شَعْوذةُ الألوان

، بقلم أنمار رحمة الله

السماءُ متخمة بالغيم، وحركةُ أغصانِ الأشجار وَشتْ عن حلول عاصفة وشيكة.لا يملأ الدروب الترابية غير الهواء ورذاذ دموع سماوية. النوافذ محكمة ،والأبواب كفَّتْ عن الثرثرة .في تلك اللحظة من ذاك اليوم الشتوي الماطر، أعلن الرسامُ مجيئه للقرية، حين ترجَّل من سيارة أجرة، والفضول يعانق روحه كما عانقت الأرضُ المطر. بنظرةٍ فنيةٍ إبداعية ،وهوس وجنون، ألقى الرسامُ حقيبته ورفع يديه ووجهه نحو السماء ليعيش لحظة راقت له. كيف لا..وهو الحالم بالمجيء إلى قرية الجمال كما وصفها الحكّاؤون ،القرية التي ذاع صيتها وعلا شأنها، لجمال أهلها وزينتهم، حتى قيل إن(يوسف) تضاءل صيتُ جماله وحسنه مقارنةً بجمالهم.البلل يجتاحه مشاكساً، لكن بهجته وفرحة الوصول أشغلتاه،وأشياء أخرى لفتت انتباهه، أميَزها تلك المقبرة الطويلة العريضة على جانبيّ الطريق في مدخل القرية، ودروب السوق الفارغة من الناس، ودكاكينها المحكمة أقفالها، وكأن سكّانها انتقلوا إلى القبور المجاورة دفعة واحدة. انطلق حاملاً حقيبته صوب عنوان يبتغيه ،من المتفق أن يمكث فيه فترة رسمه للوحات يصوّر فيها جمال أهل القرية وبهاءهم. (ما أروعها من مغامرة) تمتم وهو يتخيّل عدد اللوحات التي سيرسمها ،وكيف ستُعرض ويشتريها المثمّنون قيمتَها ورونقها، حيث سكنت فيها وجوه بشر تناظر الملائكة كما وصفوها.

في اليوم التالي وبعد أن خفت زئيرُ العاصفة، قفز الرسام من فراشه مرتباً حاجياته وأدواته وعدّة إبداعه ورزقه .ألقى في جوفه لقمتين ، وهبَّ خارج الغرفة الصغيرة في منزل كبير لإيواء النزلاء والمسافرين. لم يكن لديه جيران في الغرف الباقية ،حيث لم ينزل هناك غيره. صاحبة المنزل امرأة عجوز، لكنها رائعة الجمال،اشتهى أن تكون أول لوحة له،فلكز رغبته موبخاً، فهو لم يكتشف القرية بعد،ومن المحتمل أن يعثر على الأجمل . خرج من المنزل يسير متمهلاً /حافظاً لتفاصيل الطرقات والبنايات وخريطة الذهاب والإياب . هام على وجهه سائحاً بين الوجوه الجميلة الباهرة،دقّق النظر في وجه رجل يتبضّع استماله بقوة، لكن وجهاً آخر لامرأة تبيع الرغيف على الأرض شدّه أكثر.التفت صوب اليمين لرجلين يمشيان أذهلاه بجمالهما،وارجع البصر صوب الشمال حيث وقفت سيدة يسْلُبُ جمالُها العقل.يمين/شمال/يمين/شمال/عيناه تعبتا من المطالعة،والقرية أهلُها حملوا من البهاء والبهار ما لو قُسِمَ على أهل الدنيا لكفاهم. تحيَّر الرسام كثيراً وهو يجول كمذنب يجهل موعد ومكان الارتطام.(أيهم ارسم..؟ وأيهم اترك..؟) سأل نفسه في حيرة شديدة ،فقرر ذلك اليوم أن يرجع إلى غرفته ليعيد حساباته من جديد.

شهرٌ كامل حزم حقيبة أيامه ومضى،والرسام قابع في غرفته كلَّ ليلة متحير في الاختيار.يخرج كل صباح ويرجع إلى منزله خاو اليدين حيث تنتظره لوحاتٌ نظيفةٌ لم تكحلها ريشته ،ولم تقبلّها ألوانه . إيمانه بطول مكوثه في القرية،جعله يتأقلم مع سُبل العيش هناك،خصوصاً حرصه على مصروفه اليومي،وكتم غيظه على تصرفات أهل القرية الذين يكتالون حسب أمزجتهم،ويغشون بما يتماشى مع أهوائهم،ويكذبون وينافقون ويمارون بمباركة الجميع.(وجوههم ملائكية وأخلاقهم خسيسة ) جملة تحلّق في فضاء عقل الرسام في كلِّ ساعة، حين عاشر هؤلاء القوم ،وأجبرته الرغبةُ على مسايرتهم بما يشتهون،تسليماً منه حتى إنهاء مهمته التي جاء من اجلها .لكن جرحه ازداد عمقاً حين انتبه إلى لسانه وقد آلف الكذب ،وقلبه الذي فتح نوافذه لرياح المداهنة ،وعقله الذي اعتقلته الرغبة في المواصلة في سجن التكتم والتسليم.

الليل ثقيل في القرية ،يمرُّ كالسحاب الذي لا يخشى صراخ الريح.الوقت يلضم نفسه بنفسه ليكون مشنقة ملتفة حول عنق الرسام.لا يجفل المللُ إلا من أغنيات يطلقها بدلاً من زقزقة العصافير وتغريد البلابل التي لم ير لها حضوراً بالمرة.التبغ والدخان صديقان وفيَّان في تلك المحنة.الذكرياتُ تومض في مخيلته كوميض البرق الذي أعلن بداية معزوفة المطر.نهض الرسام حين لفت انتباهه قدوم البرق لاهثاً يتبعه الرعد ، فكانت فرصة جميلة للترويح عن نفسه ، كيف لا وهو عاشق المطر وصديقه القديم.نزل إلى الشارع الذي بدا فارغاً حتى من الحيوانات .أضواء خافتة وشارع كئيب ومطر ينقر ..ينقر..يحتدم ..فيهطل دفعات دفعات،الرسام رفع يديه ورأسه صوب السماء وسار بلا وجهة محددة ،تعزف في أذنه موسيقى المطر.شبابيك القرية المضيئة احتشدت خلفها الرؤوس،تطالع رقصة الرسام في المطر، فتدوَّرت أفواهُهم عجباً،وتوسعت أحداقهم استغرباً،يطالعون للمرة الأولى جسماً يتمايل نشوان بهذا الهطول اللاثم جبين الأرض.توقف المطر ومع توقفه انتبه الرسام إلى نفسه وقد تبلل بالكامل،عاد مهرولاً إلى منزله ،ففاجأته العجوز صاحبة المنزل مستغربة من خروجه في هذه الساعة وهذا الموقف.دلف إلى المنزل مبتسماً ينكثُ رأسه من البلل ،فسألته العجوز في ريبة:ألا تخاف من المطر..؟)، أجابها والابتسامة صارت ضحكة :بالطبع لا..؟ فالأطفال يعشقون المطر ).لم تقل له شيئاً ،رجعت إلى غرفتها لكن الرسام أوقفها مستفسراً هذه المرة:سيدتي أرجوك لدي سؤال..).صدعت لطلبه وهزّت رأسها مستفسرة عن سؤاله.سألها :لم أر في القرية أطفالاً منذ حضوري والى هذه اللحظة..؟).تنهّدت وكاد سؤاله يفتح سواقي الدمع في عينيها ،حيث أشارت بإصبعها صوب مدخل القرية متسائلة:هل رأيت القبور التي تملأ المكان هناك..؟).أشار برأسه عارفاً مكان القبور وشكلها وكثرتها ،فأجابته :أنها قبور أطفالنا،نحن لم نرب طفلاً منذ سنوات ،كلَّ طفل نُرزق به يخرج من بطن أمه شهيداً،لهذا نحن على وشك الانقراض ،إذا مات الناس هنا لن ترى بعدهم جيلاً يخلفهم...هل عرفت..؟).أدارت العجوز ظهرها ودخلت غرفتها وأقفلت الباب ،تاركة الرسام فاغراً فاه مندهشاً ،وقد جفّت ملابسه على بدنه المقشعر.

الم/دوار/ثقل/ ومتفرقات حلّت برأسه وجسده كما يحلُّ الغجر على البقاع.أحلام جميلة تحولت إلى كوابيس أرهقت نومه،متمنياً في النوم أن تنتهي ويكتشف أنها مجرد كوابيس .صحوته غير كاملة ،جسده متعب ،حرَّك يديه على مهل فرك وجهه الناعس ،وتهيأ للنهوض من فراشه.هذه المرة قفز مذعوراً حين لامست يداه وجهه..! ،هرع ناحية المرآة ليتفحص سرَّ دهشته ،لكن الهلع تحوَّل الى نوبةٍ من الخوف والعويل والرعب .لم يعلم الرسام الوسيم ذو الهيئة الباهرة انه قد مُسخ وحشاً دميماً مرعباً، حين طالع صورته في المرآة وقد توسعت المساحة بين انفه وفمه ،وظهرت على رأسه تفرعات حراشف سود تشبه ذيل التمساح،وتوسع منخراه كقرد قبيح،بينما اعوجت أضراسه كالوحوش في الأساطير،وغزت أسفل ذقنه لحية مثل ليف اسود.وقع على الأرض وهو يضرب رأسه صارخاً (اقعد من نومك...أفقْ من كابوسك..)،ولكن دون جدوى، تمدد باكياً/هلعاً ينحب على شكله وصورته التي مُسخت إلى مخلوق لم ير مثيله،ولم يسمع عن شبيه له،كيف حدث هذا كيف صار..؟ سأل ذاته التي ذابت حرقة وكمداً فلا جواب يرجع ،ولا صدى لصراخه أو سامع لشكواه.تدور في ذهنه صور وكوابيس وأفكار شتى عن المكان الذي أتى إليه ساعياً لكسب الشهرة والإبداع والجمال،(القرية ملعونة حيث صبَّتْ قبحَها على رأسي) تمتم منكسراً وزاد:(لن أبقى هنا ..سأهرب).

اللثام ساتره،والناس منشغلون بأعيادهم الذميمة ،حيث خرج الرسام الممسوخ يجرُّ أحزانه وأوهامه ولوحاته البيضاء النظيفة.على مهله يمشي يلحظ بحذر المارّة خوف أن يراه احد ويكشف سره .رسالة تركها يخبر بها العجوز عن رحيله وأرفق معها آخر ما تبقى من المال ،مع أن القرية في تلك الساعة كانت تحتفل بعيد الاحتيال.أحزنته النهاية حين خرج مدحوراً خاسراً وقد كان يرجو الفوز والجائزة ،وأحزنه أن الوجوه الباهرة الجميلة قد صار بينهن وجهه القبيح نشازاً وعاهة.صوت مرعب تفجّرَ في سمعه آمراً:(قف).أوقف الرسام خطواته والتفت خلفه وإذا به موكب حاكم القرية وعرّافها الأوحد.انزل حقيبته وطالع من فتحة لثامه الموكب الذي اعتلى عرشه العرّاف وحاشيته وجنده.خاطبه العرّاف بحنق :(من أنت..؟ولماذا تضع اللثام في قريتنا ..؟ألا تعلم أني حرّمت اللثام على سكّان القرية لجمال وجوههم .!).لقد كان وجه العرّاف أجمل وجه في القرية ، يسلب الأرواح ويبهر العقول لألقه ونوره وروعته،حيث صُدِمَ الرسام به وتعجب لائماً نفسه تفويت الفرصة من البداية. إذ يوفر عليه الوقت والعناء في البحث والتنقيب.أمر العرّافُ الرسامَ بخلع لثامه ،أبى الرسام لكن حرّاس الموكب أرغموه وطرحوه أرضاً خالعين نقابه ،فبان للجمع الغفير من الناس قبح شكله ،وسوء صنعه وجرمه . فزع العرّاف وحاشيته من المنظر وأمر بتكتيفه في الحال ،لم يحرك الرسام أعضاءه بل استسلم كما تستسلم الشاة لسكين ذابحها ،كيف لا وهو المسخ الوحيد في هذه القرية الجميلة ،كيف لا وهو سبب مقلق ،وعورة واضحة وجريمة خيانة يعاقب عليها المعاقبون.هتف العرّاف في الناس :قريتنا الجميلة وأهلها لا يرضون بهذا الجرم العظيم،حين وطأ أرضنا مسخ قبيح كهذا،وجب علينا تطهير قريتنا منه ولا يطهر جريرته إلا الموت.).خاطب الرسامُ العرافَ راجياً متوسلاً:دعوني ارجع من حيث أتيت...سأخرج من قريتكم ولن تروني ثانية..).هزَّ العرّاف رأسه رافضاً وأمر بنصب آلة الإعدام في ساحة القرية .احتفل الناس بحكم القضاء على القبيح ،واحتشدت الجموع حوله تراقب لحظة تطهير القرية من إثم هو الأعظم لديهم. حشد يهتف بقتله ورميه خارج القرية ،وحشد يطالب بحرقه ،وهكذا توالت الهتافات جميعها على رأسه.تجمّع الناس في تلك النقطة التي تهيأت للناظر كنجمة بيضاء حين احتشد الجمالُ مُعاقباً القبح .في تلك اللحظة ،ابتسم الرسام الممسوخ ،وشعر بالارتياح رافعاً يديه ورأسه نحو السماء.لم يفهم الجمع سرَّ تلك الحركة..! لكن الشيء الذي تلاها، نثيث ثم قطرات ثم مطر...مطر...المطر يهطل بشدة وبروق ورعود تزمجر مالئة الفضاء بصراخها ،الجمع الغفير همهم وعلا صياحه و اشتدَّ نفوره ،ركضوا في أنحاء متفرقة لا يحددها وجهة فتلاطمت الرؤوس بالرؤوس،وتشابكت الأذرع ،وتخبطت الأفعال ،وعلى رأسهم العرّاف الذي وقع على الأرض يزحف خائفاً مرعوباً ،كل هذا والرسام رافع يديه ورأسه ضاحكاً بهستيريا ،حتى لفتت انتباهه ألوان وأصباغ سالت على الأرض ،(هل هي أصباغي ..؟ليست بهذه الكثرة..!) تساءل وهو يطالع كمية الأصباغ في الأرض وعلى الطرقات وحول منصة الإعدام ،طالع مرة أخرى وجوه الناس ،تعجب حين رأى وجوههم تسيل أصباغاً وألواناً،غسلها المطر وأزالها عن موضعها التي تعودته ،فظهرت له وجوههم ممسوخة قبيحة ،دميمة مُستهجنة ،لا بريق فيها ولا جمال،ولا الق ولا روعة،وعرّافهم كان أرعب الوجوه ،بل أشدها قسوةً وبغضاً وقبحاً.حين انتهت العاصفة وغُسلت الوجوه وبانت الطبيعة الحقيقة ،صرخ العراف بالناس(أين المسخ...؟أين المجرم القبيح..؟) فالتفت الناس بينهم مفتشين عن الرسام، فلم يميّزوه من ساعتها.