بيداغوجيـــا الكفايــــات والإدماج

، بقلم جميل حمداوي

توطئــــة:

من المعلوم أن بيداغوجيا الكفايات هي مقاربة تربوية وديداكتيكية جديدة ومعاصرة، تهدف إلى تسليح المتعلم بمجموعة من الكفايات الأساسية لمواجهة الوضعيات الصعبة والمركبة التي يصادفها المتعلم في واقعه الدراسي أوالشخصي أوالموضوعي. ومن ثم، فالكفايات هي بمثابة معارف ومهارات ومواقف وكفايات معرفية وتواصلية ومنهجية وثقافية، يستضمرها المتعلم لحل مجموعة من المشاكل أو الوضعيات – المشكلات بغية التكيف أو التأقلم مع المحيط، أو الاستجابة لمتطلبات سوق الشغل، أو قصد التميز الدراسي والكفائي والحرفي والمهني. ومن ثم، فاكتساب الكفايات هو السبيل الحقيقي لتحصيل النجاح، وهو أيضا أساس الاستقلالية الشخصية، ومدخل ضروري إلى تحمل المسؤولية، والاعتماد على الذات في حل جميع المشاكل التي تطرحها الوضعيات أمام المتعلم أثناء مجابهته لواقعه الحي. والآتي، أن بيداغوجيا الكفايات تنصب على المعطى الكيفي، وتركز على التعلم السياقي في علاقة جدلية بالكفايات المستهدفة، سواء أكانت أساسية أم نوعية.إذاً، ماهي بيداغوجيا الكفايات؟ وماهو سياقها المرجعي؟ وما هي الوضعيات؟ وما هو الفرق بين نظرية الكفايات ونظرية الأهداف؟ وماهي مرتكزات المقاربة الكفائية نظرية وتطبيقا؟ وماهي مزاياها وعيوبها؟ تلكم هي أهم العناصر التي سنتوقف عندها في موضوعنا هذا.

مفهوم بيداغوجيا الكفايات:

تعرف الكفاية على أنها عبارة عن قدرات وملكات ذاتية أساسية ونوعية، يتسلح بها المتعلم أثناء مواجهته لوضعية أو مشكلة ما في واقعه الشخصي أو الموضوعي. وبتعبير آخر، الكفاية هي تلك القدرة التي يستدمجها المتعلم حين وجوده أمام وضعيات جديدة معقدة ومركبة. ومن ثم، فالذكاء الفعلي يتمثل في توظيف الكفايات والقدرات في حل المشاكل المستعصية بيداغوجيا وديداكتيكيا وواقعيا. ويعني هذا كله أن الكفايات تشمل مجموعة من المعارف والموارد والمهارات والمواقف التي يستضمرها المتعلم لمواجهة الوضعيات التي يواجهها في محيطه. ويعني هذا أن المتعلم يستثمر موارده حين مواجهة المشاكل المعقدة والوضعيات الجديدة، باختيار الحلول المناسبة، أو التوليف بين مجموعة من الاختيارات لحل المشاكل التي يواجهها في حياته الشخصية والعملية.

وعليه، تعرف الكفاية عند جيلي بأنها " نظام من المعارف المفاهيمية (الذهنية) والمهارية ( العملية) التي تنتظم في خطاطات إجرائية، تمكن في إطار فئة من الوضعيات، من التعرف على المهمة – الإشكالية، وحلها بنشاط وفعالية".

وتعرف الكفاية كذلك على أنها بمثابة " هدف- مرمى، متمركزة حول البلورة الذاتية لقدرة التلميذ على الحل الجيد للمشاكل المرتبطة بمجموعة من الوضعيات، باعتماد معارف مفاهيمية ومنهجية مندمجة وملائمة". ويعرفها فيليب پيرنو بأنها" القدرة على تعبئة مجموعة من الموارد المعرفية (معارف، و قدرات، ومعلومات، إلخ)، بغية مواجهة جملة من الوضعيات بشكل ملائم وفعال".

ويرى محمد الدريج بأن هذه الكفايات" ينظر إليها على أنها إجابات عن وضعيات- مشاكل تتألف منها المواد الدراسية".

وعلى العموم، فالكفاية هي مجموعة من القدرات والمهارات والمعارف، يتسلح بها التلميذ لمواجهة مجموعة من الوضعيات والعوائق والمشاكل التي تستوجب إيجاد الحلول الناجعة لها بشكل ملائم وفعال.

ويظهر لنا من خلال مجموعة من التعاريف التي انصبت على تحديد مفهوم الكفاية أنها تنبني على عناصر أساسية، يمكن حصرها في:

القدرات والمهارات

الإنجاز أو الأداء.

الوضعية أو المشكل.

حل الوضعية بشكل فعال وصائب.

تقويم الكفاية بطريقة موضوعية.

وهكذا، يبدو لنا بأن الكفاية مرتبطة أشد الارتباط بالوضعية/ الإشكال.أي: إن الكفاية قائمة على إنجاز المهمات الصعبة، وإيجاد الحلول المناسبة للمشاكل المطروحة في الواقع الموضوعي. إذا، فالعلاقة الموجودة بين الكفاية والوضعية هي علاقة جدلية وثيقة ومتينة، وعلاقة استلزام اختباري وتقييمي وديداكتيكي.

أنـــواع الكفايـــات:

تنقسم الكفايات في مجال التربية والتعليم إلى أنواع عدة، يمكن حصرها فيما يلي:

الكفايات النوعية: تتحدد هذه الكفايات في مقابل الكفايات الممتدة أو المستعرضة. ويعني هذا أن الكفايات النوعية هي التي يكتسبها المتعلم في فترة مدرسية محددة. أي: إن هذه الكفايات مرتبطة بمادة دراسية معينة، أو مجال نوعي أو تخصص مهني معين. لذلك، فهي أقل شمولية وعمومية من الكفاية المستعرضة، وهي السبيل إلى تحقيق الكفايات الممتدة.

الكفايات الممتدة أو المستعرضة: هي تلك الكفايات المشتركة التي تجمع بين تخصصات متعددة. بمعنى أن الكفاية الموسعة هي التي تتوزع بين مجموعة من المواد والتخصصات، ويمكن امتلاكها بعد فترة من التعلم والتحصيل الدراسي، مثل: اكتساب منهجية التفكير العلمي، وهي كفاية توجد في جميع المواد الدراسية. وتمتاز الكفايات الموسعة بأنها كفايات عليا وقصوى وختامية، تتطلب نوعا من الإتقان والانضباط والمهارة والاحتراف، وتستوجب أيضا كثرة التعلم والتحصيل الدراسي؛ لأن هذه الكفاية هي نتاج تفاعل مع تخصصات ومواد دراسية عدة.

الكفايات الأساسية: هي كفايات قاعدية أو جوهرية أو دنيا، وهي كفايات ضرورية في مجال التربية والتعليم، مثل: كفاية القراءة، وكفاية الكتابة، وكفاية الحساب، بالنسبة للتعليم الابتدائي. بمعنى أن الكفايات الأساسية هي التي تنبني عليها العملية التعليمية- التعلمية، أو يبنى عليها النسق التربوي.

كفاية الإتقان: هي كفاية تكميلية، وليست أساسية وضرورية، فعدم الغرق أثناء السباحة هي كفاية أساسية. بيد أن الرشاقة، والسرعة، والسباحة في فريق، واحترام قواعد السباحة، هي كلها كفايات تكميلية، أو كفايات إتقان وجودة.

ومن جهة أخرى، تصنف الكفايات كذلك إلى معارف، ومواقف، ومهارات، وكفايات ثقافية، وكفايات تواصلية، وكفايات منهجية...

تعريــف الوضعيـــات:

إذا تصفحنا معاجم اللغة العربية كلسان العرب والمعجم الوسيط، فإننا لا نجد كلمة الوضعية بهذه الصيغة؛ بل نجد كلمة وضع موضعا ومواضع الدالة على الإثبات في المكان. أي: إن الوضعية بمثابة إطار مكاني للذات والشيء. ولكن في اللغات الأجنبية، نجد حضورا لهذا المفهوم بشكل واضح ومحدد. ففي معجم أكسفورد الإنجليزي، نجد أن الوضعية تعني " معظم الظروف والأشياء التي تقع في وقت خاص، وفي مكان خاص".

وتقترن الوضعية بدلالة أخرى، وهي السياق الذي هو" عبارة عن وضعية يقع فيها شيء، وتساعدك – بالتالي- على فهمه".

أما معجم روبير(Robert)، فيرى بأن الوضعية هي " أن تكون في مكان أو حالة حيث يوجد الشيء أو يتموقع". أي: إن الوضعية هي التموقع المكاني أو الحالي في مكان أو وضع ما، بينما يحدد السياق في هذا المعجم على أنه " مجموعة من الظروف التي تحيط بالحدث".

ويمكن أن نفهم من هذا كله أن الوضعية هي مجموعة من الظروف المكانية والزمانية والحالية التي تحيط بالحدث، وتحدد سياقه. وقد تتداخل الوضعية مع السياق والظروف والعوائق والمواقف والمشكلات والصعوبات والاختبارات والمحكات والحالة والواقع والإطار والإشكالية…إلخ.

هذا، وتعرف الوضعية في مجال التربية والديداكتيك بأنها" وضعية ملموسة تصف، في الوقت نفسه، الإطار الأكثر واقعية، والمهمة التي يواجه التلميذ من أجل تشغيل المعارف المفاهيمية والمنهجية الضرورية، لبلورة الكفاية والبرهنة عليها". أي: إن الوضعية واقعية ملموسة يواجهها التلميذ بقدراته ومهاراته وكفاءاته عن طريق حلها. والوضعيات ليست سوى التقاء عدد من العوائق والمشاكل في إطار شروط وظروف معينة. إن الوضعية- حسب محمد الدريج- " تطرح إشكالا عندما تجعل الفرد أمام مهمة عليه أن ينجزها، مهمة لا يتحكم في كل مكوناتها وخطواتها، وهكذا يطرح التعلم كمهمة تشكل تحديا معرفيا للمتعلم، بحيث يشكل مجموع القدرات والمعارف الضرورية لمواجهة الوضعية وحل الإشكال، ما يعرف بالكفاية".

وتأسيسا على ما سبق، نفهم بأن الوضعية هي مجموعة من المشاكل والعوائق والظروف التي تستوجب إيجاد حلول لها من قبل المتعلم للحكم على مدى كفاءته وأهليته التعليمية / التعلمية والمهنية. وتعتبر المواد الدراسية مجموعة من المشاكل والوضعيات. والآتي، أنه ينبغي علينا أن نعد التلميذ للحياة والواقع لمواجهة التحديات والصعوبات التي يفرضها عالمنا اليوم، و يتعلم الحياة عن طريق الحياة؛ وألا يبقى رهين النظريات المجردة البعيدة عن الواقع الموضوعي، أو حبيس الفصول الدراسية والأقسام المغلقة والمسيجة بالمثاليات والمعلومات التي تجاوزها الواقع، أو التي أصبحت غير مفيدة للإنسان. أي: إن فلسفة الوضعيات مبنية على أسس البراجماتية، كالمنفعة، والإنتاجية، والمردودية، والفعالية، والإبداعية، والفائدة المرجوة من المنتوج، وهو تصور الفلسفة الذرائعية لدى جيمس جويس، وجون ديوي، وبرغسون، والثقافة الأنجلو سكسونية بصفة عامة.

وخلاصة القول: ترتبط الكفايات بمواجهة المشاكل المركبة والوضعيات المعقدة. والمقصود بأن تكون كفءا، يعني أن تكون إنسانا ناجحا ومتمكنا من أسباب النجاح.

هذا، ومن مواصفات الكفاية أنها مركبة تشتمل على مجموعة من الموارد والمواقف المختلفة. كما أنها ذات هدف معين. وهي كذلك تفاعلية. بمعنى أن المتعلم يتسلح بمجموعة من القدرات المستضمرة للتفاعل مع المحيط. والآتي، أنها مفتوحة على مجموعة من الحلول الواقعية والممكنة والمحتملة. وهي محفزة على النجاح والتفوق والتميز. ومن جهة أخرى، ينبغي أن تكون الوضعية مدعمة بالأسناد والوثائق والتعليمات والنصوص ومعايير التقويم، ومؤشرات التصحيح.

أنــــواع الوضعيـــات:

إن الوضعيات هي مجموعة من الأطر والمؤشرات والظروف السياقية التي تحدد المشكلات والعوائق والصعوبات التي تواجه التلميذ، الذي يتسلح بدوره بمجموعة من المعارف والقدرات والكفايات الوظيفية، قصد حل هذه الوضعيات المعقدة والمركبة، والحصول على إجابات وافية وصحيحة للبرهنة على صدق هذه الكفايات والقدرات المكتسبة، عبر مجموعة من التعلمات والموارد المدرسية المنجزة مسبقا. ويمكن أن نضع التلميذ أمام عدة وضعيات تبرز طبيعة الكفاية لديه، وهذه هي التي ستحدد لنا أنماط الوضعيات – المشاكل على مستوى مؤشرات الأطر السياقية:

الوضعية المكانيـــة:

- أن يكون التلميذ قادرا على كتابة الإنشاء داخل القسم.

- أن يكون المتعلم قادرا على إجراء التجربة داخل المختبر.

الوضعية الزمانيـــة:

- أن يكون التلميذ قادرا على كتابة قصيدة شعرية في ساعتين.

– أن يقطع التلميذ مسافة 40 كلم في ساعتين.

الوضعية الحاليـة:

- أن يكون التلميذ قادرا على تمثيل هذا الدور المسرحي بطريقة كوميدية.

- أن يكون المتعلم قادرا على السباحة على ظهره في مسبح المدرسة.

الوضعية الأداتيـة أو الوسائلية:

- أن يكون المتعلم قادرا على كتابة نص من ألف كلمة بواسطة الكمبيوتر.

- أن يكون التلميذ قادرا على القفز بواسطة الزانة.

الوضعية الحدثيـــة أو المهاريـة:

- أن يكون التلميذ قادرا على إنجاز تقطيع هذا البيت الشعري، وتحديد بحره العروضي.

- أن يكون التلميذ قادرا على إصلاح الآلة الموجودة فوق الطاولة.

الوضعية التواصليــة:

- أن يكون قادرا على استخدام أسلوب التحذير، وهو يتكلم بالإسبانية مع شخص يدخن سيجارة في الحافلة.

- أن يكون قادرا على التواصل بالإنجليزية، وهو يكتب رسالة إلى صديقة البريطاني في لندن.
ومن جهة أخرى، يمكن أن نحدد أنواعا أخرى من الوضعيات الموقفية قياسا على ما ذهب إليه إيريبان (IRIBANE) في تصنيفه للكفايات:

وضعيات التقليد والمحاكاة:

ترتكز على مهمات التقليد، وإعادة المعارف والمهارات المكتسبة عن طريق التطبيق والمماثلة والحفظ والإعادة (وضعيات الاجترار).

وضعيات التحويل:

تنطلق من وضعية معينة من العمل لتطبيقها على وضعيات غير متوقعة، بيد أنها قريبة بالتفكير بالمثل، والاستفادة من الوضعيات السابقة لحل الصعوبات، عن طريق تحويلها لإيجاد الحلول المناسبة (وضعيات الاستفادة والامتصاص).

وضعيات التجديد:

تنطلق من مواجهة مشاكل وصعوبات وعراقيل جديدة، وتقديم حلول مناسبة لها. (وضعيات الحوار و الإبداع).
هذا، ويمكن تصنيف الوضعيات من الناحية التقويمية المعيارية على النحو التالي:

 وضعية أولية: يتم طرح مجموعة من الوضعيات الإشكالية للتلميذ أثناء بداية الدرس أو قبل الشروع فيه، وتتعلق هذه الوضعيات بمراجعة الدرس السابق، أو دفعه إلى الاستكشاف، أو حثه وتشجيعه على استعمال قدراته الذاتية والمهارية.

 وضعية وسيطية: يقدم المعلم للمتعلم مجموعة من الوضعيات أثناء مرحلة التكوين والتعلم الذاتي لحل مشاكلها، اعتمادا على الأسناد والوثائق والنصوص والتعليمات ومعايير التقويم. والهدف من ذلك كله هو التثبت من قدرات التلميذ التعلمية والمفاهيمية والمهارية.

 وضعية نهائية: يواجه التلميذ في نهاية الدرس وضعيات نهاية إجمالية أو نهائية هي التي تحكم على التلميذ إن كان كفءا أم لا؟ وهل تحققت عنده الكفاية الأساسية أو النوعية أم لا؟ وهل أصبح قادرا على مواجهة الصعوبات والوضعيات الإشكالية والمواقف الواقعية الصعبة أم لا؟ وهل تحقق الهدف المبتغى والغاية المنشودة من التكوين والتعلم الذاتي أم لا؟

وينبغي لهذه الوضعيات أن تتناسب تماثليا مع التقويم الأولي والتكويني والإجمالي في إطار العملية التعليمية – التعلمية.

وعلى مستوى المحتوى أو المضمون والخبرات، فهناك وضعيات معرفية (ثقافية)، ووضعيات منهجية، ووضعيات تواصلية، ووضعيات وجدانية وأخلاقية، ووضعيات حركية، ووضعيات مهنية تقنية…

أهمية الوضعيات- المشـــاكل:

من المعلوم، أن للوضعيات أهمية كبيرة في اختبار المناهج الدراسية، وتقييم المدرسة المعاصرة، والتمييز بين التقليدية منها والجديدة، ومعرفة المدرسة المنغلقة من المدرسة الوظيفية والمنفتحة. وعليه، فإن الوضعيات هي محك الكفاءة والمردودية، وإبراز للقدرات والمهارات والمواهب المضمرة والظاهرة. إنها تربية على حل المشاكل المستعصية، واقتراح الحلول المناسبة والممكنة، والتحفيز على التعلم الذاتي، وتجاوز للطرائق التقليدية القائمة على التلقين، والحفظ، وتقديم المعرفة والمحتويات بواسطة المدرس إلى التلميذ السلبي.
ومن الأكيد أن التربية بالوضعيات هي التي تفرز الكفاءات والقدرات العقلية المتميزة، فهي التي تربط المدرسة بالواقع وسوق الشغل، وليس ذلك من خلال الشواهد والدبلومات و المؤهلات، بل من خلال الشواهد – الكفايات. بيد أن هذه الوضعيات والكفايات ليست عصا سحرية لمعالجة كل مشاكل وزارات التربية والتعليم، مثل: معالجة اكتظاظ التلاميذ في الفصول الدراسية، ونقص في تكوين المدرسين، وإيجاد الحلول المناسبة للوضعية الاجتماعية للمدرسين، وتوفير الوسائل والإمكانيات المادية والبشرية، بل إن طريقة التعليم بالكفايات والوضعيات طريقة بيداغوجية لعقلنة العملية الديداكتيكية تخطيطا وتديرا وتسييرا وتقويما، وتفعيلها بطريقة علمية موضوعية على أسس معيارية وظيفية، وربط المدرسة بالحياة، وسوق العمل، وتلبية حاجيات أرباب العمل، وتحقيق الجودة والمنافسة، والسير وفق مقتضيات العولمة. ويتطلب كل هذا تغيير عقلية الإدارة والمدرس والتلميذ والآباء والمجتمع كله. ولا ينبغي أن تبقى الوضعيات والكفايات في إطارها الشكلي، أو بمثابة موضة عابرة أو حبيسة مقدمات الكتب المدرسية، أو رهينة لتوجيهات البرامج الدراسية وفلسفتها البعيدة باعتبارها غايات ومواصفات مثالية نظرية بدون تطبيق أو ممارسة فعلية وميدانية. وهنا، أستحضر قولة معبرة بكل وضوح لما نريد أن نقصده لمبلور الكفايات فيليب پيرنو(Perrenoud):"إذا ظلت المقاربة بالكفايات على مستوى الخطاب لهثا وراء الموضة، فإنها ستغير النصوص لتسقط في النسيان… […] أما إذا كانت تطمح إلى تغيير الممارسات، فستصبح إصلاحا من (النمط الثالث) لا يستغني عن مساءلة معنى المدرسة وغايتها"

وعليه، فللوضعيات أهمية كبرى في مجال التربية والتعليم ؛ لأنها تؤهل المتعلم ليكون إنسانا كفءا ومواطنا مسؤولا، يعتمد على نفسه في مواجهة المواقف الصعبة والوضعيات المستعصية.

سياق الوضعيات:

لا يمكن فهم الوضعيات إلا إذا وضعناها في سياقها الاجتماعي والتاريخي، فلقد استلزم التطور العلمي والتكنولوجي المعاصر منذ منتصف القرن العشرين توفير أطر مدربة أحسن تدريب لتشغيل الآلة بكل أنماطها؛ مما دفع بالمجتمع الغربي ليعيد النظر في المدرسة وطبيعتها ووظيفتها، من خلال ربطها بالواقع والحياة وسوق الشغل، قصد محاربة البطالة، و البحث عن أسباب الفشل المدرسي، وإيجاد حل لللامساواة الاجتماعية. ويعني هذا ربط المدرسة بالمقاولة والحياة المهنية والعولمة والقدرة التنافسية المحمومة. أي: على المدرسة أن تنفتح على الواقع والمجتمع معا لتغييرهما وإمدادهما بالأكفاء والأطر المدربة الماهرة والمتميزة، فلا قيمة للمعارف والمحتويات الدراسية، إذا لم تقترن بما هو وظيفي ومهني وتقني وحرفي. إذاً، فكل هذه العوامل هي التي كانت وراء عقلنة المناهج التربوية، وجعلها فعالة ناجعة ذات مردودية تأطيرية وإبداعية.

وقد حاولت دول العالم الثالث، بما فيها الدول العربية (المغرب، والجزائر، و تونس، وسلطنة عمان – مثلا-...)، أن تتمثل هذا النموذج التربوي القائم على بيداغوجية الكفايات والوضعيات لمسايرة المستجدات العالمية، والإنصات إلى متطلبات السوق الليبرالية، بغية الحد من البطالة، وتفادي الثورات الاجتماعية، والحد من ظاهرة الهجرة بكل أنواعها، مع تبيئتها في مدارسها لخلق الجودة والعقلانية، وتحصيل المردودية الفعالة. وبذلك، أصبحت التربية تابعة للسياسة الاقتصادية للدولة وظروفها الاجتماعية والتمويلية. وفي هذا الصدد، يقول نيكو هيرت (Nico Hirtt):" ما هو إذا عالم اليوم هذا؟ يتميز محيطنا الاقتصادي بعنصرين اثنين: أولا تقلب بالغ، وثنائية اجتماعية قوية. ينجم عن احتدام الصراعات التنافسية، وإعادة الهيكلة، وإغلاق المصانع، وترحيل وحدات الإنتاج، واللجوء المتسارع إلى اختراعات تكنولوجية زائلة أكثر فأكثر( سواء في مجال الإنتاج أم في مجال الاستهلاك). وفي هذا السياق، تتمثل إحدى أهم مساعي أرباب العمل في المرونة. أي: مرونة سوق العمل، ومرونة العامل المهنية والاجتماعية، ومرونة أنظمة التربية والتكوين، وقابلية تكيف المستهلك.

مازالت سوق العمل حاليا منظمة بشكل قوي على أسس المؤهلات. أي: على أساس الشواهد. وتمثل الشهادة جملة معارف ومهارات معترف بها، تخضع لمفاوضات جماعية، وتخول حقوقا بشأن الأجور وشروط العمل أو الحماية الاجتماعية. ولإتاحة دوران أكثر ليونة لليد العاملة، بات أرباب العمل يسعون لتدمير هذا الثنائي المتصلب: مؤهلات- شواهد، واستبداله بالثنائي كفايات- شواهد مبنية على وحدات تكوين( مصوغات أو مجزوءات.Modulaire)"
وهكذا، يتبين لنا بأن سياق الوضعيات يتمثل في الانفصال بين النظرية والتطبيق، أو في غربة المدرسة عن الواقع و سوق الشغل.

خصائص الوضــعية- المشكل:

ثمة مجموعة من الخصائص التي يجب أن تتميز بها الوضعية المشكلة- حسب أستوفلي ، نذكر منها:

ينبغي أن تحدد الوضعية عائقا ينبغي حله.

أن تكون الوضعية حقيقية ملموسة وواقعية تفرض على التلميذ صياغة فرضيات وتخمينات.

تشبه هذه الوضعية لغزا حقيقيا ينبغي حله، و مواجهته بالقدرات المكتسبة.

 تكون ذات خصوصية تحدد مجال فعل الكفاية.

 توصف ضمن لغة واضحة ومفهومة من قبل التلميذ.

 تتطلب الوضعية معارف وقدرات ومهارات تساهم في تكوين الكفاية في شتى مستوياتها المعرفية والحركية والوجدانية.

 تتشابه مع وضعية حقيقية يمكن أن تواجه الأفراد خارج المدرسة، ضمن الحياة المهنية أو الحياة الخاصة.

 ينبغي أن يكون المشكل الذي يعد للتلميذ مشكلا حقيقيا، لا يكون فيه الحل بديهيا.

 تشكل الوضعية فرصة يثري فيها التلميذ خبراته.

 تحدد الوضعية وفق المستوى المعرفي للتلميذ.

سياق بيداغوجيا الكفايات:

ظهرت بيداغوجيا الكفايات بعد أزمة التشغيل التي كانت تعاني منها، ومازالت تعاني منها دول العالم الثالث؛ لأن المدرسة لم تعد وظيفية تساهم في التنمية الشاملة، وتحقق المستقبل السعيد للمتعلمين وخريجي الجامعات الذين يتزايدون سنة بعد سنة. وقد ساهمت هذه المدرسة غير الوظيفية في ازدياد أفواج العاطلين بشكل خطير. لذا، فكرت الدول أن تربط المدرسة بالمحيط وسوق الشغل، عن طريق تأهيل المتعلمين تأهيلا وظيفيا، وتكوينهم تكوينا كفائيا، بتسليحهم بمجموعة من القدرات والكفايات المهارية والمعرفية والمنهجية والأدائية لمواجهة تحديات الواقع الموضوعي. بمعنى آخر، تزويد المتعلمين أو الخريجين بكفايات ضرورية وأساسية، يحتاجونها أثناء مواجهتهم لوضعيات جديدة أو صعبة أو مركبة أو معقدة أو متنوعة، بغية التكيف مع الواقع الموضوعي، سيما واقع الشغل أو العمل.

وفي هذا السياق بالذات، ظهرت بيداغوجيا الكفيات لتعيد النظر في وظيفة المدرسة التي تركز كثيرا على المعارف الكمية على حساب الكفايات والمهارات والقدرات الوظيفية. ومن ثم، ركزت هذه النظرية الجديدة على ثلاثة مكونات ضرورية، هي: الكفايات، والوضعيات، والسياق الوظيفي. ومن ثم، أصبحت مقاربة إجرائية ناجعة في معالجة مشاكل التربية والتعليم، خاصة مشكل التقويم الذي يعتمد على مفهوم جديد، هو مفهوم الإدماج الذي يعني إدماج المتعلم لموارده المكتسبة حين مواجهة الوضعيات الصعبة.

وعلى العموم، تسعى بيداغوجيا الكفايات إلى تأهيل رجال الغد ونسائه لتحمل مسؤولياتهم بطريقة قائمة على الإبداعية، والمسؤولية الشخصية، والارتكان إلى التعلم الذاتي، و مواجهة المشاكل والوضعيات الجديدة. ومن جهة أخرى، تسعى إلى تشجيع المتعلم والطالب على البحث والاستكشاف والابتكار، ومواجهة الظروف الصعبة، كما تساعده على التحلي بروح العمل، وتحقيق الجودة، والمثابرة الجادة، والمبادرة الحرة، وتحمل المسؤولية. أي: تكوين مواطن مسؤول وكفء.

وينضاف إلى ذلك، أن هذه النظرية التربوية الجديدة تهدف إلى تمهير المتعلم بمجموعة من الكفايات الأساسية والمستعرضة التي تجعله يواجه مختلف الوضعيات التي تواجهه في الحياة العملية. لذا، فقد ارتبطت هذه النظرية بسوق الشغل، وكان الهدف منها هو تمهين المتعلم لكي يواكب مختلف التطورات التي قد تصادفه في سوق العمل. علاوة على ذلك، لابد للتعليم أن يكون وظيفيا مرتبطا بسوق الشغل، بغية القضاء على البطالة والأمية الوظيفية. ومن ثم، فالمدرسة - حسب نظرية الكفايات- هي آلية من آليات الإبداع و الابتكار والاختراع والإنتاج والعمل والتطور الديناميكي.

مقارنة بين بيداغوجيا الأهداف وبيداغوجيا الكفايات:

إذا كانت بيداغوجيا الأهداف تعنى بوصف سلوك المتعلم من خلال التشديد على طبيعة السلوك، و ربطه بصاحبه، وتعيين الهدف المرجو تحقيقه من وراء إنجاز هذا السلوك، وتبيان الظروف التي تحيط بهذا السلوك، وتحديد معايير القياس التي يتم بها تقويم السلوك الملاحظ، مع تجزيء المحتويات التعليمية – التعلمية إلى أهداف جزئية إجرائية مفتتة، فإن بيداغوجيا الكفايات هي التي تربط الكفايات بوضعياتها الحقيقية والسياقية، فتعليم لغة ما – مثلا- لا يمكن أن يكون ناجعا إلا في سياق اللغة المرجعي واللغوي والتداولي.

كما أن هذه البيداغوجيا الكفائية كيفية ومهارية تقوي ملكات العقل، وتنمي المواقف والكفايات المعرفية والمنهجية، وتتحول فيها المحتويات إلى قدرات وكفايات ووضعيات مترابطة. ويعني هذا أن المقررات الدراسية تنتظم في شكل كفايات ووضعيات متدرجة من السهولة إلى الصعوبة فالتعقيد. ومن ثم، تتميز هذه الوضعيات بالتنوع وتعدد مسالكها وتخصصاتها الدراسية.
وإليكم - الآن- جدولا توضيحيا للمقارنة بين نظرية الأهداف ونظرية الكفايات:

بيداغوجيا الأهداف بيداغوجيا الكفايات

- تعتمد على مدخل المحتويات.

- البحث عن السلوك الملاحظ عبر المحتوى.

- التركيز على إلقاء المدرس.

- عدم الارتباط بالسياق.

- موارد محددة في سلوكيات وأهداف إجرائية خاضعة للقياس.

- التركيز على عملية التعليم، وليس على التعلم.

- إنتاج معارف تخصصية.

- المقاربة السلوكية. - تعتمد على مدخل الوضعيات.

- البحث عن استعمالات للقدرات ضمن وضعيات مختلفة ومتنوعة.

- التركيز على أنشطة المتعلم.

- تحديد السياق.

- البحث عن معنى للتعلمات.

- تعدد الموارد.

- تصنيف الوضعيات الكفائية التي تسمح بتكوين المتعلم لمواجهة مختلف العوائق والمشاكل والوضعيات المعقدة والمركبة في الواقعين التربوي والمرجعي.

- مقاربة ذات نماذج معرفية وإبستمولوجية متنوعة.

المقارنة بين التعليم التقليدي والتعليم الكفائي:

يرتكز التعليم التقليدي الموسوعي على المدرس باعتباره صاحب سلطة معرفية مطلقة، يقدمها للتلميذ جاهزة عن طريق مجموعة من الأسئلة التي تستوجب الحفظ والتقليد والتكرار. ومن ثم، يصبح التلميذ مرتكنا إلى مدرسه، لا يستطيع أن يواجه ما يتعرض له من المواقف المستجدة، أو يلبي طلبات المقاولات الحديثة ؛ لأنه لا يملك الكفاءات والمهارات المهنية و المنهجية و التواصلية والذهنية واللغوية، بل يقف مكتوف اليدين عاجزا عن التأقلم والتكيف مع مستجدات الواقع الاقتصادي الجديد. لأن معارفه نظرية مجردة غير وظيفية، تنقصها الممارسة والخبرات التجريبية.

وفي التعليم الموسوعي أيضا، يتم الاهتمام بالكم على حساب الكيف، ويلتجئ المدرس إلى التحفيز السلوكي الميكانيكي اعتمادا على ثنائية الحافز والاستجابة لتوجيه دفة القسم؛ مما ينتج عنه ردود أفعال التلاميذ السلبية، ونفورهم من القسم لغياب الأنشطة الذاتية والخبرات الفردية. و بالتالي، ينكمشون على أنفسهم انطواء أو خوفا أو خجلا أو جهلا بما يعطى لهم من دروس ومعارف كمية، يصعب الإحاطة بها في سنة كاملة.

أما التعليم بالكفايات، فهو تعليم قائم على استكشاف القدرات الكفائية لدى المتعلم عبر أداءات وإنجازات طوال سيرورة التعلم، ووضعه في وضعيات معقدة أو أقل تعقيدا لاختبار أدائه السلوكي، وتقويم كفاءاته وقدراته في التعامل مع مشاكل الواقع المحيطة به. و يراعي هذا التعليم الفوارق الفردية، وينكب على ظاهرة اللاتجانس من خلال دراسة كل حالة فردية، ودعم كل متعلم بمجموعة من المهارات الكفائية، وتحفيزه على إبراز قدراته وميوله واستعداداته، سواء في حلقة واحدة أم في حلقات متعددة متواصلة ؛لأن المقياس – هنا- ليس هو الدرس الذي ينتهي داخل حصة زمنية محددة كما في التعليم التقليدي الموسوعي، بل الحلقة الديداكتيكية المتوالية التي تمتد عبر حصتين فأكثر.

هذا، ويقدم التعليم الكفائي المقرر الدراسي في شكل مجزوءات ووحدات دراسية ووضعيات مركبة، تصغر بدورها في إطار مقاطع وحلقات وخبرات مؤشرة في كفايات نوعية أو شاملة أو ممتدة، قصد التدرج بالمتعلم لتحقيق كفايات عليا كلية ونهائية. ويتم التركيز في هذا النوع من التعليم على الكيف والمتعلم ؛ لأن المدرس مجرد وصي أو مرشد ليس إلا. وتصبح الدروس خبرات وممارسة كيفية ومهارات وقدرات معرفية ووجدانية وحركية. أي: إن المتعلم هو الذي يكون نفسه بنفسه، ويتعلم كيف يبحث ويفكر، وينظم ما يبحث عنه منهجيا ووظيفيا.إن التعليم بالكفايات- كما يقول محمد الدريج-:"يروم بناء الكفايات لدى التلميذ، على اعتبار أن الكفايات هي قدرات شاملة ودينامية (نشطة) التي لايمكن اختزالها في لائحة تحليلية من المحتويات، إنها تشكيلة ( تركيبة) ذكية من المعارف والمهارات والاتجاهات. فأن نكون أكفاء لا يعني أن نملك جملة من المعلومات والمهارات، فأن نكون أكفاء يعني أساسا أن نكون قادرين على تجنيد تلك المعلومات والمهارات، وتوظيفها في مواقف معينة ولحل مشكلات. أي: أن نكون فعالين ومنتجين في وضعيات محددة.

لذلك، يصير بناء الكفايات بهذا المعنى أمرا معقدا وأمرا ذاتيا وشخصيا. فيكون من أولويات نشاط المدرسين مساعدة المتعلمين،لكن على المتعلمين مساعدة أنفسهم في التعلم والتكوين الذاتي. لذلك، فإن التعليم بالمجزوءات يستدعي المتعلم كمسؤول، ويتعامل معه كمدبر لتكوينه.".

وهكذا، تتأسس بيداغوجيا الكفايات على المتعلم لا على المدرس كما هو حال البيداغوجيا الكلاسيكية. بمعنى أن الدرس يتحول إلى مجموعة من الوضعيات المعقدة والمشاكل المركبة التي ينبغي على المتعلم مواجهتها من خلال الموارد التي يمتلكها، حيث يوظفها بطريقة ملائمة ومناسبة من أجل تحقيق الكفاية الأساسية والهدف الأنجع. ومن ثم، فالمدرس في هذا التصور مرشد وموجه ليس إلا، يهيئ الوضعيات الجديدة، ويقترح المشاكل المعقدة والمركبة التي ينبغي أن يحلها المتعلم. ويعني هذا أن الدرس يتحول إلى مجموعة من الوضعيات المتدرجة من البساطة إلى التعقيد، حيث تكون واضحة، ودالة، وهادفة، وبناءة، ومحفزة على العمل والاجتهاد والنجاح. والآتي، أن المدرس – هنا- ليس مالكا للمعرفة، بل هو مجرد محضر للأسئلة والوضعيات المشكلة.

العلاقات التفاعلية بين المدرس والمتعلم والمعرفة:

ينبني التفاعل الديداكتيكي على عناصر ثلاثة هي: المدرس والمتعلم والمعرفة. ومن ثم، إذا كانت التربية التقليدية تركز على المدرس والمعرفة، إذ تجعل من المدرس مالكا للمعرفة المطلقة. ومن ثم، تغيب المتعلم على مستوى التواصل التفاعلي، وتجعله كائنا سلبيا يتلقى المعلومات فقط، دون مناقشتها أو محاورة صاحبها. ويعني هذا أن المتعلم ذات متلقية تحشى بالمعلومات والمعارف. في حين، تتميز بيداغوجيا الكفايات الجديدة بالتركيز على التفاعل الإيجابي بين أقطاب ثلاثة: المعلم، والمتعلم، والمعرفة.

وعليه، تتحول المعرفة في البيداغوجيا الكفائية إلى وضعيات إجرائية تطبيقية في شكل مشاكل معقدة ومركبة تستوجب الحلول الناجعة. ومن ثم، تنطلق هذه المعرفة من المقررات والمحتويات والمضامين في ضوء مجموعة من الكفايات الأساسية عبر وضعيات- مشكلات. ويعني هذا أن المعرفة مرتبطة بالكفاية والوضعية.

أما المعلم فتتمثل مهمته التربوية في تحضير الوضعيات التي تجعل المتعلم يستضمر قدراته الذاتية لمواجهة هذه الوضعيات المركبة والمعقدة. وعلاوة على ذلك، فللمدرس أهداف ثلاثة: فهو يساعد المتعلم على تحديد المشكلة أو موضوع الوضعية، ثم يوجهه إلى الموارد التي ينبغي استثمارها في حل هذه المشكلة، ثم يساعده على تنظيم موارده بكيفية لائقة وهادفة. ويعني هذا أن دور المدرس توجيهي وإرشادي ومنهجي وكفائي وتحفيزي ليس إلا. ومن هنا، لم تعد المعرفة ملكا للمدرس، بل هي من مكتسبات المتعلم. أي: أضحت المعرفة مجموعة من الموارد التي يمتلكها المتعلم، وتتكون هذه المعرفة من مهارات، ومعارف، ومواقف، وإنجازات، وكفايات معرفية وثقافية ومنهجية. ومن ثم، فالكفاية هي مجموعة من المعارف المختلفة التي يستعملها المتعلم، ويحركها حين يواجه موقفا أو وضعية سياقية جديدة.
أما المتعلم فهو البطل الحقيقي في سيرورة التعلم، إذ يساعده المدرس على حل الوضعيات السياقية المتدرجة في البساطة والتعقيد، مع توظيف قدر ممكن من مكتسباته الكفائية والمنهجية، واستعمال موارده بطريقة لائقة وهادفة. بمعنى أن كفاياته معرفية ووجدانية وحسية حركية. ويعني هذا أن هذه البيداغوجيا تنمي الفكر المهاري لدى المتعلم، وتقوي إدراكاته المنهجية والتواصلية. في حين، يهتم التدريس السلوكي بتعليم شرطي آلي محدود. ومن ثم، فهو تعليم قياسي وكمي. بينما تساعد البيداغوجيا الكفائية المتعلم على البحث المنهجي اعتمادا على الذات، وحل المشاكل المستعصية، ومواجهة الظروف الصعبة والمعقدة، والتأهب دائما للاعتماد على النفس لحل جميع المشاكل المختلفة التي يواجهها في محيطه الخارجي. ويعني هذا أن هذه البيداغوجيا طريقة دينامكية تساعد على اكتساب الفكر المهاري والتعلم المنهجي للوصول إلى هدف ناجع.

تخطيط الدرس في ضوء بيداغوجيا الكفايات:

ينبني تخطيط الدرس في ضوء بيداغوجيا الكفايات على مجموعة من الخطوات الضرورية التي تكمن في ما يلي:

تسطير الكفايـــات:

تتكون جذاذة الدرس من كفايات مسطرة في شكل قدرات كفائية أساسية أو نوعية أو مستعرضة وممتدة، كأن نقول مثلا:

- أن يكون التلميذ قادرا في آخر الحصة على تركيب إنشاء في ستة أسطر، يصف فيه مسجد الحي، موظفا في ذلك جملتين حاليتين وجملتين نعتيتين.

- أن يكون المتعلم قادرا في آخر الحصة الدراسية على إنجاز جميع التطبيقات الكتابية في ظرف ربع ساعة.

- أن يكون المتعلم قادرا على استظهار آية قرآنية مع تفسير مضامينها.

- أن يكون المتعلم قادرا على بناء قاعدة الدرس أثناء المرحلة التكوينية.

وقد تكون الكفايات المسطرة معرفية، أو وجدانية، أو حسية حركية، أو منهجية، أو ثقافية، أو تواصلية...

تحويل المحتويات إلى أنشطة ووضعيات:

تكون محتويات الدرس عبارة عن أنشطة تعلمية ووضعيات متنوعة ومتدرجة، سواء أكانت وضعيات معرفية أم وجدانية أم حسية حركية. وتتوزع هذه الأنشطة بين ما يعود إلى المدرس وما يعود إلى المتعلم. بمعنى أن هناك أنشطة المدرس وأنشطة المتعلم. ومن المعلوم، أن المدرس هو الذي يحضر الوضعيات - المشكلات ليجيب عنها المتعلم. وقد ميز دوكتيل بين خمسة أنماط من الأنشطة التعلمية المرتبطة ببيداغوجيا الإدماج، وهي:
 أنشطة الاستكشاف أو الاستثمار.

أنشطة التعلم النسقي.

أنشطة البناء.

أنشطة الإدماج.

أنشطة التقويم.

ولايمكن تبين هذه الأنشطة الكفائية بشكل جيد ودقيق إلا بتوضيحها على النحو التالي:

 أنشطة الاستكشاف أو الاستثمار.

تقوم أنشطة الاستكشاف على إثارة المتعلم ذهنيا ووجدانيا وحركيا، وجذبه إلى الوضعية الجديدة بغية إيجاد حلول مناسبة لما تطرحها من مشاكل عويصة، ودفعه إلى التفكير فيها. ومن ثم، تكون هذه الأنشطة تمهيدية متزامنة مع التقويم التمهيدي أو القبلي أو التشخيصي، وتتمحور حول التعلمات الاعتيادية أو المكتسبة أو التعلمات السابقة. ولافرق بين الاستكشاف في التعليم التقليدي والتعليم المعاصر إلا من باب وجود السياق؛ لأن الوضعيات لا تأخذ معناها ودلالاتها الوظيفية إلا في سياق تداولي ومرجعي ما. بيد أن ما يلاحظ على مرحلة الاستكشاف أن المتعلم هو الذي يقوم بهذا الاستكشاف. في حين، يحضر المدرس وضعيات الاستكشاف الصعبة ليحلها المتعلم بطريقة منهجية فاعلة وهادفة. ويعني هذا أن المتعلم ينطلق في استكشافه من وضعية المشكلة، فيختار الحلول الممكنة لحل هذه المشكلة المعقدة.

أنشطة التعلم النسقي

تعتمد أنشطة التعلم النسقي على بناء المعارف بطريقة تدريجية متناسقة، مع مراعاة التدرج في عملية الترابط والاتساق والانسجام بين الموارد الأساسية التي ترتبط بكفاية ما. وبتعبير آخر، فأنشطة التعلم النسقي هي" تلك الأنشطة التي تتوخى تنظيم مختلف المعارف والخبرات التي تمت معالجتها أثناء أنشطة الاستكشاف: ترسيخ المفاهيم، وبنينة المكتسبات وممارستها."

وتذكرنا هذه الأنشطة بطريقة المربي الألماني هربارت القائمة على التنسيق المنطقي بين مجموعة من العمليات الديداكتيكية، مثل: المراجعة، وقراءة الأمثلة، واستخراج القاعدة، والتنسيق بين الفقرات، والتطبيق.

أنشطــــة البنـــــاء.

تتمثل أنشطة البناء أو البنينة في الربط بين المكتسبات القديمة والجديدة، أو الربط بين المفاهيم المتقاربة، أو المقارنة بين المفاهيم والقضايا المتباعدة أو المتكاملة. ويعني هذا أن ثمة أنشطة، مثل: التمارين التطبيقية التي تسعف المتعلم في عملية الربط والدمج بين المعارف المكتسبة والمعارف الجديدة. وقد تكون هذه البنينة في مستهل الدرس أو في نهايته، عبر تجميع كل الأفكار الأساسية والثانوية والفرعية في خلاصة عامة. كما تعتمد أنشطة البناء على الجمع بين عدة عمليات عقلية ومنطقية ورياضية، كالجمع بين الجمع والضرب وحساب النسبة المائوية في عملية واحدة ما، أو المقارنة بين رسمين...ومن هنا، فإذا كانت" جل أنشطة الاستكشاف ترتبط بتعلم اعتيادي، فقد نتصور أنشطة استكشاف ترتبط بمجموع التعلمات، من أجل بنينة هذه التعلمات في البداية.

وقد يتعلق الأمر بإدخال بعض الأفكار الأساسية والتمثيلية التي تفسر للتلميذ جوهر المحتوى كله، عن طريق الأمثلة و/ أو التمارين، مما يمكنه من ربط المعارف الجديدة بمعارفه السابقة وبتجربته."

ويعني هذا أن أنشطة البناء تهدف إلى الربط بين التعلمات السابقة والتعلمات الجديدة.

أنشطة التعلم بحل المشكلات.

يواجه المتعلم وضعية تتطلب حل مشكلة ما إما بشكل فردي وإما بشكل جماعي، عبر التفكير في حيثيات المشكلة من خلال سياقها التداولي، وتدبرها بشكل جيد، ثم اقتراح الحلول المناسبة والممكنة لمعالجة هذه المشكلة. ومن ثم، " يحقق التعلم بحل المشكلات نتائج أفضل من نشاط الاستكشاف، في إيصال مفهوم دقيق؛ لأنه يقترح وضعية- مشكلة معقدة،تستلزم أن يقوم التلميذ بتعلمات متعددة، متداخلة ومتمحورة حول هذه الوضعية في الآن نفسه. وهي ليست نشاطا يستغرق دقائق أو ساعات معدودة، وإنما يتطلب عدة أيام، وأسابيع، أو حتى عدة أشهر... وتعتمد هذه المقاربة حاليا في التعليم العالي بالخصوص."
ويعني هذا أن البحث الذي يقوم به المتعلم يرتبط بفرضية أو مشكلة ما، تستوجب البحث والتنقيب معا، وجمع المادة لإيجاد حل لها.

أنشطـــة الإدمـــاج.

يلتجئ المتعلم إلى أنشطة الإدماج، بعد اكتساب الموارد، وبعد عمليات التوليف والتركيب والدعم والمراجعة، من أجل مواجهة وضعية أو مجموعة من الوضعيات الصعبة، بغية تثبيت كفاية ما تمهيدا وتطبيقا. وبتعبير آخر، يستدمج المتعلم كل موارده المكتسبة لتوظيفها لحل الوضعية.أي: إن" نشاط الإدماج هو نشاط ديداكتيكي يتوخى استدراج التلميذ لتحريك المكتسبات التي كانت موضوع تعلمات منفصلة، فهي - إذاً- لحظات تعلمية تقوم على إعطاء معنى لتلك المكتسبات.

ويمكن أن نلجأ إلى أنشطة الإدماج في أية لحظة من التعلم، لاسيما في نهاية بعض التعلمات التي تشكل كلا دالا، أي: عندما نريد ترسيخ كفاية، أو تحقيق الهدف النهائي للإدماج.
وتتغير أنشطة الإدماج هاته، فأثناء التعلمات الاعتيادية، قد تكون أنشطة قصيرة (لا تتجاوز دقائق معدودات) لوضع مكتسبات عديدة ضمن سياق. وفي نهاية التعلم، تصير المدة مهمة: قد تمتد من ساعة إلى عدة أيام."

وعليه، ينبني نشاط الإدماج على فعالية المتعلم باعتباره بطلا رئيسيا في عملية بناء التعلمات، وحل الوضعيات المشكلات. كما يستلزم الإدماج من المتعلم أن يعبئ كل موارده المستضمرة بشكل من الأشكال لحل الوضعية المطروحة عليه. كما أن نشاط المتعلم نشاط ذو معنى، ومرتبط بوضعية جديدة، وموجه نحو كفاية أو نحو هدف إدماج نهائي.

ومن أمثلة الأنشطة الإدماجية نذكر: نشاط حول حل المشكلات، ونشاط خاص بوضعية تواصل، ومهمة معقدة تنجز في سياق معطى، وإنتاج حول موضوع معين، وزيارة ميدانية، وأعمال تطبيقية ومختبرية، وابتكار عمل فني، وتدريب عملي، وإنجاز مشروع بيداغوجي أو مشروع القسم...

هذا، ويرتكز نشاط الإدماج على تحديد الكفاية المستهدفة، وتحديد التعلمات التي نريد دمجها، واختيار وضعية ما تكون دالة وجديدة تراعي مستوى المتعلم، وتتيح فرصة لإدماج ما نريد أن يتعلمه التلميذ، ووضع صيغ التطبيق، مثل: ما يقوم به المتعلم، وما يقوم به المدرس، وإعداد الوسائل المتوفرة، وتحديد المطلوب بدقة، وتبيان أشكال العمل(فردي – جماعي- المجموعات...)، وتوضيح مراحل العمل، والإشارة إلى بعض المزالق التي ينبغي تجنبها.

أنشطـــة التقويــم.

يرتبط التقويم بعمليات الإدماج. بمعنى أن التقويم في هذا المجال إدماجي يقيس كفايات المتعلم وطريقة استدماجه للموارد، وكيفية حله للوضعية المشكلة. ويقوم التقويم على أنشطة التقدير والقياس والتصحيح والمعالجة. ويعني هذا أن أنشطة التقويم هي بمثابة وضعيات استدماجية تتطلب حلا من قبل المتعلم، اعتمادا على مجموعة من موارده ومكتسباته السابقة، مع مراعاة السياق التداولي والنصي والمرجعي والشخصي.

اختيار الوسائـل والطرائق الديداكتيكية المناسبة:

لابد من تمثل الطرائق البيداغوجية التي تتلاءم مع بيداغوجيا الكفايات والإدماج، بالانفتاح على الوسائل اللفظية والبصرية والرقمية المتنوعة والمختلفة، واستعمال النصوص والوثائق والمصادر والمراجع والأسناد والأسئلة والتعليمات ومعايير التصحيح ومؤشرات التقويم. إذاً، فمن الأجدى اختيار طريقة بيداغوجية تلائم نشاطا كفائيا ما، و"لا يخفى أن هناك طرائق عديدة يمكن اتباعها؛ ومنها الطرائق التي تركز على نشاط التلميذ مثل طريقة حل المشكلات، أو الطرائق التي تنظم التعلمات حول مشروع معين(بيداغوجيا المشروع)، أو حول نشاط وظيفي(دوكرولي- فريني)، ومنها أيضا مجموع الممارسات البيداغوجية التي تفردن الأنشطة حسب مواصفات التلاميذ واهتماماتهم. وهو إجراء مهم من منظور الإدماج، بحيث إن المكتسبات المختلفة تترسخ بشكل فردي لدى التلميذ، بما فيها الأهداف النوعية والقدرات والكفايات."
ويعني هذا كله أن بيداغوجيا الكفايات تستفيد من كل الطرائق البيداغوجية والوسائل الديداكتيكية التي تساعد المتعلم على حل جميع الوضعيات التي يواجهها في واقعه الحي.

التطبيــق الكفائي:

من أجل تثبيت كفاية ما لدى المتعلم أو التأكد من تحقيقها، لابد من تقديم للمتعلم مجموعة من التطبيقات والأنشطة التقويمية في شكل وضعيات قصيرة أو طويلة، تتدرج في البساطة والتعقيد. وتستلزم من المتعلم أن يوظف كل مكتسباته السابقة وموارده القديمة لمواجهة وضعية جديدة، محددة في الزمان والمكان والسياق.

وثمة كتب وكراسات عبارة عن تطبيقات حول الوضعيات الكفائية والاستدماجية، وهي بمثابة أنشطة ووضعيات متدرجة في البساطة والتعقيد، وتكون التمارين الموجودة في الكتب المدرسية والكراريس التطبيقية مرتبطة بكفاية ما. لذا، تتنوع الأنشطة على الرغم من اشتراكها في خدمة كفاية معينة.

ومن هنا، فدور المدرس هو بلورة مجموعة من الوضعيات والمشكلات الضرورية وتنظيمها من أجل مساعدة المتعلم على اكتساب كفايات معينة، في علاقة بمحتويات ومضامين المقررات الدراسية. ويعني هذا أن المدرس يحدد كفاية أساسية ما، مثل: كفاية القراءة أو الكتابة أو التعبير، ثم يحدد مجموعة من الأنشطة في شكل وضعيات ومشاكل متدرجة في ترابط تام مع المحتويات المقررة.

أنـــواع التقويــــم في بيداغوجيا الكفايات:

يعد التقويم من أهم عناصر المنظومة البيداغوجية، ومن المرتكزات الأساسية في العملية التعليمية- التعلمية ؛ لما له من علاقة أساسية مع الأهداف والكفايات المسطرة، علاوة على كونه المعيار الحقيقي لتشخيص مواطن القوة والضعف في نظامنا البيداغوجي وتجاربنا الإصلاحية في مجال التربية والتعليم.

ومن المعلوم أيضا أن التقييم والتقويم وجهان لعملة واحدة، ولكن التقويم أعم من التقييم والقياس؛ لأن التقويم هو الحكم على عمل أو شخص أو شيء أو حدث أو مهمة منجزة بإصدار حكم قيمة. أي: إن التقويم هو تثمين وتقييم المنجز أو الشخص المرصود، بعد إخضاعه لطرائق ومعايير دوسيمولوجية وقياسية ( الأسئلة، واختبارات، وروائز، وفروض.، وامتحانات...). أما التقييم فيحيل على القيمة أو التقدير، سواء العددي منه أم المعنوي. ومن ثم، يكون القياس أول خطوة يبدأ بها المقوم للحكم على المنجز، مادام خاضعا للقياس الكمي والكيفي.وإذا كان التقويم بمعنى التقدير العددي والمعنوي اعتمادا على معايير قياسية محددة، فإنه كذلك سيرورة نسقية تهدف إلى تحديد مدى تحقق الأهداف والكفايات لدى المتعلم عبر العملية الديداكتيكية.

هذا، وينصب التقويم على مدى تحكم المتعلم في مهارة ما، وتحديد درجة التحكم والإتقان، وليس المهم هو تقويم المعارف، بل تقويم الكفايات والقدرات المستضمرة لدى المتعلم. بمعنى التركيز على الكيف، وليس الكم. أي: تقويم مدى تحكم المتعلم في مهارة اكتساب الموارد، وحسن توظيفها. ومن ثم، فالهدف من بيداغوجيا الكفايات هو إعطاء معنى ما للتعلمات، مع تحويل المضامين والمحتويات إلى وضعيات ومشاكل مستعصية ومعقدة ومتنوعة ومركبة.
ومن ثم، يمكن الحديث عن أنواع عدة من التقويم:

التقويم التشخيصي أو القبلي أو التمهيدي:

يقصد بالتقويم القبلي ذلك التقويم الذي ينصب على المكتسبات القديمة في إطار المراجعة والاستكشاف والاستثمار. كما أنه تقويم يحفز المتعلم على طرح الموضوع واستكشافه، أو هو تقويم تشخيصي يحاول معرفة مواطن القوة والضعف لدى المتعلم. وبالتالي، فله وظيفة إرشادية وتوجيهية وتشخيصية. وقد يكون التقويم القبلي أو التمهيدي بمثابة وضعية استكشافية، يراد بها إثارة انتباه المتعلم إلى موضوع جديد، قد يكون فعلا محور الدرس الكفائي.

وبناء على هذا التقويم، تتحدد الكفايات والقدرات المستهدفة، وتنتقى الوضعيات والمحتويات والمعارف والموارد. كما تحدد الطرائق البيداغوجية والوسائل الديداكتيكية والتقويم المناسب لقياس الكفاية واختبارها. وغالبا ما يكون التقويم القبلي أو الاستكشافي أو التشخيصي في بداية السنة أو بداية الحصة الدراسية، أو حين تحضير المقطع الأولي أو التمهيدي من الدرس.

التقويـــم التكوينــي:

يكون التقويم التكويني في وسط الدرس أو أثناء بناء العملية التعليمية- التعلمية، أو أثناء التنسيق بين أنشطة المتعلم والمعلم، ويهدف إلى تقويم حلول التلميذ، و كيفية تعامله مع الوضعيات. و من ثم، يسعى هذا التقويم إلى مساعدة المتعلم على التقويم الذاتي لمعرفة الأخطاء المرتكبة. وينصب هذا التقويم على علاقة المدرس بالمتعلم من خلال أنشطة الوضعيات. وغالبا، ما يكون التقويم ذاتيا بالفعل.

هذا، ويستند التقويم التكويني- الذي يتخلل العملية التعليمية-التعلمية بكل مراحلها- إلى التنظيم التربوي المنهجي، والتعرف على المساعدات الضرورية.

وعليه، تتمثل وظيفة التقويم التكويني في وظيفة تثبيت الكفاية وتعزيزها، وبناء الدرس كفائيا، وترسيخ الوضعيات بشكل إيجابي، وتكوين المتعلم تكوينا أدائيا وإنجازيا، وتطوير قدراته النمائية والمعرفية أثناء مواجهته للوضعية المستهدفة. وبطبيعة الحال، تتزامن هذه الوظيفة مع مرحلة الدرس الوسطي أو المقطع الرئيس.

التقويم الإجمالــي:

يكون التقويم الإجمالي أو النهائي في آخر الحصة الدراسية، بعد الانتهاء من المقطع الوسطي الذي يتخلل الدرس، ويكون في شكل خلاصات عامة أو تطبيقات إدماجية قصيرة أو طويلة، أو تمارين فصلية و منزلية. ويعني هذا أن التقويم الإجمالي يرتبط بمدة معينة، بعد الانتهاء من فرض أو تجربة أو درس.ويهدف إلى قياس المعارف والمهارات،.والتثبت من مدى تحقق الهدف أو الكفاية في آخر الدرس.

ويستحسن أن تجمع كل التمارين التطبيقية والوضعيات الإدماجية في مرتب المتعلم الذي يسمى بـ (Port-folio) الذي يحدد مستوى المتعلم من خلال تتبع إنجازاته عبر الفترة الدراسية.

ومن ثم، ينبغي أن يركز التقويم الإجمالي الهادف على كيفية اكتساب الموارد والمعارف والمهارات في إطار ما يسمى بالميتامعرفي، وقياس القدرات الكفائية، والابتعاد عن قياس المعارف والمعلومات المخزنة في الذاكرة.

التقويــم الإدماجــي:

ترتبط بيداغوجيا الإدماج بالبلجيكي روجرز كزافيي، وتهدف إلى تطوير الكفايات في التعليم الابتدائي والإعدادي والعالي، من خلال إعطاء المعنى للتعلمات. ومن ثم، فقد كان التقويم ينصب على المعارف والإنتاج دون الاهتمام بالكفايات. ومن ثم، فهذه الطريقة تساعد على النجاح من خلال تمهير المتعلم بمجموعة من الكفايات الإدماجية التي تسعفه في حل مشاكل الواقع. وللتمثيل: حينما نقول من الضروري أن نحمي البيئة، فهذا هدف عام، لا يمكن تقويمه بشكل من الأشكال.لكن حينما نضع هذا الهدف في شكل وضعية بالتركيز على الأسباب والحلول، يمكن الحديث آنذاك عن وضعية مشكلة هادفة وبناءة. وبالتالي، لايمكن أن تتعدى الكفايات ثلاثا في السنة في تخصص معين، وإذا تعدينا ذلك، فسنلتجئ إلى التقطيع وتجزيء المحتويات أكثر فأكثر.

وينضاف إلى ذلك، أنه لابد أن يكون التقويم عبارة عن وضعيات معقدة ومركبة من أجل التثبت من مدى تملك المتعلم للكفايات الحقيقية، ولابد أن توضع تلك الوضعيات في سياقات واقعية حية، عبر تقديم مجموعة من الصور والأسناد والبيانات لمعالجتها. ويترتب على ذلك صدق التقويم وثباته. وهذا ما يسمى ببيداغوجيا الإدماج أو المقاربة عبر الكفايات الأساسية.

وبناء على ما سبق، ننتظر من المتعلم إجابات أصيلة ومبدعة لحل وضعية ما، ولابد من تقويم ما أنتجه المتعلم في ضوء مجموعة من المعايير التي يسميها روجرز مؤشرات التصحيح . ومن ثم، فمعيار التصحيح هو ذلك المؤشر الذي ينبغي مراعاته في إنتاج التلميذ، مثل: الإنتاج الواضح الدقيق، والإنتاج المنسجم، والإنتاج الأصيل....إذاً، فالمؤشر هو وجهة نظر من خلالها نقوم عملا ما. فإذا أردنا أن نقوم لاعبا رياضيا ما، فقد نركز على الأناقة، وجودة اللعب، وانسجام الفريق، والإنتاجية.

ومن أهم مؤشرات التقويم، نذكر: المؤشر الأدنى ومؤشر الإتقان. فمؤشر الأدنى هو الذي يحدد بعض الشروط لتحقيق كفاية ما، كأن نقول بأن السباح الكفء هو الذي لا يغرق. وبالتالي، يحافظ على توازنه. أما إذا أضفنا كفايات أخرى، مثل: السرعة، وشدة الحركة، والأناقة، واحترام القواعد، فإننا ننتقل إلى مؤشر الإتقان .

ولابد من التقليل من المؤشرات الدنيوية، وإلا سنكون قساة مع المتعلمين، حينما تتضخم هذه المؤشرات التقويمية. ويعني هذا أن التقويم لايبنى على محك الأخطاء، بل يبنى على قياس الكفايات المهارية، فليس هناك من لا يخطىء، ولا يعقل أن يكون الخطأ هو المعيار الوحيد للتقويم.

هذا، ويمكن الاستعانة أثناء التقويم الإدماجي بقاعدة دوكيتيل التي تسمى بقاعدة 2/3. بمعنى أن نسبة النجاح الكفائي هو الإجابة عن وضعيتين من ثلاث وضعيات. ولابد من الاحتكام أولا إلى المؤشر الأدنى، بدلا من الاحتكام إلى مؤشر الإتقان التكميلي.

هذا، ولابد أن تكون معايير مؤشر الأدنى مستقلة عن بعضها البعض، فلا يعقل أن تكون الأسئلة مترابطة ومتتابعة ومتناسلة، لأننا سنكون قساة مع المتعلمين، بل لابد أن تكون الأسئلة منفصلة ومستقلة عن بعضها البعض، لكي تكون هناك حظوظ متوفرة أمام المتعلم. علاوة على وجود معيار الانسجام الذي يستلزم ترابط أجزاء الموضوع منهجيا ومنطقيا، ومعيار الملاءمة الذي يعني تلاؤم أجوبة المتعلم مع تعليمات الوضعية ومعطياتها، ومعيار الاستعمال السليم لتقنيات التخصص، ومعيار الاتساق الداخلي. وبطبيعة الحال، هذا له علاقة بالكفاية الأساسية والكفاية النوعية.

وعليه، يتضمن اختبار التقويم ثلاثة شروط هي:

أن يتلاءم التقويم مع الكفايات المطلوبة تقويمها.

أن تكون الكفايات دالة ومحفزة على العمل.

أن تنصب الكفايات على قيم إيجابية كالمواطنة وحماية البيئة مثلا.

كما يبنى الاختبار الإدماجي عبر مجموعة من المحطات على النحو التالي:

تحديد الكفايات التي ينبغي تقويمها.

بناء وضعية أو وضعيتين جديدتين ملائمتين للكفاية.

وضع معايير التقويم المستقلة بشكل واضح ودقيق في ضوء قاعدة 2/ 3.

كتابة الأسناد والتعليمات لكي تكون المهمة التي ينبغي إنجازها من قبل المتعلم واضحة.

تحديد مؤشرات التصحيح التي سيعتمد عليها المدرس حين تصحيح ورقة الاختبار.
وضع شبكة التصحيح.

وعليه، فمن الأفضل والأجدى الاكتفاء بوضعية واحدة أو وضعيتين على الأقل، وعدم تقسيم التعليمات إلى أسئلة فرعية جزئية متعددة، يجعل المتعلم أمام صعوبات معرفية ومنهجية؛ بسبب تعدد الأسئلة التي قد تكون متشابهة وتابعة للتعليمة الأولى أو الثانية أو الثالثة. بمعنى بناء أسئلة مستقلة هادفة وناجعة. ولابد من تجذير الوضعية داخل سياقها التداولي، وتكون وضعية جديدة، ويكون الإنتاج أصيلا. كما يجب الابتعاد عن نصوص ووثائق وأسناد معروفة، فلابد أن تكون جديدة وموضوعة ضمن سياق جديد
.
هذا، وتقوم المؤشرات بدور هام في توفير تصحيح عادل، فقد يكون مؤشرا كيفيا، كأن نطالب المتعلم بتوظيف أفعال أو صفات أو أحوال أو تشابيه أو استعارات في وصفه، وقد يكون مؤشرا كميا، حينما نطالب المتعلم على مستوى التركيب بتوظيف ثلثي من الجمل صحيحة لكي ينال 2 / 3.

وعليه، فللتقويم الخاضع للمعايير والمؤشرات فوائد مهمة - حسب روجرز - هي:

تكون النقط عادلة. بمعنى أن التقويم ينصب – هنا- على الكفايات. ومن ثم، فكثير من الراسبين في التربة التقليدية قد يكونوا ناجحين، وكم من ناجح يستحق الإخفاق في النظرية الجديدة، مادام الهدف هو التركيز على الكفايات والقدرات المهارية، وليس على المعلومات وكثرة المعارف.

 تثمين النقط الإيجابية، بتقويم العناصر الأساسية، وإظهار مواطن القوة والعناصر الإيجابية في إنتاجات المتعلمين.

 تحديد هوية التلميذ الذي يستحق النجاح أو الإخفاق.

وعليه، لابد من تخفيض مؤشرات التقويم لتحقيق مدرسة النجاح والأمل. فكلما زادت معايير التقويم، ضاع التلميذ بين هذه المؤشرات. وبالتالي، لا يستطيع التحكم في الأجوبة المتعددة. لذا، فلابد من الاكتفاء بمؤشرين أو ثلاثة. كما يمكن الاكتفاء بكفايتين أو ثلاث كفايات أساسية. وكلما أكثرنا من مؤشرات التقويم، خاصة إذا كانت مؤشرات تابعة وغير مستقلة، فإننا نرتكب ظلما في حق المتعلم الذي نعاقبه مرات متعددة على الخطإ نفسه. ومن الأفضل كذلك أن يعرف المتعلم معايير التقويم لكي يستأنس بها، فيعطي كل ما لديه. و بالتالي، يمكن أن يلتجئ إلى التقويم الذاتي.

وتأسيسا على ما سبق، يعتمد التقويم الإدماجي على تسطير وضعية معينة مرتبطة بمواردها وسندها وحاملها وتعليماتها ومعاييرها ومؤشراتها التقويمية، بالإضافة إلى وضع شبكات التمرير والتحقق والمعالجة والدعم والاستدراك. ومن المعروف أن المدرس المدبر يقدم للمتعلم ثلاثة أنواع من الأنشطة الدراسية: أنشطة ديداكتيكية أو ما يسمى أيضا بالموارد أو التعلمات، وترد في شكل معارف عقلية وذهنية، أو في شكل قيم ومواقف وجدانية، أوفي شكل مهارات سلوكية حسية حركية. وهناك أيضا أنشطة موازية تكميلية تهدف إلى خدمة المتعلم تسلية وإفادة. وهناك كذلك الوضعيات الإدماجية التي توظف الأسناد المكتوبة والمصورة لحمل المتعلم على تعبئة الموارد التي اكتسبها أثناء أسابيع تعلم الموارد.

وعليه، تنقسم السنة الدراسية في التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي إلى أربعة وثلاثين أسبوعا كاملا من النشاط الفعلي، يطابقها حجم حصصي من 1000إلى 1200ساعة. وتنقسم السنة الدراسية إلى أربع مراحل أو درجات، وتتكون كل مرحلة من ثمانية أسابيع، إذ يخصص الأسبوع الأول والثاني والرابع والخامس لإرساء موارد الكفاية، ويخصص الأسبوع الثالث من كل مرحلة للربط والتوليف والدعم والتقويم، أو ما يسمى كذلك بالإدماج الجزئي. بينما يخصص الأسبوع السابع والثامن للإدماج، فالسابع لإنماء الكفاية، ويخصص الأسبوع الثامن لتقويمها معالجة وتصحيحا ودعما.

هذا، ويستلزم تدبير الوضعية الإدماجية أن تقدم للتلميذ المتعلم مجموعة من الموارد في شكل وضعيات مركبة متنوعة، بغية أن يستدمج كل مكتسباته المعرفية ومواقفه الوجدانية ومهاراته الحسية الحركية، من أجل إيجاد حلول مناسبة لتلك الوضعيات المتدرجة في السهولة والصعوبة. و ينتقل المتعلم إلى إنماء كفايته الشفوية أو الكتابية عبر إنجاز مجموعة من الوضعيات الإدماجية تعلما وتطبيقا، بعد مجموعة من أسابيع إرساء الموارد، والربط بين التعلمات توليفا وتقويما.

وبعد الانتهاء من الإدماج، يلتجئ المدرس إلى تقويم الكفايات المستهدفة، وتصحيحها في ضوء معايير الدعم المناسبة ومؤشرات التقويم الإدماجي، رغبة في إيجاد حلول علاجية داخلية وخارجية.

وهكذا، يعتمد المدرس في تدبير الوضعية الإدماجية على دفتر أو كراسة الوضعيات الإدماجية التي تتضمن مجموعة من الوضعيات والأسناد والصور الأيقونية والوثائق الدياكتيكية، المرفقة بمجموعة من التعليمات وسلم التنقيط. ومن جهة أخرى، هناك دليل الإدماج، ويشتمل على بطاقات التمرير أو الاستثمار، وشبكات التحقق، وكذلك شبكات التصحيح.

وعليه، يستوجب تدبير الوضعية الإدماجية أربعة مراحل متكاملة ومتتابعة، هي:
فهم الوضعية الإدماجية عنوانا، وسياقا، وأسنادا، وصورا، ومقصودا، واستيعاب التعليمات بشكل جيد.

إنجاز العمل المطلوب من خلال احترام تعليمات الوضعية، وإنجاز العمل كما هو مطلوب وموصوف، واستثمار الصور والوثائق بشكل جيد لخدمة الموضوع.
التحقق من جودة الإنتاج، عن طريق التحقق من مراعاة المواصفات، ومقارنة قيمة الإنتاج بالإنتاج المنتظر.

المعالجة الداخلية والخارجية تقويما وتصحيحا ودعما من أجل تطوير الإنتاج. وهنا، يعتمد التصحيح الذاتي وتحسين الإنتاج.

التقويــم الإشهادي:

نعني بالتقويم الإشهادي ذلك التقويم المرتبط بشهادة أو دبلوم ما يسمح للمتعلم بالانتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى، أو بإجراء مباراة ما للحصول على وظيفة ما أو تولية منصب معين.
وعليه، ينتهي كل سلك دراسي بمنح شهادة أو دبلوم، فهناك شهادة الدروس الابتدائية إثر اجتياز السنة السادسة، وشهادة السلك الإعدادي بعد النجاح في السنة الثالثة إعدادي، وشهادة البكالوريا بعد اجتياز السنة الثانية من سلك البكالوريا.

التقويـــم الذاتـــي:

نعني بالتقويم الذاتي أن يصحح المتعلم أخطاءه بنفسه، اعتمادا على مجموعة من المؤشرات ومعايير وأدوات التصحيح الواضحة والدقيقة والبسيطة. ومن ثم، يساعد هذا التقويم المتعلم على تنظيم التعلمات وفق بيداغوجيا كفائية إدماجية.

وغالبا ما يستعين التقويم الذاتي بوضع شبكة التصحيح الذاتي في ضوء مجموعة من المؤشرات الديداكتيكية والبيداغوجية. والهدف من ذلك هو معيرة التصحيح، ودفع المتعلم إلى التصحيح الذاتي في ضوء مجموعة من التعليمات والمعايير والمؤشرات التقويمية التي ترتبط بالوضعية والكفاية المقومة. ومن ثم، يحقق هذا التقويم نوعا من الموضوعية. وقد يدخل هذا النوع من التقويم أيضا ضمن ما يسمى بالتصحيح الذاتي ، " إما بمنح التلميذ دليل التصحيح، وإما بمنحه أدوات ليصحح أخطاءه بنفسه؛ ومن هذه الأدوات: المعايير، والطريقة، والمراجع(القاموس، والموسوعة، والكتاب المدرسي...)، أو الجواب (وعليه في هذه الحالة تحديد الطريقة الموصلة إليه)، إلخ.
وهناك معالجة أخرى عن طريق المقابلة والمقارنة بين تصحيح ذاتي وتصحيح خارجي(تصحيح المدرس، وتصحيح التلاميذ الآخرين)، من أجل الاستفادة من زوايا الصراع السوسيومعرفي(التقايم)"

ومن الأجدى أن يعتمد التقويم الذاتي على شبكة التصحيح لكي يقوم المتعلم بنفسه أو بمساعدة مدرسه على تبيان أخطائه، وتجريدها وتصنيفها وتقييمها وتقديرها وتقييمها. أي:" يجب معالجة إنتاجات التلاميذ، إلى جانب تثمينها والتصديق عليها في الآن نفسه، سواء كان المدرس هو من يختارها، أم تلاميذ آخرون، بمساعدة شبكة تصحيح (تقدم الجواب الصحيح)، أو شبكة تقويم، حتى لو تضمنت أحكاما سلبية أكثر من الإيجابية (يلزم الحرص، دائما، على البدء بإبراز الجوانب الإيجابية). ويسري هذا الأمر على كل أنشطة المتعلم، ولاسيما إنتاجات التلاميذ في إطار أنشطة الإدماج. فإلقاء النظرة التحليلية عليها، بمنح التلاميذ تغذية راجعة دقيقة محددة ليتمكنوا من تحديد الجوانب التي ينبغي تحسينها. كما تفيدهم هذه النظرة التحليلية في التموقع بالنسبة إلى المستوى المنتظر في التقويم الجزائي."

وعليه، فالتقويم الذاتي هو الذي يقوم به المتعلم بنفسه، حينما يصحح أخطاءه وفق مجموعة من المعايير والمؤشرات، اعتمادا على شبكات التصحيح والتحقق والاستثمار.

التقويم بالمعالجة :

تعد المعالجة الطريقة التي تدفع المتعلم إلى تحقيق النجاح الدراسي. ويلتجئ إليها المدرس بعد الانتهاء من عملية تصحيح الفروض أو الاختبارات والامتحانات والروائز، بغية تشخيص مواطن الضعف والقوة، من خلال تمثل المعالجة الداخلية التربوية والديداكتيكية، وتمثل المعالجة الخارجية ذات الطابعين النفسي والاجتماعي. بمعنى أن المعالجة تهدف إلى اكتشاف الأخطاء، وتشخيصها، ووصفها، وتقديم معالجة إجرائية ناجعة. ومن ثم، تستند المعالجة الديداكتيكية إلى أربع مراحل:

الكشف عن الأخطاء.

وصف الأخطاء.

البحث عن مصادر الخطإ.

تهييء عدة المعالجة.

ويعني هذا أن المصحح أو المقوم يبدأ بتحديد الأخطاء التي ارتكبها المتعلم في موضوعه حسب سياقها ومظانها. وبعد ذلك، يصف الأخطاء المرصودة في الإنتاج الشخصي، فيصنفها إلى أنواع، مثل: أخطاء صوتية، وأخطاء إملائية، وأخطاء صرفية، وأخطاء دلالية، وأخطاء تركيبية، وأخطاء تداولية...وبالتالي، يحدد مواطن الضعف والقوة لدى المتعلم بالبحث عن أسباب هذه الأخطاء، متسائلا عن مصدرها: هل ترجع إلى مصدر داخلي ديداكتيكي وتربوي أم إلى مصدر خارجي نفسي واجتماعي؟! بمعنى البحث عن عوامل ذاتية وموضوعية.

وفي الأخير، يقترح مجموعة من الإستراتيجيات لتجاوز هذه الأخطاء والنواقص والتعثرات التي قد ترتبط بالمدرس أو المتعلم أو بالنظام التربوي العام. ولا تتم المعالجة إلا إذا تكرر الخطأ مرات عدة.أما الذي يقوم بالمعالجة، فقد يكون المدرس نفسه، أو المتعلم نفسه في إطار التصحيح الذاتي، أو تلميذ آخر، أو قد يكون أخصائيا نفسانيا أو أخصائيا اجتماعيا أو ملحقا إداريا أو تربويا، وقد يلتجئ كذلك إلى وسائل الإعلام والسجلات الذاتية والبرامج الرقمية...

هذا، ومن أهم الإستراتيجيات في المعالجة أنه يمكن الاعتماد على:

التغذية الراجعة أو الفيدباك لتصحيح العملية الديداكتيكية، وسد ثغراتها المختلفة والمتنوعة، وتفادي نواقصها وعيوبها، سواء أقام بتلك التغذية الراجعة المدرس أم التلميذ نفسه اعتمادا على أدلة التصحيح.

المعالجة بالتكرار أو بالعمليات التكميلية.أي: بمراجعة المكتسبات السابقة، وإضافة تمارين تكميلية مساعدة للتقوية وتثبيت المعارف والقواعد الأساسية.

تمثل منهجيات تعلمية جديدة، كمنهجية الإدماج، ومنهجية الاستكشاف، والاعتماد على التعلم الذاتي، وتمثل التعلم النسقي.

إجراء تغييرات في العوامل الأساسية، كتوفير الحياة المدرسية داخل المؤسسة، وإعادة توجيه المتعلم من جديد، وتغيير فضاء المدرسة، وخلق أجواء مؤسساتية ديمقراطية، والاستعانة بالأسرة أو علماء النفس والاجتماع والطب لتغيير العوامل السلبية التي يعيشها المتعلم في ظلها.

خاتمــــة:

وخلاصة القول، يتبين لنا – مما سبق ذكره- بأن بيداغوجيا الكفايات هي التي تنصب على المتعلم، وتعنى بتطوير الكفايات والقدرات لديه، من خلال وضعه أمام الوضعيات- المشكلات التي تستوجب حلا ناجعا انطلاقا من سياق ما. بمعنى أن بيداغوجيا الكفايات هي مقاربة تربوية جديدة، تعطي الأولوية للمتعلم الذي يملك القدرة على اكتساب المعارف والموارد التي ينبغي توظيفها أثناء مواجهته للوضعيات الصعبة والمعقدة.

وعليه، تهدف هذه المقاربة التربوية المعاصرة إلى تكوين متعلم كفء، يعرف كيف يستثمر المعرفة ويوظفها، ويعرف كيف ينمي تفكيره بطريقة ميتامعرفية. والآتي، أن هذه المقاربة لاتهتم بالمحتويات والمعارف كما هو حال المدرسة التقليدية، بقدر ما تهتم بالكيف والوعي بطريقة اكتساب المعارف والمهارات والمواقف والكفايات التواصلية والثقافية والمنهجية. ويعني هذا أن هذه النظرية تربط الكفايات بالوضعيات داخل سياق تداولي ما.

وأهم إيجابية تمتاز بها هذه المقاربة التربوية هو إعادة النظر في مقاييس التقويم والاختبار، والاستعانة بالتقويم الإدماجي الكفائي في الحكم على الكفاءات والقدرات التعلمية. ومن مزايا هذه المقاربة كذلك أنها تتبع الحياة الشخصية للمتعلم طوال مساره الدراسي، فتقيم علاقة تفاعلية إيجابية بين المتعلم والمعلم، مع تجذير النشاط التعلمي في الحياة الشخصية للمتعلم، بله عن التركيز على ماهو كيفي ومنهجي ومهاري.

بيد أنه لايمكن تطبيق هذه المقاربة في الأقسام التعليمية المكتظة بالتلاميذ، ولايمكن أيضا تمثلها في الفصول الدراسية العادية التي فيها تعدد في الفوارق الفردية الناتجة عن سياسة الخريطة المدرسية، ويتعذر أيضا تطبيقها في الأقسام المشتركة كما هو الشأن في المغرب. كما تستوجب هذه المقاربة من المدرس تحضير مجموعة من الوضعيات الصعبة التي تتناسب مع مستوى المتعلم، ناهيك عن تعقد مساطير التقويم الإدماجي بالنسبة للمدرس. كما أن الحاجة ماسة إلى تكوين المدرس في إطار هذه البيداغوجيا تكوينا كفائيا حقيقيا ومنتجا ومبدعا وهادفا، حيث يصبح المدرس موجها ومرشدا ومحضرا للوضعيات الإدماجية، وليس معلما، أو ملقنا، أو مالكا للمعرفة الموسوعية التي يريد أن يشحن بها عقل المتعلم كما، وليس كيفا.


جميل حمداوي

الدكتور جميل: أديب وباحث مغربي

من نفس المؤلف