الخريف

، بقلم عبد الله الحميدي

خوفا من البرد تهاجر كثير من الطيور نحو خط الإستواء وكثير من الحيوانات والدواب والحشرات تعمل بجد تحسبا للشتاء. وقدماء السريان فى الشام يفتتحون سنتهم فى صدر الربيع فى الوسمي وهو تشرين الأول. ويبدأ الخريف عندما تحل الشمس برأس الميزان ويأخذ الليل فى الطول. وينقضى الخريف بحلول الشمس رأس الجدي. ورياح الصبا من رياح الصيف والخريف. وقال أبو الحسين أحمد بن فارس:

إذا كان يؤذيكَ حرُّ المصيفِ
وكرب الخريف وبردُ الشتا
ويُلهيكَ حسنُ زمانِ الربيعِ
فعوْدُك لي يا أخي قلْ متى

وبرد الخريف مؤثر ليس كبرد الربيع موسم الزهور. وقال الصنوبري:

إن كان في الصيف أثمارٌ وفاكهة
فالأرضُ مستوقدٌ والحَرُّ تنورُ
وإن يكنْ في الخريفِ النخلُ مخترفاً
فالأرض عُريانةٌ والأفقُ مَقْرورُ
ما الدهرُ إلا الربيعُ المستنيرُ إذا
جاءَ الربيع أتاكَ النَّوْرُ والنُّورُ
فالأرضُ ياقوتةٌ والجوُّ لؤلؤةٌ
والنبتُ فيروزجٌ والماءُ بلورُ
تبارك اللهُ ما أحلى الربيعَ فلا
تُغْرَرْ فَقائِسُه بالصيفِ مغرورُ

وقول البادي الأصفهاني:

ولا زلتَ في عيشةٍ كالخريفِ
فإن الخريفَ جميعاً سَحَرْ
صفا الماءُ فيه وطابَ الهوى
يحيلهما نسيمُ ريحٍ عَطِرْ
ترى الزعفرانَ بأعطافــــــة
يفوحُ الترابُ له المستعِرْ
واترجَّـــــــــهُ عاشقٌ مدنَفٌ
إذا ما رجا طيبَ وصلٍ هُجرْ
وتفاحُــــــــــهُ فوق أغصانِه
خدودٌ خــجلنَ لوحي النظرْ
وما كنتُ أحسبُ أن الخدودَ
تكون ثمــــاراً لتلكَ الشجرْ

ويقول الشاعر وأظنه الحسن إبن هانئ:

ما بالُ أيلولَ يدعوني وأتبعه
الى الصَّبوح كأني عبدُ أيلولِ
ما ذاك إلاّ لأنّ العيشَ مقتبل
والليلُ ملتحفٌ بالبرد والطول
وقد بَدَتْ طَلَّةٌ شجواً تخبرنا
عن الخريف بقصْفٍ غير مملول
ولاح وجهُ سهيلٍ فهو جوهرة
حمراء قد ركبتْ في وسط إكليل

ويقول الشريف الطوسي:

حلَّ الخريفُ على الأَغصانِ وانتثرت
أوراقُهُ غيرَ ما يبقى على الحِقَبِ
كانتْ غلائلها خُضْراً وقد صُبِغَتْ
بصفرةٍ مثل لونِ الورس والذهب
واستطردَ القيظُ إذ ولّت عساكره
واستبردَ الظلُّ فاقدحْ جمرةَ العنب
واغنمْ بها العيشَ في تشرينَ منتهزاً
فالقيظُ في رحلةٍ والقرّ في الطلب

والحياة أسها الماء ومصدره المطر. ومما يدل على سعة اللغة العربية وغناها قول الثعالبي عن أسماء المطر: إذا أحيا الأرض بعد موتها، فهو الحيا. فإذا جاء عقيب المحل أو عند الحاجة إليه، فهو الغيث. فإذا دام مع سكون، فهو الدّيمة. والضّرب فوق ذلك قليلا، والهطل فوقه. فإذا زاد، فهو الهتلان، والهتّان، والتّهتان. فإذا كان القطر صغارا كانه شذر، فهو القطقط. فإذا كانت مطرة ضعيفة، فهى الرّهمة. فإذا كانت ليست بالكثيرة، فهى الغبية، والحفشة، والحشكة. فإذا كانت ضعيفة يسيرة، فهى الذّهاب، والهميمة. فإذا كان المطر مستمرّا، فهو الودق. فإذا كان ضخم القطر شديد الوقع، فهو الوابل. فإذا انبعق بالماء، فهو البعاق. فإذا كان يروى كل شىء، فهو الجود. فإذا كان عامّا، فهو الجدا. فإذا دام أيّاما لا يقلع، فهو العين. فإذا كان مسترسلا سائلا، فهو المرثعنّ. فإذا كان كثير القطر، فهو الغدق. فإذا كان شديد الوقع كثير الصّوب، فهو السّحيفة. فإذا كان شديدا كثيرا، فهو العزّ، والعباب. فإذا جرف ما مرّ به، فهو السّحيقة. فاذا قشرت وجه الأرض، فهى السّاحية. فإذا أثرت فى الأرض من شدّة وقعها، فهى الحريصة. فإذا أصابت القطعة من الأرض وأخطأت الأخرى، فهى النّفضة. فإذا جاءت المطرة لما يأتى بعدها، فهى الرّصدة، والعهاد نحو منها. فإذا أتى المطر بعد المطر، فهو الولى. فإذا رجع وتكرر، فهو الرّجع. فإذا تتابع، فهو اليعلول. فإذا جاءت المطرة دفعات، فهى الشّآبيب. وأضيف الى الأسماء من لغة هوازن وغيرهم الرشاش بكسر الراء المطر الخفيف.

وقيل عن فصل الخريف أن طبعه بارد يابس؛ ودخوله عند حلول الشمس برأس الميزان والعقرب والقوس. وهذه البروج تدل على الحركة؛ وله من السن الكهولة؛ ومن الرياح الشّمال؛ ومن الساعات السابعة والثامنة والتاسعة؛ ومن القوى القوّة الهاضمة؛ ومن الأخلاط المرّة السوداء؛ ومن الكواكب زحل؛ ومن المنازل بعض الصّرفة والعوّاء والسّماك والغفر والزّبانيان والقلب وبعض الشولة؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوما؛ ويكون حلول الشمس الميزان فى الخامس عشر من أيلول، ويوافقه سبتمبر من شهور الروم، وفى الثامن عشر من توت.

وفى هذا الفصل يبرد الهواء، ويتغير الزمان، وتصرم الثمار، ويغيّر وجه الأرض، ويصفرّ ورق الشجر، وتهزل البهائم، وتموت الهوامّ، وتنجحر الحشرات، وتطلب الطير المواضع الدّفئة، وتصير الدّنيا كأنها كهلة مدبرة. ويقال: فصل الخريف ربيع النفس كما أن فصل الربيع ربيع العين. ويقال أنه أصح فصول السنة زمانا، وأسهلها أوانا؛ وهو أحد الاعتدالين، المتوسطين بين الانقلابين، حين أبدت الأرض عن ثمرتها، وصرّحت عن زينتها؛ وأطلقت السماء حوافل أنوائها، وتأذّنت بانسكاب مائها؛ وصارت الموارد، كمتون المبارد؛ صفاء من كدرها، وتهذّبا من عكرها؛ واطّرادا مع نفحات الهواء، وحركات الريح الشّجواء؛ واكتست الماشية وبرها القشيب، والطائر ريشه العجيب. والله أعلم.

كتب الجاحظ: وبالبصرة من شأن الغربان ضروب من العجب، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات كان عندهم من أجود الطّلّسمات؛ وذلك أنّ الغربان تقطع إلينا فى الخريف فترى النخيل وبعضها مصروم وعلى كل نخلة عدد كثير من الغربان؛ وليس فيها شىء يقرب نخلة واحدة من النخيل التى لم تصرم ولو لم يبق عليها إلا عذق واحد. قال: فلو أنّ الله تعالى أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها التمر لذهب جميعه. فإذا صرموا ما على النخلة تسابق الغربان إلى ما سقط من التمر فى جوف القلب وأصول الكرب تستخرجه وتأكله.

ومن عجائب الطاووس بالإضافة لألوانه الزاهية أنه يلقى ريشه فى الخريف كما الشجر يلقى ورقه.

وإفتخر الخريف على بقية الفصول قائلا: أنا سائق الغيوم. وكاسر جيش الغموم. وهازم أحزاب السموم. وحادي نجائب السحائب. وحاسر نقاب المناقب. أنا أصد الصدى. وأجود بالندى. وأظهر كل معنى جلي. وأسمو بالوسمي والولي. في أيامي تقطف الثمار. وتصفوا الأنهار من الأكدار. ويترقرق دمع العيون. ويتلون ورق الغصون. طورا يحاكي البقم. وتارة يشبه الأرقم. وحينا يبدو حلته الذهبية. فيجذب إلى خلته القلوب الأبية. وفيها يكفى الناس هم الهوام. ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام. وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها. رافلة في الملابس المجددة في ريشها. وتعصر بنت العنقود. بي تطيب الأوقات وتحصل اللذات. وترق النسمات. والشَّرفُ شجرٌ له صبغ أحمر، يقال له البقَّمُ والعندم وهو دم الأخوين.

وتنعت رندة صباغ الخريف بسيد الفصول قائلة: الخريف بعض من صحو الربيع... بعض من حر الصيف... وبعض من برد الشتاء الدافئ!! وهكذا فانه الوحيد القادر على شحن ذاتك وروحك بشتى أنواع المشاعر والأحاسيس في آن معاً.. ماذا لو أمكن للجميع أن يزيلوا الغشاوة عن أبصارهم وبصيرتهم!؟ فيحظون بالشعور بكل ما يتميز به الخريف من جماليات وصفات خلابة! ماذا لو أمكن للإنسان إدراك ضرورة سعيه لترويض غرائزه قبل العمل على ترويض الطبيعة وتجييرها لجشعه وطمعه ومصالحة الخاصة. لو فعل لأمكنه الاستمتاع بألوان الطبيعة الخريفية...بالغيوم التي تأخذ أشكالاً خريفية مذهلة لو فعل لأمكنه بالفعل فهم لغة البحر وأصدافه التي تأخذ طابعاً آخر في الخريف لو فعل لأمكنه مراقبة أسراب الطيور المحلقة في السماء لأمكنه أن يجد متسعاً من الوقت ليمشي تحت حبات مطر الخريف فيغسل جسده، فكره ومشاعره فقد يعود نظيفاً مبدعاً ويبتعد عن الأنانية الحقد ويبتعد عن الغيرة والانتقام.

صدقت الكاتبة رندة والخلاصة فى هذه المقالة يجب أن نتعلم من الخريف الإدخار والإقتصاد والإحتياط. فالحيوانات تحتاط للشتاء فى الخريف. فما أجدر بنا أن لا نسرف فيما غير ضرورة. وكما أن الخريف وسط بين شدة الحر وشدة البرد فحرى بنا الإعتدال والتوسط. لأن فى تنوع الطبيعة تكاملها.