ملح العيون

، بقلم هيثم نافل والي

يقول برنادشو في إحدى مسرحياته:

الرجل باستطاعته أن يصل إلى أعلى القمم، لكنه لا يستطيع البقاء والعيش هنالك لمدة طويلة.

وصلت خليل رسالة في يوم عطلته من العمل التي انتظرها طويلاً.

كان في حديقة منزله المسورة، الحافلة بالأشجار الظليلة الباسقة، مستلقيا وكتابه المغلق في يده، وقهوته المفضلة الإيطالية التي جهزها بنفسه بجانبه بعد أن مزجها بالحليب المركز؛ سارحاً، هائماً، حالماً بالنهار الذي ينطق بالجمال، حيث السماء الصافية، الزرقاء واللامعة يستمتع كما يستمتع رأس الجبل حين تقبله السحاب، فتتيه قمته وتتوارى عن الأنظار كما يتوارى المرء في الظلام، هكذا كان خليل في ذلك النهار حيث الهدوء النسبي الذي لا يعكره سوى بعض الأصوات التي تعود على سماعها تلك التي تطلقها بعض الحيوانات الأليفة هنا وهناك، ونسمات الهواء النقي التي تلعب مع شعره برفق وتضفي على روحه هيام مجنونا، فكان لذلك الصباح وقع على نفسه، فخال له كأنه في مكان ما من الجنة؛ إذ يعيش هناك منذ عشرة سنوات تقريباً...

في قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها المائتين، وأغلب ما يميزها أبقارها السمينة التي تتمتع بنظافة وصحة لا نجدها في أبدان أفضل شعوب الشرق وأغناهم، وعددها يفوق عدد سكان القرية، تلك المزروعة، أقصد الموجودة في الجهة الغربية من ريف باريس...

باريس، تلك المدينة التي تكنسها الرياح في الخريف، وتغسلها الأمطار في الشتاء والربيع، وتجففها أشعة الشمس في الصيف؛ وهي مسقط رأس الثورات والحرية والاستقلال؛ ولكن ما دخل خليل في كل هذا؟!

لقد جاء خليل من العراق خائباً، مسحوقاً، مهزوماً ومطاردا من قبل قوات الأمن، سعياً إلى الأمان... وها هو اليوم، وبالتحديد في ذلك النهار تصله تلك الرسالة الترابية اللون، لتقطع عليه خلوته، وتنزع منه سكينته، فتلبد مرتبكاً وهو مازال لا يعلم ما في داخلها، فقد كانت محكمة الإغلاق ومشمعة بإتقان، ولا يتكهن عن ماهيتها حتى الشيطان!!

رسالة لم يكن ينتظرها، يحدق فيها بقلق ويمسكها بأصابع متشنجة، مرتعشة... يقلبها بحذر، وخوف، ورهبة، كأنها قطعة حديد ساخنة، ولم يفضضها؛ وهو يقف باستسلام مشدوهاً بشكل مائل، متثاقلا، فبدا بوقفته المائلة تلك كمغفل يثير الرعب والأسى...

للرسالة غلاف سميك غامق بلون التراب- كما قلت - وكم يهاب ويخاف مثل تلك الرسائل... حيث تتحول لحظاته إلى رعب حقيقي قبل أن يفتحها؛ لعلمه المسبق أن مثل تلك الرسائل لا تأتي إلا من دوائر الدولة، ذات السلطة والسيادة كدائرة الضرائب أو الأجانب مثلاً، أو من أقسام الشرطة... فتجمد الدم في شرايينه دون أن تكون له فكرة بعد عن محتوياتها، فكانت حالته في تلك اللحظات أسوأ من حالة الأبكم في أشد نوبات عصبيته وانفعاله...

تزوج خليل بشهامة ورجولة وهو في مرحلته الثانية من دراسة الجامعية، عندما كان يعيش في بغداد؛ ولأسباب لا أستطيع الخوض فيها؛ لكنه اصطحب زوجته معه أثناء هروبه، ورزق في بلاد الحرية طفلين، فتمتع صاحبنا الطيب، الراضي القنوع بما كان يود ويرغب من استقرارٍ وأمان، ومن أبرز صفاته هدوؤه الذي يقارع فيه صمت الصخر!! له سحنة فاتحة اللون، بجبين صاف، خالي من التجاعيد، كصفحة ماء ساكن وقت الفجر، وعينان ذكيتان، وشفتان غليظتان، يعلوهما شارب رفيع كالخيط، من الطراز القديم!

جلسَ مشدوهاً، مصدوماً، مستغيثاً، وبحالة من الشعور بالضياع التام، كمتسول جائع يقتله البرد، بعد أن نسى كتابه المغلق الذي كان في يده بجلسته الوادعة، الهادئة منذ قليل في حديقته المسورة؛ فدخل غرفة الجلوس، تلك التي استحلتها أشعة الشمس وملأتها دون أن يدري لماذا، كالحالم في يقظته، وبعد أن فقد السيطرة على نفسه، بذهول محير كالمسحور، وهو يشعر بألم شديد يفطر القلب وبتعب وإرهاق مدمر للنفس، وبحلق غزاه الجفاف، فاستولى عليه، وهو مازال جالساً يهمهم، ويغمغم بتجهم، وبلغة منمقة:

حرقها الله، شيء يرهب النفوس، يا إلهي لا نطلب منك سوى عطفك ورحمتك يا أرحم الراحمين، ثم نبر بجبن بعد وقفة قصيرة سحب فيها نفساً كان مقطوعاً:

ترى ماذا فعلت كي تأتيني مثل هذه الرسالة؟ ثم تابع بغصة وبخوف شديد كاد يأتي على قلبه:

أستغفر الله، أنا لا أذكر بأنني قد ارتكبت يوماً خطأ ما في غربتي هنا، ثم لماذا تصلني أنا بالذات دون الفرنسيين جميعاً؟ شيءٌ لا يصدق! عندها بدأ يسأل نفسه ويجيبها، كالثمل وهو مازال يحدق في الرسالة بتركيز وحقد مسترسلاً:

وأين؟ هنا في هذه القرية شبه المنسية والتي لا يمكن رؤيتها بالخرائط بوضوح، لصغرها!! وفي هذه اللحظات يعتريه شحوب قاتل يشبه الموت... فردد معترضاً، شارحاً ما يجول بذهنه المتعب، المشدوه وبصوت عالٍ، كالمطعون:

ترى لماذا أخاف منها لهذا الحد؟ أبسبب صرامة القوانين هنا، اقصد العقاب والجزاء؟ أم لشيء آخر في نفسي أجهل معالمه؟! ثم تابع برعب حقيقي منوهاً:

يا رب ساعدني، ولا تجعلني أسجن أو أتشرد مرة أخرى، وكأنه متأكد بأن العقاب سيكون بأحد هذين الأمرين اللذين ذكرهما!! عندها وقف محاذياً لجدار الغرفة التي تحتويه، كأن الجدار سيخفيه أو يحميه! وأردف منهاراً كحيوان مثخن بالجراح:

كنا سابقاً في العراق نطلب تطبيق القوانين... وهنا ترانا نخاف منها ونهابها، كالعقارب السامة!! ترى لماذا؟! وتابع بزفرات مجيباً على سؤاله بسؤال:

هل أن الحياة المريضة التي عشناها في العراق، هي التي جعلت منا أناسا نخاف من ظلالنا البريئة التي لا تنطق؟! ثم بأسى رجع يسأل نفسه ما ردده للمرة الألف مدمدماً، مخاطباً نفسه، وهو يزر الرسالة بجنون ومقت مميت، ممسكاً بها بأطراف أصابعه وكأنه يمسك بثعبان سام من ذيله، بعدائية وحذر:

ماذا تحوي هذه الرسالة اللعينة؟! ها... ماذا تحوي؟! وبصوت هامس، مضطرب، مرتجف خفيض ردد: لعنها الله وردها مغلقة كما هي، ومن أين أتت!!

ثم بسرعة مفاجئة، وبضحكة مجنونة، نصفها أنين، وبنفاد صبر مكبوت كاد يقتله، مزق طرف الرسالة بمرارة مفرطة، وبعصبية وتوتر ملحوظ بعد أن ردد في صدره هامساً كلمات تخص الخالق بذعر وارتياب حاسماً أمره، عاقدا العزم على تكملة ما بدأ به، وهو يحدق ويتابع حروف الرسالة بنهم غريب، وكأنها ديدان تسير أمام عينية، لاهثاً، كالذي انتهى للتو من ارتقاء سلم عال، متابعاً ما جاء فيها:

السيد خليل عامر المحترم.

يسرنا أن ننقل إليك خبر وقوفنا على السارق الذي سرق محفظة نقودكم قبلَ ثلاث سنوات، وكما تعلمون من بلاغكم المقدم في ذلك الحين؛ حدثت السرقة بينما كنتم جالسين مع عائلتكم تتناولون طعام الغداء مع عائلة ابنة خالة زوجتكم وأولادها في المطعم الصيني في نوتردام في هولندا في يوم عيد رأس السنة الميلادية، كما هو مدون عندنا؛ فبعد التحريات الدقيقة، ظهرت لنا صورة السارق من خلال إحدى كاميرات البنك الذي كان يسحب فيه النقود من حسابكم الجاري في البنك الذي تنتمي إليه ودائعكم المالية في ريف باريس؛ إذ اتضح لنا أنه أستطاع من فك رموز الأرقام السرية بسرعة، وببراعة، وخفة نادرة، وساحرة، حتى تمكن من سرقة ما موجود في حسابكم الجاري كله الذي قدر بمبلغ 5000 يورو، لذا نود إخطاركم بأننا بعد تنفيذ القبض عليه ستتم محاكمته بتهمتين:

السرقة، والتلاعب بأوراق رسمية لا تعود إليه؛ ولكن وجدنا أنفسنا مجبرين بأن نقول لكم:
إننا لا نستطيع القبض عليه، وتقديمه إلى المحاكمة لأنه يعيش في هولندا، وهو حامل جنسيتها، واتضح كذلك بأنه لاجئ عراقي يعيش هناك منذ حوالي 20 عاماً، ويتكلم اللغتين العربية والهولندية بطلاقة ولباقة، كتابة وقراءة، لذلك استطاع فك الرموز السرية، لأنها كانت موجودة أصلاً في محفظتكم كما ذكرتم أنتم ومكتوبة باللغة العربية؛ لضعف ذاكرتكم، فدونتموها لهذا السبب، ولم يخطر على بالكم بأنه من الممكن أن تسرق من قبل شخص يجيد العربية؛ وبناءً على ما تقدم، توجب إخطاركم بأن...

- رفع خليل رأسه من على الرسالة فجأة، وكأنه تذكر شيئاً ما يهم القضية! وردد مخنوقاً، وبنبرة احتجاجية بعد أن شعر بأنه قد أصيب في الصميم، وباتت أي محاولة لتهدئة نفسه مشكوكا في فائدتها، جفل مرتاعاً مما قرأ، بلع ريقه الناشف بصعوبة بالغة، وهو يشعر بمعاناة عميقة، خانقة تتحرك وتجول، وتنهش داخله، كتعاسة الشك:

ما هذا؟ لقد بانت الرسالة وكأنها نص مسرحي محكم، وكما يقال:

الستائر مسدلة، والمصابيح مضاءة!!

ثم برمزية وغموض دعا:

يا إلهي أسعفني بحل يرضي جميع الأطراف!! وفجأة علا صوته مجيباً:

أي أطراف أقصد؟ وتابع بعبوس:

لقد فسرت الرسالة الحادثة بشكل لا يقبل الطعن فيها أو الشك بمحتوياتها... لقد كان حدسي صحيحاً منذ البداية، فقد كنت خائفاً منها وقلبي يقرصني كلما حدقت فيها، وكأنها لعنة فرعونية، تباً لها، ولي!! ثم بلهفة مفاجئة، ينهض بسرعة خاطفة، كالملدوغ، وهو يقول:
لن أخبر أحداً بوصول هذه الرسالة، حتى زوجتي، وليسامحني الله على فعلتي هذه، وتابع وهو يشابك أصابع يديه بازدراء ويأس غير معقول، محطم الفؤاد، وبنبرة منكسرة، مستسلمة، وبعزيمة مثبطة:

لقد عادت بي الرسالة إلى زمن كدت قد نسيته، وفوضت أمري إلى الخالق عز وجل، ولكن ما العمل الآن؟!

ثم قرر مع نفسه متملصاً من حماقته عازماً على استكمال قراءة الرسالة، مهما كانت الأخطار التي قد تنتج عنها، أو المفاجئة التي ربما تكون عظيمة من معرفة من هو السارق الحقيقي!! ثم بدأ دمه يأخذ بالنشاط والاندفاع متصاعداً شيئاً فشيئاً، ودون تكلف وهو يحس وكأن قلبه أصبح فجأة من خزف، وأنه يسيطر على توتره بشكل ملفت ومثير لشخصه، الذي كان قبل قليل حانقاً، خائفاً ومترددا، ثم انحنى على الرسالة وقرأ بشغف منقطع النظير، وبروحيه عالية، مهيئاً نفسه للكارثة، كمن يتوقع شيئاً مروعاً، متمماً ما جاء في الرسالة...

السارق هو ابن ابنة خالة زوجتكم، إذ اتضح أنه كان قد سرق محفظة نقوكم، قبل خروجكم من منزلهم، وقبل التوجه إلى المطعم المذكور، وقد انسل معتذراً أثناء انشغالكم في تناول الطعام، وأكمل جريمته بسرعة خاطفة، كسارق محترف بعد أن كان له الوقت الكافي من التخطيط والتنفيذ، وهذا ما حصل بالضبط، عندها رجع قافلاً إلى المطعم دون أن يجعل أحداً منكم يشعر بما قد قام به من فعل شنيع اتجاه أحد أفراد عائلته، إن صح التعبير. وبهذه الحالة التي أمامنا نرى بأنكم تستطيعون تقديم الشكوى إلى شرطة نوتردام إن شئتم، ولكن الزمن هنا لم يكن في صالحكم، فقد مضى على السرقة أكثر من 3 سنوات، ومع ذلك فالشرطة الهولندية هي المسؤولة والجهة المختصة لإلقاء القبض عليه وتقديمه للمحاكمة، بحكم كونه مواطنها، ولسنا نحن.

لذا نترك لكم حرية الاختيار في الشكوى من عدمها.

الشرطة المركزية لمدينة باريس.