بعيدا عن مآسي السياسة العربية:

ماذا يعني (عاشوا بعد الموت)؟

، بقلم أحمد أبو مطر

هذا الوضع العربي المأساوي بأحزانه ودمائه التي تسيل بشكل أسرع من جريان المياه في بعض الأقطار العربية، يجبرّك أحيانا على الهروب من دائرة هذا الوضع بحثا عن لقطة أمل وفرح ولو للحظات مؤقته، تمدّك بقوة لمواجهة مأساوية هذا الواقع الذي لا يعرف أحد منتهاه. كنت في القاهرة عندما سألني عبر الهاتف: هل سمعت عن أو رأيت (عاشوا بعد الموت)؟. إعتقدت للوهلة الأولى أنّه يمزح أو يسخر من أمر ما لا أعرفه، خاصة أنّ مقولة (عاشوا بعد الموت) يحاسب قائلها في الزمن السائد، زمن (التكفير بدلا من التفكير) فالموت هو الموت أي النهاية، فماذا يعني بمقولته هذه؟. وفجأة أطلّ عليّ بابتسامته المعهودة صديق العمر الشاعر والباحث المصري (حسن توفيق )، وبدون مقدمات ألقى أمامي على الطاولة كتابا، أمعنت فيه النظر فإذا عنوانه ( عاشوا بعد الموت) من تأليفه، وعلى الغلاف الأول صور ل: نازك الملائكة، طه حسين، عباس العقاد، محمود درويش، وإدوارد سعيد، وآخرون على الغلاف الثاني مثل الدكتورة سهير القلماوي و غسان كنفاني وصلاح عبد الصبور، فأدركت عندئذ ماذا يعني بمقولته تلك فهو يكتب ويؤرخ في هذا الكتاب (395 صفحة، صادر في عام 2012 عن مكتبة جزيرة الورد بالقاهرة) لأربعين شخصية من هذا الوزن (تعمدت عدم ذكر أسماء كل هذه الشخصيات كنوع من تشويق القارىء للبحث عنها في الكتاب)، غادرونا جسدا في سنوات سابقة وطويلة، ولكنّهم ظلوا يعيشون في قلوبنا وعقولنا بنتاجاتهم الشعرية والفكرية والنقدية مما جعلهم يستحقون الوصف والعنوان (عاشوا بعد الموت) وبالتالي فلا (تكفير) في العنوان بل (تفكير) فيما تركه هؤلاء العمالقة في الإبداع والتفكير والمنطق العربي. وما أثار اهتمامي بعد القراءة الثانية المتأنية لهذا الكتاب المهم أنّه يكتب عن شخصيات عرفت أنا وهو بعضها مثل الشاعرة المشهورة نازك الملائكة، والشاعر محمود درويش، والشاعر صلاح عبد الصبور، والشاعر أمل دنقل، والشاعر بدر شاكر السياب، وأستاذتنا الدكتورة سهير القلماوي التي علّمتنا وارتوينا من علمها وأكاديميتها ونحن طلاب في مرحلة (الليسانس) بقسم اللغة العربيةـ كلية الآداب ، جامعة القاهرة، وأستاذنا أيضا الدكتور شكري محمد عياد، و رجاء النقاش.

أثار الكتاب في عقلي ونفسي الكثير من الذكريات التي كتب عنها الشاعر والباحث " حسن توفيق" بإسلوب شاعري سلس ونقدي بحثي في الوقت نفسه. أسلوبه أعاد لذاكرتي الأيام الجميلة التي عشتها في الكويت مع الشاعرة نازك الملائكة وزوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة. وفي الكويت نفسها قبل ذلك أيام مأساوية مع الشاعر بدر شاكر السياب في المستشفى الأميري حيث توفي فيه في الرابع والعشرين من ديسمبر 1964 ، والشاعر محمود درويش و ناجي العلي اللذين عشنا معا حصار بيروت عام 1982 طوال 88 يوما متواصلة. ويعبّر عن عنوان الكتاب وفكرته، ما ذكره المؤلف (ص 189 ) منسوبا لواحد ممن عاشوا بعد موتهم وهو الروائي "عبد الرحمن منيف" الذي قال عن اغتيال المفكر اللبناني "حسين مروة" عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني الذي قتله الظلاميون التكفيريون في السابع عشر من فبراير عام 1987 ، إذ قال "عبد الرحمن منيف" عن هذا الاغتيال الإجرامي: ( الذين قتلوا حسين مروة، وبعده مهدي عامل، يفترضون أنّهم بهذه الطريقة أزاحوا عقبات، لكنهم لا يدركون أنّ حسين مروة ومهدي عامل، وأمثالهما، ليسوا مجرد أفراد، إنّهم بالدرجة الأولى والأساسية: أفكار..ومن ميزة الأفكار أنّه لا يمكن إطلاق النار عليها لقتلها ). وهذا الحديث المنطقي هو الذي يمكن أن يفسر الخلفية العامة لهذا الكتاب المهم، فالشخصيات العبقرية الأربعون التي يقدمها ويتحدث عنها الكتاب، عاشت وما زالت بيننا وفي عقولنا وضمائرنا بما أثرت به المكتبة العربية من نتاجات أدبية وثقافية وإبداعية ونقدية وفلسفية، لا يمكن أن تنسى بسبب غيابها جسديا عنّا عبر سنوات طويلة متفاوتة، بدليل أنّنا مهما بلغ بنا العمر ما زلنا نقرأهم ونستعيد ذكرياتنا مع بعضهم، وتدرّس أغلب أعمالهم في الجامعات العربية، وتقدّم عن نتاجات أغلبهم رسائل علمية لدرجات الماجستير والدكتوراة، وبعضهم أشرف على العديد من هذه الرسائل في مختلف الجامعات العربية.

أسلوب الكتاب وطريقته البحثية

يشدّك هذا الكتاب بأسلوبه السلس الممتع خاصة أنّه يتحدث عن ذكريات المؤلف الشخصية الإنسانية العميقة مع بعض هذه الشخصيات التي حسب تعبيره " يعبرون ضفاف الحياة"،مثل الشاعر صلاح عبد الصبور، وأستاذتنا العملاقة سهير القلماوي، ومن عرف عن جدارة تليق بريادته ب (عميد الأدب العربي) الدكتور طه حسين وشخصيات أخرى. وهذه الذكريات الشخصية ربما يعتقد البعض أنّها السبب في حديث المؤلف عن هذه الشخصيات، لكن المطّلع على نتاجاتها الأدبية والنقدية والفلسفية يتأكد أنّهم يستحقون هذا الحديث والتقديرمن المؤلف، وهو بتواضع جم يستبق أي حكم لأي قارىء للكتاب، فيقول في مقدمته للكتاب
(ص 8 ): " وأعترف مقدما بأنّي كتبت عن هؤلاء جميعا بوجداني العاشق لكل منهم، متمنيا ألا تكون عاطفتي الصادقة تجاههم قد أثرت فيما أطلقته من أحكام أو تحليلات، لا بدّ أنّ تستند إلى العقل لكي يتحقق لها ما نسمية بالروح الموضوعية أو شبه الموضوعية". و الحقيقة أنّ الأحكام النقدية والمعرفية التي أطلقها على غالبية هذه الشخصيات العملاقة، كانت أحكاما موضوعية لا مبالغة فيها وربما يؤيدني في ذلك من يقرأ الكتاب بعين وعقلية قرأت نتاجات هذه الشخصيات أو بعضها.

كتاب ممتع في الزمن العربي الرديء،
الذي من المهم اللجوء أو الهروب منه إلى هكذا كتب تعيد لنفوسنا وعقولنا لحظات مضيئة من خلال نتاجات هؤلاء المبدعين العباقرة الذين غادرونا جسدا، وما زالوا بيننا حتى وصولنا لهذا الزمن حيث كما يقول المؤلف الشاعر في قصيدته ( لا مكان للشهداء ):

غسل الشهداء شوارع مصر وأهدوا للأرض هداياهم وانصرفوا
جاء الأفاقون – الكذابون – الدجالون – القتلة
حشدوا معهم كل الجهلة
أخفوا لمعان خناجرهم كي يخفوا ما كانوا اقترفوا
شحذوا بالمكر حناجرهم ثم اندفعوا لشوارع مصر
كي يختلسوا ثمرات النصر
وكأن شظايا الجمرة لم توقد ثورة
وكأن الجمرة أحرقت الأغصان ووارتها في أضلاع الصحراء
فتوارت أسماء الشهداء
وسقطنا في أعمق حفرة

و (لا مكان للشهداء) هو عنوان ديوان الشعر الجديد للشاعر والباحث نفسه " حسن توفيق" أيضا، الصادر عام 2012 عن "الهيئة المصرية العامة للكتاب" ضمن سلسلة "الإبداع الشعري الجديد". و قصائد هذا الديوان في هذا الزمن العربي تعيد للذاكرة قصيدة الشاعر صلاح عبد الصبور الذي تحدث عنه المؤلف في كتابه (عاشوا بعد الموت)، حيث قال هذا الشاعر عابر ضفاف الحياة قبل ما يزيد على 42 عاما في مسرحيته (ليلى والمجنون) الصادرة عام 1971 وحضرنا عرضها في مسرح الطليعة بالقاهرة:

لا .. لا أملك إلا أن أتكلم
يا أهل مدينتنا
يا أهل مدينتنا:
هذا قولي
انفجروا أوموتوا
رعب أكبر من هذا سوف يجيء
لن ينجيكم أن تختبئوا في حجراتكم
أو تحت وسائدكم ، أو في بالوعات الحمامات
لن ينجيكم أن تلتصقوا بالجدران ، إلى أن يصبح
كل منكم ظلا مشبوحا عانق ظلا
لن ينجيكم أن ترتدوا أطفالا
لن ينجيكم أن تقصر هاماتكمو حتى تلتصقوا بالأرض
أو أن تنكمشوا حتى يدخل أحدكمو في سم الإبره
لن ينجيكم أن تضعوا أقنعة القرده
لن ينجيكم أن تندمجوا أو تندغموا حتى تتكون
من أجسادكم المرتعده
كومة قاذورات
فانفجروا أو موتوا
انفجروا أو موتوا

أية نبوءة أصدق من هذه تصف هذا الزمن العربي الرديء حيث (لامكان للشهداء) بل (الأفاقون، الكذابون، الدجالون، القتلة) الذين استولوا على الأوطان بأكملها وليس (أماكن) منها فقط !!!.