بنية الاستفهام في سورة «ص»

، بقلم عبد الرحيم حمدان حمدان

سورة «ص» من سورة مكية عالجت في مجملها القضايا التي دأبت السور المكية على معالجتها، ولعل من أبرز تلك القضايا مقاربتها قضية محورية مهمة، هي قضية الصراع بين المتكبرين الكافرين، وبين الرسل المؤمنين، الذين لاقوا من صدود المتكبرين وسخريتهم الشيء الكثير، والذين وصفهم المولي- عز وجل- في قوله:" بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ"(سورة ص،2)، وقد انبثق عن هذه القضية المركزية عدد من القضايا الفرعية التي صورت ما حلَّ بالكفار من هزائم وخذلان، وعرضت للعزة والتأييد الإلهي والرعاية لعباد الله المختارين، كما تَجَلّى ذلك في قصص الأنبياء من أمثال: داود وسليمان وأيوب وآدم عليهم السلام، وعرضت السورة مشاهد من يوم القيامة تبدت فيها صور النعيم والرضوان مقابل صور الجحيم والعذاب، وثمة صور مستمدة من دار البقاء، وأخرى مستقاة من دار الفناء.

ويحق للمتلقي أن يتساءل: كيف عرض الخطاب القرآني هذه القضايا الفكرية الوجدانية؟ هل تم عرضها بأسلوب مباشر أم صورها بطرق موحية غير مباشرة من خلال توظيف الأساليب البلاغية والظواهر الأسلوبية؟؛ ليكون الخطاب قادراً على إبراز القيم الجمالية، وتحقيق الإقناع والإمتاع لدى المتلقين.

إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي القول: إن الخطاب القرآني استعان بعدد من أساليب التعبير الفنية من: تصوير، ولغة موحية، وإيقاع نغمي متنوع، وأساليب إنشائية، وأخرى خبرية، القرآني في سبيل إحداث المشاركة الوجدانية مع المتلقين. وكان من أبرز الأساليب الإنشائية التي وظفها النص القرآني أسلوب الاستفهام.

الاستفهام بمعناه الاشتقاقي هو: طلب الفهم ومعرفة الشيء المجهول.وهو عند البلاغيين: طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل بأداة مخصوصة.

وينقسم الاستفهام قسمين:

أحدهما: الاستفهام الحقيقي: وهو الذي ورد على أصل معناه، وهو طلب الفهم ومعرفة المجهول، كما في قوله تعالى:" يسألونك عن الساعة أيان مرساها"، وقوله:" قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي". وفي هذا النمط من الاستفهام قد يرد الجواب عن السؤال الذي طرحه الخطاب القرآني، كما في قوله تعالى:" قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا؟ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ"، وفي قوله تعالى:" قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ، قَالُوا: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ".

والآخر: الاستفهام البلاغي أو المجازي: هو أحد الأساليب المستخدمة في اللغة العربية من أجل الوصول إلى هدف معين. أي إن هذا النوع من الاستفهام لا يقصد به الاستفهام بعينة؛ وإنما يُراد منه قصد آخر غير الاستفهام؛ كأن يكون لغرض التوبيخ أو التقرير أو ما شابه ذلك. إذ إن الغرض منه هو غرض بلاغي وليس استفهاماً حقيقياً، وقد كان لمثل هذا النوع من الاستفهام حضور واسع في القرآن الكريم.

إن دراسة هذه الظاهرة الأسلوبية تقتضي أن يتجاوز البحث الوقوف عند المعني اللغوي الحقيقي الإبلاغي لبنية الاستفهام إلي المعاني المجازية؛ فالاستفهام يخرج في الخطاب القرآني عن أصل وضعه ليؤدي وظائف أخرى تفهم من سياق الكلام؛ فمن ذلك: التعجب والتقريع والسخرية والتعجب والإنكار وغيرها، إلى جانب الكشف عن علاقة أسلوب الاستفهام بغيره من الأساليب اللغوية والبيانية من: أمر ونهي ونداء ولغة وتراكيب؛ لأنها في الواقع تشكل نسيجاً واحداً تظهر فيه تلك الأساليب وتترابط خيوطها في شبكة من العلاقات الداخلية؛ ليتسنى الوقوف على جوانب الأسلوب الاستفهامي والإحاطة به؛ لما للسياق من أثر في كشف المعني وإجلاء الدلالة عليه.

ويعد أسلوب الاستفهام أحد الأساليب البلاغية التي كان لها حضورا لافت في هذه السورة، والذي بُني عليه الخطاب القرآني في نسيجه الفني والفكري.

وسيتم كذلك دراسة أسلوب الاستفهام في السورة لا وفق أدوات الاستفهام أو حسب الأغراض البلاغية ؛ وإنما سيتم مرتباً وفق وروده في السورة؛ نظراً للعلاقة الوثيقة بين مجيء هذا الأسلوب وتدرج المضمون الفكري والحدث، وارتباط المعني بتسلسل الأفكار وترتيبها في السورة؛ لكونه يشكل نسيجاً لغوياً متلاحماً، فالأفكار في العمل الفني تمضي مترابطة متشابكة في إيقاع فني متواصل؛ يرتفع وينخفض وفق الإيقاع الفني الذي يعزفه الخطاب القرآني المبدع.

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن أسلوب الاستفهام في سورة "ص" قد ورد في تسعة مواضع على الترتيب الآتي:

"كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ" )3( .
"أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ " (5) .
"أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ" (8) .
"أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ" (9)
" أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ " (10) .
"أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار"ِ (28).

"وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ" (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ" (63)

"وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ" (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ" (63).

"قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ" (75 ).
وسيتم استخدام المنهج الاستقرائي التحليلي الذي يقوم على جمع الآيات القرآنية المتضمنة لأسلوب الاستفهام في سورة" ص" ، ومن ثمَّ تحليل هذا الأسلوب للوصول إلى الخصائص التعبيرية للخطاب القرآني، من خلال استخدام أسلوب التحليل الفني الذي يركز على بناء الصور التعبيرية، وتراكيبها. وذلك على النحو الآتي:

قوله تعالى:" كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ"(سورة ص،3).
و"كم" في هذه الآية خبرية للتكثير، وهي اسم دال على عدد كبير، وأصل الجملة: كم من قرنٍ أهلكنا، فالمعني اللغوي الإبلاغي للجملة هو: أهلكنا عدداً كبيراً من أهل القرون السابقة.

في هذا النص وقع الإنشاء موقع الخبر لأغراض بلاغية منها الاهتمام بالشيء، فقد أهلك المولي - عز وجل - من الكافرين أمماً كثيرة، فهو خبر إلا أنه جاء بصورة من صور الإنشاء، والذي يثير الذهن ويحرك العقل.

فالخطاب القرآني لا يريد من وراء هذا الاستفهام التقرير، أي بيان الكفر؛ وإنما خرج المعني الحقيقي إلى معانٍ أخرى استدعاها سياق المضمون الفكري من: حثٍ وتحريض وتحذير من التريث في قبول دعوة الحق.

وكأن الخطاب يقول: ألم يتعظ أولئك الكافرون بمن أَهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل؟!، إذ طغت تلك الأمم وتجبرت وكانت أشد منكم - يا أهل مكة - قوة ومنعة وآثاراً في الأرض، وحين نزل بها العذاب استغاثت، وأعلنت التوبة والإنابة، ولكن لم يُستجب لها، فكأن المولى يحذر كفار مكة من أن يقعوا في مثل ما وقع فيه أهل القرون الذين قبلهم، ذلك أنهم أضاعوا الفرصة، فحلّ بهم العذاب،

وقد تكرر مثل هذا الأسلوب الاستفهامي التكثيري غير مرة في الخطاب القرآني، والذي ورد بصورة تفصيلية مثل قوله تعالى:" أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ"(سورة الأنعام: 6 ).

ويتضمن الأسلوب الاستفهامي كذلك حث كفار مكة وتحريضهم وحضهم على أن يُطامنوا من كبريائهم وامتناعهم عن قبول الحق، وصدهم عن عبادة الله، ورجوعهم عن شقاقهم، وأن يتملوا موقف أولئك القرون، فما زالت أمامهم فرصة سانحة قبل أن ينادوا مستغيثين في وقت لا يكون فيه خلاص وإغاثة.

وتنويع الأسلوب بين الخبر والإنشاء مما يجذب السامع ويحرك ذهنه وفكره، ويدعو إلى المشاركة بوجدانه وأحاسيسه، فعلى البليغ مراعاة ذلك، فيعرف المواطن التي تحتاج إلى حدة انفعال وإثارة وتحريك فيورد فيها الأساليب الإنشائية من أمر ونهي واستفهام وتعجب وتمني ونداء، وأن يعرف المواطن التي تقتضي السرد والحكاية فيورد فيها الجمل الخبرية.
وقد تضافرت الجملة الاستفهامية مع الأساليب الفنية الأخرى مثل: بنية الحوار، والحذف، والتقديم والتأخير؛ والمجاز المرسل، فالهلاك ليس للقرن وإنما لأهله، وجاء هذا التضافر بين هذه الأساليب الفنية؛ للكشف عن المعاني الموحية والمؤثرة؛ الذي زاد الأٍسلوب ثراء وخصوبة وقدرة على التأثير في نفوس المتلقين؛ بقصد تحقيق المشاركة الوجدانية.

قوله تعالي:"أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ" (سورة ص: 5).

ينقل المولي -عز وجل- هذا القول على لسان المتكبرين من أهل مكة، والضمير في"أجعل" يعود هاهنا إلي الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم – وقد خرج الاستفهام الحقيقي إلي معانٍ أخرى منها: التعجب والإنكار.

فالتعبير يصور مدى دهشة المتكبرين من الحقيقة الظاهرة الساطعة، وهي حقيقة التوحيد، ويصور طريقتهم في مقاومة هذه الحقيقة في نفوس الناس، إنه يرسم صورة ممتدة لمشاعر الدهشة والتعجب إلى الحد الذي جعل الكافرين بسخافة عقولهم يقولون:"مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (سورة ص، 6)، أي ما سمعوا عن هذا التوحيد المطلق لله، الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم –، فما يقول محمد - صلى الله عليه وسلم – إذن إلا اختلاق أمور وهمية غير حقيقية.

ويسهم البناء اللفظي لكلمة"عُجَابٌ" بشدة التعجب وفخامته وعظمته، كأن الأمر لا يمكن أن يتخيله متخيل أو يتصوره عاقل.

إلى جانب النص القرآني الذي صُبَّ في قالب الاستفهام لا يتسنى لمتلقٍ أن يفهمه ويتذوقه إلا في إطار المناسبة التي قيل فيها، فهي تضفي على النص دلالات عميقة، وتزيد من توضيحه وتفسيره لدى ذهن ذلك المتلقي ووجدانه.

وقوله تعالى:" أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ "(سورة ص، 8) .

يصور هذا الاستفهام إنكار الكفار وعجبهم من اختيار المولى – عز وجلّ- لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم-؛ ليكون نبياً ورسولاً، وكأنهم يقولون : هل تنزل القرآن عليه من دوننا، مع أن فينا من هو أكثر منه مالاً ورياسة، إنهم ينكون أن يحدث مثل هذا أو أن يتصوره عاقل، إنهم يرون في هذا الاختيار غرابة وعجباً، لقد استكثروا عليه أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم.

وللمتلقي الحصيف الحق في أن يتساءل عن سبب موقف أولئك الكافرين، إنه حتماً سيهتدي إلى القول بأن الباعث الأساسي لهذا التعجب والإنكار هو الجهل والحسد، الحسد الذي كانت تغلي به صدورهم على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم، لقد صُدموا صدمة الحسد والكبر حين اختير محمد - صلى الله عليه وسلم - من الله على بينةٍ وعلم، وفُتحت له أبواب رحمة الله.

وهكذا خرج الاستفهام الحقيقي عن معناه الأصلي إلي معانٍ أخري تعبر عن أحاسيس التعجب والإنكار لهذه الحقيقة البارزة.

وقوله تعالى:" أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ" (سورة ص،9).

الظاهر في سياق الآية أن (أم) هنا جاءت بمعنى الهمزة، ؛ لتشي بأن الأسلوب استفهامي، وعليه فقد خرج الاستفهام في هذا النص القرآني من معناه الحقيقي إلي معانٍ بلاغية أخري منها: النفي والإنكار والتنديد والتوبيخ من المولي -عز وجل- لهؤلاء الكفار المعاندين، وجاءت جملة الاستفهام، مرتبطة بالسياق الذي قبلها، ملتحمة به، فهي بمثابة تعقيب ورد على استكثار المشركين رحمة الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في اختياره رسولاً من بينهم، وكأن المولى يسألهم إنْ كانوا يملكون خزائن رحمة الله، حتى يتحكموا فيمن يعطون، وفيمن يمنعون.

إن استكثار الكافرين لنعمة الله التي منحها لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وهي نعمة النبوة تعد سوء أدب مع الله، إنه تدخل من البشر العبيد في عمل الله وتصرفاته، فالله وحده هو المتصرف في نعمة، يعطي من يشاء، ويمنع عمن يريد.

وغرض النفي واضح وجلي وكأن المولى يقول: هل يملكون خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ حتى يعطوا النبوة من شاءوا ويمنعوها من شاءوا؟ أي ليس لهم ذلك.

ويتجلى السر في جمال أسلوب الاستفهام في الخطاب القرآني السابق، في أن الاستفهام في أصل وضعه يتطلب جواباً يحتاج إلى تفكير، يقع به هذا الجواب في موضعه، ولما كان المسئول يجيب بعد تفكير وروية عن هذه الأسئلة بالنفي، كان توجيه السؤال إليه حَمْلاً له على الإقرار بهذا النفي، ومن ثم الاقتناع بالفكرة المراد لها أن تنساب في عقل ووجدان المتلقي، والاستفهام هنا أفضل من النفي، وهو يريد أن يقرر بطريق أخرى حقيقة ربانية ثابتة وهي أن النبوة عطية ومنحة من الله -وحده- يتفضل بها على من يشاء من عباده.
ويؤكد المشهد صورة من صور أسماء المولي -عز وجل- فـ ( العزيز) هو الذي لا يغلبــــــه شيء، أما (الوهاب)، فهو الكثير المواهب، الكثير الجود والعطاء.

وتقديم دال "العزيز على دال" الوهاب" يحمل دلالات ثرة من المعاني، ذلك أن النبوءة رحمة عظيمة، فلا يتعين إعطاؤها إلا لشديد العزة وافر الموهبة، إنه العزيز القادر الذي لا يملك أحد أن يقف لإرادته،إنه الوهاب الكريم لا ينفد عطاؤه.

فقد أدى التقديم والتأخير في أسماء الله الحسنى،(العَزِيزِ) وظيفته في إِبطال تدخل الكافرين في تصرفاته، و) الوَهَّابِ)؛ لإِبطال جعلهم الحرمان من الخير تابعاً لرغباتهم دون موادة الله تعالى، والعدول عن اسم الجلالة إلى وصف؛ لأن وصف الربّ مؤذن بالعناية والإِبلاغ إلى الكمال. فالوهاب هو أقرب إلى النعم والعطاء والمنح ، بيد أن تقديم اسم "العزيز" جاء ليوحي بأن هذا العطاء لمن يملك القوة والغلبة، ذلك أن معنى (العزيز) لا يغالب، والقادر الذي لا يمتنع عليه شيء أراد فعله، ومعنى (الوهاب) المعطي المانح، فتكون القدرة متقدّمة على حسن العطاء والمنح.

والجملة الاستفهامية بما تحمل من دلالات غنية متصلة بالسياق الذي قبلها وهو قوله تعالى:"وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ"، إن الله يرسل من يشاء؛ لأن خزائن الرحمة والنعم له وحده دون غيره، وهو المتصرف فيها، بالإضافة إلى بنية التقديم والتأخير التي تجلت في تقديم الظرف للاهتمام؛ لأنه مناط الإِنكار.

وقد جاء الخطاب القرآني على وجه التهديد والوعيد، أي: من أنكر على الله حقه في أن يختار من يشاء من الرسل والأنبياء ويتصرف في ملكه كيفما شاء بعد ما تبيّن له البيّنات والحجج ما تبيّن ، وهذا أبلغ في إثبات الروع والمهابة.

وقوله تعالى: "أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ" (سورة ص،10).

خرج الاستفهام الحقيقي في الخطاب القرآني السابق إلى أغراض أخري وفق السياق منها: الاستفهام الإنكاري الممزوج بالتهكم اللاذع والسخرية المريرة، إلي جانب التوبيخ والتقريع والتبكيت. وكأن المولى يتساءل: هل لكفار مكة شيء من ملك السماوات والأرض؟ أي إن كان لهم شيء من ذلك، فليصعدوا في المراقي التي توصلهم إلى السماء، وليدبروا شئون الكون؟ وهو غاية التهكم بهم.

فالسمواتُ ملك لله، وهو مالكها وليست ملكاً لأحد غيره، وهي دعوى لا يجرؤ أحد من الكفار على ادعائها، ومالكُ السموات والأرض هو الذي يهب ويمنع ويصطفي من يشاء من عباده ويختار. فما دام هؤلاء الكفار المعاندون لا يملكون السموات والأرض، فما بالهم يتدخلون في شؤون المالك المتصرف فيما يملك بما يشاء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فليرتقوا في الأسباب، ليشرفوا على السموات والأرض وما بينهما، ويتحكموا في خزائن الله: يعطون من يشاءون، ويمنعون من يشاءون. بمقتضي اعتراضهم على اختيار مالك الرحمة والسموات والأرض لمن يشاء من عبادة، ، وهذا الأمر فيه توبيخ وتعجيز وتحدٍ لهؤلاء الكفار المعاندين ولسخافة اعتراضهم وتفاهة عقولهم. وهكذا بلغ التهكم بهم والاستهزاء بتصرفهم وتفكيرهم غايته ومداه.
وتتسع رقعة التوبيخ والتقريع والتحدي لهؤلاء المعاندين، فالمولى -عز وجل- في بهدد نغمة مترعة بالتحدي والتعجيز، إنه يوجه الحديث إليهم، بقوله: إن كانوا لا يملكون هذه الخزائن،"فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ" أي ليصعدوا سماء سماء، ويعلنوا اعتراضهم وعد م وافقتهم.
إن تكرار الجمل الاستفهامية وتتابعها في الخطاب القرآني يرمي إلي تقرير حقيقة هؤلاء الكفار، ويكشف عما تنطوي عليه نفوسهم من حسد وحقد، وما يصدر عن عقولهم من سخافة تصرف وتفاهة تفكير عاجز، وإدراك واهن.

وقوله تعالى:"وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ، إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ" (سورة ص،21 ).

الخطاب في هذه العبارة موجه للرسول محمد- صلى الله عليه وسلم-، يقص عليه المولى -عز وجل- قصة النبي داود - عليه السلام - مع الخصميْن، فداود - عليه السلام - آتاه الله النبوة والملك والحكمة، ومع ذلك تعرض للفتنة والابتلاء، ولكنَّ عين الله ظلت ترعاه، وتقود خطاه، وكأن المولى- جلّ وعزّ - يسأل نبينا محمداً -عليه الصلاة والسلام - هل لديك سابق معرفة وعلم بهذه الأمور والمعلومات؟

الإجابة في حالة أن القصة غير معلومة لدى النبي -عليه الصلاة والسلام – هي بالنفي، أي لا، لم يأتني خبر الخصم، وهذا أول عهدي بعلمها، وكأن المولى- سبحانه- يريد أن يقول له: إذاً ستأتيك يا محمد، هذه الأخبار، وهي تحمل طابع الحث والتحريض على معرفتها، والإلمام بها؛ لاستلهام العظة والعبرة منها، وليوجهه المولى- سبحانه- التوجيه المتصور من ورائها وهو الخلافة في الأرض، والحكم بين الناس بالحق، وعدم اتِّباع الهوى والتريث والتثبت والتبين عند إصدار الحكم. وفيه إلى جانب تلك المعاني معانٍ أخرى هي تشويق الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين إلى معرفة هذه القصة، وما دار فيها من أحداث وعبر.

لقد صَبَّ المولى -عز وجل- هذه المعلومات والمعارف عن سيدنا داود -عليه السلام – في قالب حكائي قصصي؛ لما فيه من الإمتاع والتشويق والمتابعة والإثارة، وهو من الأساليب السردية التي دأب الخطاب القرآني على توظيفها في بناء النصوص القرآنية.
ويمكن للمتلقي أن يستشف من وراء هذه القصة أهدافاً أخرى منها تسلية الرسول -عليه الصلاة والسلام- والتسرية عنه، وتثبيته على الطريق، بعد ما تعرض له من تهكم وسخرية وحسد واستكثار النبوة عليه.

وقوله تعالى:" أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ"(سورة ص،28).

الجواب الحقيقي لهذا الاستفهام هو النفي، إذ لا يعقل أن يتساوى في كِفة الميزان المؤمن المصلح مع الكافر المفسد في الأرض، ولا يتساوى المتقون في الميزان مع الفجار .
وقد خرج هذا الاستفهام إلى معان بلاغية أخرى منها التوبيخ، إنَّ إدراك المعاني والمقاصد من وراء هذا الاستفهام متصل بما قبله من سياقات لغوية. وهو قوله تعالى:" وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا، ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ" (سورة ص،27).
إن المنطق السليم يقود صاحبه إلى إدراك أن خلق السماوات وما فيهما - وهو حق وليس باطلاً- قائمٌ على العدل، ومن هذا الحق الكبير تتفرع سائر الحقوق، الحق في خلافة الأرض، الحق في الحكم بين الخلق، والحقُّ في تقويم مشاعر الناس وإعمالهم لا يُسند إلا للمؤمنين ولا يكون إلا للمتقين.

أما البنية اللغوية في النص، فهي قائمة على تقنية الحذف بمعنى أن ( أم) أصلها الهمزة(أ):(أنجعل)، فالميم هنا صلة جاءت للتأكيد.

وكذلك تتسع دلالة كل من الدوال الآتية: المؤمنين والمتقين والمفسدين والفجار؛ لتتجاوز الدلالة الضيقة إلى دلالات رحبة عامة، وهي عامة في المسلمين وعامة في الكافرين.
وفي الخطاب القرآني ردٌّ كذلك على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي على صعيد واحد. وهذا يخالف العدل والحق، وهما صفتان أكدهما المولى لصلاح هذا الكون.
ويقوم البناء العقلي في هذه الآية أيضاً على استخدام الحجج العقلية والبراهين المنطقية، وهو المقارنة باستخدام القياس، فالقياسُ في هذه الآية هو بيان المصير، مصير كلٍ من المؤمنين والمتقين من جانب، ومصير كل من المفسدين في الأرض والفجار، فليس المصير واحداً؛ لأن القياس العقلي الصحيح بما فيه من إيحاءات وإشارات يشي بأن مصير الفريقين غير متساوٍ، وفي هذا تسفيه لعقول الكفار، وتوبيخ لإدراكهم وتصرفاتهم، وكشف عن كوامن نفوسهم، ففطرة هؤلاء الكافرين مبنية على سوء الظن بربهم. وهم لا يدركون من أصالة الحقائق شيئاً، فخلقُ الكون قائم على شريعة العدل، ولا يكون وزن المتقين كوزن الفجار، وخلاف ذلك هو انحراف عن شريعة الله، والحق في الخلافة والعدل في الحكم .
وقوله تعالى:" وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ"(سورة ص: 63).

احتوى النص القرآني ثلاث جمل استفهامية متتابعة ومتلاحمة، وهي تعرض مشهداً من مشاهد يوم القيامة، صُبَّ في قالب حواري سواء أكان الحوار فردياً أم جَمْعيّاً، وسواء أكان حواراً خارجياً أم داخلياً، وهو تصوير حي قائم على التشخيص.

لقد بُني المشهد على حوار يدور بين جماعة من أصحاب النار، كانوا في الدنيا متحابين ومتوادين، أنهم يفتقدون في جهنم المؤمنين الذين كانوا يتعالون عليهم، ويسخرون من دعوتهم إلى التوحيد، ويظنون بهم شراً.

وأدت الألفاظ في السياق دوراً بارزاً في التعبير عن الغرض المقصود، فدال"سخرياً" يحمل دلالات رحبة من المعاني، إنه يعبر عن شدة الاستهزاء وعمقه من المؤمنين في الدنيا، ويحمل في الوقت نفسه معنى التعجب والتوبيخ.

وأكثر ما يمثل جماليات الأسلوب الاستفهامي الاقتصاد اللغوي الذي يمثله هذا الأسلوب في العربية نجد هذه الظاهرة بارزة في أسماء الاستفهام و ظروفه.

ويزداد المشهد حياة وحيوية حين تجري جملة من التساؤلات على السنة أولئك المجرمين، وهم في جهنم:ويمكن تصورها على النحو الآتي:

أين هؤلاء الأشرار؟ أين ذهبوا؟ أليسوا هنا معنا؟ هل زاغت عنهم أبصارنا؟، ألم تروا أحداً منهم، أين بلال ؟ أين عمار؟ أين صهيب؟ أهم معنا في النار فلا نراهم؟!، وهل حقا أنهم في مكان آخر، هل هم في الجنة حيث النعيم الدائم!

إنها صورة صادقة وواقعية مستوحاة من صور تخاصم أهل النار وتساؤلاتهم وحواراتهم، يقول المولى في ذلك:"إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ" (سورة ص: 64)، إنهم يبِّينون الفارق بينهم وبين المؤمنين، فما أبعد مصيرهم عن مصير المتقين !!!

إنهم يدركون تعاسة المقاييس الدنيوية التي كانوا يتعسون بها قيمة الإنسان ومكانته، وهذه تكشف عن سخافة عقولهم، وتفاهة معاييرهم، إنها الضلالة الفكرية التي قادتهم إلى عدم الإيمان برسالة الإسلام.

وقد أدى الحوار بنوعيه: الخارجي والداخلي دوراً مهماً وعميقاً في إضفاء الحيوية على السياق السردي بعامة، إذ يكشف الحوار ما تتفوه به الشخصيات من أقوال تتضح بها مواقفها وآراؤها إزاء الأحداث التي تجرى حولها، وفى الوقت ذاته يشي تلفظ الشخصية بما يعتمل في داخلها من مشاعر، وأحوال نفسية مختلفة، كما يوحي بما يكتنفها من تواؤم أو تناقض ما بين الداخل والخارج.

ويتميز الحوار أيضاً بالتركيز والإيجاز والتكثيف، بعيداً عن الاستطراد والحشو، تؤازره في ذلك أساليب لغوية بنائية من مثل: الاستفهام التعجبي، والألفاظ الموحية، والتعبير بالصور البيانية.
وجاءت اللغة في الخطاب القرآني متناسبة مع الموقف الذي عبرت عنه، إذ اعتمد الحوار على أسلوب سلس متدفق ينسجم مع العاطفة الدينية الصادقة وانسيابها، والتي أبرزت الإيمان القوي بضرورة انتصار الحق على الباطل.

ومن الخصائص الأسلوبية التي جاءت متضمنة في الاستفهام والتي أسهمت في تعميق دلالاته القيم الإيقاعية النابعة من مراعاة الفواصل ، فهذه الخصيصة تولد جرساً موسيقياً عذباً يسري في النفس سريان الروح في الجسد، وفيه وقع عذب على النفس.
وهكذا يدرك المتلقي مدى إحساس الكافرين بالندم على ما أقدموا عليه في موقفهم من هؤلاء المؤمنين، أنهم يتذكرون أشخاصاً كانوا يعدونهم وفقا للمقاييس الدنيوية من الأشرار، أي شر الحالة، أشقياء خسروا لذة الحياة باتباعهم الإسلام، ورضاهم بشظف العيش، لقد كان تحقيرهم لهؤلاء خطأ، جَرَّ عليهم عذاباً نفيساً، جعلهم يتذمرون من شدة استهزائهم وسخريتهم.

ولا يخفى على المتلقي المتمعن أن لأسلوب الاستفهام قيمة جمالية واضحة تتجلى في السمة يضفيها على النص؛ لما يتميز به من غزارة في الشحنة الانفعالية، وتلوين في الصوت, ولما فيه من خصوصية, وهو لون من الألوان الأسلوبية التي تكثر في الكلام وتتنوع بتنوع المواقف، وهذا ما تمتاز به الأساليب الإنشائية عموماً، ولذلك كثرت وتعددت في اللغة الأدبية عنها في الأساليب الخبرية؛ لأن هذه الأخيرة لا تثير الانفعال ولا تحرك النفس؛ وإنما تثير الانفعالات العبارات الإنشائية: من أمر ونهي واستفهام و تعجب إلى غير ذلك.
فالاستفهامات في الآية السالفة الذكر ليسن استفهامات حقيقية؛ وإنما خرجت عن معناها الأصلي؛ لتؤدي معاني ودلالات بلاغية أخرى، إذ ليس الاستفهام صادراً عن تلهف الكفار لرؤية المسلمين في جهنم؛ لأنهم لا يظنون أنهم سيجدون رجالاً من المسلمين معهم، ولم يخطر ببالهم أن يكونوا معهم؛ وإنما الاستفهام هنا لإظهار الندم والحسرة والتبكيت النفسي الداخلي؛ والكشف عن التلوم النفسي على ما قاموا به من عمل حقير يتمثل في تحقيرهم المسلمين، واعترافهم بالخطأ في حساباتهم الدنيوية.

وقوله تعالى:" قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ"( سورة ص75).

يلحظ المتلقي تكرار الأسلوب الاستفهامي في الخطاب القرآني في هذه الآية. وهذه الأسئلة لا يريد المولى-عز وجلّ- من إبليس الإجابة عنها؛ وإنما أجابت عنها الآية بذاتها، وقد ورد كل من الأسئلة والإجابة عنها في قالب حواري متوتر مضطرب بين المولى -عز وجل - وإبليس -عليه لعنة الله - في مشهد تطغى عليه أحاسيس الخزي والمذلة والتكبر.
والمتفحص لسؤال المولى -عز وجل – لإبليس، يكتشف إنه يحمل معاني التقريع والتوبيخ والتأنيب، فقد بيّن المولى سر إحجام إبليس عن الطاعة وعدم امتثاله لأوامر مولاه، وانصرافه إلى المنع والصد عن السجود لأدم، وقد وردت الإجابة في صورة استفهامية على الوجه الآتي:

هل عصيتَ؛ لأنكَ تظن أنك تتعاظم بغير حق؟ هل عصيتَ؛ لأنكَ تظن أنك من أصحاب العلو والشرف على آدم؟! هل استكبرت الآن عن السجود أم كنت قديما من المتكبرين على ربك؟ مجموعة من الأسئلة المتتالية يطرحها النص القرآني؛ لإيقاظ القلوب وتنبيهها إلى حجم المعصية التي ارتكبها إبليس، فضلاً عن صدق النذير والتحقير،وقد جاء جواب إبليس نابعاً من الحقد والحسد والجهل وسخافة العقل والغفلة.

يقول الله تعالى على لسان إبليس- عليه اللعنة – :"قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" (سورة ص،(76 ، إنه جواب ينم على إعراض وصدود وجدل عقيم، ويكشف عن حقد ومعاندة وكفر وكبر وافتخار، وحسد وجهل، وكأن اللعين في جوابه يستفهم: كيف يسجد الفاضل للمفضول؟ فاعتذاره وحجته عن عدم السجود تنم على غفلة وسخافة عقل، فالطين والنار عنصران متجانسان، والتفاضل بينهما لا يعني التفاضل بين المخلوقات التي خُلقوا منها، لقد قاس إبليس فأخطأ القياس، قدّم رداً قبيحاً، صادراً عن مخلوق متجرد من عناصر الخير في هذا الموقف المشهود، فاستحق بذلك غضب الرب واللعنة والطرد من رحمته.

لقد استدعى الموقف لغة إنشائية تراوحت بين أساليب تعبيرية متباينة، أساليب مشحونة بالانفعال؛ تعكس توتر المشاعر وتمزقها من: استفهام وأمر مثل: أستكبرت؟"أم كنت من العالين، اخرج منها، وكذلك الأسلوب الخبري الذي يفيد التقرير" أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ"، وكلها أساليب خرجت عن معناها الحقيقي الإبلاغي؛ لتوظف في معان أخرى استدعاها سياق الأفكار من تقريع وتوبيخ وتحقير.

وبعد هذا العرض لأسلوب الاستفهام تبين لنا الآتي:

- إن القرآن الكريم معين ثرّ لا ينضب، يملك الفؤاد ويستولي على العقل والوجدان، والمتلقي بعد هذه السياحة الّتي مَنّ الرحمن بها يذكر من النظرات ما يأتي:

- أفاد الاستفهام معاني بلاغية كثيرة :كالنفي والتقرير والتهديد والتعجب والخبر والإنكار التوبيخي والتكذيبي .ومن المعلوم أن الاستفهام عند إفادته هذه المعاني يظل باقياً فيه معنى التنبيه وإثارة ذهن المخاطب ولفته إلى تلك المعاني حتى يتأمل ويتدبر ويعلم أنه لا جواب لهذا الاستفهام إلا بالإذعان للمعنى الذي يلفته إليه.

- كان لأسلوب الاستفهام سمة أسلوبية بالغة الأثر في معرفة خواص تراكيب الكلام، وكشف خبايا النفس، والنفوذ إلى أعماقها، وتصوير شخصيات المشهد في صورة ماثلة تبيّن ما عليها من تعجب أو تهكم أو اضطراب أو توتر أو إيمان أو نفاق أو نحو ذلك.

- تتأثر الأغراض البلاغية للاستفهام بمجموعة من العوامل منها: باختلاف المتكلمين. اختلاف نوعية المخاطبين، واختلاف أحوال المخاطبين. وكلنا يعلم أن المخاطب واحد مع اختلاف المتكلمين والقائلين. إلا أن كل واحد منهم نظر إلى المخاطب من الزاوية التي تخصه وفق المعاني المرسومة في ذهنه ووفق تصوره الخاص به.

- يعد أسلوب الاستفهام من الأساليب التي اعتمدها النص القرآني للإيحاء والتأثير بدلاً من المباشرة والتصريح، فهو ينقل المتلقي من المستوى المباشر للخطاب القرآني إلى المعاني والدلالات الكامنة وراء النص. ويقوم أيضاً باستكمال ما تعجز الكلمات المباشرة عن بيانه وتجليته, فالتعبير بأسلوب الاستفهام يعطي غنىً وخصوبة وأصالة للنص القرآني؛ لما له من فاعلية في توجيه الأفكار وتعميق الرؤية الفنية وإثراء النص وتخصيبه.

تجلت في أسلوب الاستفهام سمة التغلغل والانتشار في سياقات السورة القرآنية كافّة، وكان له دور بارز في آيات السرد وأساليب الحوار لا يقلّ بحال عن دوره في الآيات الخبرية، وما حملته من مشاهد القص و الحكي.

استطاع أسلوب الاستفهام أن يخاطب العقل والوجدان في آن معاً، وكان له القدرة على حمل المتلقي على المشاركة في تفعيل الموقف القرآني، وما يبثّه من معانٍ وآداب رفيعة، فنشّط الخيال، وحرّك الأذهان والعقول.


عبد الرحيم حمدان حمدان

الدكتور عبد الرحيم: ناقد أدبي، وأكاديمي فلسطيني

من نفس المؤلف