الاثنين ١٩ آب (أغسطس) ٢٠١٣
بقلم هيثم نافل والي

برونو الشافي عبر الأثير

هل يستطيع أحدكم أن يقول: ما الذي أريده في هذه القصة؟!

لقد كتبتها بطلب خاص من صديق عزيز على قلبي، لم يشأ أن أذكر اسمه؛ تأثره بحياة ذلك الرجل الذي يدعى برونو كَروينيك كان السبب وراء الطلب. إنه شخصية حقيقية، عاش ومات في ألمانيا في منتصف القرن الماضي؛ بعد أن بهر العالم بأمور جاء بها لم يصدقها أو يقبلها العقل البشري، ولم يأت بمثلها حتى الأنبياء!! كتبتها بأسلوبي الخاص، الذي أحاول دائماً أن يكون له خط واقعي وخيالي في ذات الوقت، وأترك للقارئ الكريم عملية الفرز والتمييز.
قالوا:

إن بعض القتل إحياء.

وبعض العفو إغراء.

وبعض المنع إعطاء.

قدمت نفسي إلى زوجته الثانية والمنحدرة من أصول فرنسية عريقة؛ على أني كاتب قصة قصيرة، وعبرت لها عن رغبتي، ونيتي بترجمة حكاية زوجها، قصة.

وبعد محاولات عدة، ومكالمات متكررة كثيرة... رضخت لطلبي أخيراً، وسمحت لي بلقائها بعيداً عن ضوضاء وفضول وعيون الناس، كما كانت تقول وتدعي؛ فقابلتني في بيتها وعلى انفراد! فتمتعت بسعادة ربما أحسد عليها... كيف لا؟ وأنا بحضرة زوجة برونو الشافي عبر الأثير، ولوحدنا!!

مضى فينا زمن اللقاء سريعاً، وظننته مضى بسرعة ظهور واختفاء البرق، دون أن نشعر بملل أو كلل... كنت أسألها بلهفة أعياها الصبر والانتظار، ودون أن أدع أمراً بلا استفسار، وهي تجيبني برقة، وسحر، ويسر واختصار...

خرجت منها محملاً بحكاية غريبة، كالأسطورة، لم نقرأ مثلها في الأمثال ولم نرها في الأحلام! فالأمور التي حدثتني عنها لم أستوعبها، ولم أستطع فهمها أو تقبلها... فهي كانت تنافي وتعارض كل قوانين الطبيعة والمنطق الإنساني؛ خاصة بعد أن رأيت تسجيلات فيديو لزوجها وهو يعمل، ولشهود وهم يدلون بشهاداتهم ويثبتون صحة أقولهم... فزاد استغرابي، حتى كدت أصل إلى قناعة في تكذيبهم أو تكفيرهم.

ها أنا أروي لكم تفاصيل تلك الجلسة التي تشبه جلسة تحضير الأرواح، فليصدقها من يشاء، وليرفضها من يريد!!

تهافتت الجموع المريضة بالآلاف، المصابة بالعاهات المزمنة التي عجز الطب عن شفائها، متوجهين صوب داره، تلك المدفونة بين حفنة من البيوت القديمة، المتهالكة والتي بقيت واقفة بعناد وهي تقاوم القنابل والصواريخ التي كانت تدك كل بقاع ألمانيا في زمن الحرب العالمية الثانية... غير عابئين بقرار الحكومة... عندما وجهت له تهمة ممارسة الطب دون شهادة، ثم حكم عليه بالمنع من ممارسة نشاطه ذاك، وصوروه بأنه أخرق وأنتن من التيس، وأحمق من الحبارى وأجهل من العقرب... وأنه جد خبيث، وخبثه يذيب الحديد إذا لامسه!! وعلى الرغم من كل ذلك استمرت الجموع البشرية تتهافت نحو ذلك الشاب الألماني الذي يدعى برونو كَروينيك.

انحدر من عائلة فقيرة، عاصرت الحربين الكونيتين الأولى والثانية؛ غالباً ما كان يقضي أوقاته بين أحضان الطبيعة، حيث البحر والشجر، متنكراً للحضارة الحديثة، مديراً ظهره لها، متأملاً، ناسكاً وزاهداً عن ملذات الحياة الدنيا، قاضياً جل وقته في الرياضة الروحية التي يمارسها بقسوة، كرجل بوذي أعمى، ناهيك عن سخائه وعطفه غير المحدود، مع كل من يحيط به، سخاء النصارى في صلبان الذهب وعطف الهندوس على مقدساتهم.

تمتع سيد برونو بنشاط وعناد لم ينافسه عليه سوى أشد وأقوى البغال، وبذكاء ودهاء حادين كما الثعلب، وبعينين زرقاويتين نقيتين، صافيتين، زجاجيتين، وكأنهما لساحر؛ لم يكن وسيماً، بل العكس، كان يعاني من تضخم غير طبيعي في رقبته، ليبدو عنقه، كعنق الثور... تلك الرقبة التي يقول عنها إنها مصدر قوته وسر إلهامه!! ولم يعترف بأنها كانت كذلك بسبب اضطراب في غدته الدرقية، وإنها حالة مرضية وليست مصدرا من مصادر القوة والإلهام كما كان يدعي؛ إضافة إلى نحافته والتجاعيد التي انتشرت بسرعة في وجهه رغم صغر سنه، وله رأس سبحان الله، يشبه إلى حدٍ بعيد رأس الجرادة، وغالباً ما كان يجعل بنطلونه يتسلق فوق سرته، كالبهلوان الشاطر، فيبدو مظهره هكذا مضحكاً والنظر إليه مسلياً.

ما كان يجلب انتباه الآخرين القوى الخارقة التي كان يدعي امتلاكها وهي قوى غير مرئية، فما أن ينظر بعينيه الزجاجيتين إلى من حوله، حتى يشعر الآخرين بتيار كهربائي يسري في بدنهم، وبحرارة وطاقة فائقة عجيبة تمضي في جسدهم ومع دمائهم... طاقة لها وقع الخبز من الجائع والماء من العطشان... ودون أن يجعل المرء يشعر بأن تلك القوى كانت تصدر من ذلك الرجل صاحب رقبة الثور الغليظة!!

صدقه بضعة آلاف من المرضى، ومن له مصلحة من وراء تصديقه والإيمان بقدرته وإعجازه...
في حين وصفه بعضهم بالدجال، وأعماله لا تتعدى السحر والشعوذة والاحتيال.

كتبت عنه الصحافة بسخاء واستياء: كلبٌ نابح وكبشٌ ناطح، ونباحه لا يضر السحاب، وشخصه لا يستحق العطف والاحترام، ونعتوه باستهزاء واستصغار: قيمته كقيمة وصام النعام وذرق الحمام...ثم ابتعدوا بشتائمهم وشبهوه بالغراب الذي له أخلاق البوم؛ وأنه مريض نفسياً ويحتاج إلى علاج، فلم يؤمنوا بقدراته، ولم يصبوا إلى تطلعاته، حاربوه ونصبوا له العداء، كعداء الحمار للغراب... ثم تابعوا مصرحين:

إنه يعاني من خمول ذكره، لذلك طلقته زوجته!! وأضافوا بصرامة وقسوة: أعماله سببت كارثة اقتصادية في عموم ألمانيا، بسبب هجرة الناس للطب، والتوجه إليه، طالبين الشفاء على يديه.
بعد تلك الحملة المضادة الشعواء... غير من نهجه وتوجه إلى الإعلان عن طريق الإذاعة، وبدأ بممارسة نشاطه عبر الأثير، وعبر الهاتف وهو يردد كلماته التي بات الناس ينتظرونها، كطلوع الشمس:

انتبهوا إلى دواخلكم، تنصتوا السمع إلى أرواحكم، فهي الوحيدة التي تستدعي سماعها وتصديقها.

ثم يهتف بالناس الذين يعانون من الإعاقة والمرض وصوته يرن، وكأنه في واد بجهنم:

قوموا، تحركوا، صفقوا، اضحكوا، وادعوا لله وصدقوا بوجوده، فهو الشافي...

شاهدته في الفلم أثناء وجوده، وسط حشوده، يدعوا لهم، يتأملهم، يعالجهم، يشفيهم باللمس أو النظر... فذاك الكسيح الذي قام، وصاحب المرض المعدي الذي يبرأ فجأة من المرض والآلام، وتلك العجوز المجنونة التي تتغلب على جنونها، فتهدأ روحها وتطيب نفسها بعد سنوات من العزلة والصعاب الجسام .

طلقته زوجته الألمانية... لأنه كان يمكث معها أقل بكثير من مكوثه بين الناس وهو يهم بمساعدتهم، وينطلق قافلاً فيما بعد نحو أحضان أمه( الطبيعة ) التي كان يشعر بأنها مصدر إلهامه وقوته بالإضافة إلى متانة رقبته!! وهو يردد بين الذين يحاول مساعدتهم، بوقفته المعتادة من على شرفة منزله العتيق، واضعاً يديه على سور الشرفة ويحدق فيهم بعمق، وكأنه لا يراهم:

لا تنظروا إلى مرضكم، بل إلى أرواحكم وهي تنطلق فرحة نحو الدعاء والالتصاق، لله وبه.

لا تيأسوا من رحمة الله، آمنوا به، تنتصروا.

المرض غالباً ما يكون من صنع أيديكم، كالوهم، لا يصدقه سوى صاحبه.

لا تشبكوا الأيادي ولا تضعوا الرجل فوق الأخرى وأنتم بالجلوس تستمتعون.

اعتقدوا وآمنوا بالله، أصحاء رغم المرض، عندها فقط ستشفون.

لا يهم ماذا يكون دينكم، لونكم أو جنسكم، بل المهم أن تكونوا موقنون بأن الله وراء كل شيء.
ثم يقول جازماً:

أنا لا أشفي أحداً، بل الشافي هو الله.

قبل وفاته بقليل، تزوج برونو ثانية من امرأة فرنسية، تلك التي منحتني شرف لقائها، والاستماع إلى حديثها وهي تنطلق بسرور، تروي حكاية زوجها.

صدقته تلك المرأة الفرنسية الجميلة، وصدقت ما كان يحمله من قوى إيجابية تستطيع أن ترفع المرض والإعاقة من الناس حتى عبر الهاتف أو الأثير، فتزوجته، بعد أن أحبها صاحبنا تعالى بعنف وشغف وجنون منقطع النظير، وبقيت له وفيه دون تقصير، حتى بعد وفاته.

مات سيد برونو كَروينيك وهو في منتصف الحلقة الرابعة؛ ظل تلاميذه له أوفياء، كزوجته، وهم الذين نشروا وكتبوا عنه، وأذاعوا ما كان يفعله من أمور غريبة، معقدة وخارقة لا يستسيغها أو يصدقها عقل ولا يقبل بها منطق ولا يؤمن بها طبيب أو عالم!!

فهل تصدقونه أنتم أعزائي القراء؟! أو تعتقدون بأنه لم يكن يفكر بالزعامة، أو الشهرة، أو المال؟!

وهل تؤمنون بأن له تلك القوة والهيبة والإلهام والسطوة التي كانت عند الأنبياء؟! وربما فاقهم فيما جاؤوا به وما قدموه من براهين، للبشرية جمعاء؟!

هذا ما أريد أن أعرفه منكم، فيما جاء به سيد برونو الشافي العجيب الملهم؟!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى