أحنُّ لبغداد

، بقلم فيصل سليم التلاوي

يُعذبني طولُ هذا الفراقْ
وبحرُ الأسى، والنجيعُ المُراقْ
فأصرخُ:- ياطولَ ليلِ العراق!
 
ألا قمرٌ تائهٌ يتلألأ، يدفعُ هذا المحاقْ
ألاتشرقُ الشمسُ
تسطعُ فوق جبين العراق
الذي قد عرفتُ فَتيّا
ومذ جئت بغداد غِراً حييا
وحيث العباءاتُ قد أورثتني داءً دَوِيّا
وحيث عيون المها تيمتني صبيا
ودارت بعنقيَ تلويه ليّا
فألفيتُ نفسي على ضفة النهر ِ
في كنف " الأعظميةِ "
أخطو لساحة "عنترْ"
ومرجٍ من العشب أخضرْ
يُهدهدُ في الأمسيات كياني
وبالنجم من فوقه أتدثر
 
أحنُّ لقيسٍ على شاطئ النهر يسهرْ
لذكرى صبيهْ
لعوبٍ شقيه
تعلق قلبي بها في الزمانِ القديمِ
على مدخل الثانويةِ قُدّام ساحة "عنتر"
لحوريةٍ من نُضار ومرمرْ
لهمس رقيق به لثغة الراء تظهرْ
إذا قال عند التقاء العيون:
- "صباحك ٌسكر"
أجبت :- ومسكٌ وعنبرْ
وشهدٌ على شفتي يتقطر
أحييكِ من كبد يتفطر
أناجيكِ من خافقٍ يتذكر
برغم النوى والسنين العجافِ
أجيءُ لبغداد أشعثَ أغبر.
 
أحن لبغداد أم النخيلْ
لشاطئها، ولظلٍ ظليلْ
لدجلة تحنو على الضفتين
بتدفاقها السائغِ السلسبيلْ
لكأس النواسيّ يشفي الغليل
لأندائها، للنسيم البليل
لوقت الضحى، ولشمسِ الأصيلِ
إذا انسكبت فوق ناصيةِ "الكاظمية"
والتمعت لازورداً، عقيقأً
وأحنت على القبة الذهبية
تقبل منها الجبين الأسيل.
 
أحنُّ لشوقي، صديقي القديمْ
لوالده حين أدعوه عمي
ولامرأةٍ قبلتني كأمي
وقالت:- من اليوم عندي ثلاثة أبناء
ليسا كأمس وحيدين
إني أنا أمك الثانية
فهلا رضيت بأم جديدة؟
وغمغمت، ما ندّ عني كلام
ولكنني يومها قد كتبت قصيدة
وأيّ قصيدة !
برمش العيون ونبض الفؤاد كتبت القصيدة
وذوّبت فيها عصارة قلبي
وأهديت ما فاض من بين هُدبي
وخالص حبي لأمي الجديدة.
 
أحن لأكلة "باجة"
بُعيد صلاة العشاء
في شارع "الشيخ عمرْ"
وأرنو لضوء القمر
يُرجرجُه الموج فوق جبين النَهَرْ
أتوق "لجسرٍ معلق"
لخمر النواسي إذ يتعتقْ
" لمزقوفةٍ " فوق جمر تحرقْ
لبغداد من كرخها لرصافتها
إن قلبي بها قد تعلقْ
 
ولكنني اليوم مُضنىً حزينْ
يؤرقني شجنٌ وأنين
لبغداد تلبس ثوب الحدادْ
وتقعد تنتظر السندباد
الذي غاب عنها وطال البعاد.