الومضة وقع الإيجاز وجزالة المعنى قراءة في نصوص قصيدة للشاعر المغربي محمد منير

، بقلم خيرة خلف الله

«أقصى البيان الإيجاز وأبعد الدّوام الإبراقُ»

1- توطئة:

الومضةُ، لحظةٌ فارقةٌ تجمع المتعدّد في نفس وتعاقر الأبعاد في إلماح.

بناء على غير مثال إذا احترفها شاعر ،فإنه يسوق كونه ومعانيه من محدث هو خلاصة العصر وبلاغة العصر العامرة بمتحرّك لا يهدأ وتغيّر لا يني

تفاجئك في غير إطناب وتبهرك دون أن تجنح للإسفاف ،فإن كنت من حمّالي قاموس الجيب فهي قاموس القلب ،تقرع الوجدان بلمسة يتيمة فيتضوّع عطرها في كامله ولا تهدأ حتّى تحتلّ أشمله ولا يأخذ من وقتها إلا بعض المترادفات .

وفي محاسنها طقوس على أنه لم يسجّل من مساوئها ما يرغّب عنها:

ألمع صفاتها الإسراع والبداهة ،وهذه إشراقة فارقة من حيث هي أقصى الحداثة النّصيّة تعود بك إلى طبع متأصّل خبرناه عن أهل الشّعر من ديوانهم، أليس العرب الأُوَلُ من أكثر الناس بداهة وإسراعا في خطف المقال الموائم للحال؟،

إذا هي لحظة كشف وحنين، فإن لم تكن سريع البديهة فاتك المعنى إذا المعنى همى
والومضة يرحمك الله كائن من بعض الحروف نسجه يطرّزها في شكل أقانيم كالوشم على ظاهر الورقة وكنعمة النطق على عضلة اللّسان ،تشكيل كأبهى مايكون التماسك والانسجام ،يتوسّل جمال الألوان وتزاحم الأبعاد والأجسام ،من شقّي التقنية يقطف ،

رقمنة الصورة سلاحه وانتشاريّة اللقطة السينمائية معناه
ويظهر من خلال كلّ ذلك بوحدة نوعيّة جامعة /مانعة ،صادقة /عميقة ،تعصف بالملل وتتحدّى قامات الكلمات والنّصوص...

سيّدة مقال تأخذ بناصية الرّوح فتنزل ملكة متوّجة على عرشِ النّص وديوانِ العرب و لسانِ القوم ،إذا مارمنا محتدها الوافد (إشارة لأصولها الغربية)

لا تستطيع اقترافها إن كنت من الدّخيل ليس على الأجناس أو الأعراق الإنسانيّة وإنما إذا كنت متطفّلا على الأدب والثقافة ،فلا يدخلنّ عليها إلّا مغامر وقد تشبّع فكره وغرفت أحلامه من التراجم أشهرَها ومن الرّوح أزكاها ومن الأبعاد أعمقَها

صعب أن تكتب في الومضة وأنت من مواطني الكلام العاديّ ،فهي الحضارة وقد جمّعت في نصيّص ولكن أيّ نصيّص هذا الّذي من كلّ الحداثة يخطف؟ !

عليك أن تجهز لها وأنت حلّ لهذا النّص ،مريد يستميل غرورها منبهرا بإيجازها عاشقا لبلاغتها .

أبلغ القول أوجزه هكذا تبادرك بالإدهاش ...إن كنت بحّارا ماهرا وتسعى لاقتناصها ومراودتها على خفّة حضورها وجمال تفرّدها ،فهي ليست من المبتذل لتعشق الوجبات السّريعة ولا هي بالإطناب لتلوك القريحة ،،إنما هي غوص دون أنبوبة أوكسجين إلى الظّهر ،فإما أن تكون لك رئتا غوّاص أو فلتختر غيرها ،فالشّعر على مصراعيه أمامك متاح ...وليست أيّة قصيدة تكون طيّعة ومطيّة ملهَدَة ...بعض الخيل للرّكوب وبعضها للجمال ...

حسناء هذا الضّرب من القصيدة ،فهي تعجّل بخطف لبّك وتستولي على حواسّك وإدراكك ،فتنيمك بين ذراعيها ،بين فضاء ومدى ،بين علوّ وانخفاض ،بين إلماح وإطناب ،فلا أنت بالمكوث على قرار ولا بالسّطحيّة على مكان ،بل جامع في بعضها ما يعسر عليك تدوينه في مجلّدات وما تضيق به رفوف أعرق مكتبات التاريخ من بغداد إلى الأسكندريّةَ

مثال تطبيقيّ لجملة من النصوص الوامضة للشاعر المغربي محمد منير وحتى يكون للمثال مسوّغاته سنشتغل على مقوّمات النّص فالموضوعات التي حاول الوامض محاصرتها في ومضاته :

2-1 مقوّمات الومضة في نصوص الشاعر محمد منير

تنهض الومضة ومن خلال جملة منتخبة من نصوص المغربي محمد منير على عدة عناصر طوّعها الشّاعر لمنطق المحاصرة والتكثيف حتّى تستقيم والجنس الذي ارتآه لشاعريّته فالمطّلع على هذه التجربة الشعرية يلمح بوضوح مقوّمات فنية وعناصر أساسية جامعة بين هذه النصوص مقسّمة بينها بحسب ما ارتأى لها صاحبها من توزّع بين هذه الومضة وتلك لكن الواضح أن الشاعر يتخذ من العنصر الطبيعيّ مقوّما ورافدا حسيا ومعنويا لنصه ففي أكثر من نصّ يحضر عنصر الماء مثلا وبصيغ مختلفة من ذلك:

(مطر – بحر – ماء- الموجة ...) حتى إذا غابت التسمية حضرت بعض لوازمها :من ذلك النورس وهو عادة مرتبط بالماء والبحار:

كانت لي ..


لا تنس.. 
وقع الخطى 
على مجرى الماء.. 
وتذكر أن التي كانت لي 
قصيدة جسد
لم تنته بعد.

أو لتنظر الومضة:

رجاء اقصص رؤاك
 قالت لي النوارس
 ونامت على سريري 


ثم أنظر نص:

قالت: 
سريري يرتعش 
وجسدينا في التحام
قلت:
ارتوي من شفتي 
مائي لك زلال.

الماء إذا سريع السيلان على لسان الشاعر في مختلف مفاصل الصورة الشعرية يكيّفها بلونه المنفتح على التعدد في المعنى والإشهار إلى البعد المنشود من خلال الخصوصيّة التوظيفيّة التي اشتغلت عليها قريحة الشّاعر ،فالماء هو الأطلس يعانق المتوسّط وقد ضربا معا حدّا خصيبا ترتع فيه ذهنيّة الشاعر وعليه تتغذّى فالماء يشكلّ القطرات فتتعالق وتتعامد لتملأ المحيطات والبحار ذلك شأن هذه الومضات ...تتواتر على أذهاننا ومخيلتنا فتملؤنا بهذه الغنائية الخصبة للمغرب الطبيعي المعروف بجزالة خمائله وخصوبة أرضه والأرض عنصر لاينفصل عن الماء كذلك حضورها في نص المغربي محمد منير يقول في ومضته

حقوق:

للدلاء حق على الماء
 وللماء حق على الجبّ
و للجبّ حق على الأرض 
وللأرض رجاء للسماء.

لكنّ هذه الأرض تتجرّد من دورها الطبيعي لتلعب باللفظ وبالمعاني فتستفزّ الشاعر فيتساءل محتارا في ومضته :
وجع ..



ما بها الأرض 
تجمع كفيها 
وبي تضيق.

لذلك تتسع حيرة الشاعر فيُسقط المعادلة الطبيعية من مقومات ومضته ليجنح للأنثى المرأة علّه يدرك عندها ما ضنّت به سائر العناصر الأخرى يقول في ومضته:

خلوة قالت: 
سريري يرتعش 
وجسدينا في التحام 
قلت: 
ارتوي من شفتي 
مائي لك زلال.

المرأة طرف شعريّ معلوك ومتعارف متفق عليه في الذائقة الشّعرية العربيّة ،فهو العنصر العمود الذي به تستقيم شاعرية الشاعر ودونه تخيب ولا أدلّ على كونيّة هذا العنصر شعريّا أنه ندر ما تفتقر قصيدة أو لا تأتي عليه ضمن مقوماتها الملفوظة أو المفترضة،
فيتحوّل بها الشاعر من الدلالة المباشرة بإبرازها واستحضارها في مفهومها العام المجرّد لتكتسب في بعض الومضات الأخرى بعدا إيحائيا كأن يكني عليها بالنورس فتغيب المباشرتية لنفهم حضور النثى من خلال الضمير المقصود مثال ذلك ما جنح إليه الشاعر في ومضته رجاء:

اقصص رؤاك 
قالت لي النوارس 
ونامت على سريري

لكن تلك المرأة متعدّدة الوجوه بتعدّد الومضات ،هي الحبيبة والحقيقة والأرض التائهة وهي الوجع الآخر للشاعر يقول في إحدى ومضاتهالمعنونة ب
كان..:


لم يبق من وجه امرأة 
آمنت ذات حياة 
أنها ظلي..
إلا جرح يؤلمني 
كلما نظرت مليا 
في وجه أطفالي .


حتى إذا ضاقت المعاني الحسية على استيعاب شاعرية النص جنح الشاعر إلى استدعاء القصيدة بوصفها مقوّما متحدّثا به وعنه مثال ذلك ما ورد في نصه احتلال:

لم يعد لي ظل 
والقلب استوطنته قصيدة.

هذا المقوم العماد والرئيس من العملية الشعرية برمّتها ...هو الجامع والمانع من تداخل هذه الرموز وتشابكها ،وحده القادر على صهرها وإخراجها على هيئة جلية ومفارقة

2-2الموضوعات التي شكّلت محور الومضات:

شكّلت الذّات المحور الجامع بين الومضات التي اخترنا معالجتها من نصوص الشاعر محمد منير ،حيث يغلب على جلها إن لم نقل على كلها حضور ضمير المتكلم المفرد وكأنها الرّحى التي في فلكها تصبّ كل المشاغل والتّأملات التي اشتغلت عليها هذه العيّنة من أشعاره ،فالذّات وهي تستوعب العالم وما يحيط بها من مختلف العناصر بمثابة البوّابة التي من خلالها وعليها تنعكس مختلف المسميات والأبعاد ، فلا معنى للنوارس إلا متى استوعبت ما يختمر في وجدان هذه الذّات من مشاعر متضاربة وإيحاءات عميقة بما يعتمل دونها ولا انهصار لأبعاد الكون الطبيعية والحسيّة إلا متى تمظهرتها الذات بوعي مجهز بدواخلها الشعورية 
يندرج هذا النّسق ضمن خطاب سؤال الذات، وهو سياق لهمسوغاته التاريخية فهو وليد مدرسة أبولو الرومانسية، التي تعد الجيل الثاني بعد مدرستي الديوان والرابطة القلمية، ظهرت في ثلاثينات القرن الماضي على يد أحمد زكي أبي شادي، وانتهى إليها مجموعة من الشعراء أمثال: إبراهيم ناجي، وعلى محمود طه، وأبو القاسم الشابي. كان القاسم المشترك بينهم تبني الرومانسية إطارا و مرجعا للإبداع الشعري، فمالوا إلى النزعة التأملية المعبرة عن الاغتراب في الواقع المعايش، وجسدوا هموم المثقف العربي وانكساراته المختلفة، وابتغاء عالم بديل في الطبيعة والخيال والموت. ونظرا لأن الشاعر المعاصر من الصعب أن يندّ عن واقعه ومؤثراته الثقافية والطبيعية فإن الشاعر محمد منير من خلال المواضيع التي ارتكز عليها شعوره في الومضات بدا متمثلا لخصائص المدرسة الشعرية الرومانسية عموما، فجاءت ومضاته الشعريّة تجسيدا لتأملاته الخاصة عن الطبيعة والوجود والمرأة والمكان ...، معبرا عن الحنين إلى المجهول والحيرة في مظاهر الحياة، ومفعما بالحب والحرية والنغم والانتاء ...

فبالعودة إلى ومضة:

مطاردة تطاردني أحزاني 
كلما آويت إلى أوراقي 
بفرح قادم.

برد العنوان مكونا لفظيّا مفردا ليكون المعنى الجامع لكلّ حركة النصّ الدلالية والأسلوبية حيث تترجم كلمة العنوان محتوى النص حرفيا بل ويتكرّر الحدث (المطاردة) عبر واقع الشاعر ومختلف أنشطته الاعتيادية كالكتابة مثلا ليعيش الشاعر هذا الحصار المزدوج المعنى فمن ناحية هو أسير الهمّ الذاتي :الأحزان ومن ناحية أخرى هو مسكون بهاجس الانفلات الذي تمنحه الكتابة وبالتالي يغدو فعل الحزن مسكونا بفعل الكتابة ومتربصا بها في آن ويتواصل هذا المخاض في ذات الشاعر لينسحب على باقي الومضات رغم استقلالية كلو احدة منها عن الأخرى ..فكأنك بصدد قراءة انشطار هذه الأنا على أكثر من واجهة وفي أكثر من مستوى من مستوايات وعيها بذاتها في مقابل كل ماهو آخر دخيل عليها يقول مواصلة لنفس النّفس في ومضة:

أناي جسد في نعش

دثريني ..
القلب في غمده ارتعش
استباح القمر دفئه
حوّل وميض عينيه
إلى غبش .
دثريني ..
أناي الآن
جسدٌ في نعش.

وهذا ما يرطرح فعلا إشكاليّة أخرى أعلق بالذّات هي شاعرية الشّجن والإحساس السّلبي بالحياة ...
لم كلّما شعرت الذّات العربية تحلّت بالحيرة والقلق والمعنى الشّجيّ الذي يحاصر البعد المادّي لهذه الذات ويزجّ بها في نعش النّص أو النّص النّعش ؟ ألا تشعر هذه الذّات إلا متى تألّمت ؟أم أنّ للشاعرية اتجاه أحاديّ واحد إذ أنها لا تشعر إلا بالحزن ،بينما يكون الفرح وكأنه حالة سطحية لا تحظى بذات القيمة من الشاعريّة؟

يمكن لمركزيّة الحزن من الذات الشاعرة العربية ما يسوّغه وذلك استنادا لتأرجحها بين زمان ومكان متفارقين ،على أن الشعر متنفّس يحاول محاصرة الدوال وتسويغها للمطلق المنشود ،على اعتبار أن الفعل الإنشائّي حركة من الداخل المثقل بأوجاع الذات نحو العالم الخارجي ولئن استطاعت هذه الذات الفكاك من طوق الحزن وانشرحت نفسه لاستلهام عناصر الموجودات:

ارتواء بشفتيه يرتوي 
نورس مازغان
 هذا الشاعر المتكئ
 على صخرة العمر.

لئن صعّدت الذات من فيض تأملاتها فقد ظلّت العلاقة بالخارج عنها مجرّد انعكاس للظواهر دون تفاعل عميق يوحي بهذا الانصهار الكونيّ المرجوّ حسث نلفيها حبيسة كوكبها العاجيّ تستقبل المتغيّر من قيبل الرّؤيا لا التأقلم:

رجاء اقصص رؤاك 
قالت لي النوارس
 ونامت على سريري
حتى إذا عييت الحيلة بتحقيق التوافق التام بين الذات الووجود احتلّت الشاعر التأملات الهلامية ونزعت روحه نحو العزلة فيفشل هذا التواصل مع الكون لتحتلّه القصيدة يقول:

احتلال

لم يعد لي ظل
 والقلب استوطنته قصيدة.

3- على سبيل الخاتمة:

شكّلت الومضة الشّعريّة خاصية في القول الشّعري فتحت النّص على المغاير من النّصوص وهدّمت هذا الحاجز المتمثّل في التباين في مستوى الجنس وحجم النص من حيث القصر والطول فخلقت نوعا من الطرافة تستجيب لمسوغات عصرها وإملائاته ،لكن ومن خلال هذه العيّنة المختارة من أشعار المغربي محمد منير نجد أن المعنى لم يتحرّر من سطوة الذات وفلكها الوجدانيّ الضّيق فلم تنوع النصوص من محاور الاهتمام ولم يمتدّ بها النّفس لتعيش القضايا الحركية والجوهريّة حتى تستطيع مواكبة واقعها ومقتضياته المعيشية والجمالية ...



خيرة خلف الله

قاصة تونسية

من نفس المؤلف