احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > ديوان الدراسات المحكمة > التاريخ الاجتماعى للترجمة فى مصر - القسم الأول من قسمين

التاريخ الاجتماعى للترجمة فى مصر - القسم الأول من قسمين

طانيوس عبده ورواية هاملت التمثيلية

٢١ آذار (مارس) ٢٠٠٦بقلم سامح فكري حنا

دأبت أدبيات الترجمة حتى وقت قريب علي وضع نص الترجمة في علاقته بالنص الأصل داخل نسق تراتبى تصبح معه الترجمة فعلاً ثانوياً تابعاً يرتبط ارتباطاً شرطياً بالأصل الذي يفرض – وفق الخطاب الذي تنطلق منه هذه الأدبيات – شروط إنتاج الترجمة وتلقيها. ليس أدل علي هذه النظرة التراتبية – في الأدبيات العربية علي سبيل المثال – من تمثيلات "الترجمة" في اللغة، تللك التمثيلات التي يتلازم فيها تأنيث الدال مع مجموعة المجازات التي تربط الترجمة بمدلولات "الصورة" و"الظل" و"النقل" بحيث تؤكد جميعاً علي أن النص الأصل هو وحده علة وجود الترجمة، وشرط تحققها.

أفرزت هذه النظرة التراتبية للترجمة أنموذجاً بحثياً paradigm بسط سطوته علي دراسات الترجمة لفترة طويلة؛ قصر هذا الأنموذج مهمة دارس الترجمة علي اقتفاء الخط الواصل بين الأصل والترجمة ، وذلك وفقاً لتصورٍ معياري جُل همِّه حساب درجة "اخلاص" الترجمة للأصل، أو بالأحري مدى" دخولها في طاعته". إلا أن هذا الأنموذج الذي اكتسب حيثيات وجوده من علم اللغة في شكله التقليدى أفسح الطريق في الآونة الأخيرة لأنموذج آخر في دراسات الترجمة أفاد من منطلقات ومناهج علم اجتماع الثقافة. استبدل هذا الأنموذج الأخير بمنهجٍ يقوم علي "صنمية الأصل" منهجاً آخر تُقرأ الترجمة من خلاله بوصفها نتاجاً لعملية تشكُّل genesis اجتماع-ثقافى. عوضاً عن النظر إلى الترجمة من خلال مسار أحادى-خطِّي unilinear يبدأ ب "النص الأصل" وينتهي إليه، يتيح مفهوم التشكل امكانية قراءة الترجمة بوصفها نتاجاً لحزمة معقدة من المسارات التي يتقاطع فيها الاجتماعى والثقافى، السياسي والجمالى، الذاتي والمؤسسي. تسعى هذه الدراسة، في ضوء هذا الفهم للترجمة، إلى قراءة أول ترجمة منشورة فى مصر لمأساة هاملت لشكسبير، مستفيدةً من منجزات علم اجتماع الثقافة كما طوره عالم الاجتماع الفرنسى بيير بورديو.

طانيوس عبده

طانيوس عبده: اسماً طاردته وطاردني لما يقرب من عامين، وذلك منذ شرعت في كتابة أطروحتى لرسالة الدكتوراة في نهاية عام 2002 حول القراءة الاجتماع-ثقافية لترجمات مآسى شكسبير الكبرى في مصر، وحتى منتصف عام 2004. لم يكن بالإمكان تجاهل ترجمة طانيوس عبده في دراسة مهمتها التأريخ لترجمات المآسى الأربع الشهيرة (هاملت، وعطيل،والملك لير، و ماكبث)، ليس لأن صاحبها أفضل من أنطق هاملت العربية، إنما لأنها أول ترجمة عربية منشورة لنص شكسبير، فالترجمات السابقة عليها إما لم تجد طريقها إلى النشر، أو أنها كانت ترجمات تلخيصية، توجز الحبكة الأساسية للمسرحية في أسلوب سردى لا حوار فيه، أشبه بأسلوب مارى وتشارلز لام فيما أصدراه من طبعات تلخيصية لنصوص شكسبير، ولعل المثال الأوضح علي ذلك هو الترجمة التي وضعها كل من اسكندر قدسي و كامل حنين اسقف لعدد من مسرحيات شكسبير ضمها كتاب واحد تحت عنوان الضوء المنير في نخب روايات شكسبير الصادر عن مطبعة مصر بالفجالة عام 1900، والذي احتوى علي ترجمة موجزة لمأساة هاملت. لم يكن من السهل إذن غض الطرف عن هاملت طانيوس عبده، فما كان منى إلا أن سعيت في إثرها مبتدءًا من القاهرة حيث دار الكتب المصرية ومكتبة جامعة القاهرة، مروراً بالإسكندرية حيث مكتبة البلدية القديمة ومكتبة مدرسة الچزويت، ثم مانشستر حيث مكتبة جامعتها العريقة، فلندن حيث مكتبة كلية الدراسات الشرقية و الأفريقية بجامعة لندن، وانتهاءًا بمكتبة دراسات الشرق الأوسط بكلية سانت أنطوني التابعة لجامعة أكسفورد، حيث تم اللقاء أخيراً، وهنا أجدنى مديناً بالشكر لكل من ساعدني في سعيى وراء طانيوس عبده، و أخص بشكرى الأستاذة الدكتورة مني بيكر، وچينا رولاند، فلولاهما لظل طانيوس عبده وترجمته في طي النسيان.

ولد طانيوس عبده (1869- 1926) في بيروت وأكمل دراسته فيها ليغادرها بعد ذلك إلى الإسكندرية التي قضي فيها القسط الأكبر من حياته. أسهم طانيوس عبده بالكتابة في جريدة الأهرام، التي انضم إليها عام 1896، بسلسلة من المقالات نشرت تحت عنوان " نقرات طائر"، كما أصدر في الإسكندرية جريدتين، ظهرت أولاهما في ديسمبر من عام 1896 باسم فصل الخطاب والثانية في سبتمبر 1903 باسم صحيفة الشرق. فضلاً عن ذلك كتب عبده في جرائد البصير،و أنيس الجليس، و سركيس، والمقطم. تختلف الأدبيات حول عدد ما أخرجه طانيوس عبده من ترجمات، فيقول كرم ملحم كرم في مناهل الأدب العربي (بيروت، د.ت، ص67-68) أن عبده ترجم نحواُ من ستمئة أقصوصة وقصة ورواية (وأغلب الظن أن " رواية " هنا يقصد بها "مسرحية") بينما يذكر يعقوب لانداو Jacob Landau في كتابه دراسات في المسرح والسينما العربيين Studies in the Arab Theatre and Cinema أن عبده ترجم ما يقرب من سبعمئة مسرحية. رغم هذا الاختلاف في تقدير عدد ما أنتجه عبده من كتابات فالثابت أنه كان أغزر كتاب عصره ؛ يصفه أنطون بك الجميل في المقدمة التي كتبها للديوان الوحيد الذي أخرجه طانيوس عبده والمنشور عام 1925 (فقد قرض عبده الشعر أيضاً، وهو ما لايذكره من أرّخوا للترجمة في عصر النهضة، حيث تختزل صورة عبده دائماً في كونه مجرد مترجم) بالقول:

ما عرفت أديباً في الشرق – وأكاد أقول وفي الغرب – شغل المطابع في الربع الذي انصرم من القرن العشرين بقدر ما شغلها طانيوس عبده؛ ولا أخال كاتباً ظهر اسمه في تلك الحقبة علي عدد من الكتب المختلفة بقدر ما ظهر اسم هذا الكاتب... طبع من الروايات والقصص بين مترجمٍ ومقتبسٍ، وبين كبير القطع وصغير الحجم ما يناهز السبعمئة، حتى أنها لتؤلف مكتبة عامرة. وهكذا كان اغني كتّاب هذا الزمن إنتاجاً، وكانت رواياته أوفر الروايات انتشاراً واكثرها رواجاً.

في مقدمة ثانية للديوان نفسه يقدم شاعر القطرين خليل مطران طانيوس عبده بالقول:

صاحب هذا الديوان واسمه ملء الشرق لانتشار مقاطر قلمه في القاصي والداني من أرجائه هو طانيوس عبده، فهل من حاجة إلى تعريفه. هو شاعر رقيق اللفظ قريب العبارة من متناول المُطالع نشيط الفكر في الابتكار عنده طلاوة وفصاحة قلما اجتمعتا لأديب وهو بحر اذا توفر علي الكتابة فيتدفق.

من أشهر ماترجم طانيوس عبده هاملت، وروميو وچولييت لشكسبير، والبيت والعالم لطاغور، وبردليان لميشيل زيفاكو. ويذكر لعبده أنه كان من أوائل من أصدروا المجلات المتخصصة فى الترجمات الأدبية، حيث أصدر عام 1907 عندما عاد إلى لبنان لفترة مجلة الراوى التي كان ينشر فيها ترجماته للروايات مسلسلة، ليعيد بعد ذلك نشرها في كتب.

علي الرغم أن ترجمة طانيوس عبده لمسرحية هاملت (نشرت عام 1902) هي أقدم ترجمة عربية منشورة إلا أن ترجمات أخرى سبقتها و إن كانت لم تجد طريقها إلى النشر لأسباب مختلفة؛ يشير رمسيس عوض نقلاً عن عدد جريدة الأهرام الصادر بتاريخ 23 فبراير 1902 إلى وجود ترجمتين لنص هاملت، احداهما لأمين حداد والأخري لچورچ مرزا . كان طانيوس عبده قد ترجم المسرحية لتقدمها فرقة اسكندر فرح في موسم عام 1901، حيث تذكر جريدة المقطم في عددها الصادر بتاريخ 3 أكتوبر 1901 أن جوق حضرة الأديب اسكندر أفندي فرح "يبدأ مساء السبت القادم في 5 الجاري بتمثيل رواية هملت في تياترو عبد العزيز وهي رواية بديعة يقوم بأهم أدوارها حضرة الممثل البارع الشيخ سلامة حجازي" ، والثابت تاريخياً أن طانيوس عبده كان قد بدأ التعاون مع اسكندر فرح بالتأليف والترجمة بدايةً من عام 1901، وقدم للفرقة، فضلاً عن هاملت (التي ظلت جزءًا من ريبرتوار الفرقة حتى عام 1904، وبعد انفصال سلامة حجازي عن اسكندر فرح لينشئ فرقته الخاصة استخدم ترجمة طانيوس عبده في الموسم الأول للفرقة عام 1905)، عدداً من النصوص منها اللص الشريف (1902) ، و العفو القاتل (1902). لا تحمل الطبعة التي بين أيدينا لترجمة هاملت تاريخ واضح وإن كانت تحمل علي صفحة الغلاف عبارة "طبعة ثانية علي نفقة ابراهيم فارس صاحب المكتبة الشرقية في مصر" و الناشر هو المطبعة العمومية بمصر، والأرجح أن عبده كان قد أعاد طبع ترجمته لتنشر في الفترة بين عامي 1903 و 1918، وهو العام الذي أخرج فيه چورج أبيض لفرقته نص هاملت من ترجمة خليل مطران . توفرت لترجمة عبده عناصر النجاح التي ضمنت لها البقاء علي خشبة المسرح حتى عام 1917، علاوةً علي نشرها في طبعتين، وهو مايستوجب منا النظر، ليس فقط فى سماتها النصية والأسلوبية، وإنما فى سياقها الثقافى والاجتماعى، وآليات إنتاج الترجمة للمسرح فى ذلك الوقت.

الترجمة: يحيا هاملت ويسقط شكسبير

فضلاً عن قيمتها التاريخية بوصفها أول ترجمة عربية منشورة لمسرحية هاملت، تمثل هذه الترجمة للنموذج السائد لمترجم المسرح في أواخر القرن التاسع عشر والعقدين الأولين من القرن العشرين، ذلك المترجم الذى يخدم حاجات العرض المسرحى، أكثر من النص الأصل. وظنى أن هذا النموذج هو الذي كانت له الغلبة حتى ظهور ترجمات خليل مطران التي فرضت نموذج المترجم-الأديب، الذي يضع علي رأس أولوياته فعل القراءة الفردى ولا يدرج ضمن حساباته تعقيدات الفعل المسرحى.

علي الرغم من النجاح الذي حققته ترجمة طانيوس عبده في هذه الفترة، وهو نجاح ضمن لها أن تظل الترجمة الوحيدة التي عرفها المسرح المصري لنص شكسبير طوال مايقرب من عقدين، فضلاً عن نشرها في طبعتين – على الرغم من هذا النجاح، فقد تعرضت هذه الترجمة للنقد الشديد من قِبل من أرَّخوا لبدايات المسرح في مصر علي نحوٍ تحول فيه طانيوس عبده إلى أيقونة للمترجم الخائن. في تقييمه لترجمة طانيوس عبده يصدر محمد يوسف نجم حكمه التالى:

الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها، أن المترجم لم يترك طريقة من طرق التشويه إلا جربها في هذه المسرحية...فالمترجم كان صاحب مدرسة في المسخ و التشويه، لم تسلم منه قصة أو مسرحية تناولها قلمه بالترجمة.

هذا الحكم علي ترجمة هاملت هو ما جعل محمد يوسف نجم يضع طانيوس عبده ضمن ما اسماهم "الطبقة الثانية" من مترجمي المسرح في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي ضمت بين أفرادها – حسبما يذكر نجم – مترجمين من قبيل نجيب الحداد، وأمين الحداد، وإلياس فياض، وچورچ ميرزا، ونقولا رزق الله، وفرح انطون، ومحمد عفت . إن تهمة الخيانة التي ألصقت بهذه المجموعة من المترجمين، وعلي رأسهم طانيوس عبده الذى اعتبره عدد من الدارسين "كبير مترجمي هذا التيار" ، لم تقتصر فقط علي الخيانة اللغوية بمعني عدم نقل النص الأصل نقلاً أميناً، ولكنها اتخذت أبعاداً أخري لدي بعض من أرخوا للترجمة في هذه الفترة. إن هؤلاء المترجمين، كما يري عدد من الدارسين، لم يقترفوا فقط الخيانة اللغوية، ولكنهم في اختياراتهم لما يترجمونه خانوا أيضاً أخلاقيات المجتمع الشرقي، لما حوته النصوص المختارة من قصص الغرام، وهو ما جعل الخوري مارون غصن يكتب عام 1911 مخاطباً هذه الطائفة من المترجمين وناصحاً إياهم بأن يعرضوا عما "من شأنه أن يفتح نوافذ الفساد ويغلق نوفذ الإصلاح، ويختاروا لطلب الرزق سبيلاً غير ملومٍ ولا مُضِّر" . لم تقف التهمة لدى نفر آخر من الدارسين عند حد الخيانة اللغوية أو خيانة أخلاقيات المجتمع، فقد ذهب البعض إلى القول بإن ترجمات هؤلاء خيانة للعقيدة من جهة، وخيانة للأوطان بالمعني السياسي من جهة أخرى، "حيث كانت دافعاً إلى وقوع العالم العربى تحت سيطرة الاستعمار والنفوذ الفرنسي والإنكليزى" . رغم تفاوت دلالات "الخيانة" لدى من تصدوا لدراسة هذه المرحلة في تاريخ الترجمة إلى العربية، إلا أن هذه الدلالات اتفقت فيما بينها علي المعنى العام للخيانة بوصفها خروجاً علي معيارٍ ما محدد سلفاً، سواءً كان هذا المعيار لغوياً، أو أخلاقياً، أو تصوراً ما لماهية المجتمع أو الوطن بالمعني السياسى.

إن تهمة الخيانة –بدلالاتها المختلفة – هي التي دفعت دارسى ترجمات شكسبير إلى النظر باستخفاف إلى الترجمات الأولي (ومنها ترجمات طانيوس عبده)، بل واسقاطها أحياناً من تاريخ ترجمات شكسبير إلى العربية، معتبرين أن الترجمة "الجادة" لمسرح شكسبير لم تبدأ إلا عندما شرع مطران في ترجمة عطيل إلى العربية عام 1912 و ذلك بناء علي طلبٍ من جورج أبيض. يستند الدارسون في حكمهم بالخيانة علي ترجمة طانيوس عبده لهاملت إلى ثلاث قرائن أساسية:

أولاً: التغيير اللافت الذي أحدثه عبده في حبكة المسرحية كما نسجها شكسبير، حيث لا يموت هاملت كما فى النهاية الشكسبيرية المعروفة، ولكنه يبقي حياً، وينجو من مؤامرة طعنه بالسيف المسموم، في الوقت الذى يظهر فيه شبح أبيه (يستخدم عبده لفظة "الخيال") ليصفح عن الملكة ولايرت وهما يحتضران، بينما يصب لعناته علي أخيه الخائن. أما هاملت فيتوجه إليه "الخيال" بعبارة تُختتم بها المسرحية يقول فيها:

وأنت فلتعش سعيداً علي الأرض مغفوراً لك في السماء، فاصعد أمامى إلى مقام عمك فما خلق إلا لأجلك هذا العرش (هملت يصعد درجات العرش ناظراً إلى أبيه نظرة اعجاب والخيال ينزل تباعاً في جوف الأرض وهو ينظر باسماً إلى هملت فينزل الستار تدريجياً والجميع من الخارج ينشدون).

ثانياً: هذا التغيير في الحبكة رافقه تغيير، أو بالأحرى تهجين، للنوع الدرامي للمسرحية. فالمأساة الشكسبيرية احتفظت في الترجمة ببعض ملامح المأساة، لكنها ضمت أيضاً عناصر أخرى جعلت هاملت أقرب إلى المسرحية الغنائية، فالمونولوجات الشهيرة التي يناجى فيها هاملت نفسه، ويصارع فيها هواجسه في لغة مترددةٍ، متكسرة أحياناً، تشي بما يعتمل في نفسه من مراوحةٍ بين الفعل واللافعل – هذه المونولوجات تتحول في الترجمة إلى ما يشبه الأناشيد ذات اللغة الغنائية المتدفقة، فالمونولوج الذي يفتتحه هاملت بالعبارة الشهيرة: ‘To be or not to be’ يترجمه عبده علي النحو التالى:

فناء بعد موتك أم خلود
وهل عدم مصيرك أم وجود
وما هذا الوجود إلا انتباه
يؤمل فيه إن طال الرقود
وما يختار أهل الرشد لها
يضل بيأسه العقل الرشيد
إذا خاب الرجاء فإن موتاً
تلوذ به هو الرأي السديد
وليس الموت إن فكرت فيه
ينقص من حياتك أو يزيد
فعيشك بعده موت طوي
ل وموتك بعده عيش جديد
(....إلى آخر الأبيات)

فضلاً عن الطابع الغنائي الذي ترجمت به المونولوجات، بل والمقطوعات الغنائية التي أضيفت دون أن يكون لها وجود في نص شكسبير، فقد كانت المآسى عند عرضها علي المسرح إما أن تُغَير نهاياتها، أو يعقبها مشاهد أو مسرحيات هزلية قصيرة، بل وأحياناًَ كانت الفصول الهزلية تقدم في أوقات الإستراحة بين الفصول. وهنا ينتهز الدارسون الذين يقرأون ترجمات هذا الزمن من خلال ثنائية الأمانة/الخيانة الفرصة ليعيبوا على المترجمين خيانتهم للنوع الدرامي الذى صاغ فيه شكسبسر مسرحياته، بل ويستغربون "المزاج المصرى" الذى راقت له مآسى شكسبير أكثر من كوميدياته، "ولكنه لم يستسغها إلا بعد أن مزجها بالطرب والرقص والتمثيل الهزلى"
ثالثاً: يعيب معظم الدارسين علي الترجمات الأولي لمآسى شكسبير، ليس فقط لما شابها من صياغة هجينة علي مستوي النوع الدرامي generic hybridity ، ولكنهم يستغربون أيضاً اللغة الهجين التي استخدمها المترجمون الأوائل – وطانيوس عبده واحد منهم – التي تتجاور فيها الفصاحة وروح العامية، اللغة المسجوعة والنثر الخالى من ألوان البديع التي سادت أدب النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبعضاً من العقود الأولي للقرن العشرين.

التأريخ للترجمة: منهجان للقراءة

درج من تصدوا للتأريخ للترجمة عموماً، وللترجمة إلى العربية علي وجه الخصوص، على كتابة تاريخ خطِّي linear يبدأ بالترجمات الأكثر خيانة ويتدرج منتهياً بالترجمات الأكثر اقتراباً من النص الأصل. هذا التصور لتاريخ الترجمة يجعل من النص الأصل علة الترجمة والغاية التي تتحرك في اتجاهها، ومن ثم فإن أية قراءة لنص الترجمة – وفقاً لهذا التصور- في علاقته التتابعية diachronic بالترجمات السابقة عليه وتلك اللاحقة له إنما تقتصر علي قياس المسافة الفاصلة بين هذا النص و النص الأصل مقارنةً بغيره من الترجمات الأخرى.

عوضاً عن هذا المنهج الاختزالى لقراءة تاريخ الترجمة، والذى يخلص في النهاية إلى أحكام معيارية تختزل تعقيد ظاهرة الترجمة في مجرد الفعل اللغوي، يتيح منهج القراءة الاجتماع-ثقافية socio-cultural للتاريخ إمكانية فهم الترجمة بوصفها ظاهرة اجتماعية وثقافية معقدة. أحاول في هذا الجزء من الدراسة إعادة قراءة "قرائن الخيانة" الثلاث التي يستند إليها دارسو الترجمات الأولي لمآسي شكسبير ، وذلك من خلال أحد مناهج القراءة الاجتماعية للثقافة، وأعني به المنهج الذي طوره عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في قراءته لعمليات الإنتاج الثقافى.

بورديو و علم الاجتماع التكوينى

"علم الاجتماع التكوينى" genetic sociology هو المصطلح الذي يستخدمه بورديو للتعبير عن منهجه في القراءة الاجتماعية للظواهر الثقافية، والذي يهدف كما يقول إلى فهم كلٍ من عمليات تشكل الفضاء الاجتماعى الذى تتم داخله عمليات الإنتاج الثقافى من جهة، وعمليات تشكل أنساق التصورات والاستعدادات والميول الخاصة بمنتجى الثقافة، وعلاقتهم التفاعلية بهذا الفضاء وببعضهم البعض من جهة أخري .يختلف علم الاجتماع التكوينى عند بورديو عن غيره من المناهج التي اتخذت من الظواهر الثقافية موضوعاً لها في عدم تورطه في الثنائية المعهودة التي تسم معظم مناهج البحث، سواءً في الإنسانيات أو في العلوم الاجتماعية، وأقصد ثنائية الداخلي/الخارجي internal/external ، فبعض المناهج تميل إلى دراسة الظاهرة الثقافية من داخلها دون اعارة الإهتمام للسياقات الخارجية لها، وهنا يشير بورديو إلى كل من النقد الجديد و البنيوية، اللذين علي اختلاف منطلقاتهما يشتركان في عزل النص الأدبى عن الدائرة الاجتماعية، فضلاً عن تحييدهما لدور الفاعلية الإنسانية human agency في إنتاج النصوص وتلقيها. من ناحية أخري ينأى علم الاجتماع التكوينى عند بورديو بنفسه عن علم الاجتماع التقليدى الذى يصل الظاهرة الثقافية بسياقها الاجتماعى، ولكن علي نحو آلى تبسيطى يجعل من الظاهرة مرآةَ تنعكس عليها اللحظة الاجتماعية بشكل مباشر. يري بورديو أن مفهوم الإنعكاس reflection الذي تتبناه معظم المناهج الإحتماعية وإن كان يضع في الإعتبار الدائرة الاجتماعية الكبري social macrocosm التي تضم الطبقات والمؤسسات الاجتماعية، والسياسية والإقتصادية، إلا أنه يتجاهل الدائرة الاجتماعية الصغري social microcosm ، أى الفضاء الذى تتم داخله عمليات الإنتاج الثقافى. من هنا يستبدل بورديو بمفهوم الإنعكاس مفهوم الإنكسار refraction، والذى يؤكد من خلاله على أن المؤثرات الاجتماعية لا تنعكس فى المنتج الثقافى على نحو مايرى النقاد الماركسيون، وإنما تتحور هذه المؤثرات أو تنكسر خلال الحقل الثقافى الذى تتم داخله عمليات إنتاج الثقافة، على النحو الذى ينكسر به شعاع الضوء خلال المنشور الزجاجى . وحقل الإنتاج الثقافى field of cultural production كما يقصده بورديو هو نظام تراتبي قوامه شبكة المؤسسات والمواضعات والتصنيفات والطقوس والقواعد، وإلىات التكريس/التهميش التي تتم من خلالها ووفقاً لها عمليات الإنتاج الثقافي التي تتمخض عن منتَج ثقافي يتمثل في كتاب، أو لوحة، أو عرض مسرحي أو سينمائي. يكتسب المنتَج الثقافى داخل الحقل قيمته من خلال علاقته بغيره من المنتجات، وهذه القيمة هى التي تمنحه مكانة وتصنيفاً ما داخل تراتبية الحقل الثقافي. تتحدد معالم الحقل الثقافي وحدوده من خلال الصراع الدائر داخله حول المعيار الذى تتحدد على أساسه قيمة المنتجات الثقافية ومكانتها داخل الحقل. يستخدم بورديو مصطلح "رأس المال" للإشارة إلى هذا المعيار، وهو إما رأس مال رمزى أو رأس مال اقتصادى. يتمثل رأس المال الرمزي فى القيمة المعنوية التى يراكمها المنتَج الثقافى الذى يتجاوز أفق التلقي الخاص بالعامة، ولكنه يتماس مع توقعات النخبة من القائمين علي إنتاج الثقافة، ومن ثم يتم تكريسه داخل الحقل الثقافي، وضمه إلى التراث المعتمد canon الخاص بهذا الحقل، وإن كان لا يحظي بنجاح مادي ملحوظ. على النقيض من ذلك فإن رأس المال الإقتصادي الذى يراكمه منتج ثقافى ما يعبر عن مدى قدرة هذا المنتج على تلبية حاجات أوسع شريحة ممكنة من مستهلكى الثقافة، دون الإهتمام بتكريس هذا المنتج من جانب المؤسسات الثقافية. هذا الصراع على تحديد نوع رأس المال الذى يمنح المنتجات الثقافية قيمتها النسبية داخل الحقل الثقافى غالباً ما يدور بين التيارات الطليعية التى تؤمن بأن الفن والثقافة عموماً يوجدان لذاتهما، والتيارات التى ترى أن علة وجود أى عمل ثقافى هى حاجات محددة لدى مستهلكى الثقافة، ومن ثم فإن نجاح أو فشل هذا العمل مشروط بمدى وفائه بهذه الحاجات ووصوله إلى أكبر عدد ممكن من المستهلكين.
أيضاً تتحدد ملامح حقل الإنتاج الثقافي بفعل حضور منتجى الثقافة الذين يتخذون مواقف معينة position-takings ازاء المواقع positions المتاحة داخل الحقل،و المقصود بالمواقع هنا مجموعة الأنواع الفنية artistic genres و الأنشطة والأدوار التي يتيحها الحقل، والتي يتخذ منها منتجو الثقافة مواقفاً في ضوء ما يسميه بورديو "فضاء الممكنات" the space of possibles ، أي مدي الخيارات والأفعال التي يسمح بها الحقل الثقافي. تتراوح هذه المواقف داخل الحقل الأدبى، علي سبيل المثال، بين الكتابة في نوع أدبي معين دون غيره من الأنواع، و استخدام أسلوب بعينه في الكتابة، و النشر من خلال ناشر أو مجموعة معينة من الناشرين، والكتابة في مجلة أو دورية أدبية ما، والانتماء إلى جماعة أدبية أو مؤسسة مهتمة بالنشاط الأدبى، والتقدم لنيل جوائز معينة، أو رفض قبولها حين تمنح، وكتابة مانيفستو أدبي في صورة مقدمة لمجموعة شعرية جديدة أو إعلان تأسيس جمعية جديدة أو حتى في صورة إعلان مدفوع الأجر في جريدة. كل هذه المواقف لا يتخذها منتجو الثقافة في ضوء ما يتيحه الحقل الثقافي من خيارات فقط، ذلك أنها مشروطة أيضاً بما يحمله هؤلاء من نسق تصورات واستعدادات habitus اكتسبوه خلال عملية التنشئة الاجتماعية، ومراحل التعليم، والخبرات الشخصية، ومن خلال ممارستهم الثقافية داخل حقل معين. كذلك فإن المواقف التي يتخذونها داخل حقل الإنتاج الثقافى ليست ثابتة في اللحظات التاريخية المختلفة، وإنما تتسم بالدينامية والتغير، وهي في ديناميتها متأثرة بحركية المسار trajectory الذى يتخذونه داخل الحقل الثقافي وغيره من الحقول الثقافية المجاورة. علي سبيل المثال فإن تحول الكاتب من اتجاه أدبي أو تيار فكرى إلى آخر داخل الحقل الأدبى، أو ممارسته لأدوار أخري خارج إطار هذا الحقل مثل العمل بالصحافة، أو التدريس بالجامعة، كل هذه الإنتقالات والتحولات والأدوار التي تشكل مسار هذا الكاتب تؤثر علي المواقف التي يتخذها داخل الحقل الأدبى. أيضاً تتحدد مكانة منتجى الثقافة داخل حقل الإنتاج الثقافى، ومن ثم خياراتهم ومساراتهم داخل الحقل، من خلال ما يحوزونه من رأس مال، قد يكون ثقافياً أو اجتماعياً. يتخذ رأس المال الثقافى أحد أشكالٍ ثلاثة: فهو إما كامناً، أو مؤسسياً، أو أداتياً. فى حالته الكامنة يتمثل رأس المال الثقافى فى مجموعة القيم والميول والأذواق التى يراكمها الفرد مُنتِج الثقافة بفعل خبراته الثقافية المكتسبة؛ ويتخذ رأس المال الثقافى طابعه المؤسسى فى صورة الدرجات العلمية التى تمنحها المؤسسة التعليمية، أو الألقاب الشرفية، والجوائز التى تمنحها كل من المؤسستين الثقافية والسياسية؛ ويصبح رأس المال الثقافى أداتياً عندما يتخذ صورة أدوات الإنتاج المادية المتاحة للفرد منتِج الثقافة. أما رأس المال الاجتماعى فيقصد به بورديو شبكة العلاقات التى يراكمها ويدخرها منتِج الثقافة مع غيره من منتجى الثقافة داخل الحقل الثقافى، ومع ما يسميهم بورديو بشركاء الإنتاج الثقافى co-producers of culture ، من ناشرين، ومخرجين، وأصحاب مسارح ودور عرض سينما، وأصحاب قاعات عرض الفنون التشكيلية، والذين يلعبون دوراً هاماً فى تحديد قيمة المنتج الثقافى. يستثمر منتجو الثقافة فيما يملكونه من رأس مال – اجتماعياً كان أم ثقافياً – فى سبيل تعزيز أو تغيير مكانتهم داخل تراتبية حقل الإنتاج الثقافى، بما يخدم مصالحهم. يمكن القول إذاً أن رأس المال، كما يعنيه بورديو، هو موضوع الصراع وأداته داخل حقل الإنتاج الثقافى. هو المبدأ الذى يسعى منتجو الثقافة إلى فرضه، والذى يتم على أساسه هيكلة الحقل الثقافى وتحديد قيمة منتجى الثقافة داخله، كما أنه الأداة التى يستخدمونها فى سبيل حيازة مكانة متميزة لأنفسهم ولما ينتجونه من ثقافة .

علم الاجتماع التكوينى والتاريخ: كتابة التاريخ الاجتماعى للترجمة
يلعب التاريخ لدى بورديو دوراً أساسياً فى الدراسة الاجتماعية لحقل الإنتاج الثقافى؛ فالتاريخ والبحث الاجتماعى صنوان لديه. ومن ثم ليس من قبيل المصادفة أن تنصب دراسات بورديو على سوسيولوﭼيا كل من الحقل الأدبى فى فرنسا منتصف القرن التاسع عشر، وحقل فن التصوير فى الربع الأخير من القرن ذاته، والحقل الأكاديمى فى فرنسا فى الستينيات. فى علاقة التلازم بين علم الاجتماع والتاريخ يقول بورديو:

إن الفصل بين علم الاجتماع والتاريخ لهو فصل كارثى، وهو خلوٌ تماماً من أى تبرير إبستمولوﭽى: فعلم الاجتماع كله لابد وأن يكون تاريخياً، والتاريخ كله لابد وأن يكون سوسيولوﭽياً...ليس بالإمكان فهم ديناميات حقلٍ ما دون تحليل آنىٍ synchronic لبناءه، وفى الوقت ذاته لا يمكن فهم هذا البناء دون تحليل تاريخى، أى تكوينى genetic لتشكُلِه، والتوترات القائمة بين المواقع التى يضمها، فضلاً عن التوترات بين هذا الحقل، والحقول الأخرى .

اللافت للانتباه هنا ليس فقط الجمع بين البحث الاجتماعى والبحث التاريخى فى سبيكةٍ منهجيةٍ واحدة تجعل درس الظاهرة الاجتماعية فى آنيتها غير مكتملٍ دون النظر فى تشكلها التاريخى، كما تجعل البحث فى الظاهرة التاريخية ناقصاً دون الأخذ فى الإعتبار تخلقها فى رحم لحظة اجتماعية معينة – اللافت للانتباه أيضاً هو تصور بورديو لطبيعة البحثين الاجتماعى والتاريخى. إن استخدام بورديو للفظة "تكوينى" أو تشكُّلى genetic صفةً لكل من علم الاجتماع والتاريخ يوحى بفهم متميزٍ لمنهجية البحث فى كليهما. وهنا تجدر الإشارة إلى الفارق الذى يوحى به استخدام بورديو لمصطلح "تكوين" أو تشكل genesis ومشتقاته، ومصطلح آخر هو "أصل" origin الذى يستخدمه فى الإشارة إلى مناهج البحث الأدبى التى تسعى فى تفسيرها للعمل الأدبى إلى إرجاعه إلى عِلَّةِ واحدة يسميها بورديو "البداية المطلقة" absolute beginning ، وهذه المناهج ترى العمل الأدبى نتاجاً لأصل واحد، قد يكون وعى الكاتب (كما الحال فى المناهج التى تقرأ النص فى ضوء السيرة الذاتية لكاتبه)، أو النوع الفنى الذى ينتسب إليه العمل (كما الحال فى المناهج التى تقرأ النص فى ضوء المواضعات الفنية لجنس أدبى معين). وهذه المناهج يمكن وصفها مجازاً بالأصولية على اعتبار أنها لا ترى فى تعليلها للظاهرة الأدبية سوى أصلٍ واحد هو علة النص الأدبى وسبب وجوده. على النقيض من ذلك فإن النهج التكوينى genetic الذى يضفيه بورديو على كل من البحثين الاجتماعى والتاريخى لا يقنع بإرجاع الظاهرة الثقافية إلى أصل واحد، وإنما يتقصى تشكُّلها بفعل عدة عوامل، منها المباشر الذى يتصل بحقل الإنتاج الثقافى الذى أفرزها، ومنها غير المباشر الذى يتصل بالفضاء الاجتماعى العام.

وفقاً لهذه الرؤية فإن التاريخ الاجتماعى لظاهرة ثقافية ما لا بد أن يستبدل بالتفكير الخطى linear الذى يرى هذه الظاهرة بوصفها استجابة لمثير واحد التفكير العلائقى relational الذى يرى فى الظاهرة الثقافية نتاجاً لمجموعة من العلاقات بين آليات الإنتاج الثقافى والوعى المُنتِج للثقافة، بين الحقل الذى يتم فيه إنتاج العمل الثقافى والحقول الأخرى التي تتماس معه. إذا نظرنا إلى محاولات التأريخ للترجمة إلى العربية فى ضوء هذا الفهم للتاريخ الاجتماعى للثقافة، لوجدنا أن هذه المحاولات تتراوح فى معظمها بين كتابات تسجيلية تركز اهتمامها على حصر ما تم ترجمته فى فترة تاريخية ما ، وكتابات تميل إلى التأريخ الخطى linear historiography على نحو ما أسلفنا. المحاولات من النوع الأخير إما تهتم بالتأريخ للنظرية، أو التأريخ لممارسات الترجمة. الكتابات التى تؤرخ لنظريات الترجمة، وهى غربية كلها، تنسج مروياتها التاريخية حول أصل واحد تصدر عنه هذه النظريات، ويتخذ صورة فكرة مجردة مثل "الأمانة والخيانة"، التى تجعل منها هذه الكتابات زاوية النظر الوحيدة إلى تاريخ نظريات الترجمة. بالمثل تتخذ محاولات التأريخ لممارسات الترجمة من النص المنقول منهsource text الأصل الذى يحكم فهمنا للتطور التاريخى لنصوص الترجمة، وهذه الكتابات إن كانت تفيد داخل قاعات تدريس مهارات الترجمة لتبيان انحراف نصوص الترجمة عن النص المنقول منه، إلا أنها تفصر عن استيعاب الترجمة بوصفها ظاهرة اجتماعية ثقافية فى الأساس لا مجرد استجابة لغوية لنص أجنبى.

تشهد دراسات الترجمة فى الغرب منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين محاولات دؤوبة لإقتراح تواريخ histories بديلة للترجمة، تسعى إلى تفكيك المرويات التى تتمركز حول أصل واحد، كما تسعى إلى كسر احتكار المنهج اللغوى لكتابة تاريخ الترجمة. لم يكن هناك من بديل أمام هذه المحاولات سوى الإستعانة بعلم اجتماع الثقافة، فى خطوةٍ تشى بفهم جديد لكلٍ من طبيعة الترجمة والكتابة التاريخية على حدٍ سواء. فى كتابه القيِّم المنشور عام 1998 بعنوان المنهج فى تاريخ الترجمة يصغ أنتونى ﭙيم المبدأ الأول فى منهجه للدراسة التاريخية للترجمة كالتالى: "على تاريخ الترجمة أن يفسر لنا أسباب إنتاج ترجمات فى زمان ومكان اجتماعيين معينين. أى أن تاريخ الترجمة يجب أن يتناول مشكلات التعليل الاجتماعى لظاهرة الترجمة" . فى هذا السياق كانت كتابات بورديو عن سوسيولوﭽيا الإنتاج الثقافى حافزاً لى لإعادة النظر فى تاريخ الترجمة للمسرح فى مصر.
أحاول فى القسم التالى من الدراسة وضع ترجمة طانيوس عبده فى سياقها الاجتماعى الثقافى، وذلك من خلال النظر فى التشكُل الجنينى لحقل المسرح فى مصر، مستلهماً فى ذلك ما يسميه بورديو ﺒ "سلطة التسمية" the power of naming ، أى سلطة الحدود الدلالية التى أرساها الرواد الأوائل الذين عاينوا ظاهرة المسرح لدى الآخر الثقافى، وحاولوا تمثيلها فى اللغة العربية، تلك الحدود التى منحت حقل المسرح فى بداياته الأولى شكله، ووظيفته، ومن ثم أثرت فى آليات الترجمة للمسرح فى أواخر القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين.

سُلطة التسمية: الخارطة الدلالية لنشوء حقل المسرح في مصر

من بين الصراعات التي تحدث داخل الحقل الثقافى ، يتحدث بورديو عن صراع هام تتمخض نتيجته عن ارساء حدود الحقل الثقافى، وصياغة نظامه التراتبي، وأقصد به الصراع علي المعني، أو ما يسميه بورديو الصراع علي التعريفات the struggle over definitions، أو الصراع على التسمية naming، وهو الناجم عن رغبة أعضاء الحقل الثقافى في فرض دلالات معينة لمجموعة الدوال التي تشكل رأس المال اللغوي للحقل، بما يؤدي إلى تعيين حدوده الدلالية؛ من قبيل ذلك الصراع الدائر داخل الحقل الأدبى حول تعريف معاني "الكاتب"، و"الكتابة"،و"النوع الأدبى" genre ، و"النص"، و"القيمة الأدبية"، إلى غير ذلك من الدوال التي تشكل رأس المال اللغوي الذي يتم تداوله داخل الحقل. ومن ثم فإن استخدام مجموعة معينة من الدوال واعطاءها دلالات ومعانٍ محددة هو ما يمنح أي حقل ثقافي حدوده التي تميزه عن غيره من الحقول الأخري، وهو ما يجعل بالإمكان فرز أعضاء هذا الحقل عن غيرهم. تكتسب الحدود الدلالية التى يسعى أعضاء الحقل إلى فرضها من خلال سلطة التسمية - تكتسب شرعيتها من خلال ما يحوزه هؤلاء من رأس مال رمزى. وقد يكون رأس المال الرمزى مستمداً من شرعية شخصية، كما هو الحال مع كاتبٍ أو ناقدٍ له مكانته التى جلبها له إنجازه الشخصى، وقد يكون ممنوحاً من سلطة سياسيةٍ أو ثقافيةٍ. وأعضاء الحقل الثقافى من النوع الأخير يمارسون سلطة التسمية بالتفويض. غالباً ما تتشكل الحدود الدلالية لأى حقل ثقافى من خلال الصراع على التسمية أو التعريفات بين من يمارسون سلطة التسمية بموجب شرعية شخصية، ومن يمارسونها بالتفويض.
ربما كانت أول محاولة لإرساء حدود حقل المسرح في اللغة العربية من خلال وصف ظاهرة المسرح وتسميتها هو ما قام به الجبرتي في رصده لمسرح "الجمهورية والفنون" الذي أقامه نابليون إبان حملته علي مصر (1798-1801)؛ يقول الجبرتي عن المسرح، وذلك في سياق سرده لأحداث أحد أيام شعبان، الموافق 29/12/1800: "هو المسمَّي بلغتهم بالكمدي، وهو عبارة عن محل يجتمعون به كل عشر ليالٍ ليلة واحدة يتفرجون به علي ملاعيب يلعبها جماعة منهم بقصد التسلي والملاهي مقدار أربع ساعات من الليل، وذلك بلغتهم، ولا يدخل أحد إلىه إلا بورقة معلومة وهيئة مخصوصة" . يحمل هذا التوصيف عدداً من الدلالات فيما يتعلق بلحظة الوعي الأولى بظاهرة جديدة علي الوجدان المصرى في ذلك الوقت، وهو الوعي الذي تمخض بعد ذلك عن تصورات معينة عن حدود حقل المسرح، أعيد إنتاجها لاحقاً في شكل المسرح السائد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. تكشف مجموعة الدوال التي يستخدمها الجبرتي في توصيفه لمسرح "الجمهورية والفنون" عن وعيٍ معين بطبيعة المسرح ووظيفته، و الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المقبلون عليه. انحصر وعي الجبرتي بالمسرح في كونه "فرجة علي ملاعيب"؛ تأتي أهمية دال "اللعب" ومشتقاته فيما يحمله من معانٍ طبعت شكل المسرح لاحقاً، فاللعب كما جاء في قاموس محيط المحيط هو "العبث، وترك ما ينفع بما لا ينفع، وطلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به"، ولعب الرجل أى "فعل فعلاً لا فائدة له أصلاً"، ومن ثم فاللعب هو أيضاً "إقبال علي الباطل" . تتأكد الدلالات السالبة لدال "اللعب" باستخدام صيغة اسم المفعول "ملعوب" وجمعها "ملاعيب" التي تعني "عند العامة الحيلة في اللعب" . إن حصر ماهية المسرح في "فعل عبثي لا طائل منه" يحدد وظيفته في مجرد "التسلي والملاهي". وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدلالة السالبة لدال "اللعب" تتردد أصداؤها فى تسميةٍ أخرى شاعت فى القرن التاسع عشر، واستخدمها الجبرتى ذاته، وهى "أرباب الملاعب" التى كانت تشير إلى طائفة متنوعة ممن يقدمون ألوان التسلية الشعبية فى الميادين من حواة، ولاعبين على الحبل، ومدربى قردة، ومطربى شوارع، وراقصين وراقصات، وهى طائفة لم تكن تحظى بقدرٍ كبيرٍ من الإحترام الاجتماعى. الواضح إذأً أن الجبرتى فى ترجمته لهذه الظاهرة الغريبة عليه لم يعيها إلا فى ضوء المتاح لديه من شفرات ثقافية تنطوى على قيم سالبة.

هناك ملاحظتان أساسيتان على فعل التسمية الأول لظاهرة المسرح فى العربية. الأولى هى أن هذه التسمية نتاج نسق تصورات واستعدادات habitus معين تشكل لدى الجبرتى بفعل نشأته الدينية، حيث تلقى تعليمه فى الأزهر، الذى كان والده الشيخ حسن الجبرتى عالماً من علماءه. هذا النسق هو الذى لا يرى فى كل ما لا يتصل بعلوم الدين سوى "الملاعيب". الملاحظة الثانية هى أن فعل التسمية اكتسب شرعيته من السلطة الرمزية التى حازها الجبرتى داخل الحقل الثقافى المصرى فى أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. تلك السلطة التى اكتسبها بفعل نسبه إلى اسم حسن الجبرتى ، وانتسابه إلى الأزهر، وبفعل إنجازه كمؤرخ رائد.

يمتد تأثير دالى "اللعب" و"اللهو" وما ارتبط بهما من تضمينات سالبة حتى العقد الثالث من القرن التاسع عشر، ليطلا علينا فى كتابات أزهرى آخر هو رفاعة رافع الطهطاوى (1801-1873)، وإن كان الموقع الذى شغله الطهطاوى فى معاينته لظاهرة المسرح كان أكثر امتيازاً مما كان متاحاً للجبرتى، فقد عاين الطهطاوى ظاهرة المسرح فى سياقها الثقافى، وهو على دراية بالفرنسية، ومن ثم امتلك امكانات تَمثُل الظاهرة على نحو أفضل. كذلك فإن فعل التسمية الذى مارسه الطهطاوى استند إلى سلطة تفويض من كلٍ من المؤسستين السياسية والثقافية، فهو من ناحية مبعوث الوالى محمد على باشا، ومن ناحيةٍ أخرى هو موفد المؤسسة الثقافية لإسكان ظاهرة المسرح – ضمن غيرها – اللغة العربية؛ يتبدى لنا هذا التفويض فى مفتتح كتاب تخليص الإبريز ، إذ يقول الطهطاوى:
فلما رُسم اسمى فى جملة المسافرين، وعزمت على التوجه، أشار علىَّ بعض الأقارب والمحبين، لا سيما شيخنا العطار، فإنه مولع بسماع عجائب الأخبار، والإطلاع على غرائب الآثار، أن أنبه على ما يقع فى هذه السفرة، وعلى ما أراه وما أصادفه من الأمور الغريبة، والأشياء العجيبة، وأن أقيده ليكون نافعاً فى كشف القناع، عن محيا هذه البقاع...وليبقى دليلاً يهتدى به إلى السفر إليها طلاب الأسفار، خصوصاً وأنه من أول الزمن إلى الآن لم يظهر باللغة العربية، على حسب ظنى، شئ فى تاريخ مدينة باريس...ولا فى تعريف أحوالها وأحوال أهلها. فالحمد لله الذى جعل ذلك بأنفاس ولى النعمة، وفى عهده، وبسبب عنايته وتقويته للعلوم والفنون .

يطالعنا الطهطاوي في تخليص الإبريز بوصف يكاد يكون تفصيلياً للمسرح الفرنسى كما شهده فى باريس. وكانت محاولته لتسمية المسرح متأثرةً جزئياً بمحاولة الجبرتى الأولى لتشفير المسرح فى العربية، فالطهطاوى كان لازال يستخدم لفظة "ألعاب" للدلالة على المسرحيات التى شهدها. غير أن وعياً مضافاً بأن المسرحية تنطوى على ماهو أكثر من مجرد اللعب بمعناه السالب هو ما جعل الطهطاوى يتردد فى استخدامها فى بعض مواضع كتابه ليستبدلها بلفظتين فرنسيتين معربتين هما: "سبيكتاكل" و"تياتر". إن تفضيل الشيخ الأزهرى للتعريب (بمعنى إدخال اللفظ الأجنبى صوتياً إلى العربية) على استخدام اللفظة العربية المتاحة التى كان قد استخدمها الجبرتى تعبيراً عن العرض المسرحى إنما تعنى تحفظاً على فعل التسمية الأول؛ ويستحيل هذا التحفظ إنكاراً واضحاً فى موضعٍ آخر يقول الطهطاوى فيه:

ولا أعرف اسماً عربياً بمعنى "السبكتاكل" أو "التياتر"، غير أن لفظ "سبكتاكل" معناه: منظر أو منتزه أو نحو ذلك، ولفظ "تياتر" معناه الأصلى كذلك، ثم سُمِّى بها اللعب ومحله، ويقرب أن يكون نظيرها: أهل اللعب المُسمَّى خيالياً، بل الخيالى نوع منها، وتشتهر عند الترك باسم "كمدبة"، وهذا الاسم قاصر إلا أن يتوسع فيه، ولا مانع أن تترجم لفظة "تياتر" أو "سبكتاكل" بلفظ خيالى، ويتوسع فى معنى هذه الكلمة .

تكشف لنا هذه الفقرة شديدة الدلالة عن حالة المجاهدة الذهنية مع اللغة التى تنتاب المترجم الأول وهو بصدد فعل التسمية؛ فالتسمية هنا فعل خلقٍ يعبر بالشئ/الظاهرة من الوجود إلى العدم. إن محاولات التسمية هنا تتدرج من الإنكار المبدئى لفعل التسمية الأول لعدم وفاءه بالمحتوى الدلالى لظاهرة المسرح، إلى محاولة التعريف بالمعنى المعجمى للدال الفرنسى، ثم الإرتداد إلى الفعل الأول – تحت وطأة الحاجة إلى تسمية – بعد تكييفه بدال جديد هو "الخيال"، ثم محاولة الإستعانة بلغة ثالثة (هى لغة الخلافة العثمانية آنذاك)، وأخيراً الإكتفاء بدال "الخيال" بعد استبعاد دال "اللعب". يتجاوز الطهطاوى فعل التسمية الأول، بإدراكه لظاهرة المسرح فى ذاتها، لا بإجهاض آخريتها من خلال المماثلة بينها وفنون اللعب الشعبية المتاحة فى الثقافة المحلية كما فعل الجبرتى. إن استخدام دال "خيال" ومشتقاته يمثل من جانب الطهطاوى محاولةً لفض الإشتباك بين المسرح كما عرفه و فنون الفرجة المصرية، مُرسياً حدوداً دلإلىة جديدة لحقل المسرح؛ بل إنه يذهب خطوةً أبعد من ذلك عندما يحاول أن يكسر احتكار هذه الفنون - بما تقوم عليه من تسليةٍ وهزل - لدال "اللعب"، ساعياً بذلك إلى بث مدلولات أخرى فيه، وذلك فى سياق وصفه للمسرحيات (الألعاب) التى شهدها فى باريس:

فى الحقيقة أن هذه الألعاب هى جدٌ فى صورة هزل، فإن الإنسان يأخذ منها عبراً عجيبة، وذلك لأنه يرى فيها سائر الأعمال الصالحة والسيئة، ومدح الأولى وذم الثانية، حتى أن الفرنساوية يقولون أنها تؤدب أخلاق الإنسان وتهذبها، فهى وإن كانت مشتملة على المضحكات فكم فيها كثير من المبكيات، ومن المكتوب على الستارة التى ترخى بعد فراغ اللعب باللغة اللاطينية ما معناه باللغة العربية: "قد تنصلح العوائد باللعب" .

إن كان دال "الخيال" يفصل بين اللعب المسرحى وغيره من ألعاب الفرجة الشعبية، فهو ينطوى أيضاً على دلالتين لعل الطهطاوى كان واعياً بهما. الأولى يشى بها المعنى المعجمى للفظة "خيال" التى يعرفها ابن منظور فى لسان العرب بأنها "الصورة" و"الظل" و"الطيف"، فاللعب المسرحى كما وعاه الطهطاوى فى باريس، وكما يوحى به استخدامه للفظة "خيال"، لا يقدم الواقع وإنما صورة للواقع، فاللاعبون كما يصفهم الطهطاوى "يصورون سائر ما يوجد حتى أنهم قد يصورون فَرق البحر لموسى عليه السلام، فيصورون البحر ويجعلونه يتماوج حتى يشبه البحر شبهاً كلياً" . الدلالة الثانية التى حاول الطهطاوى التأكيد عليها هى أن هذه الصورة وإن كانت تقف على مسافةٍ من الواقع، إلا أنها غير مقطوعة الصلة بالواقع؛ فهذه الألعاب وإن كان ظاهرها الهزل، فوظيفتها تتجاوز مجرد "التسلى والملاهى"، كما كان يراها الجبرتى فى فعل تسميته الأول، لتلتحم بالواقع بغية "إصلاح العوائد"، والتياتر وفقاً لهذا الفهم من جانب الطهطاوى يصبح مؤسسةً من مؤسسات المجتمع، فهو "كالمدرسة يتعلم فيها العالم والجاهل" . هذا الوعى بدور المسرح المباشر فى إصلاح المجتمع يصبح واحداً من المكونات الأساسية التى يقوم عليها حقل المسرح فى مصر بعد ذلك، لا سيما بعد أن أقام يعقوب صنوع مسرحه عام 1870. لا يدهشنا بعد ذلك أن نرى مُترجمى المسرح وهم يعدلون فى حبكة المسرحيات التى يترجمونها، فيحذفون ويضيفون، تأكيداً على رؤية مجتمعية معينة، ودرس أخلاقى ما يتوقع الجمهور أن يجده فى العروض التى تقدم له.
تمتد محاولة الطهطاوى لتحرير دال اللعب من أسر فنون الفرجة الشعبية إلى حديثه عن "اللاعبين" و"اللاعبات" (لم تكن دوال "تمثيل" و"ممثل" و"ممثلة" قد وضعت بعد). بعد أن يشرع فى تشبيههم بالعوالم فى مصر لتقريب الصورة لقارئه المصرى، يستدرك سريعاً ليفصل فصلاً واضحاً بين هؤلاء وأولئك، فيقول:

اللاعبون واللاعبات بمدينة باريس أرباب فضلٍ عظيمٍ وفصاحة، وربما كان لهؤلاء الناس كثير من التآليف الأدبية والأشعار، ولو سمعت ما يحفظه اللاعب من الأشعار وما يبدو به من التوريات فى اللعب وما يجاوب به من التنكيت والتبكيت لتعجبت غاية العجب .

لعل مرد العجب الذى يحدسه الطهطاوى استجابةً من قارئه هوالفارق بين لعب "التسلى والملاهى" الذى ألفه المصريون و"اللعب الخيالى" الذى يعتمد فى تأثيره على سحر الكلمة أكثر من براعة الجسد، فاللاعبون كما شهدهم الطهطاوى فى "تياترات" باريس وسيلتهم الأولى فى توصيل فنونهم هى "التآليف الأدبية والأشعار". هنا يبرز الطهطاوى فارقاً آخر جوهرياً بين ألعاب التسلى والملاهى التى اعتاد المصريون رؤيتها فى الشوارع والميادين، والتى خلط الجبرتى بينها ومسرح الحملة الفرنسية الذى كان قد شهده فى ميدان الأزبكية من جانب، وألعاب الخيال التى يقوم عليها التياتر كما عرفه فى باريس من جانب آخر. يبرز الطهطاوى فى فعل التسمية الثانى أهمية النص بوصفه مكوناً أساسياً من مكونات هذا الفن الجديد على المصريين، وبوصفه حداً فاصلاً بين ما عرفوه من فنون الشارع وهذا المنتج الثقافى الجديد. لا ينسى الطهطاوى أيضاً أن يلفت انتباه قارئه إلى المكانة الاجتماعية التى يتمتع بها لاعبو التياترات بالمقارنة مع "ارباب الملاعب" الذين عرفهم المصريون، فلاعبو التياترات "أصحاب فضل"، كما أن لعبهم جاد يثير العقل، فلا يكتفون بدغدغة الغرائز، أو امتاع العين، ذلك "أنهم فى اللعب يقولون مسائل من العلوم الغريبة والمسائل المشكلة، ويتعمقون فى ذلك وقت اللعب، حتى يُظن أنهم من العلماء" .

تستوقفنا بضع ملاحظات على فعل التسمية الثانى لظاهرة المسرح. لا شك أن الطهطاوى بمعاينته لظاهرة المسرح عن قرب قد تجاوز فعل التسمية الأول للجبرتى على نحوٍ نجح فيه فى تمييز المسرح عن غيره من أشكال اللعب الشعبى، بما جعل بالإمكان لاحقاً نشوء حقل ثقافى مستقلٍ للمسرح. أدرك الطهطاوى أن ما عاينه فى باريس مغايرٌ لما درج عليه فى المحروسة، ولعل لجوءه إلى استخدام ألفاظ معرَّبة من قبيل "سبكتاكل" و"تياتر" وغيرها يمثل إقراراً بغرابة الظاهرة التى يعاينها، ومن ثَم عدم جواز إجهاض آخريتها بالمماثلةِ بينها وما هو متاح من أشكال محلية للتسلية. غير أن فعل التسمية الثانى لظاهرة المسرح يشى من ناحية أخرى بوعىٍ ملتبس، لعله قد ترك أثره لاحقاً على مُنتجى المسرح ومستهلكيه فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، ولعلى لا أبالغ فى القول بأن هذا الوعى الملتبس لا زال أثره باقياً حتى الآن. ينطوى رصد الطهطاوى للمسرح على نظرة أخلاقية دينية مرجعها نسق الاستعدادات والتصورات الخاص به؛ فالتياتر كما يراه وظيفته تقديم العبر، وتأديب أخلاق الإنسان وتهذيبها ؛ كذلك فإن المرء عليه أن يحترز عند مشاهدة التياتر فى فرنسا لما يشتمل عليه من "النزعات الشيطانية" ؛ ولعل تلك النظرة مرجعها الرؤية الدينية للعالم عند الطهطاوى، والتى تجعل رصده للآخر مطبوعاً بخطابٍ دينىٍ لا تخطئه عين، ففرنسا يشير إليها فى بداية رحلتهِ بأنها "دار كفرٍ وعناد" ، كما أن المعيار الذى وضعه لنفسه لحكمه على ما سيشاهده قد حدده على نحوٍ واضح كالتالى: "ومن المعلوم إنى لا استحسن إلا مالم يخالف نص الشريعة المحمدية" .

الفارق الأساسى بين فعلى التسمية الأول والثانى هو أنه فى حين رأى الجبرتى فى المسرح تسليةً شعبيةً لا تختلف عن غيرها من أشكال اللعب الترويحى السائدة فى زمنه، رآه الطهطاوى فناً مستقلاً فى شكله ووظيفته عن أشكال الفُرجة الشعبية المعروفة لدى المصريين، بل رآه فناً يكاد يكون نخبوياً، أقرب إلى فنون الأدب القولية منه إلى فنون الحركة الشعبية. ولعل فى وصف الطهطاوى للمعمار الداخلى للمسرح كما شهده فى باريس، وتسميته لمكوناته دليلاً على تغليبه للقول على الفعل، وللغة الكلمة على لغة الجسد:

وصورة هذه "التياترات" أنها بيوت عظيمة، لها قبة عظيمة، وفيها عدة أدوار، كل دور أُوض موضوعة حول القبة من داخله، وفي جانب من البيت مقعد متسع يُطَل عليه من سائر هذه الأرض بحيث أن سائر ما يقع فيه يراه من هو في داخل البيت، وهو مُنوَّر بالنجفات العظيمة، وتحت ذلك المقعد محل للآلاتية، وذلك المقعد يتصل بأروقة فيها سائر آلات اللعب وسائر ما يصنع من الأشياء التي تظهر وسائر النساء والرجال المعدة للعب، ثم أنهم يضعون ذلك المقعد كما تقتضيه اللعبة، فإذا أرادوا تقليد سلطان مثلاً في سائر ما وقع منه وضعوا ذلك المقعد علي شكل سراية، وصوَّروا ذاته، وأنشدوا أشعاره، وهلم جرَّا .

ما يلفت الانتباه هنا ليس فقط تفاصيل الصورة التي يلتقطها الطهطاوي للمعمار المسرحي كما عرفه في باريس، وإنما مجموعة الدوال التي يتوسل بها في تعيينه لهذه العناصر المعمارية وتسميتها، أي ترجمته نص المعمار المسرحي إلى اللغة العربية. يغلب علي هذه الصورة التي يرسمها الطهطاوي لمعمار المسرح طابعاً استاتيكياً واضحاً، فالمسرح بالنسبة له "بيتٌ" من "أدوارٍ" و"أُوضٍ" (يقصد البلكونات) و"محَّل" (يقصد حفرة الموسيقيين)، وهي دوال تحمل جميعاً دلالات "التسكين" و "الثبات". تتأكد هذه الصورة الإستاتيكية للمعمار الداخلي للمسرح من خلال استخدام الطهطاوي لفظة "مقعد" للدلالة علي الخشبة المسرحية، وهذه اللفظة بما تنطوي عليه من دلالات "القعود"و "السكون" تحصر ما يأتيه "اللاعب" (الممثل) من أفعال فوق الخشبة في مجرد الفعل اللغوى المتمثل في إنشاد الشعر والتآليف، فجُل مهارة اللاعب تنحصر فيما يحفظه من الأشعار، وما يبديه من التوريات، وما يتفوه به من نوادر التنكيت و التبكيت.

لمتابعة القسم الثاني من المقال انقر هنا

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

١ مشاركة منتدى