الجمعة ١٤ حزيران (يونيو) ٢٠١٣
مهرجان فاس صناعة الجمال
بقلم مروة كريديه

بروح أندلسية

الجمال معبر الأزمات الحضارية

في حاضرة فاس الاندلسية ينبثق الجمال عبر الروح، عاكسًا تنوع الحضارة الانسانية وتلاقيها في آن معًا، ومؤكدا على ان الوحدة في الروح أزلية خالدة. ومع موعد سنوي انطلق المهرجان السنوي للموسيقى الروحية محتفيا بالثقافة الأندلسية بمشاركة فنانين مثقفين من مختلف أنحاء العالم.

ثمة تلاقي يصعب وصفه في عالم احترف تكريس التقسيمات الجغرافية والفكرية والثقافية، وفي لحظات عابرة للحدود يرقى الانسان عبر الروح مترجما للجمال عبر الفن الروحي.

موسيقى الفلامنغو تشابه الموسيقى الأندلسية الذي يشير بشكل واضح بما لا يدع مجالا للشك بأن الشعوب تتجاوز التقسيمات وتتبادل الفنون، وقد انعكس الامتزاج الاندلسي في أوجه شبه عديدة بين الأنواع الفنية الذي يرجع الى التعايش بين اليهود والمسيحيين والمسلمين حيث ان فن الفلامنجو نشأ في الأندلس في القرن الخامس عشر وساهم الغجر والمسيحيون ومغاربة الأندلس المسلمون في تشكيله الى أن وصل لصورته الحالية.

لا شك في ان التأثير كان متبادلا بين ضفتي المتوسط على مر العصور ففي الوقت الذي أثر المغرب وحضارته على الحضارة المتوسطية والأوروبية عبر الأندلس أثرت الحضارات المتوسطية على المغرب وأغنت ثقافته وحضارته على صعيد العلوم كما التراث.

لا أروم من هذه المقدمة الاشارة الى عمق الحضارات الانسانية وتناغم مفرداتها ووحدة لبناتها الاساسية الانسانية وحسب بل ان هذه الرؤية الجمالية تحررنا من أسر النظر الدائم الى الآخر على انه طامع ومستعمر، فالعلاقات بين اوروبا وافريقيا ثرية وان التلاقي عبر الفن يزيل الانقسامات التي أُسرنا بها قرونا طويلة.

وينظر كثيرٌ من "المحلِّلين" إلى الطروحات الجمالية على انها ضرب من الترف الفكري الغير عملي لمواجهة الصعوبات في العلاقات بيد أنَّ حقيقة الإشكالية تقع أصلاً في البنية المؤسِّسة للفكر. فالتاريخ الثقافي للأمم أثبت فشل تعميم نموذج واحد يفرض على الجميع وكأنه الترياق الشافي، فثمة رؤية تقوم على الفن والجمال المبني على التنوع الثقافي العميق وانعكاسه في الجمال.

تواجه المجتمعات كما الانسان في مسيرته صعوبات شتى فيعمل على حلها بأساليب متنوعة وربما أسرعها تلك القائم على ردود الفعل المباشرة والتي غالبًا ما تكون آنية وقاصرة عن ايجاد حلول جذرية لتلك المشكلات بطريقة مغايرة عن المعهود.

ضمن هذا الطرح، تكون المفاهيم الجمالية مَعْبَرًا إلى حلِّ الأزمات. عند ذاك سنجد في إعادة قراءة ابن رشد مدخلاً، ونستشرف أفقًا إنسانيًّا جديدًا من خلال تجارب مثقَّفي "الأنوار"، من ڤولتير إلى ليسِّنغ. إنها رؤية ثقافية مشرقة ومتفائلة، تستوعب المغاير والمتغير، وتحترم ثقافات شعوب نُسِجَت بالذاكرة وبالأرض، بالجسد وبالمقدس، بالغيب وبالواقع، وتكرِّس روابط تضامُن القيم والأفكار العالمية والمآلات المشتركة لبني البشر أجمعين
عن هذه الرؤيا تتولَّد العَلمانية التي لا تغفل عمل الروح والقلب، فتحترم الأديان والثقافات؛ وعن هذه الرؤيا تتولَّد الديموقراطيات الحقَّة التي تحترم الكائن الإنساني؛ وعن هذه الرؤيا يتولَّد التسامح الحقيقي ويولد السلام.
أملنا ان نخرج من دائرة الانفعال الى دائرة الفعل الحضاري، والذي تكون من ابرز تجلياته حل مشكلاتنا عبر الجماليات.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى