الدروس الخصوصية أو التعليم الموازي

، بقلم عثمان آيت مهدي

مرّ التعليم المجاني بالجزائر منذ الاستقلال إلى يومنا هذا بمراحل متعددة ومختلفة، أشدّها خطورة وأكثرها إساءة وانحطاطا هذه المرحلة الأخيرة التي تبتدأ من نهاية التسعينات من القرن الماضي إلى يومنا هذا، حيث دخل فيها التعليم الموازي منافسا للتعليم المجاني رغم عيوبه وقبحه.

كان التعليم في سنوات الاستقلال أشبه ما يكون بتعليم الزوايا والمساجد، حيث المعلم ومن حوله طلبة كلّهم انتباه واستماع لما يلقيه عليهم معلمهم من خطاب ودروس. تشرئب إليه الأعناق وتتعلق به القلوب، لا يقوى أحد على طرح سؤال إلا بإذن، ولا يحقّ له مخالفة معلمه في مسألة من المسائل إجلالا وتكريما له. من خصائص هذا التعليم: الإلقاء بالاعتماد على طريقة المحاضرة ـ الانتباه والمتابعة ـ الخضوع لما يلقى عليه، باتباع طريقة الحفظ دون مساءلة.
قامت الدولة الجزائرية في نهاية الستينات وبداية السبعينات بثورة على هذا التعليم. استعانت بمتعاونين من المشرق العربي وفرنسا، وأنشأت المدارس والكليات، وأقرّت بقوانين رسمية التعليم الإلزامي لكل من بلغ ست سنوات. هذه المرحلة يمكن اعتبارها العصر الذهبي للتعليم بالجزائر، لأنّ معظم الطاقات العلمية والأدبية التي تزخر بها البلاد بعد الاستقلال نهلت من هذا المنهل وارتوت من مائه العذب.

لم تدم هذه المرحلة إلى نهاية السبعينات، وإذا بالدولة تقرّ سياسة جزأرة التعليم، فبدأت عملية تعويض جميع الأستاذة المتعاونين سواء من الدول المشرق العربي أو من فرنسا بأساتذة من الجزائر. عملية الاختيار كانت تتمّ عن طريق مسابقة شكلية وتكوين سريع. كانت العملية صعبة وخطيرة، رغم ذلك غامرت الدولة الجزائرية دون استعداد لها ولا إمكانات، فكانت النتيجة بداية تقهقر التعليم وضعفه.

الإصلاحات التي باشرتها الدولة بعد ذلك، للنهوض بالتعليم، كلها باءت بالفشل، بداية، بإصلاح التعليم الأساسي الذي يمتدّ تسع سنوات، إلى إصلاح التعليم الثانوي، إلى الإصلاحات الأخيرة التي تنسب إلى لجنة بن زاغو والوزير أبو بكر بن بوزيد التي زادت الطينة بلة وأعادت بالمدرسة الجزائرية المنكوبة إلى عهد ما قبل الاستعمار.

استغلّ هذا الظرف السيّء الذي تعانيه المدرسة أشباه المعلمين والأساتذة الذين فتحوا بيوتهم ومرائبهم، وكلّ مكان يصلح في نظرهم إلى تقديم الدروس الخصوصية للتلاميذ والطلبة. وتكاثرت هذه الأماكن كالفطريات في كلّ حيّ ومنطقة، في المدن والأرياف.

السبب في ظهور هذا التعليم الموازي واضح وجليّ، فالمدرسة المجانية للدولة أظهرت محدوديتها وضعفها، وأصبحت لا تستطيع إخراج كفاءات في أيِّ تخصص كان.

أقسام مكتظة، إمكانات ناقصة، منظومة تربوية يسهر عليها المسؤولون السياسيون ويضعون برامجها دون إشراك الأسرة التربوية ولا جمعية أولياء التلاميذ. برامج لا تتطابق والحجم الساعي لتطبيقها، أخطاء علمية وتربوية فادحة في الكتب المقررة والبرامج. الإداريون في واد والأسرة التربوية في واد آخر. كثرة الإضرابات دفاعا عن الأوضاع الاجتماعية التي يحياها الأستاذ. إعراض الأسرة عن دورها الحقيقي في تربية الأبناء وتنشئتهم تنشئة سليمة. بروز ظواهر على مستوى المجتمع والدولة تسيء للمتعلم والإطار المثقف، حيث تجد الكثير من حاملي الشهادات العليا دون كفاءة، أو بكفاءة، لكن دون وظيفة، وآخرين أميين يتبوأون مراكز عليا في الدولة والمجتمع، والكثير من المسؤولين السياسيين لا يتعدى مستواهم المرحلة الثانوية من التعليم.

هذه الأسباب وغيرها جعلت التعليم يعيش وضعا لا يحسد عليه، فوضى في الأقسام، لامبالاة من طرف الأسر، تعب وإرهاق الأساتذة، إعراض عن مواجهة المتاعب والمسؤولية من طرف الإداريين.

لم تجد الأسر الساهرة على تعليم أبنائها سوى اللجوء إلى التعليم الموازي، عن طريق الدروس الخصوصية التي تقدم من طرف أساتذة دون تكوين في غالب الأحيان، أو من طرف أساتذة ذوي خبرة واسعة، لكن، على حساب عملهم ومجهودهم بالمؤسسة.

ما يجعل هذه الدروس الخصوصية أو التعليم الموازي أشدّ خطورة وأكثر إساءة وانحطاطا هو هذا الارتباط الإجباري بها لنجاح التلميذ أو الطالب، لأن المدرسة المجانية قد تخلت عن دورها في التعليم ونزعت المئزر ورمت بالطلاسة والطبشور من النافذة.

أمّا ما يسيء للتعليم الرسمي هو هذه المرائب التي تحوّل إلى قاعات للدرس، على مرأى أنظار الشارع، وهذه العمارات التي يتردد عليها التلاميذ والطلبة صعودا ونزولا بحثا عن بيوت المعلمين والأساتذة.

ومع فقدان التعليم بريقه وجاذبيته، دفع التلميذ إلى الإعراض عن الدراسة، والأسرة إلى الاهتمام بما هو مادي، والأستاذ إلى البحث عن موارد أخرى للعيش الكريم.