسة وفجيج، وصراعا خارجيا بين الذوات الداخلية والذات الخارجية المعتدية التي تتمثل في المستعمر الفرنسي. ويمكن الحديث عن مواضيع وسيطة أو مساعدة، مثل: موضوع الدين، وموضوع التصوف، وموضوع التكنولوجيا، وموضوع العلم، وموضوع الاقتصاد...

أما العامل المحفز للذوات الداخلية فهو الجهاد والوحدة الوطنية في مواجهة العدو المستعمر. أما العامل المستفيد، فيتمثل في المغاربة بصفة عامة، وسكان الجنوب الشرقي بصفة خاصة. ويمكن الحديث عن عوامل مساعدة للذات الفاعلة كالتصوف، والجغرافيا الشاسعة، والوحدة، والجهاد. في حين، ثمة عوامل معاكسة أثرت سلبا على المقاومة كالخيانة، والانقسامية، وتفكك السلطة، وكثرة الفتن، وتزايد قوة المستعمر.

ويشير النص إلى أن الثوار والزعماء يعينون من قبل القبيلة (بوعمامة، والحنفي، وسي العربي الدرقاوي)، أو من قبل السلطة المركزية (الكلاوي، وعمال فجيج وتافيلالت)، أو من قبل الحكومة الفرنسية (محمد أفقير)... ويشترط في هؤلاء مجموعة من المؤهلات لأداء برامجهم وأدوارهم المنوطة بها، مثل: الولاية، والشجاعة، والزعامة، والنسب، والتبعية، والبيعة، والقرابة، والجاه، والنفوذ...

ومن ناحية أخرى، يمكن الحديث عن أربعة اختبارات حاسمة ضمن برنامج الإنجاز السيميائي: اختبار الحياد، واختبار التوازن، واختبار النصر، واختبار الهزيمة.

وعلى مستوى التقويم، لا يمكن للمتلقي السيميائي إلا أن ينتقد الذات الصحراوية بالجنوب الشرقي المغربي التي فرطت في قيمها ودينها وهويتها وأصالتها لترضى بالخنوع والتقاعس والذل والعار والاستعمار. ويعني هذا أن هناك صراعا حادا بين الهوية والتغريب، والتأرجح بين الحرية والعبودية.

 البنية الدلاليـــة:

يقوم الفاعل الدلالي والتاريخي في النص الهدف، وكذلك في النص المنطلق، بمجموعة من الأدوار التيماتيكية، مثل: الفلاحة، والرعي، والسقي، والتجارة، والارتحال، والحرب، والثأر، والتصوف، والانتخاب، والتعاون، والتقارب، والبناء، والثورة، والمقاومة، والجهاد...
ويعتمد النص المترجم على مجموعة من التشاكلات السيميائية. ويعرف التشاكل بأنه تكرار مجموعة من العناصر داخل النص تحقق اتساقه وانسجامه ومقروئيته، ويزيل عنه اللبس والغموض والإبهام. وقد يرتبط التشاكل بشكل من الأشكال بالحقول الدلالية وتوارد التيمات والضمائر.

و يمكن حصرها في تشاكل الأرض، وتشاكل الماء، وتشاكل المال، وتشاكل القرابة، وتشاكل النسب، وتشاكل الهوية، وتشاكل اللغة، وتشاكل السلطة، وتشاكل الهجرة، وتشاكل الدين، وتشاكل التصوف، وتشاكل التبعية، وتشاكل السيبة، وتشاكل العبودية، وتشاكل الحرية، وتشاكل المقاومة، وتشاكل الخيانة...

وعليه، يلاحظ أن القيم لدى ساكنة الجنوب الشرقي المغربي متناقضة ، إذ تتغير بتغير الظروف المناخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية... وقد أفرز هذا التناقض الأكسيولوجي صراعا داخليا قائما على التطاحن والثأر والانقسامية من جهة، وصراعا خارجيا بين الذات الداخلية والذات الخارجية المعتدية التي تتمثل في المستعمر المسيحي.

ويلاحظ أن البنية الدلالية والمنطقية التي ساهمت في توليد المدونة النصية بمختلف تجلياتها تتمثل في بنية الهوية التي تتضاد مع التغريب أو صراع القيم مع منطق المادة. وتستلزم هذه البنية الضدية استحضار بنية التناقض القائمة على ثنائية الهوية واللاهوية أو ثنائية التغريب ولا تغريب التي تترجم لنا مدى الضياع والتمزق وانقسامية المجتمع الصحراوي في الجنوب الشرقي المغربي، وبنية التضمن التي تتمثل في الهوية ولا تغريب أو في التغريب واللاهوية، وتعبر كذلك عن جدلية الأصالة والمعاصرة وصراع الداخل والخارج.

التغريب الهوية

اللاهويةاللاتغريب

خاتمـــــة

يتبين لنا – مما سبق ذكره- أن ترجمة أبو حسن لكتاب (المقاومة في الصحراء) للكاتب الأمريكي روس إ. دان لم تكن ترجمة خائنة، كما يقول المثل الشائع الترجمة خيانة ، ولم تكن كذلك ترجمة خاطئة أو زائفة أو واهمة أو مقنعة، بل كانت ترجمة علمية صحيحة وصادقة فيها الكثير من الإتقان والجودة والوفاء للنص المعيار، واحترام الأمانة العلمية، والسعي الدؤوب من أجل خلق تقارب وثيق بين النص المنطلق والنص الهدف اعتمادا على شفرة عربية فصيحة وسليمة وبليغة، يستطيع القارئ العربي أن يفكها بسهولة فهما وتفسيرا وتأويلا.

ويعني هذا أن أحمد بوحسن مقارنة بكثير من المترجمين المغاربة يتحكم جيدا في سيميوزيس التطابق والتماثل دالا ومدلولا ومرجعا؛ لأنه بمنأى عن الترجمة الحرفية التي تقوم على ترجمة الكلمة بالكلمة، فهو يفضل الترجمة المعنوية التي يستبدل فيها المعنى بالمعنى. بل يمكن الذهاب إلى أكثر من هذا لنقول بأن هذه الترجمة خاضعة لسيميوزيس المرجع أو المجال أو السياق التداولي أكثر مما هي ترجمة معنوية ودلالية فقط؛ نظرا لارتباط صاحبها بسياق صحراوي مولدا ونشأة ومعايشة ، والتمكن من الترجمة نظرية وتطبيقا وبحثا ولغة.