بلا عنوان

، بقلم رينا ميني

كانت وحيدة داخل جدران زنزانتها الكبيرة، تدور في حلقة مفرغة بين عملها نهاراً وتعداد

حسراتها مساءً. كانت تطلّ كل يوم على شرفتها، تتذكّر الماضي، أيّام الصبا والأحلام، تتأمل

نفسها عبر مرآة الزمن، كيف كانت تلهو مع صديقاتها في المدرسة، وكيف كنّ يعبثن برواياتهن

عن العشق، وكيف كنّ يتسترن على بعضهن في مواعيد الحب السريّة. وكنّ يحسبن أنهن

راشدات يقمن بأعمال تفوق المسلسلات التلفزيونية التي يتداولنها كل يوم لتروي كل واحدة

منهن أراءها وتخيلاتها وكأنها هي المعنية.

كانت تنظر إلى كل هذا مبتسمة،كأنها ما زالت تحيا في تلك المرحلة، وسرعان ما تبهت

الإبتسامة وتختفي حينما تعود إلى حاضرها، وتقف أمامها أحلامها المتكسّرة على صخور

الواقع، وتدمع عيناها، كلّ ما تسرّب لناظريها هجران أهلها وأحبائها لها، ويلوح أمامها طيف عمرٍ

مرّ، لم تجنِ منه ثماراً تخزّنها للمستقبل المجهول الملامح، المعلوم النهاية.

وفي إحدى الليالي، وبينما كانت قابعة كعادتها في زاوية شرفتها، رأته..لا يفصلهما غير جدارٍ

كبيرٍ وكان ينظر إليها، يتأملها، يمعن النظر فيها بإلحاحٍ غريب. رأته كبريق نجمٍ خافت يشقّ

طريقه عبر الظلمة الحالكة. وتساءلت هل كان فعلاً ينظر إليها، أم أن سواد الليل أنزل غشاوةً

على مقلتيها فباتت ترى السراب وكأنّه حقيقة؟ بلى، كان يحدّق بها، وإذ به يحاكيها، ويخبرها

أنّه تناقل عدوة الجلوس اليومي على الشرفة. وها هي، وبدون تعقّل، تبادله أطراف الحديث

وتضحك لنكاته، كأنّها وجدت طوق النجاة الذي سينجّيها من غرقها في البؤس والوحدة.

لم يحسّا بالوقت يمضي حتى أثقل النعاس جفنيهما، وتفارقا بعد أن تواعدا على اللقاء المقبل.

توالت الأيام والأشهر، وبات لهذه الشرفة مذاقاً جديداً، وباتت تنتظر أن يرخي الليل ستاره بفارغ

الصبر لتهرع إلى زاويتها وتقابل صديقها الجديد والوحيد.

كانت تكبره سنّاً، ولكنّها كانت تجد فيه تفهماً وذكاءً لم تجده في أحدٍ من أترابها. كانت تجد

فيه الرجولة الحقّة، فارس الأحلام الذي طالما داعب خيالها بوقاره وخفّة ظلّه، بصلابته وحنانه.

وكانت هي له، كل ما أمل أن يحصل عليه في امرأةٍ واحدة. لم يساورهما قطّ أنّ يوم الفراق آتٍ

لا محالة، وأن عقلهما يستميت لفرض المنطق على قلبيهما. أهملا كل الدنيا، كل ما يمكن أن

يمنع حبّهما، وانطلقا في رحلة الشغف والجنون، سافرا في بحر الهيام، لا يحيطهما سوى

العشق والأشواق المشتعلة. ذهبا إلى أبعد ما يمكن للمرء أن يختبئ من رزانته وضميره

وبصيرته. تشاركا الأسرار والهموم والأحلام، وبسخرية عهداها دائماً بقدرهما الغاشم، كانت

هذه الأحلام نقطة العودة إلى الأرض، الفصل الأخير من المسرحية العظيمة.

فذات ليلة، وبعد أن استنزفا كلّ قطرةٍ من حبّهما المجنون، طلبها للزواج. في لحظةٍ واحدةٍ

شعرت بكامل السعادة وارتسمت على محيّاها فرحةٌ لم تعتريها من ذي قبل، ولكنّها لم تدم،

فما لبثت أن تبعتها لحظة المرارة وأحسّت أن خنجراً مسموماً شقّ صدرها واستهدف قلبها

واستباح الدماء فيه. وتوقّف الزمن عند هاتين اللحظتين وما عادت تسمع أو ترى من حولها

وكأنها انتقلت إلى قفرٍ فارغٍ من كل حيّ. وما أعادها إلى وعيها سوى يده التي راحت تربّت

على كتفها والأخرى التي تمسح دموعها المتناثرة على خدّيها وصوته الذي ألحّ بمعرفة الجواب.

وبماذا تجيبه؟ فمن ظنّ أنّ إجابة هذا السؤال مرتبطةٌ بنعمٍ أو بلا أخطأ وما عرف شيئاً عن

حبّهما. عضّت على جرحها ودفنت الألم بين ضلوعها، وراحت تشرح له بما بقي لها من منطقٍ

لما عليها أن تخنق هذا الهُيام وترحل بعيداً عنه وتختفي في صحراء النسيان. أخبرته عن

مشوار حياتها الذي وصل إلى طريق النهاية وحياته التي ما زالت في أوج بداياتها، أخبرته عن

هذا الجسد الذي بدأ رحلته في الترهّل والتآكل وجسده الذي ينبض الحياة مع كل دقّة قلب،

أخبرته عن هذا العقل الذي تلقّن بصعوبة كل مشقات الحياة ومبادئها ودروسها وعقله الذي ما

زال يختبر ويعاين الأشياء في بداياتها.

وها هي الستارة تُسدل معلنةً النهاية، نهاية حبٍّ كان أجمل من الخيال وأصدق من الواقع.

تودّعا بصمتٍ، فلقد علما أن الكلمات هي الجمر الحارق، وهي الخيانة لذكرياتهما التي جمعاها

طوال سنينٍ على الشرفة.