ما نفع أن أسامح نفسي؟

، بقلم فراس حج محمد

"لا يوم أسوأ من هذا اليوم، أحسستُ أنها رحلت إلى غير رجعة، وأحسست أنني لم أكن معها كما تقتضي الأخلاق ونبلها، كنت أنانيا وقاسيا، ألحقت بها ضررا قاسيا، وألحقت بنفسي تدميرا شاملا، لم أراعِ منطقا ولا عقلا ولم أعترف بالواقع الذي أعيش فيه، أبرقت لي الدنيا بالأماني بارقة أحسستها نورا سرمديا يضيء عتمة ليل طويل في دهاليز الحياة المضطربة، جرفتني معها، ألغيت كل ما أتمتع به من رزانة ورجاحة مدعاة، لم يعد معي شيء أدافع فيه عن أحلامي وأحلامها، بعد أن اكتشفنا أننا نعيش وهما كبيرا، كنا نحلم ونحن على يقين أننا نحلم ولا نعيش واقعا، عطلنا العقل وأدواته، وجرينا وراء قلوبنا، أصبنا الروح في مقتل والنفس في شقاء دائم، أصبتُ أنا بالإحباط الشديد واليأس المديد، وهي أصيبت بانفصام في الشخصية، فالتجأت للتردد على عيادة الطبيب النفسي. ما بوسع الطيب أن يفعل، وقد أصبحنا رمادا، ليس معنا عقل ولا منطق ولا قلب، اجتاحتنا عاصفة من التلاشي المفضي للعدم".
بهذا حدث نفسه وهو يغالب دموعه وحرقة فؤاده المضطرب والمصلوب في أوهام لم تكن لتصبح يوما إلا سرابا خادعا.

"كيف لي أن أعيد نفسي إلى جادة الصواب؟"

خاطب نفسه وهو يرتعش ويكاد الجنون يحمله على أشرعة الموت ليحط به بعيدا بعيداً حيث هي الآن تعاني من وحدتها وتحصي جراحات نفسها.

"كيف لي أن أتطهر من آثام أغرقتني حتى غمرتني من رأسي حتى قدميّ؟ هل يكفي أن أسامح نفسي؟ وما نفع أن أسامح نفسي إن هي لم تسامحني على أخطاء جسيمة ارتكبتها يحقها وحق الأمل الذي قصفتُ نبتته وحولتُ زهرة عمرها الربيعي صفراء يابسة؟ يا لله كم كنت عديم المسؤولية طائشا وغبيا!"

ظل يحدث نفسه ويجلدها بسياط عذاب مستمر يزيد ألما كل ساعة كلما تذكر تلك اللحظات التي لم يحفظ فيها الأمانة، ولم يكن فيها جديرا بأن يحترم قلبها وعقلها وإنسانيتها. يكاد يختنق كلما تذكر مقولتها بأنها تضمر التخلص من حياتها، يظل خائفا أن تفجعه بموتها المفاجئ، أصبح في وضع لا يستطيع أن يمنعها أو يمنع نفسه من كل تلك الأفكار السوداوية التي ترمي بثقلها عليهما في لحظة من انعدام الرؤية في ظلام تتكدس عتمته يوما بعد يوما.

لا يدري ماذا يفعل الآن وهو يعابث ترميم الصورة أمام مرآة نفسه المحطمة، فقد تهشم كل شيء وفقد الجمال سحره ورونقه، وتخلى الحرف عن أناقته وسحره، يصيبه الحزن، فيمتنع عن النوم أياما، يبدو عليه الشحوب والهزال.

لم ينس لحظة تلك العبارة التي سمعها في إحدى اللقاءات العامة مع زملائه:

"لقد كبرت عشرين سنة عن آخر مرة رأيتك فيها، وستكبر عشرين سنة أخرى عندما أراك في المرة القادمة، ماذا جرى لك، وقد كنت ذلك المتشبع حيوية ونشاطا؟"

لم يستطع أن يجيب، يهرب من الأسئلة، ويختلى وحيدا بنفسه يجتر عذاباته. يلاحظ عليه الجميع الهزال وضعف البنية والاستسلام لحزن لا يدري كيف يدافع عنه. يصطنع أحاديث أخرى تبعده عن كل ذلك ولم يفلح، أسقط في يديه، ويصبح مادة للحديث بين الزملاء، يتهامسون، وربما يتندرون عليه.

ينسحب ببطء، ولا يستأذن أحدا، ليقضيَ ليلة أخرى في غرفته وحيدا، حاول أن يجرجر الوقت بمتابعة الأخبار فلم يستطع التركيز، حاول أن ينام فلم يعرف أن يجمع جفنيه في لحظة هدوء، أسلم نفسه للهواجس تلعب فيه كيفما شاءت.

فكر أنه سيكون في أمان وهو هناك بعيد عن كل ذاكرة وذكرى، ولم يكن يدرك أن طيفها يلاحقه حتى وهو يحاول الانغماس في العمل مكرها نفسه على أن يكون عاديا ويبدو للجميع طبيعيا، ولكنه لم يكن يدري أن دمها ما زال يرتعش دفقه في شرايين حنينه الذي لم ينطفئ.