قصة الموسيقى الغربية فيردي وأوبرا عايدة

، بقلم محمد زكريا توفيق

بعد عصر روسيني، مرت الأوبرا الإيطالية بمرحلة سكون وترقب، إلى أن جاء العظيم "فيردي". لكي يبعثها من جديد ويلبسها ثوبا دراماتيكيا جديدا. ويحتل بذلك مكانا مرموقا في عالم الموسيقى الكلاسيكية.

بدأ "فيردي"، مثل الكثير غيره من الملحنين العظام، كطفل ريفي بسيط. يملك أبويه متجرا وحانة، في قرية "رونكالي" الفقيرة. هنا ولد "جوزيبي فيردي" عام 1813م.

يذكر فيردي، عندما كان طفلا صغيرا يلعب في شوارع القرية، أنه كان لا يستطيع مقاومة تتبع عازف الأورغن المتجول. يذهب من بيت لبيت، طالبا من القلوب الرحيمة، حسنة قليلة تمنع بلاوي كثير، أو رغيفا من الخبز، نظير فنه وألحانه.

يذكر أيضا، عازف الكمان بملابسه الرثة وشعره المنكوش، الذي يقف أمام باب الحانة يعزف وينشد الأناشيد كل يوم. هذا المنكوش، هو أول من تنبأ بمستقبل موسيقي باهر للصبي "جوزيبي"، عندما لاحظ اهتمامه بالموسيقى وحرصه على سماع الألحان.

"فيردي" الأب، ريفي مكافح غير متعلم، لكنه يحب الموسيقى. بالرغم من فقره وضيق ذات اليد، اشترى لولده بيانو أو أورغن صغير. بدأ الصبي في أخذ دروس موسيقية علي البيانو الصغير. "جوزيبي" في ذلك الوقت كان عمره سبع سنوات.

يومان كل أسبوع، يحمل فيهما "فيردي" الأب سلتين، يسير بهما إلى المدينة المجاورة "بوسيتو". يذهب إلى محل تجارة الجملة، لكي يشتري ما يحتاجه من سكر وبن وتبغ ولوازم التدخين وأشياء أخرى، يبيعها في متجره للزبائن. ثم يعود بالسلتين الممتلئتين إلى قريته. في أحيان كثيرة كان جوزيبي يرافق والده في هذه الرحلة المضنية.

"باريزي"، رئيس الجمعية الفيلهارمونية وعائلته، كانوا شغوفين بالموسيقى. جعلوا منزلهم في "بوسيتو"، مركزا للأنشطة الموسيقية المختلفة. هذا المنزل يعتبر الأفخم في المدينة.

في أي ساعة من النهار أو الليل، تسمع الأنغام تنساب من النوافذ والأبواب. عندما كان الطفل فيردي يمر من أمام المنزل، كان يقف لكي يستمع لما تيسر من الموسيقى.

في أحد الليالي، وقف الصبي يستمع باهتمام بالغ لسوناتا "ضوء القمر" ل"بيتهوفن"، وهي تنساب من النافذة. "سيجنور باريزي"، صاحب المنزل الكبير، والذي كان يراقب الصبي منذ مدة، خرج من الباب وسأله: "لماذا تأتي باستمرار إلى هنا، وتقف مدة طويلة وأنت لا تفعل شيئا؟"

أجاب الصبي، وكان عمره في ذلك الوقت عشر سنوات: "أنا أعزف على البيانو أيضا. وأحب أن أستمع للموسيقى الراقية التي تعزف في هذا المنزل."

هنا أمسك "باريزي" بيد "فيردي" وقاده إلى داخل المنزل. ثم قدمه إلى ابنته الصغيرة، التي كانت تعزف "ضوء القمر" على آلة البيانو. من هنا بدأت علاقة "فيري" بالموسيقى والحب.

أرسل باريزي، فيردي إلى مدرسة في "بوسيتو" لمدة سنتين. كانت المصاريف السنوية لا تتعدى 25 دولارا. بعد ذلك، قام باريزي بتوظيفه عنده ككاتب. ثم أبدى استعداده لمساعدته على تنمية حبه وشغفه بالموسيقى.

عازف الأورغن بالكاثيدرائية، بدأ يعطي فيردي دروسا بدون أجر. كان فردي يتقدم باستمرار في دروسه. ظل يعمل ويدرس إلى أن بلغ سن السابعة عشر.

عندما شعر بأنه قد تعلم ما فيه الكفاية، كان عليه ترك "بوسيتو" والذهاب إلى مدينة ميلانو. التي كانت في ذلك الوقت، أكبر مركز موسيقي في إيطاليا. لكنه كان خاوي الوفاض، لا يملك شروي نقير. جاءت المساعدة كالعادة من "باريزي"، ومنحة متواضعة من مجلس المدينة.

عندما وصل فيردي إلى ميلانو، أخذ معه مؤلفاته. قدمها إلى معهد الكونسيرفاتوار. طلبوا منه العزف على آلتي البيانو والأورغن. لكن الممتحنين لم يعجبهم شكل أو هيئة فيردي. كما أن سنه (17 سنة)، كان قد تعدى شرط السن بثلاث سنوات. لذلك، أعطيت المنحة الدراسية إلى تلميذ آخر.

أصيب فيردي بخيبة أمل، لكنه لم ييأس. بحث عن مدرس، واستمر معه لمدة سنتين. تعلم أثناءها مبادئ الهارمونية، الطباق (مزج الألحان)، والتأليف الموسيقي. كان يعيش على فرنك واحد في اليوم.

بعد ذلك، دعي فيردي إلى "بوسيتو"، لكي يشغل وظيفة قائد الجمعية الفيلهارمونية هناك. لذلك، كان عليه القيام بتأليف المارشات للفرقة العسكرية الخاصة بالمدينة.

في عام 1836م، تزوج من "مارجريتا"، ابنة رجل البر والإحسان وصاحب الفضل، "باريزي". باريزي نفسه، لم يعترض على اقتران ابنته من فيردي صاحب الموهبة الموسيقية، بالرغم من فقره الذي لا يخفى على أحد.

جاء حشد كبير لحفل الزفاف، بسبب شهرة العائلة وأفضالها على المدينة. وجاء أيضا عازف الكمان، أبو شعر منكوش، الذي كان يقف أمام الحانة يعزف للزبائن، والذي تنبأ لفيردي بمستقبل باهر في عالم الموسيقى.

بعد فترة، قرر فيردي خوض غمار عالم الأوبرا. انتقل إلى ميلانو مع عائلته الصغيرة، المكونة من زوجته وطفلين صغيرين. باكورة أعماله، قوبلت بنجاح معقول. جعل المتعهد يطلب ثلاث أعمال أخرى.

لكن التأليف الموسيقي، عمل يحتاج إلى وقت كاف، لم يكن عمله يسمح به. لذلك كان عليه أن يترك عمله، بالرغم من حالته المالية الصعبة. فقد كان يجد صعوبة كبيرة في سداد القيمة الإيجارية لبيته المتواضع.

ليس هذا فقط، ولكن المصائب بدأت تنهال عليه كالسيل. في عام 1840م، توفيا طفلاه في غضون أيام قليلة. بعد شهر أو شهرين، توفت زوجته الحبيبة ولحقت بطفليها.

كيف يتسنى لإنسان، تحمل مثل هذه الكوارث المتلاحقة؟ كيف يستطيع المسكين فيردي، وهو في حالة الحزن هذه، أن يقوم بتلحين أوبرا فكاهية؟ لكنه يعلم أن لا مفر من الوفاء بالتزاماته. فأخذ في كتابة الأوبرا.

فشلت الأوبرا، عند عرضها، فشلا ذريعا. قابلها الجمهور بالصراخ والهمس واللمز. مما جعله يعتقد أنه لن يستطيع كتابة لحن موسيقي آخر. بعد ذلك بسنة ونصف، كان يعيش في غرفة صغيرة في ضواحي ميلانو الفقيرة. في حالة من الضنك يرثى لها.

في هذه الأثناء، قابله المتعهد الذي يقوم بإنتاج الأوبرات . أخرج من جيبه نص غنائي (ليبرتو) لأوبرا بعنوان "نابوكو"، ورجاه أن يقوم بتلحينها.

عندما عاد فيردي إلى منزله، قام بقراءة القصة. وجدها قصة تاريخية عن "نبوخذ نصر"، أحد ملوك الدولة البابلية الحديثة، ابن الإله مردوخ، وصاحب الحدائق المعلقة. وهو الذي قضى على مملكة يهوذا وسبى سكانها وهدم هيكل سليمان بها عام587 ق م.

بعد قراءة النص الغنائي للأوبرا، ألقاها فيردي على كومة أوراق قديمة. بعد ذلك بعدة شهور، وجدها بالصدفة. فأعاد قراءتها وهو يدندن ببعض الألحان، أعادت له شغفه وحبه للموسيقى. في خلال ثلاثة شهور، تم تلحينها بالكامل.

الأوبرا مليئة بالألحان العذبة الميلودي. كان عمال المسرح يستمتعون بأنغامها أثناء عمل البروفات. كانوا يتوقفون عن العمل، ويجلسون علي السلالم أو السقالات، يستمعون. في نهاية البروفة، كانوا يضجون بالهتاف والتصفيق والدق بآلاتهم على الخشب، صائحين: "برافو برافو، عاش الماسترو".

انشرح فؤاد فيردي لأول مرة بعد حزن عميق. يعترف بأنه يُرجع الفضل لهؤلاء النجارين والعمال البسطاء، الذين أمدوه بالثقة، وبشروه بنجاح مرتقب.

بينما كانت أوبرا "نابوكو" تنال التصفيق الحاد عند عرضها كل مرة، بدأ فيردي يُعرف، وأصبح يشغل فكر المنتجين. روسيني في ذلك الوقت، كان قد توقف عن تلحين الأوبرات، اكتفى بما قدمه من أعمال.

بيليني لم يعش طويلا بسبب عدوى في الأمعاء، ومات في ريعان شبابه. المسكين "دونيزيتي" كان يصارع الجنون ويهيم على وجهه في الشوارع يصرخ ويقول "لقد مات المسكين دونيزيتي".

ظل فيردي لفترة، يلحن أوبرا جديدة كل عام. الأوبرات ال 16 الأوائل، كلها، فيما عدا أوبرا واحدة هي "إيرناني"، تمثل المدرسة الروسينية، التي تعتمد على أصوات المغنيين والألحان البراقة، لا على العمل الدرامي.

في عام 1850م، تزوج فيردي للمرة الثانية من "مدام ستريبوني"، التي كانت تُغنّي أوبراته. عاشا سويا سعداء. كانت زوجته تساعده في التلحين. بعد الزواج، لحن فيردي ثلاث أوبرات: "ريجوليتو"، "إل تروفاتور"، "لا ترافياتا".

لحن من أوبرا "ريجوليتو" بأداء يقترب من حد الإعجاز ل"جوان ساذرلاند". لن تجد مثل هذه الأصوات كثيرا في عالم الغناء.

الأوبرات الثلاث هي الأخرى مليئات بالألحان العذبة والميلودي، لكن في نفس الوقت، تمتاز ببناء درامي قوي. من ثم، تختلف عن المدرسة الروسينية.

"ريجوليتو"، هي أوبرا من ثلاث فصول. بني النص الغنائي على أساس مسرحية بعنوان "الملك يمرح"، للأديب الفرنسي "فيكتور هيجو"، مؤلف رواية البؤساء.

لأن المسرحية منعت بأمر الرقيب في فرنسا، لسخريتها من ملك فرنسا في ذلك الوقت (فرانسيس الأول)، كان فيردي حريصا على أداء بروفات ريجوليتو في سرية تامة، خوفا من الرقابة. لأن شمال إيطاليا، كان لا يزال تحت السيطرة الفرنسية.

أوبرا ريجوليتو تمتاز بتسلسل الأحداث. الموسيقى في الفصل الأخير قوية متدفقة. الألحان ساحرة خلابة. العمل يعتبر نقطة فاصلة في تاريخ موسيقى فيردي، تقسم أعماله إلى ما قبل ريجوليتو، وما بعدها.

أوبرا "ال تروفاتور" جاءت بعد ريجوليتو بسنتين. تصور حكاية إسبانية من القرن الخامس عشر. امرأة من الغجر يتهمها أحد النبلاء بممارسة السحر والشعوذة، بسبب موت طفله الذي كان في رعايتها، فيحكم عليها بالموت حرقا.

لكي تنتقم ابنتها من النبيل الذي تسبب في وفاة أمها، قامت باختطاف أحد أطفاله، وقامت بتربيته. عندما بلغ سن الشباب، تنافس مع أخيه النبيل، وهو لا يدري أنه أخوه، على حب فتاة. عندما يقتل الأخ أخاه، تبوح الابنة بالسر، وتموت بتجرع السم.

القصة تراجيديا معقدة ومتفرعة، لكن الموسيقى رائعة. قوبلت في روما، حينما عرضت لأول مرة، بحفاوة بالغة.

ثم ظهرت بعد ذلك أوبرا "لا ترافياتا". ألحانها وأغانيها أكثر عذوبة من الألحان التي في أوبرا "ال تروفاتور". جزء من الفصل الأخير، به أجمل ألحان فيردي الأوبرالية على الإطلاق.

قصص الأوبرات الثلاث السابقة، هي قصص تراجيديا وغيرة ومؤامرات وظلم وعنف ودماء، إلخ. تدل على أن الألحان الجميلة، ليست بالضرورة مقصورة على القصص السعيدة.

نجاح أعمال فيردي هذه، ساعدته على جمع ثروة طائلة، جعلته يعيش باقي عمره، في بحبوحة من العيش، تتناقض مع حياته السابقة.

بعد ذلك، لحن بعض الأوبرات والأعمال الناجحة، تلاها فترة صمت أوبرالي. كان فيردي فيها يستجمع قواه لكي يفاجئ العالم مرة ثانية.

في هذه الأثناء، كانت إيطاليا تمر بثورة استقلال عنيفة. كان فيردي يناصر الثوار ويتبرع بأمواله للثورة. كانت ألحانه أيضا، يرددها في طول البلاد وعرضها، جماعة ذوي القمصان الحمراء، أتباع بطل الوحدة والاستقلال الإيطالي "غاريبالدي".

بعد الاستقلال والوحد الإيطالية، أصبح "فيكتور عمانويل" ملك إيطاليا الحرة. شجع فيردي على الانخراط في السياسة. أنتخب مرة أو مرتين عضوا بالبرلمان. لكنه استقال، بحجة أن الموسيقى لا تترك له وقتا لممارسة السياسة.

انتهت فترة صمت فيري الأوبرالية في عام 1871م، عندما ظهرت أوبرا "عايدة".

بمناسبة افتتاح قناة السويس، أمر الخديوي اسماعيل ببناء دار أوبرا بالقاهرة فاخرة على النمط الأوروبي، دار الأوبرا الخديوية. قام المهندسان "بيترو أفوسكاني" و "روتسي" بتصميم المبنى على نمط دار أوبرا "لاسكالا" بميلانو، لكي يسع 850 مقعدا.

هي أول دار أوبرا في أفريقيا والشرق الأوسط. كانت تحفة فنية، قام الرسامون والمصورون بتجميلها برسوم وصور لكبار الفنانين والموسيقيين والشعراء. فضلا عن كونها تراث تاريخي لا يقدر بثمن.

افتتحت عام 1869م، وتم حرقها بالكامل عام 1971م. بني مكانها جراج متعدد الطوابق قبيح المنظر. دار الأوبرا الجديدة في أرض الجزيرة، بنيت بمنحة من الحكومة اليابانية عام 1988م.

نص الأوبرا الغنائي (ليبرتو)، كتبه "مارييت" باشا عام 1870م، عالم المصريات، ومدير ومؤسس المتحف المصري في القاهرة، الموجود الآن بميدان التحرير. بناء على بردية اكتشفها عالم الآثار الفرنسي "أوجست ماريتا" في وادي النيل.

بعد ترجمة النص الغنائي إلى اللغة الإيطالية، سلمت إلى فيردي لكي يقوم بتلحينها مقابل 150 ألف فرنك ذهب. الملابس والديكورات بكلفة 250 ألف فرنك أخرى.

بسبب تأخر وصول الملابس والديكورات من باريس، لدواعي الحرب الفرنسية-البروسية، لم يكن في إمكان فرقة الأوبرا العالمية، التي حضرت خصيصا لهذا الغرض، من عرض أوبرا عايدة يوم افتتاح القناة. فقامت بعرض أوبرا "ريجوليتو" لفيري عوضا عنها.

في عام 1871م، تم عرض أوبرا عايدة على مسرح الأوبرا الخديوية بالقاهرة. لم يتمكن فيردي من حضور العرض، لأنه كان يخشى ركوب البحر. ثم عرضت في أوروبا أول مرة على مسرح "لاسكالا" في إيطاليا عام 1872م.

تدور أحداث القصة أيام الفراعنة العظام في العاصمة منف، أثناء الثورة الإثيوبية. عندما كانت تنتشر ديانة إيزيس وأوزوريس. راداميس القائد المختار من الآلهة، ذهب بجيشه لإخماد الثورة، وعاد منتصرا.

أثاء هذه الأحداث، وقع في غرام "عايدة" الأميرة الإثيوبية. هي الآن أسيرة، صارت وصيفة لأميرة مصرية متعالية. ولسوء الحظ، الأميرة المصرية هي الأخرى تحب القائد الشاب راداميس.

بدلا من الزواج من الأميرة المصرية، حاول راداميس الهرب مع حبيبته عايدة. تنكشف الخطة، ويحكم عليه بالإعدام عندما تثبت خيانته لوطنه، ويموت في النهاية هو وحبيبته عايدة.

الأوبرا رائعة، بها مناظر خلابة تبهر الأنظار. تأخذنا إلى عالم الفراعنة، حيث السماء الصافية، والشمس الساطعة، والمعابد والأهرامات وطريق الكباش، وشاطئي النيل المقدس، وقاعة العدالة الرسمية.

يظهر جلالة الفرعون نفسه بملابسه البراقة الملونة والمطعمة بالجواهر، وكذلك كبير الكهنة وصفوف الكهان بملابسهم البيضاء، محلقون رؤوسهم، وفرق الجيش ومواكب النصر. نسمع الموسيقى المقدسة، ونشاهد الصبايا يعزفن الألحان على القيثارات والطبول، بينما الجواري يقمن بالرقص ونثر الزهور.

وضعت الموسيقى لهذا المشهد الرومانسي العظيم، حلم الحب والمجد، مع صبغة شرقية. مزجت فيها الموسيقى القديمة بالحديثة. التراتيل وأنغام القيثارات ودقات الطبول وصليل الشخاليل، وصيحات الحرب والترانيم للإلهة إيزيس، وأغاني الحب والمجد والانتقام والرثاء واليأس. كل ذلك موجود في ألحان العمل الجبار، أوبرا عايدة.

ألحان من موسيقى عايدة لفيردي، مع مناظر للنيل والأثار وبعض المشاهد من أفلام سينمائية، تبين عظمة مصر وتاريخها القديم.

إلى عشاق الموسيقى الراقية في أسمى درجاتها، أهدي هذا التسجيل النادر لأوبرا عايدة. هنا "أرتورو تسكانيني" يتجلى في قيادة الأركسترا، العزف إعجاز والغناء أصوات ملائكية لا تتكرر كثيرا.

الأوبرا في 4 فصول، التسجيل قديم من عام 1949م، لكن الصوت جيد. الغناء أكثر من رائع ل"هيرفا نيللي" و"ريتشارد توكر". كل ما تحتاجه، هو ترك الهموم، وليلة هادئة مع فنجان قهوة.

أخيرا وصلت الملابس والديكورات. الأماكن كانت تحجز لشهور مقدما. شاهد العرض الأول، الحكام والأمراء والنبلاء وعلية القوم وكبار الأعيان، من كل أنحاء البلاد.

المشاهد الرائعة والألحان والأغاني العذبة الميلودي، أظهرت للمصريين عظمة جدودهم القدماء وجلال حضارتهم القديمة. الخديوي إسماعيل، كان مبتهجا بالعرض فخورا به. منح فيردي إلى جانب أجره، لقبا وأهداه صولجانا من العاج مرصعا بفصوص الياقوت، التي تكتب كلمة "عايدة"، بينما اسمه "فيردي"، يظهر مرصعا بالأحجار الكريمة وسط إكليل الغار.

بعد موت روسيني، أراد الموسيقيون تكريم ذكراه. طُلب من 13 منهم الاشتراك في تأليف لحن قداس جماعي، يقوم كل منهم بتأليف جزء. على أن يعزف القداس في ذكرى روسيني مرة كل مئة عام. جاءت كل الألحان في غير المستوى المطلوب، فصرف النظر عن هذه الفكرة.

لكن الجزء الخاص بفيردي، هو الوحيد الذي نال الإعجاب. بعد موت الموسيقار "مازيني"، طلب من فيردي كتابة لحن جنائزي لهذه المناسبة.

عزف فيردي جزء القداس الذي ألفه سابقا لإحياء ذكري روسيني. وقد جاء رائعا مثل قداس روسيني نفسه، "ستابات ماتر"، مليئ بالعذوبة والجلال.

مرة ثانية، يمر فيردي بفترة صمت أوبرالي. ولا نسمع عن تلحينه لعمل جديد إلى أن يصل إلى سن 74 سنة، ويفاجئنا بأوبرا "عطيل". هي أوبرا تراجيدية مبنية على أحداث مسرحية شيكسبير بنفس الاسم. روسيني له أيضا أوبرا بعنوان "عطيل"، لكن عمل فيردي ألصق إلى الأصل من عمل روسيني.

"ديدمونة" و"إياجو" يأتيا إلى الصدارة من البداية إلى النهاية. لا ندري على أي لحن نركز، لحن الحب، أم لحن الكورس، أم أنغام المهرجانات، أم أغنية ديدمونة وهي تبتهل، بمصاحبة أنغام الهورن والباسون، التي بلغت شهرتها الآفاق.

اكتظت دار أوبرا "لا سكالا" بمدينة ميلانو بالجمهور. اسم فيردي تردد أكثر من 20 مرة أثناء العرض. في الختام، اندفع الجمهور إلى عربة فيردي. حملوه في الشوارع إلى الفندق وهم يهتفون "عاش فيردي".

فيردي الآن في الثمانين من العمر. قضى عمره يلحن الأوبرات التراجيدية. فماذا يستطيع أن يفاجئنا به غير الأوبرات الكوميدية؟ من ثم، جاءت أوبرا "فالستاف".

أوبرا "فالستاف" مليئة بالألحان المرحة البراقة. جعلت الجمهور يغرق في الضحك والسعادة. مرة أخرى عاد فيردي إلى بيته محمولا على الأعناق. لم يستطع الملك "هوبيرت" حضور العرض الأول، فأرسل رسالة تهنئة إلى فيردي بهذه المناسبة، مليئة بالحب والتقدير.

عندما عرضت في باريس، قوبل فيردي بحفاوة بالغة. كان يقول: "هذه آخر أعمالي. لحنتها لمتعتي الشخصية. لكن "بويتو" مؤلف النص الغنائي، أخرجها للجمهور".

أوبرات فيردي الثلاث: "عايدة"، "عطيل"، "فالستاف"، تمثل نقلة كبيرة من الناحية الفنة بالنسبة لفيردي. أثرى فيها، مثل فاجنر، دور الكورس، وجعل العمل الأركسترالي غني بالهارمونية. في الواقع، هذه الأوبرات الثلاث، تمثل عبقرية دراماتيكية لا مثيل لها في التلحين الأوبرالي.

لم يكن فيردي بوهيمي مثل روسيني. كان يسكن في ميلانو وجنوة، لكن يقضي معظم وقته في بيته الريفي في ضواحي "بوسيتو"، حيث يتلقى الإلهام غالبا، أو في بعض الأحيان من موسيقى الكون، أو صدى ألحان الفلاحين.

رجل منظم، يستيقظ باكرا. يعتني بحديقته وزهوره، ويستمتع برياضة المشي في المساء. الألقاب والنياشين تمنح له بغير حساب. لا من إيطاليا وحدها، ولكن أيضا من فرنسا والنمسا، وأيضا من خديوي مصر الذي أراد أن تكون مصر قطعة من أوروبا. في شكل أشرطة ونجوم تكفي لتغطية صدره بالكامل.

رفض لقب "ماركيز بوسيتو" من الملك "هومبيرت"، وفضل أن يبقى فيردي. كان يتبرع بمئات آلاف الدولارات للفقراء. تبرع لبناء مستشفي في "فيلينوفا"، افتتح عام 1888م. وأقام بالقرب من ميلانو، دارا للمسنين والمحتاجين من الموسيقيين.

في عام 1901م، توفي فيردي ودفن في ميلانو.

لقصة الموسيقى الغربية بقية، فإلى اللقاء إن شاء الله