الأدب الجزائري وملحمة الثورة

تصدير لكتاب بلقاسم بن عبد الله أبو القاسم سعد الله

صدرت هذه الأيام طبعة أنيقة منقحة مع إضافات جديدة من كتاب الكاتب الصحفي المعـروف بلقـاسم بن عبد الله بعنوان: الأدب الجزائري وملحمة الثورة. عن منشورات الحضارة مدعمة من وزارة الثقافة ضمن مطبوعات الذكرى الخمسين للاستقلال. وتصدرت هذه الطبعة الجديدة كلمة تقديم بليغة بقلم الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله. نطالعها هنا معا..

هذا الكتاب يناقش موقف الأدب سيما الشعر من الحركة الوطنية ومن الثورة ومن قضايا الاستقلال، وقد وجدت بعض التساؤلات فيه جوابها، وظل الباقي يبحث عن الباقي، ولكن في توتر وتبرم. وقد كان الموضوع الرئيسي فيه هو علاقة الشعر بالثورة وهي جنين، وهي فتاة، ثم هي تاريخ.

فقد اشتمل كتاب: الأدب الجزائري وملحمة الثورة على أكثر من عشرة مواضيع جلها يدور في فلك واحد، وهو عظمة الثورة وضآلة الأدب إزاءها، سيما الأدب المؤرخ، أي ذلك الذي كتب بعد الاستقلال، وهذا في حد ذاته موقف من الكاتب، أبي القاسم بن عبد الله. ويشمل ذلك أحداثا كبيرة، وأخرى ممهدة للثورة مثل انتفاضة 8 مايو 1945.

وهو في ذلك لا يعفي صنفا من الأدباء ولا فنا من الأدب. فالشعراء والروائيون، سواء كتبوا بالعربية أو بالفرنسية، قد زج بهم جميعا في ذلك الحكم، ومنهم من استشهد، ومن عاش حتى انسحب من الميدان، ومنهم الشباب الذي ظهر في السبعينات، وأصبح يسير على أبواب التسعينات نحو الكهولة.

والأستاذ ابن عبد الله أديب صحفي أو هو صحفي أديب. عرفناه على صفحات مجلة (الجيش) يتناول الثقافة عموما ويتابع حياة الأدب، ثم برز في ملحق جريدة (الجمهورية) المعروف بالنادي الأدبي، فجعل منه منبرا لقضايا الثقافة في بلاده وفي الوطن العربي، وظهرت على أعمدته آراء وأفكار قلما ظهرت في غيره، وأصبح منتدى الأدباء والشعراء والفنانين في الوقت الذي كادت تغيب فيه المجلات والملاحق الثقافية. بالإضافة إلى أن للأستاذ ابن عبد الله حصة إذاعية أسبوعية يتناول فيها أيضا مظاهر الثقافة في وطنه الصغير والكبير. وكثيرا ما كان ابن عبد الله يعزف على وتر يختلف عن الأوتار التي يعزف عليها الصحفيون والأدباء الآخرون، ذلك أن آفة الحياة لثقافية عندنا هو التسطح ومضغ الكلام، ولم يكن ذلك شأن ابن عبد الله، فيما نعلم ذلك، إننا قرأنا له بعض الآراء الجريئة، مثل رأيه في موقف مفدي زكريا من ثورة البناء عندما كان الآخرون صامتين نحوه.

ومن ثمة ظهر الأستاذ ابن عبد الله في هذه الصفحات ناقدا أكثر منه مستعرضا بالأسلوب الصحفي الأدبي، فهو معجب بالأدباء الذين تمثلوا قضية وطنهم منذ العشرينات من القرن الحالي، وعاشوا طموحات الشعب، بقطع النظر عن قيمهم الفنية، وترددت في أشعارهم وأنثارهم كلمات الوطن والاستقلال والحرية، واستنكروا فظائع الاستعمار والاستغلال والعبودية. ويزداد إعجابه بالذين استشهدوا منهم من أجل القضية المقدسة، ويتكرر ذلك على صفحات كتابه، دون أن يفرق بينهم في لغة الكتابة، ولا في المستوى الفني، ولا في الزمن.

وهو أيضا معجب بالأدب المحارب أكثر من الأدب المؤرخ، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يعترف بأن أدب السبعينات مثلا قد التزم بشعارات المرحلة الزراعية، وبقضايا أخرى لم يكن يعيشها أدباء الخمسينات والستينات. وقد أورد مواقف للشباب حول تأثرهم أو عدم تأثرهم بأدباء بلادهم السابقين، فهناك المصرح بالاستقلالية المطلقة، وهناك المعترف بالجميل، بل لقد جاء برأي مفدي زكريا في الشباب وفي الشعر الحر، مما قد يفهم منه التنفير والتحقير والتعالي.
ويمكن القول بأن أهمية هذا الكتاب تظهر في "تلخيص" ابن عبد الله لما دار من قضايا في الساحة الأدبية الوطنية خلال ربع القرن الماضي، سواء على أعمدة الصحف أو على منابر النوادي والملتقيات، أو حتى في أرحبة الجامعات ومراكز البحث. وما تزال معظم هذه القضايا طبعا، بدون حل، فهل الشاعر الحق هو الذي جدد في الشعر ولو ابتعد عن التيار الوطني، أو هو الذي قلد في الشعر ولكنه تمثل التيار الوطني؟ وهل الشاعر الوطني هو الذي اعتنق السياسة والثورة على الاستعمار، ولو كان بعيدا عن الأخلاق، أو هو الذي اعتنق الإصلاح ودعا إلى النهضة والتزم بالدين والأخلاق؟. وهل الكاتب الوطني هو من كتب باللغة الوطنية ودافع عنها رغم ضعفها، أو هو الذي كتب عن القضايا الوطنية بلغة المستعمر القوية بحثا عن الشهرة والعالمية ؟ ويمكننا أن نستمر في هذه التساؤلات التي لا نهاية لها، وخصوصا حول قضية الالتزام والإيديولوجية، أو الشعارات والمبادئ، وقضية الشباب والشيوخ، وقضية الفن للفن أو الفن من أجل المجتمع.

لقد حاول الأستاذ ابن عبد الله الإجابة على كل هذه القضايا بأسلوب صحفي فيه الإلحاح والتكرار والوضوح، ولكنه في كثير من الأحيان كان يجيب على ذلك بأسلوب أدبي فيه الرشاقة والبيان والنقد. ومن ثمة تختلف دراسته عن الدراسة الأكاديمية الجافة التي ظهرت منذ عقدين وعالجت جوانب من نفس القضايا تقريبا، وهي أيضا تختلف عن الدراسة التقريرية المنفرة التي رأيناها في بعض إنتاجات دور النشر، والتي ليس فيها من فضل سوى الجمع والتصفيف، فأنت تقرأ ما كتبه ابن عبد الله بشغف وانتباه، ولو كنت لا تتفق معه في حكمه ومبتغاة، لقد عاصر هو أكثر القضايا التي تناولها، ومن حقه أن يقول فيها رأيه، ولو كان رأيا لا يرضي كل الأطراف.