التجربة الروائية

لصبحي فحماوي في ملتقى اربد الثقافي

عقدت في ملتقى إربد الثقافي ندوة حول التجربة الروائية لصبحي فحماوي، وذلك مساء السبت الموافق 31-8-2013- تحدث فيها أ. د. حامد قنيبي أستاذ اللغة والأدب في جامعة الإسراء، والأستاذ صهيب الصمادي، بصفته حاصلاً على درجة الماجستير من جامعة آل البيت في روايات فحماوي، وتحدث صبحي فحماوي حول تجربته الروائية، وأدار الندوة الشاعر عبد الرحيم جداية.. وحضر الندوة لفيف من كبار الأساتذة والنقاد الأردنيين.

وفي إطلالته على هذه التجربة الروائية قال الناقد د. حامد قنيبي من جامعة الإسراء: إنَّ صبحي فحماوي راو حداثي متأثر بشخصيات ألف ليلة وليلة، وكذلك البناء الفني لذلك الكنز الخالد الذي سحر الشرق والغرب إذ يدور في روايته(الأرملة السوداء) حول حكاية واحدة هي لغز الثنائية بين الرجل والمرأة، وكلنا يعرف الحكاية بين شهريار وشهرزاد.. وحكايات ألف ليلة وليلة هي لوحات في قصة الإطار، وهي أسلوب أدبي في أغلب آداب العالم. يبدأ بقصة تتفرع عنها قصص أخرى. أو قصة لمجموعة من الرواة في أوضاع معينة أو لراوٍ واحد تنسب اليهم أو اليه قصص مختلفة. وتحتل روايات (صبحي فحماوي) مكانة عالية في رصيد الرواية العربية المعاصرة. ولا تختلف الرواية عن القصة عند صبحي فحماوي فالرواية عنده تتميز بوفرة المعلومات التي تقدمها للقارئ، فلا يوجد طول تقليدي محدد يحول بينه وبين المعرفة التي يريد تزويد قارئه بها، ومن ثم تتاح له الفرصة للوصف الخارجي والاستبطان الذاتي، وتقديم ما يراه معينا على تعميق الحدث، وتطوير الشخصية، وتصوير المكان، بينما هو دائما يركز على جانب من حياة الشخصية، أو زاوية من زوايا الحدث، ويريد أن يفرغ منه على وجه السرعة في حدود كلمات معدودات، وخاصة في القصة القصيرة.

وقارئ أعمال صبحي يحصل على المتعة الفنية من تكثيف الحدث وتقطير الموقف، وتركيز حركة الشخصية كما يحصل على متعته من معايشة أحداث الرواية الممتدة، وتعاطفه ويعيش مع شخصياتها ويتابعها شيئا فشيئا مع حركتهم الدائبة؛ ولكن الرواية عنده تمثل عصرا وبيئة، وتاريخاً ممتداً.

واللغة عند فحماوي ذات طبيعة خاصة، فهي تتميز بإيجازها ودقتها و كثافتها التعبيرية. فكل كلمة وكل جملة تعتبر لبنة في بنائها الأسلوبي، يجمع بين اللغة الكلاسيكية والمعاصرة والتكوين الثقافي والنفسي الذي يتمتع به، فهي تكوين متميز فيه شيء من الباحث الاجتماعي أو من المؤرخ أو مهندس الحدائق أو من العالم النفسي، أو من هؤلاء جميعا، وتظهر قوة الدراما في كل كتاباته، وهي أظهر ما عنده.

وقال الباحث صهيب الصمادي من جامعة آل البيت حول التجربة الروائية لصبحي فحماوي:- نظراً لأهمية الفن الروائي وقدرته البالغة في التأثير على المتلقي ، إضافة لحاجة الإنسان لتذوق النص الأدبي، فقد قمت بدراسة تجربة صبحي فحماوي الروائية ، والتي تعد من التجارب الروائية المميزة في الأردن من الوجهتين الموضوعية والفنية؛ وذلك للكشف عن أسلوبه الكتابي، والوقوف على أبرز المحاور التي وظفها في رواياته.

وكان اختياري لهذا الموضوع نابع من اطلاعي على إنتاج فحماوي الغزير, وتتبعي لسيرته الذاتية, فغزارة كتاباته وغناه الفكري أوجدا عندي الدافعية إلى الدراسة والتحليل كي أتعرف أسلوبه ولغته وفنيته, وما ينطوي عليه من فكر, فبعد دراسة متأنية لرواياته وهي:(عذبة ,حرمتان ومحرم, الحب في زمن العولمة, الإسكندرية 2050 , قصة عشق كنعانية, الأرملة السوداء، ولم تصدر بعد روايتاه(على باب الهوى) و(سروال بلقيس),وما لاحظته من قوة في التعبير , وجزالة في الألفاظ، وتوثيق للواقع، بلغة سهلة لا تعقيد فيها , وتصوير للكثير من جوانب حياتنا الاجتماعية والإنسانية، تصويرا فريدا من نوعه.

وتناولتُ بالدراسة أهم القضايا الموضوعية التي احتوتها روايات صبحي فحماوي، وهي؛ القضايا الاجتماعية، المتمثلة بالفقر وآثاره على الفرد والمجتمع، والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، والقضايا السياسية، حيث أبرزت الجانب الوطني والقومي في رواياته، والأحداث السياسية الكبرى التي شغلت فكر الأمة منذ مطلع القرن العشرين، وأهم القضايا الإنسانية التي تشغل حيزاً واسعاً من تفكير الإنسان ووجوده، وقد ركّزتُ على قضيتين هما: "الحرية" و"الاغتراب".

وأما عن التقنيات السردية في رواياته، فلقد وظف فحماوي عدة تقنيات ساهمت في إبراز جمالية خاصة لأسلوبه المميز، من خلال ترابطها معاً في ثنايا النص الروائي، ومن هذه التقنيات التي كان لها حضورها في رواياته هي؛ موقع الراوي، والوقفة الوصفية والمشهد الحواري، والنسيج اللغوي، وتوظيف التراث.
ومما توصلت إليه في دراستي التي أبرزت تجربته، أن صبحي فحماوي ليس كاتباً روائياً فحسب، بل مبدعاً، وأديباً، ومفكراً، وكاتباً صحفياً، جمع بين الرواية، وهو صاحب ثمان روايات حتى الآن، ونتمنى أن نحظى منه بالمزيد، وله خمس مجموعات قصص قصيرة، وهو كاتب للقصة القصيرة جداً، -وحسبما قرأت في (الفيس بوك) الخاص بمختبر السرديات في مكتبة الإسكندرية- فإن "مختبر السرديات" في مكتبة الإسكندرية سيُصدر كتاباً خاصاً بعنوان(القصة العربية القصيرة جداً) ولقد تم اختيار صبحي فحماوي ليكون من أهم كتابها..وله سبع مسرحيات، وكان وما يزال يكتب للصحافة, وهو يحتاج إلى دراسة أكثر للتعرف على إبداعه الفكري والأدبي.

وكان للأصول الاجتماعية والتكوين الثقافي دور بارز في أعماله الروائية، مما أسهم في اختيار الموضوعات، وتحديد رؤيته تجاه القضايا المطروحة، وإبراز مدى كونها هاجساً في ذات الكاتب خصوصاً القضية العربية الفلسطينية، إضافة إلى تحديد رؤيته للأدب والوطن والإنسان. ورغم تعدد الموضوعات المطروحة لدى فحماوي، إلا أنه ركز بشكل كبير على القضايا الاجتماعية، فالمجتمع يساهم مساهمة كبيرة في اختيار مواضيع الكاتب التي تمس واقع أبناء المجتمع، وقد حظيت قضية تشريد الشعب العربي الفلسطيني من وطنه ولجوئه القسري إلى دول الجوار أهمية كبرى لدى الكاتب. ولقد جسدت روايات فحماوي رؤى متعددة، كالرؤية الوطنية والقومية، إذ تُبرز الروايات الاهتمام الكبير بالوطن من خلال رسم ملامحه، وما يعانيه جراء الاحتلال، وقد اهتمت بالفرد والجماعة، ووصف المخيم الذي احتل حيزاً كبيراً من أعماله الروائية. وركزت رواياته على قضية الفقر، التي يعاني منها أبناء المخيم، كما عبرت عن واقع اللاجئين الفلسطينيين وما يعانونه من ظروف معيشية صعبة، وبينت الأسباب التي أدت إلى هذه المشكلة، وعزاها الكاتب إلى الاحتلال الصهيوني. وركزت رواياته على تصوير الواقع السياسي الذي تعيشه الأمة العربية، حيث انتقل من الهمِّ الفردي الذي يقلق الإنسان إلى الهمّ الجماعي، فعبرت عن ضمير الشعب العربي، وما عانته الأقطار العربية من حروب وهزائم متوالية. وصورت رواياته قيم الحرية الفردية، وما يعانيه الفرد في مجتمعه في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة، والعادات والتقاليد المتوارثة التي أثرت على الفرد والمرأة والجماعة. وبرزت لديه قضية الاغتراب التي يعانى منها الإنسان العربي وخاصة المثقف، سواء أكان اغتراباً نفسياً أو مكانياً، وبينت الأسباب التي أدت إلى ذلك.

وركز فحماوي على اختيار الشخصيات المناسبة للرواية، فكان اختيار الشخصية يتلاءم مع الواقع الذي تدور حوله أحداث الرواية. واختار الزمان والمكان المناسبين لرواياته، فالزمان في أغلب رواياته يمثل مراحل الصراع العربي الصهيوني، أما المكان فهو فلسطين مكان الصراع، ومخيمات اللجوء. ولقد استخدم تقنيات سردية متنوعة، وطَعّم اللغة الفصحى باللغة العامية المحكية، إضافة إلى استخدام الحوار بنوعيه الداخلي والخارجي. وكان بناء النصوص اللغوي يعمد إلى استخدام الجمل البسيطة والمباشرة، القادرة على حمل أبعاد الشخصية وتوصيلها للملتقى. ولا أنسى أنه وظف التراث الديني والأدبي والشعبي مما زاد نصوصه عمقاً، وولد جسراً من الألفة بين النص والمتلقي، وارتقى في نسيج الرواية، وجعلها أكثر جاذبية وتشويقاً.
وأخيراً تحدث صبحي فحماوي حول تجربته بعنوان(الربيع العربي والرواية) فقال:

قد يعتبر الإدهاش من أهم معطيات الرواية..ولكن هل ترك ما يسمى ب"الربيع العربي" إدهاشاً للرواية، ليتابعه القراء؟ وكما ترون، لقد ترك الناس القصص والروايات والأشعار والكتب، وحتى المسلسلات التلفازية، والأفلام السينمائية، وتربعوا أمام نشرات الأخبار، التي تقدم لهم شداً وتوتراً ودراما مذهلة، وقمة مشاهدِ العنفِ، التي تعجزُ أقسى أفلام الرعب الرأسمالية الغربية المتوحشة أن تقدمها، فدمرت إنسانية الإنسان العربي الذي صار يفكر ببقاء ذاته وأهله وذويه في وطن يتعرض لأقسى أنواع الزلازل والبراكين الغربية، وصرنا نقول مع المؤرخ الجبرتي أيام غزوات نابليون لبلاد العرب: "يا سلام، يا سلام، من هذه الآلام. يا خفيّ الألطاف احمينا مما نخاف." غير فاهمين لماذا يتواصل التدمير الغربي على بلادنا العربية وحدها دون سائر بلاد البشر، إذ "لا يأتي من الغرب ما يسر القلب".

ماذا نفعل نحن الكتاب أمام هذا الإدهاش الإخباري، الذي جعل إدهاش الرواية متخلفاً أمام جمهور قراء صاروا يتابعون الفيس بوك والتويتر؟ هل نتوقف عن الكتابة، خاصة في عصر يستبعد الثقافة والفن، ولا يفهم غير لغة الدولار، بينما تصلبت شرايين المجلات الثقافية العربية، وانكمشت الصفحات الثقافية في الصحف، وللحفاظ على بقائها، صارت لا تدفع أجور الكُتاب، الذين لم يعد معهم ثمن أحبار أقلامهم.. لقد انقلبت الحياة "في زمن العولمة" الذي كنت قد رسمتُ حالَهُ بالكلمات في روايتي "الحب في زمن العولمة" والذي نقلت فيه على الصفحة الأولى مقولات:

(العالم الديمقراطي تحكمه منظمات غير ديمقراطية. لقد أصبح الغرب في مؤخرة الحضارة، لذا علينا أن نعوي ضد الحكومات. (الروائي البرتغالي- جوزيه ساراماجو)

الآن وقت جمع الأموال، وليس وقت توزيعها. كنت أتمنى أن أكون رئيساً أو بابا، وأما الآن فأتمنى أن أكون سوق مال، كي أهدد من أشاء! (جيمس كارفيل) مستشار رئيس الولايات المتحدة الأسبق بل كلنتون.. ما بالك وقد أصبح الرئيس الحاكم، هو نفسه سوق مال، يهدد من يشاء؟
العالم يئن ، والحكومات مفلسة، والأموال في قبضة بضعة صبية..إننا على وشك ثورة فرنسية جديدة، ينقل فيها الأثرياء بعربات، تجرها الثيران، إلى ميدان المدينة، لتقطع رؤوسهم!
عملاق الإعلام الملياردير تد تيرنر مدير CNN كتاب (فخ العولمة)..

لقد بدأت بكتابة روايتي "الحب في زمن العولمة" عام 2000، أي قبل أكثرَ من عشر سنوات من هذه النتائج التي أوصلنا إليها "الربيع العربي الدامي" ومن يقرأ هذه الرواية المضحكة المبكية، يجد أن الروائي العربي الأردني ساهم مساهمة كبيرة في التنوير الثقافي قبل حدوث المصيبة، ولكن مشكلة الروائي العربي في الذين يقولون "إنه لا يكتب أشياء تستحق القراءة"، إذ يرى على العكس من ذلك أنه غير مقروء. فكم نسخة تبيع الرواية، وكم نسخة تضيع من الرواية، وكم يتم تجاهل مثل هذه الرواية إعلامياً وجماهيريا؟ يقولون إن الروائي العربي يعيش في زاويته، بعيداً عن آمال أُمته وآلامها، – ولا يقولون "في برج عاجي"، ذلك لأن معظم الكتاب لا يعيشون في أبراج عاجية، ولكنهم يُحشرون مهمشين على الرصيف، حيث لا تمويل يسعف حيواتهم، ولا قناة فضائية تحاورهم وتنقل أفكارهم، ولا جهة حكومية تساعد في نشر كتاباتهم الجادة..

وللمفارقة، فإن إحدى القنوات الفضائية الخاصة استضافتني في برنامج خُصِّص لمدة ساعتين، مقابل جمهور المشاهدين، وذلك للحديث مبتهجاً حول روايتي "الحب في زمن العولمة" وما أذهلني أن المذيع بدأ يسأل المتصلات قائلاً: ما رأيك في الحب؟ وهل يجوز الحب المزدوج، أو الحب الثلاثي؟ وهل يجوز للمتزوجة أن تحب رجلاً غير زوجها؟ أي والله! أسئلة مذهلة، ليست لها أية علاقة بمضمون روايتي الجادة، جعلتني أخلع الأسلاك التي كادت تخنقني، وأقوم من صالة البث. ولا أريد أن أذكر كيف خرجت.

هكذا يقابَل الروائي في قنوات العولمة..تجاهل، سخرية. بحث عن الإعلانات، وخلق ربح للقناة بأي شكل. وكثيراً ما يقولون لك: "إن الكتابة لا تطعم خبزاً." ولقد سألني سائق سيارة أجرة: "ماذا تعمل؟" فقلت له: "كاتب". فقال: "كاتب؟ في أي محكمة؟" الروائيون والكُتّاب يتم تقديرهم في الدول المتحضرة وتمويلهم للاستفادة من أفكارهم، والتفاخر بفنونهم وإبداعاتهم أمام العالَم، إذ قال الروائي (بابلو كويلو) أثناء زيارته لمصر قبل عدة سنوات إنه يريد أن يَعرف الناس أن في البرازيل فنوناً أخرى غير كرة القدم.. بينما هم في بلادنا العربية لا يجدون غير قهوة (أبو العبد) المتربعة على الرصيف..هكذا يعيش مظفر النواب، وأحمد فؤاد نجم، وهكذا قضى محمد الماغوط، وأحمد حميدة، وغيرهم..

ومتابعة لما يجري في وطننا العربي، فلقد كتبتُ على صدر روايتي(الإسكندرية 2050) ما يلي:** "إن انهيار عالم عتيق، وشيك بالفعل. إن شيئاً سيحدث على نطاق واسع. العالم يريد أن يجدد نفسه." (هرمان هيسّة- دميان)

تلك الرواية التي كتبتها عام 2007، أي قبل ثورة 25 يناير المصرية بعدة سنوات، وفيها :
"لقد امتصت البطالة عمال التراحيل، ونقلتهم إلى مناطق بعيدة، ثم حرقتهم (بكاز) تبحث عنهم، تطارد وراءهم وهم يركضون باتجاه ملاحات البحيرة المجففة، عاضِّين على أثوابهم فتظهر عوراتهم ذابلة للعيان. تلحق بهم فيدلونك على الخراب. مدينة أخرى في صحاري إفريقيا بعيدة عن شواطىء البحر. عالم آخر من بيوت صفيحية صدئة متراكمة فوق بعضها بعضاً وبيوت طينية تفصل بينها طرقات هي ليست طرقات بل قنوات تمر فيها المجاري المتعفنة ويمر فيها الحفاة وهم عجاف محنيو الظهور. تنسى نفسك وسط الزحام وتعتقد أنك في الطرقات والحواري والأزقة الضيقة لمخيمي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين اللذين داهمتهما "تسونامي لبنان" في بيوت صفيح صومالي عزيز لا لست في ضواحي مقديشيو الخاوية على عروشها إلا من الذباب تنظر وتحدق في الأشياء غير الواضحة المعالم أمامك في دارفور تجمعات العرب في الصحراء الغربية وإعلان بعض المناطق منكوبة في موريتانيا حيث تجد في الصحراء المغربية مخيمات دير البلح والمغازي التي سموها بهذا الاسم لكثرة ما طحن الغزاةُ الغرباءُ العابرونَ أطفالها وخلطوا لحومهم مع الاسمنت المسلح فبقيت "رؤوسهم مرفوعة" بين حطام الإسمنت وقضبان الحديد وحي الشجاعية وجباليا في الجنوب والضاحية الجنوبية في الشمال وتل الزعتر ونهر البارد الذي صار ساخناً بسبب الثلوج المتساقطة عليه في عز الصيف وعين الحلوة التي فقأوا أختها وحي الأعظمية الذي صار عظْماً "قَسَماً عَظَماً" بلا لحم وتُحفةً من متاحفها البالية البابلية الآشورية بطن التاريخ العربي المبقور حيث يوسعون سجن أبو غريب ليشمل الوطن العربي كله فيوحدوه مع غوانتنامو لتغطي خيوط العنكبوت السامة الكرة الأرضية كلها قد تكون صوملة شامية مخيفة ولكن من نوع عراقي المباني منهارة والطرقات ساخنة والبيوت ساخنة والقلوب ساخنة تذوب وتنقط أرواحَها رويداً رويداً والغبار والحرائق والدخان يغلفان الجو والأسوار العالية بين الجيران ضيقة لدرجة لا يستطيع المرور فيها إلا كل من ذاب شحمه وهزل لحمه وبقي على الجلد والعظم ونساء يجلسن على الأرض هنا وهناك متقابلات تتدلى أثداءهن العارية المجففة مثل أكياس اللبن المعصورة من محتوياتها فيغسلنها بمياة المجاري المعالجة بالكيماوي والتي دفعوا بها إليهم مدّعين بأنها صالحة للشرب والغسيل وأطفال يلعبون في المجاري ويقذفون بعضهم بعضاً بمحتوياتها وقد اختفت صناديق نحل الفلاحين التي كانت تنتج عسل البحيرة وحلت محلها طرود الذباب الذي يهيج بغزارة ويترمم على جيفٍ متحلله داخل أكوام قمامة لا تعرف فيما إذا كانت لأناس أم لحيوانات انتهت صلاحيتها مبكراً فانطفأت على قارعة الطريق ويختفي الرجال والنساء من الأزقة ويدخلون بيوتهم المخنوقة كي يداروا سوءات زمنهم فيأكلون لحم بطونهم وهم يتلاشون كلطع البقر المحترق ذلك لأن فرص العمل قد ضاعت منهم واختفت أراضيهم ومزارعهم بقدرة قادر فجرفوهم إلى مناطق بعيدة عن أعين السياح والمستثمرين الأجانب وأصحاب الشركات "الاستيراتيجية" خوف أن يفضحونا ويخزونا ويقولون إن منطقة الإسكندرية غير مؤهلة للاستثمار فيقذفونهم إلى خارج المدينة الجميلة حيث لا حاجة لهم بهم بعد أن حلت محلهم في مناطق العمار "الواعدة" الرحبة تلك الرافعات والجسور والقضبان المعدنية المعقدة التي لا تتفاهم مع أحد ولا تأتمر إلا بالكمبيوتر الذي يبلغها عن الديكورات والتصاميم والتشطيبات الداخلية والخارجية والحدائق الجميلة والطرقات الرحبة حول المباني ومواقف السيارات المخفية فوق أسطح العمارات وكل ما له علاقة بالمعمار الحديث تجد هذا العفريت الآلي يحشر قلمه فيه وينفذه حسب المواصفات النموذجية!"

بعد كل هذا النص المتشظي أتساءل: هل كانت للروائي العربي بصماتٌ فنيةٌ وفكريةٌ مسبقة، توضح خطورة الوضع العربي، وتحذر من الوقوع فيه..وأنا لا أكتب ضد الحكومات العربية فأساعد على إقصائها، بل أكتب لها، لأساعدها على البقاء، وذلك إذا انتبهت لخطورة الموقف، وتداركت أخطاءها، فلا تقع، ولا توقِعنا في مزالق "الربيع الدامي" الذي نراه حالياً، والأيام القادمة أحلك-لا سمح الله!