رُؤى ثقافيّة «٧٠»

اللغة حياة!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

عادةً ما يردِّد بعض المنتصرين للعاميّة كلامًا عن (ابن خلدون) في نعت العاميّة، أو يسوقون كلامًا آخر عن (ابن الأثير الجزري). ولقد ناقشتُ ذلك في مقال سابق(1)، مشيرًا إلى أنه ينبغي فهم ما قاله هذا العَلَمان على وجهه، لا توظيفه، وكأنهما يستخفّان بالقواعد، وبأهميّتها في الحفاظ على هويّة العربيّة. هما يقولان، بجلاء، إن العاميّة فيها بلاغة أيضًا. وهذا لا جدال فيه. بل إن أيّ لغةٍ في العالم، أو لهجة دارجة، لا تخلو من بلاغة. غير أن القضية، في البدء والمنتهى، ليست في البلاغة، بل في بناء اللغة، وفي آليات نقلها المعنى وتلقِّيه، وفي كيانها، بوصفها حاملة تراث ومستودع حضارة ودِين. وهذا معنى القول: «إن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة وبلاغة». ثم إن الكلام هناك منصبٌّ على الجهل بالنظريَّة، لا على الجهل بنظام الاستعمال الصحيح. ذلك لأن اللغة استعمال، لا قواعد، وما كان العرب يعرفون القواعد قبل تقعيدها، وإنما استُنبطت من استعمالاتهم، بيد أنهم كانوا عُرَباء فُصَحاء، يتنفّسون اللغة سليقةً وطبعًا، كالعاميَّة اليوم على ألسنتنا. وقواعد العاميّة لو استُقرئتْ هي أعقد من الفصحى، وأشدّ التواء، وأكثر شتاتًا وتنوُّعًا.

لنقُل، إذن، بتطوير مناهج تعليم اللغة، لا بالتخفُّف من أعبائها؛ فهذا الخيار الأخير هو هروب إلى الأسهل- بل قل: إلى الأسفل- وهو باب القول بالتنازل عن آخِر ما يمكن أن يتنازل عنه العربي، وهو لسانه، الحامل هويَّته، ورابطه بتراثه. وتلك دعوات قديمة، بعضها مريب، وبعضها صادق، من مثل دعوة (ابن مضاء الأندلسي)، المتعلّقة بالعامل النحوي تحديدًا، لكنها بقيتْ في إطار الجدل الفكري، أو الأيديولوجي؛ لأنها لم تقدِّم البديل العمليّ والعلميّ، المراعي طبائع اللغات وعلائقها بمعطيات الإنسان والحضارة، في الحاضر والماضي.

على أنه يمكن أن يدرس المختصُّون في اللغة والتاريخ الشِّعر اللهجوي، وأن يجدوا فيه مادّة مهمّة لدرس اللغة العربية نفسها. ففي بعض ذلك الشِّعر بعض التراث المحفوظ من لغة العرب، وفيه كذلك تسجيل أحداث تاريخيّة، وعناصر بيئيّة. ولو استُفيد منه في ذلك كلّه لكان هذا أمرًا مشروعًا بل مطلوبًا. غير أن تلك الضروب من المعارف والقِيَم إنما نجدها في شِعر الجيل الماضي، أمّا الجيل الراهن، فمقلِّد، يجترّ اللغة المتوارثة، في وقتٍ أضحت حياته مختلفة كثيرًا أو قليلُا عن حياة آبائه، فلم تعد لشِعره تلك الأهميَّة التوثيقيّة السالفة، ولا لاستمراره في اجترار العامّيّة معنى على الإطلاق.

وقصارى القول: إن الموقف من العامّيّة اليوم هو من: تسخير الإعلام بكل وسائله- وكذا الأموال الطائلة- لإشاعة الأدب اللهجوي، وتحبيب الناس فيه، وتمجيد أَعلامه، وكأنه أدبنا العربي، ولساننا الوطني، ومستقبلنا الأُممي. وهو توجُّه يسير في الاتجاه المعاكس لمنطق العِلْم، وأصول التربية، وسُنن التطوُّر، ومبادئ التوحُّد بين العرب، بوصفهم أُمّة واحدة. وهي ظاهرة عربيَّة، وفريدة في العالم، تدلّ على عدم بلوغ العرب الرُّشدَ، وأنهم ما ينفكّون يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأنهم قد استمرؤوا التخلُّف لطول إلفهم له، وعشقهم العَوْد إلى ما أَلْفَوا عليه آباءهم، بدل التطلُّع إلى الأمام، والطموح إلى ما هو أسمَى وأبقَى وأجدَر وأصلَح.
ولا ريب في تقصير المؤسسات المسؤولة عن خدمة اللغة العربيّة عن خدمتها. ونحن إنما ندعو، في ما ندعو، إلى ردم هوّة ذلك التقصير، لا الوقوف عند التباكي على اللغة وهي تتهاوى يومًا إثر يوم. ومتابعو مقالاتي منذ عشرين سنة يجدون ذلك شاهدًا وجليًّا. غير أن الصدق الآن، وحتى يتمّ التسهيل والتطوير- وهو أمر حضاريّ قد يطول أمده، وقد لا يُستجاب له لأسباب شتّى- يقتضي الإعلانَ بصراحة أن ما يجري اليوم هو عدم احترامٍ للعربيّة من قِبَل أبنائها، كما يفعل المسلمون من غير العرب، على أقلّ تقدير. وتلك حالة نفسيّة وحضاريّة خاصّة بالعرب؛ من حيث إن العرب، ببساطة، قد باتوا لا يحترمون أنفسهم، مستشعرين الدونيّة والهوان في العالمِين. ولاغرو أن تراهم- في المقابل- يقدِّسون ثقافة الآخرين، ويُجلّون لغاتهم، وينفقون أعمارهم في إتقانها، ويتباهون باستعمالها، ويخجلون من أخطائهم فيها. أمّا لغتهم، فهم، على العكس من ذلك: يخجلون من استعمالها، ويتندّرون على من يستعملها، أو يحرص عليها. تلك هي حقيقتنا، التي نتعامى عنها أو قد ننكرها؛ لأن الاعتراف بها يؤلمنا أشد الألم، وينال من عقولنا ومن عزّتنا وانتمائنا لأنفسنا. وإلى الاستخفاف باللغة العربيّة، يشاع تهويل في صعوبتها بين الناس، بما ينطوي عليه ذلك من تنفيرٍ منها، في حين أنها تُعَدّ من أسهل اللغات في العالم، لولا رسوخ العيب فينا نحن، لا فيها. ولا غرابة في استصعاب الناس اللغة العربيَّة؛ لأن أيّ لغةٍ مهملة في واقع الناس واستعمالهم ستكون مستعصية، طبعًا. وهذا أمر بدهي! الأدهى أن تشهد، إلى جانب ذلك كلّه، معارضة حيَّة لإحياء اللغة العربيّة، وترويجًا ضاريًا لكلّ ما يوهن حياتها، سواء من العاميّات أو من اللغات الأجنبيّة.

إن اللغة حياة واستعمال وممارسة، وليست كُتبًا وقواعد ومعاجم. ومهما سُهّلت اللغة العربيّة أو أُلِّف فيها من كتب، فإنها- دون ترسيخها في الإعلام، ومنابر التخاطب المختلفة، وأسواق التداول المتنوّعة- لن تحيا ولن تُحيي! تلك إسرائيل تفرض على شعبها لغة ماتت منذ مئات السنين، بعد أن أحيتها وهي رميم، فيما نحن نجفو لغةً ما تزال حيَّة، ونحاربها بما استطعنا من الوسائل، مباشرة وغير مباشرة. فيا للعجب!

إن ما يُنجزه الأمريكان- على سبيل المثال- في تسهيل الإنجليزيّة ودراستها لا يمثّل إلّا نسبة ضئيلة ممّا أنجزه العرب عبر أربعة عشر قرنًا، واستفادة من مناهجهم في معالجة قضاياها، منذ أوّلهم سيبوية. ولنا أن نسأل (تشومسكي)، مثلًا، عن بعض إفادته نظريًّا من «الكتاب» لسيبويه، أو من غيره من اللغويين العرب. إلّا أن ما يعمله الأمريكان في تسهيل الإنجليزيّة ما كان لينجح لولا أنه مفعَّل لديهم في التعليم والإعلام والحياة العامَّة، ولولا أن ثمّة حسًّا حضاريًّا حيًّا بأن الإنجليزيّة تعني كرامة الأمريكيّ وهويَّته وشخصيَّته التاريخانيّة؛ ولولا أنه يستشعر البُعد الاستراتيجي لأهميَّة اللغة في حياته ومستقبله. واللغة كذلك مرتبطة بإنتاجه وصناعته، وهي مصدر قوّته ونفوذه وتوغّله وهيمنته على العالم. لذلك فإن التطوير لم يكن هناك بمعزل عن ذلك كلّه، بل هو مكوِّن عضويّ فيه، من أعلى المؤسّسات إلى رجل الشارع البسيط. أمَّا نحن، فإنه، حتى لو تمّ التطوير التعليمي، سيظلّ معزولًا، بل شِبه مقموع- يخوض في وادٍ وحياتنا في وادٍ- يقوم به ثُلَّة من المتخصِّصين المنبوذين، الذين لا يجدون لا الدعم، ولا التشجيع، ولا حتى الاحترام! لأن عملهم غير مرغوب فيه، من حيث هو يعني أن يكون العرب كغيرهم، وواقع الأمر أن ما يُراد لهم هو أن لا يكونوا كغيرهم، بل أن يبقوا تابعين، أرقّاء، قاعدين، طاعمين، كاسين، تحت هيمنة الباب العالي الجديد، ولو إلى حين!

لا مراء في أن حياة اللغة تعني حياة أهلها: حياة ذاكرتهم، وتاريخهم، واعتزازهم بحضارتهم، واستعادة عافيتهم، ومناعتهم الذاتية، ونهوضهم من جديد. وثمَّة مَن يرغب في أن نبقى مرضى بـ«إيدزنا» اللغوي والحضاري! ذلك أن اللغة أوَّل هدفٍ استراتيجيّ لكلّ عدوٍّ ثقافيٍّ؛ عدوّ لنفسه أو لغيره، ونحن أعداء أنفسنا، أحباب غيرنا. لذلك كله، فلستُ مقتنعًا تمامًا بالحُجَّة الأزليَّة الرائجة حول صعوبة اللغة العربيّة، ولا حول التقصير في تطويرها، فهي منذ أكثر من ألف عام محلّ الدرس والتقعيد والمعجمة والبحث، ولم تشتغل أُمَّة على لغتها كما فعل العرب والمسلمون، وما زالوا يفعلون! نعم، ما زلنا نطمح إلى المزيد، وإلى الأفضل، والمعاصر، لكن تلك الذرائع المكرورة حول اللغة العربية لا تعدو تعلّات عن أشياء أخرى، وليست بأسبابنا الجوهريّة. إن الأسباب الجوهريّة أخطر من ذلك، وهي كامنة في وعينا الذاتي والجمعي، متعلِّقة بسرطانٍ داخليٍّ في جسد الأُمَّة، وغيرتها على شرفها وكرامتها، مع استهداف خارجيّ- غير منكَرٍ ولا مستغرَب- لهذا الجسد العربي المريض المتهالِك الأعشى! والتعبير عن هذه القضايا عبر المقالات والنداءات هو سلاحنا لإيقاظ القلوب والعقول، وكشف هذا الملفّ لمن بيده القرار، وبيده المال، وبيده الأمر في الإصلاح والتغيير. وهذا ما ندعو إليه.. وفي البدء كانت الكلمة.
وبناء عليه، فالفرق بيِّنٌ بينَ التسهيل والتساهل، والتطوير والتغيير. فالأمريكان أو الإنجليز أو اليابانيون، وغيرهم من الأُمم الحيَّة، لا يتساهلون في لغاتهم، بل هم أشدّ غيرة عليها منّا على لغتنا، كما هم أشدّ منّا غيرة على مقدّراتهم التاريخية والثقافية والحضاريّة كافّة. ولأجل ذلك كانوا هُم مَن هُم، حداثةً في أصالة، وبقينا نحن مَن نحن، لاشيء في لا شيء، نُرواح حيث كنّا قبل مئة عامٍ أو أكثر!

هذا، ولقد استدخل العرب، منذ الجاهليَّة، مئات المفردات من كل لغات الدنيا، وفَعَلَ المسلمون ذلك، تحت مظلَّتي المعرَّب والدخيل. وهناك معاجم ضخمة في هذا وذاك. فإذا كانت الإنجليزيَّة الأمريكيّة تنفتح بتحفّظ على الإنجليزيّة البريطانية، أو شقيقاتها في الأرومة من اللغات الأوربيَّة، فالعربية منفتحة منذ الأزل على كلّ لغات الأرض، وما زالت؛ اقترضتْ وأقرضتْ. وهذا لا يضير اللغة، على كل حال، اللهم إلّا إذا كانت- كلغتنا اليوم- لغة مهمّشة، ومزاحَمة بلهجاتها، وبلغات أخرى تقتحم عليها ديارها، وتحتل أرضها. عندئذ تغدو المفردات الأجنبيّة خطيرة على اللغة. ثم إن استلاف مفردة أجنبيّة إنما يكون مسوَّغًا حينما لا يوجد عنها بديل أصيل، أمّا بوجود بديل، فذلك الاستلاف لا ينشأ إلّا عن الهوس الشغوف بكل أجنبي، ليس إلّا. على أن ما يَفْتِك باللغة ويهدّد وجودها هو التخلّي عن قواعدها، أو عن أبجديّتها، وهذا ما لا تفعله لغةٌ في العالم تحترم وجودها، وتعتزّ بتاريخها، مهما كانت صعوبتها، إلّا العربية المستعملة اليوم، جهلًا أو عمدًا!.. والبركة في العربان الأشاوس!

(1) انظر حدّ الشعر لدى ابن خلدون، (2001)، مقدمة ابن خلدون، تح. درويش الجويدي (صيدا- بيروت: المكتبة العصريّة)، 572. وراجع مقالي تحت عنوان «موقف ابن خلدون من العامّيّة!»، على موقعي على «الإنترنت»: http://khayma.com/faify/index104.html -[الكاتب: أ.د/عبدالله بن أحمد الفيفي، عنوان الموضوع: «اللغة حياة!»، المصدر: صحيفة «الراي» الكويتية، العدد 12483، الأربعاء 4 سبتمبر 2013، ص26]. على الروابط:
http://www.alraimedia.com/Article.aspx?id=461396&date=04092013