خِطابُ الجَسَدِ

في ديوان وَصَايَا البَحْرِ

، بقلم أسماء غريب

الجَسَدُ فِي ديوان «وَصَايَا البَحْرِ» للشّاعر مزين عبد النور أجسادٌ تتوَالدُ كُلهَا داخلَ دائرةٍ واحدةٍ، هي جَسَدُ الكوْن بكلّ سِيمِيَائِيّاتِهِ المَائيّة والتّرابيّة، والهَوَائيّة والنّاريّة، بَلْ بكُلّ دَلالاتِهِ اللّسانيّة، الصّوتيّة، واللغويّة، الحَركيّة، وبكُلّ تمثلاتِه الصّامتة، المُتحرّكةِ، والصّامتةِ، الجَامدة أو الثابِتةِ. وهي كلّها أجسادٌ لا يُلغي بعضُها بعضاً، إلا أنّها تحتاجُ إلى تفجيرٍ لمَعنىً مَا، أو دَلالةٍ مَا قابعَةٍ وَسَط شَبَكةٍ مِنَ العَلامَاتِ حتّى تُصْبحَ قابلةً للدّمْجِ دَاخِلَ مَجْمُوعَةٍ مُحَدّدَةٍ مِنَ الأنْسَاق الدّلالِيَةِ المُتنَوّعة.

وبالرّغم منْ أنّ الجَسَدَ كانَ وَلمْ يَزَلْ مِنْ أهَمّ العَلامَاتِ الدّالّة على تحقّق الإدراكِ بالوجودِ، وعَلى القِيمَة العُظمى للحياة بكُلّ مسرّاتها وآلامها، إلاّ أنّ العديدَ من القراءاتِ حَاولتْ ولمْ تزلْ إلى اليومِ التّنْقيصَ من قيمَةِ الجَسدِ وإفراغِه منْ معناهِ الحَقيقيّ دُون الأخذ بعَينِ الاعتبَار أنّ هذا الأخيرَ هو عقلٌ عظيمٌ، بلْ ميدانٌ شاسعٌ لحروب الإنسان الدّاخلية، ولانكساراته ونجاحاته، وربّما لمُعاهداتِ السّلام التي يعقدُها كلّ شخص مع نفسِه كيْ يُحقّقَ لها نوعاً من التّعايُش فِي أمْن وأمَانٍ مَعَ الغيْرِ القريبِ، والآخَرِ البَعيد المُختلفِ عنهُ فكراً وثقافةً ومُعتقداً، دينياً كانَ أمْ لا.

والشّاعرُ مزين عبد النّور في ديوانه هذا، يُحلّقُ بكلمتهِ بعيداً حاملاً إيّاها نحوَ طرائق تَخْليقِ المَعنَى عبر ثيمة الجسدِ فَجَاءتِ المَجْموعةُ الشّعريّة بوثقة انْصَهَرَتْ فيها أشكالٌ إبْداعيّة جَمّة تَعانَقَ داخلهاَ اللّفظي بالتشكيلي والمُوسيقي بالإيقاعي، بشكل أثّر في جسدِ الدّيوان أولاً، ثم في جسد كُل شخصيّة من شخوص القصائد المُكوّنة لهذه المجموعة ثانياً، فكانتِ النّتيجةُ أن تغَيّرتْ حركةُ هذا الجسد ولونُهُ وصَار هو نفسُه طريقة جديدةً وشكلاً حديثاً من أشكالِ إبداع المعنى.

جسد الدّيوان

ويُقصدُ بهِ البِنَاءُ المِعْمَاريّ للمَجمُوعة ِالشعريّة، والذي شاء لهُ الشّاعرُ أنْ يَكُونَ ذا تصميمٍ مُثلّث الشَّكْل بقاعدةٍ تتّجِهُ نحو الأعلى، ورأسٍ يتّجهُ نحو الأسفلِ. وبعباراتٍ أوضح، يتكوّنُ هذا العمل الشعري من علاقاتٍ تهدفُ إلى توحيد عتبات الديوان بجسده الدّاخلي، وبأطرافه الجانبية، وذلك حتّى يحدُثَ نوعٌ من الانسجامِ والتماسُكِ الدلاليّ للمجموعة بأسرها. أمّا العَتباتُ فيُقصَدُ بهَا عنوان الدّيوان والإهداء المَنشور في الصّفحاتِ الأولى منهُ، وأمّا الجَسدُ الدّاخلي فيُقصد به كلّ نُصوصِ الجزء الثاني والثالث من الدّيوان، أمّا الأطرافُ الجانبية فهي التي تكوّن ساقي المثلث، وتخصُّ قصائدَ الجزء الأول والأخير من المجموعة. وعليه يصبح الدّيوان مقسّما إلى ما يلي من الأجزاء:

ـ الإهداء

ـ الجزء الأول: أغان تمُرُّ بين الطّلقات، ويتكوّنُ من ثمانيّة قصائدَ

ـ الجزء الثاني: الجَدْوَلُ والياسمينُ، ويتكوّنُ من خمسةِ نصوص

ـ الجزء الثالث: صمتُ العابرين، ويتألّف من سبْعة قصائد

ـ ثم الجزء الرّابع والأخير: رمادٌ لليلٍ باردٍ، وعددُ نصوصهِ ثمانيةٌ

وهي كلّها أجزاء يمكن تجسيدُ بنائها الهندسي عبر الرّسمين التخطيطييْن التالييْن:

فِي هذه الصُّورة الأولى يَبْدُو جليّاً أنّ الشّاعر أراد عن قصدٍ وتخطيطٍ مُسْبق أن يُجسّد فِي ديوانهِ رؤية خاصّة لدورة حياة معيّنة لا يعرف مكنوناتها سوى هو، لكنّه في هذه الخصوصيّة لمْ يَغْفَل عن وضْع مفاتيحَ كفيلة بأنْ تُسَاعد متلقّياً من نوْع خاصّ على الاستعَانةِ بِها لفتح بابي السين والجيم على مِصْراعَيْهمَا.

أمّا المفتاحُ الأوّل فيهُمُّ تقسيمَ الشّاعر للدّيوان إلى أربعة أجزاء، فما السّببُ وراءَ هَذا التقْسيمِ يا تُرى؟

والجوابُ يُوجَدُ فِي المِفتاحِ الثانِي، والمُتعلّقُ بعددِ قصَائدِ الدّيوانِ، وهي 28 قصيدة.
إذن فالرّقمُ 4 (عَددُ أجزاء المَجموعة)، يرْمُزُ إلى رُبَاعيّةِ فُصُول الحَيَاةِ، والرّقمُ 28 (عددُ نُصوص الدّيوان) يَرْمُزُ إلى دَوْرَةِ الحَيَاةِ الهُرمونية الخِصبة، ـ عَلى الأقلّ حتّى اللّحْظة الرّاهنة إلى أنْ يَحينَ الوَقتُ لكشْفِ مَعَانِيَ أوْسَعَ تتعلّقُ برَمْزيّة كِلي الرّقميْن.ـ والتي تمّ تجسيدها في القصَائِدِ عَبْرَ المُثلّث التّالي:

المثلثُ كمَا يظهَرُ في الصّورةِ لهُ ساقان متساويان، وذلك لتساوي عددِ القصَائدِ المُكوّنة للجزئين الأوّل والرّابعِ للدّيوان (8/8)، والمُثلثُ كمَا هُو مَعروفٌ عند أهلِ عُلوم الرّياضيات هُو من أعرق الأشكال الهَندسية في تاريخ البشريّة، وهُو حينما يكونُ برأس نحو الأسفل فإنّه يَرْمز إلى الأنثى وإلى قطرة الماء، أمّا عند أهل الطبّ فهو يرمزُ إلى قلْب الإنسان، والقولُ بهَذا فيه إشارة إلى أنّ الشّاعر مزيّن عبد النّور جعل من ديوانه رمزاً للجسد البشري بثنائيته الأنثوية والذكرية، وجعلهُ أيضا وعاءً حاملا لمركز المعرفة الذي هو القلب كما هو واضح في هذا الرسم التخطيطي:

هكذا يُصبحُ الرسم التخطيطي أعلاه مرآة ظهرت فوق زئبقها عناصر جديدة هي القلب وقطرة الماء:

ـ القلب: وقد تمّ التركيز على جزئيه الأربعة، أو بطينيه وأذينيه الأيمنين والأيسرين، و على صمّاماته الأربعة أيضا، ولعلّ هذا التقسيم فيه مطابقة تامّة لتقسيم الديوان نفسه إلى أربعة أقسام.

ـ قطرة الماء: وهي مربط الفرس في المجموعة الشعرية بأسرها فهي رمز العطاء والخصوبة الأنثوية،لأنها بكلّ بساطة القطرة التي تهبط فيّاضة بالغذاء من ثدي الأنوثة الكونية. وهي بدون منازع القطرة التي منها نبع كوكب الأرض المائي لغلبة عنصر الماء لا التراب عليه، وهي إذن هنا في الدّيوان النقطة التي خرج منها هذا البحر الهائل الذي رصّع النصوص بحكمه وجواهر أقواله من أوّل إلى آخر صفحة في الديوان.

هكذا يصبح جسدُ الإنسان هو كوكبه الأرضي وقطرة مائه التي في قلبه، هي البحر الذي يغرق فيه جسدُه، حتى ليبدو كأن الإنسان خُلق من ماء لا من تراب (وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّا)،. والجسد إذا غلب عليه عنصر الماء أصبح مرآة، كما صحن الطّين إذا ملأته ماء رأيت فيه وجهك/ أو "نفسك". ولعلّ في هذا إشارة إلى طبيعة الذات الشعرية في الدّيوان، فهي مائية، وقد وصلت بعد طريق طويلة شاقة ومضنية إلى مرآة بئرها، أو بحرها القابع داخل جسدها، هذه الطريق أو هذا السفر الذي يمكن تجسيده كما يلي:

العتبات

ويُقصدُ بِهَا مفاتيحُ (Clès) جَسَدِ الدّيوان الّذي تمّ تَحْديدُ تصَامِيمِه الأوّلية آنفاً، وهي المفاتيحُ التي بِهَا يشرعُ النّاقدُ أبوابَ المُغامَرة في النّص لاستجلاء خباياه وهي في مجموعة مزين عبد النّور عديدة منها الآتي:

ـ العنوان:

ويُراد به الفاتحة النّصية التي اختزل فيها الشاعر وكثف معاني ودلالات مجموعته مُظهرا بهذا وعيا كبيرا بمدى العلاقة الوطيدة التي تجمَعُ النص بفاتحته باعتبار العنوان ذاته نصّا خارجياً موازياً للنصّ الدّاخلي (Paratexte) ويتداخل معه تداخلا عمودياً (Intertextualité)، فما العلاقة إذن بين الجَسد الدّاخلي لديوان مزين عبد النّور وبين عُنوانه الخارجي: "وصايا البحر"؟

إنّ عَدمَ وُجود مُعطيات تشرح للمتلقّي والباحث بشكل أو بآخر الخطّ الأدبي للشّاعر لا يُساعد كثيرا في تكوين رأي ما ولو بشكل موجز عن خصوصيّة أسلوب هذا الأخير أو ميزات كتاباته في مختلف مؤلّفاته بشكل عامّ، إلاّ أنّ القراءَة المُعمّقة للمجموعة الشعريّة محطّ الدّراسة والتحليل توحي بأنّ خطاب الشاعر هو من النّوع الذي يَتجلْبَبُ بِجِلْبَابين، أحدهُما ظاهر للعيان (القارئ العادي)، وآخر يستوجبُ عملية حفر وضّرب جادّ بفأس البحث حتى يفصح هذا الخطاب عن معانيه المخزونة لـ (النّاقد)، ويتعرّى أمامه بكامل بهجته وفتنته، ولعلّ هذا المنهج الذي سلكه الشاعر ينتمي إلى ما يمكن تسميّتهُ بالسلوك "الدّبلوماسي" لا بمفهومه السّياسي، ولكن بمفهومه الإستطيقي الجمالي، أي التعبير عبر أسلوب الإشارة والرّمز. إذ أنّ النص له مستويان من القراءة؛ قراءة خارجية تجعل من الدّيوان يبدو وكأنّ الغلبة فيهِ هي لقصائدِ الغزلِ التي تحتفي بالأنثى عبر الذات الشعرية التي تقمّصت دور (الرجل/ البحر) الخبير بحياة العشاق، والذي من وحي خبرته هذه يُحدّث المرأة عن دروب الهوى ومخاطره وأهوال العشق ونيران الغرام، وقراءة داخلية ـ وهي المُعوّل عليها هنا ـ ترْمي إلى جَسّ نبْض الكلمات وإيجاد مَفاتيح قلبِ النصّ الشعري، وهذا الاستنتاج لمْ يكنْ مِنَ المُمْكن تحْصليه لولا هذا المفتاح الذي وضعَه الشّاعرُ على غلاف ديوانه الخارجي ويقصد به: العنوان، أي "وصايا البحر".

في هذا العنوان حقلان لغويّان؛ الأول خاصٌّ بمصطلحِ "وصايا" والثاني بكلمة "البحر"، وكلاهُما ينتميان إلى مجال الأشياء الظّاهرة التي لا تُؤخذ أبداً بما يبدو منْها (1)، وذلك لأن مرآة العنوان تعكسُ أكثر من إشارةٍ ورمز يفيضان بالحقيقة التي يُمثلانِهَا والقادرة داخل النّصوص على تحقيق ما يمكن تسميّته بتجسّدات ظاهرة العلّية المتبادَلة، ذلك أنّ إدراك الرّمز لا يُمكن أن يتمّ عموماً إلا عبْرَ مسار داخلي يعتمدُ مسألة قُبول وحدة جوهر الأشياء كلّها في الخَلْق والكَون. ويَعْتبـِرُ "فرديناند دي سوسّير" الدّليلَ "Le Signe" أو العنوانَ علامة ووحدة نفسيّة ذات وجهيْن مرتبطين يتطلّبُ كلّ واحدٍ منهُمَا وجودَ الآخر. ويُقصَدُ بالوجهين؛ التصوّر "Le concept"، والصّورة السّمعيّة "L’image acoustique" وعن الجمع بينهما يُولَدُ الدّال والمدلول، أمّا المعنى فلا يظهر إلا بعد الجمع بين هذين الأخيرين (2) الشيء الذي يستدعي الوقوف عند كلّ جزء من عنوان الدّيوان بغرض تفتيته علّ ذلك يساعد على إيجاد مَعنى ما قد يكون صالحاً لاعتباره مصباحاً يـُقتدى بنوره وَسط عتمة المَعاني الأخرى المدفونة وَسط تراب الكلماتِ والحُروف التي تضجُّ بها قصائد المجموعة الشعرية.

ـ وصايا

وَرَدَ هذا المُصطلحُ بصيغة الجمع، والأصلُ فيه فعلُ "أوْصى"، ويقول ابن منظور في لسان العرب إنّ الذي يُوصي يُسمّى موصياً ووصيّاً، أمّا الوصيّة فهي ما أوصيتَ به.

والواصي غالباً ما تكون له سلطة عليا بالنسبة للموصي، وغالباً ما يكونُ أكبرَ سنّا وتجربة وخبرة ممّن تُلقى عليه الوصيّة. لذا يُمكن القولُ بأنّ الذّات الشّعرية تنْطلقُ في الدّيوان من مرْكز أعْلى وتّتجه بِخِطَابها إلى مُتلقٍ يوجدُ في درجةٍ رُبّما أدْنى تجعلُه في حاجة إلى الاستماع بتأمّل وتأنّ إلى هذه الوصايا، ثمّ العمل بها. والقول بهذا، يذكّر ولا شكّ بمعنىً آخر أسمى لمصطلح "وصايا" ولعلّه ذاك الذي نبع قديما من جوّ كتابات الوحي الكريم بكُل مشاربها، فهذه الوصايا العشر الشهيرة الخاصّة بموسى (ع) والمذكورة بداية في(العهد القديم)، وتلك وصيّة عيسى (ع) عن الحبّ والمحبّة في (العهد الجديد)، وتلك وصايا لقمان المذكورة في القرآن الكريم، وكلّها تؤكّد بأنّ الوصيّة عليها أولا أن تنبع من ذات أعلى تلقي بالكلام إلى المُوصي، ثم منه إلى الوصيّ، الشيء الذي يدعو إلى التساؤل عن طبيعة المُوصي هنا، والمُوصَى أو الوصيّ.

* المُوصي
هي الذّات الشّعرية، وقد سمّاها الشّاعر بالبحر، وهي الكلمة الّتي تُكوّن الجزء الثاني من عنوان الدّيوان:

ـ البحر: ورد المُصطلح هنا مُعرّفا ومضافا إلى كلمة "وصايا"، وذلك لإعطاء قيمة أكثر للمعاني التي يحويها وللمركز الذي يحتلُّهُ داخل الدّيوان. فلماذا البحر إذن وليس النّهر أو شيئا آخر؟
سبق وتمّت الإشارة أنّ مفهومَ البحر نبع من قطرة الماء التي ترمز إلى الأنوثة الكونية وبالتالي إلى المصدر الذي يستقي منه البحر أو الذات الشعرية وصاياه، إذ الوصايا، هي في حاجة دائمة إلى هذه القطرة أو هذه العين التي هي بمثابة الرّاعي لهذا النّوع من العلم تحفظه من الضياع وتجدّده على الدوام، حتى لا تخبو نار الوصيّة ولا يضلّ الوصيّ ويبقى متأهبا دائما للاستماع والتعلّم والاستفادة من حِكَم المُوصي.

ولقدْ كانَ البحرُ ولمْ يزلْ من المَوضوعات الخِصبةِ التي استوْلتْ عَلى قريحَة الشّعراء، فاستهواهُمُ برمْزيّته الثرّة وأسْراره الجَمّة، وبصُور حُضوره المُتنوعة في الطّبيعة، بدءا من الشّاطئ ورماله، والموج وحديثه، إلى الأعماق بكلّ كنوزها وخباياها، والبحرُ هُو هنا في ديوان الشاعر مزين عبد النور، قبل هذا وذاك رمزٌ للصّوت المركزي داخل جسد كلّ إنسان دخلَ كهف النّور والنّار، أي صوت العقل الواعي وما يُلقيه داخل القلب من علوم وأسرار وحِكم. والمثيرُ للانتباه في الاستعمال اللغوي أو الدلالي لكلمة البحر، أنّ الشّاعرَ لمْ يُعطِ للبَحْرِ اسما أو علامة جغرافية، ولا حتّى للوصيّ، بل لمْ يحُدّد حتى مكان لقائهما معا من أجل تبادل عَمَليَتيْ الإلقاء والتلقّي، وفي هذا دليل على أنّ المكان المقصود ليس بمكان أرضي جغرافي، ولكنّه مكان داخلي تحكمه خريطة الجسد والرّوح البشريين، أي العقل المركزي للإنسان وقلبُه الحيّ الواعي النابض.

* المُوصى أو الوصيّ

وقدْ أعلن عنه الشّاعر منذ أول قصيدة في الديوان والتي تحمل نفس عنوان الديوان "وصايا البحر"، وهناك قصائد أخرى يوجد بها إشارات تدلّ عن ماهية الوصي ومنها مثلا قصيدة (البحر يرقبنا)، (ارقص يا حبيبي)، (يا أختي غنّي) (كنورس سوف أعود) إلى غيرها من القصائد الأخرى.

ـ الإهداء:

للإهداء في ديوان مزين عبد النّور، صفة التقديم وسمة الغيرية وطابع الخصوصية، أما الصفة الأولى فذلك لأنه يلعب دور تقديم الديوان وعرض بعض خطوطه الأولى وإشاراته، وأمّا سمة الغيرية فالمقصود منها أن الإهداء لم يأت ذاتيا كما كان قد فعل سابقا J.Joyce، أي أنّ الشاعر لم يُقدّمهُ لنفسه ولكن لأشخاص آخرين عيّنَهم بالاسم والجنس والنوع، وأما طابع الخصوصية فينبع من كون هذا الإهداء أتى محصورا في خانة خاصّة الأقرباء ممن تربطهم مع الشاعر علاقة دم وحميمية لصيقة جدّا، فهذه الزوجة وذاك الأب، وتلك الأم وأولئك الأبناء، وهم جميعا يدخلون في خانة ما يمكن تسميّته . أما الإهداء المتعلّق بالقارئ والمتلقي العام فيبقى ضمنيا، ذلك أن الدّيوان كلّه للمتلقي، بغض النظر عن أقرباء الشاعر أم لا.

هذا فيما يهمُّ السمات الغالبة على الإهداء، أما بنيته فإنّ أهمّ ما يمكن قوله في حقّها هو إنّ هذه الأخيرة تنقسم إلى أربعة وحدات دلالية، الأولى خاصّة بـ (زوجة الشاعر)، الثانية بـ (والده)، الثالثة بـ (أمّه) والرّابعة بـ (ولديه):

ـ أمّا الوحدة الأولى فيُمكن تجسيدها كما يلي:

وتتكون الصيغة الإهدائية من حرف الجرّ "إلى" الذي تكرّر مرّتين خلافا لما ورد في بقية الوحدات الأخرى، وذلك تأكيداً على المكانة المُتميّزة التي يحتلّها المُرسل إليه عند الشاعر، كيف لا وقد كتبه بخط عريض أسود (Bold)، ووضعه على رأس باقي العناصر مُشرعاً به طقوس الإهداء، ومُسمِياً إيّاها بـ "رفيقة دربي" وهي عبارة لها من الحمولات الشاعرية الحميمية ما يجعلها تغوص في عمق أعماق الذات الشعرية المتّسمة بالوفاء والإخلاص.
يُلاحَظ أيضا أنّ الشاعر في استخدامه للصّيغة الفعلية الوحيدة في هذا الجزء من الإهداء لجأ إلى اختيار تلك التي هي من نفس جنس ونوع اسم المُهدى إليه بل موسيقاه وإيقاعياته، (لمياء/ لمّت).

أما ما تبقى من الكلمات التي بنى بها الشاعر ونسّق عبرها بشكل مُحكم بنية هذه الإرسالية وفسيفسائها، فإنّها تجد لها ولا شكّ صدى عميقاً في نصوص أخرى توجد داخل الدّيوان، وظّف فيها الشاعر صور المرفإ والمرساة وصُور الأشلاء التي احتضنتها "رفيقة درب" الشاعر بمحبّة عظيمة، يكفي على سبيل المثال لا الحصر تصفّح نصّ (كنورسٍ سوف أعود) والذي يقول فيه الشاعر: " عرفت أخيرا يا حبيبي / إني عرفتُ ./ لا مرساة لي يا حبيبي / لزورقي المتعب و شراعي / لا ملاذ لي يا حبيبي / كنورس ذلك البحرِ / دوما سوف يعودُ / للموت يا حبيبي / أو للحياة على ذلك الشطِّ.)، ثم نصّ زهرة الرّوابي وهذه أبيات منه (إليك أنت، / على صدر الروابي ،/ تهفو روح روحي،/ وتشتاق أناملي).

ـ الوحدة الثانية:

وفيها سار الشاعر على نفس نهج الوحدة الأولى، من حيث التعريف والإيضاح، إذ أنّه من خلال تركيبة نصّ الإرسالية يصلُ كمّ من المعلومات التي تُساعد بشكل أو بآخر على حلّ مغاليق نصوص عدّة داخل الديوان، وهي المعلومات والمعطيات التي يُمكن سردها كما يلي:
ـ المُرْسل إليه هو الوالد (انظر عبارة "والدي")، التي استخدمها بدلا من صيغة "أبي"
وذلك لوعي الشاعر العميق بما بين العبارتين من فرق كبير وإن كانتا تطلقان على الشخص الذي أنجب الإنسان! إنّ بين الكلمتين "أب" و"والد" فروقاً في الاشتقاق، وفي المعنى، وفي الاستعمال القرآني. فالأَبُ: اسم يطلق على الوالد، لكنه في الأصل مصدر محذوف حرفه الأخير، وهو على وزن "فع"، وأصله "أبو".

أما "والد" فهو اسم على وزن "فاعل" وهو مشتق من الجذر "وَلْدٌ"، والوَلْدُ والتولد فيه معنى حصول الشيء من الشيء، وتفرعه وانفصاله عنه. وهو الانفصال الذي حدث بين الشاعر ووالده والذي تؤكّدُة الجملة الأولى من نصّ الإرسالية: "إلى روح الراحل في صمت العابرينْ" ـ والتي هي أيضا عنوان الجزء الثالث من الديوان (صمت العابرين) ـ، وتدلّ على حدث الموت الذي فرّق بين الاثنين وإن كان في الأمر فرقة ظاهرية نفسية، لا روحيّة. إذ سرعان ما ينتبه الشاعر إلى هذا فيربط نفسه بأبيه برباط الأبوة لا الولادة فقط، ورباط الغذاء الرّوحي لا الانفصال فيعرّفُ أباه بـ: الفقيه، كي يؤكّد عمق الصلة التعليمية والرّوحية التي تربط بينهما والتي من بحرها نبعتِ الوصايا بأسلوب جديد متميز يلتحف بخرقة المعاصَرة لكنه يتكأ ولا شكّ على عصا الأصالة.

يستمرّ الشاعر في ربط نفسه بوالده ليس فقط روحيا ولكن جغرافيا أيضا، فيخبر القارئ بأنه مغربيّ المنحدر والأصل وذلك من خلال استخدامه لكلمة لا توجد إلا في قاموس اللهجة المغربية ، فالأب هو "السّي عبد السّلام"، أي السّيّد عبد السلام، وذلك لإبراز مكانة أبيه الاجتماعية والعلمية داخل الأرض التي رأى الشاعر فيها النّور.

ـ الوحدة الثالثة:

وتهمّ الأم وقد جاءت بالصّيغة التالية:
"إلى الباقية التي عبَرتْ
من مشارف الغابِ
النَّا طامة
أمي."

هنا أيضا يبدو جليّا أنّ الشاعرَ حريصٌ على انتقاء مفردات نصّ الإهداء، فكونُهُ استخدم مصطلح "أمّي"، فهذا فيه إشارة إلى لحمة الحبل السري الروحي الذي يربطه بوالدته، وهو معنى فيه اعتراف بالجميل، وشكر من ابن بارّ عرف معنى اليتم الأبوي، فأحبّ أن يشكر والدته بطريقته الخاصة ويهدي الديوان لروحها الطاهرة الطيبة فقد مُني بفقدها هي أيضا، وليس هذا فقط، بل هناك قصيدة كاملة داخل المجموعة الشعرية خاصّة بها وتحمل عنوان (أمّي) وفيها يحدد الخطوط العريضة لهذا الرّابط الحميم بين الأصل وفرعه، إذ الأم هي الوطن الوحيد للشاعر وهي أرضه وأصله الطيب الأعراق، وهي بكل بساطة ونقاء "النّا طامة"، وهو اسم بلهجة أهل مدينة شفشاون المغربية العريقة ويقصد به "السيّدة العزيزة طامة":

" أمي ..
عنواني الوحيدُ على مشارف الغابِ.
العنزتان ودارنا هناكْ.
دجاجتان وديكْ
يصيح على كومة الحطبِ،
ودخان موقد في الحوشِ الصغيرِ
الموحل بعد أمطار الخريف العابرِ.
آه ! يا أمي .
كم كنتِ، حتى وأنا في البعيدْ،
موطني الوحيدْ.
ترحلين اليومْ،
ليُودِعني الرصيف إلى الرصيفْ،
بلا وطن بعيدٍ أو قريبْ.
وطني ، أشلائي ، أحمله معي وأتيهْ".

وتبقى الوحدة الأخيرة من الإهداء وتتعلق بولدي الشاعر زياد وشادي، وقد صاغها على المنوال التالي:

"إلى الغاليَين
بُرعمي الزمن الآتي
زياد وشادي،ولدي ."

وهو إهداء مفعم بحبّ والد تجاه أولاده، "إلى الغاليين"، وبمحبّة عظيمة فيها أمل في غد أفضل: "برعمي الزمن الآتي"، لكن فيه أيضا إشفاق وترقب وعطف، إذ استخدام كلمة "برعمي"، لا يمكن اعتباره فقط عاطفة حنو ومودة متدفقة من أصل نحو فرعه، ولكن خوف وإشفاق على هشاشة البرعم من مغبّات رياح الزمن، وهو خوف طبيعي يستشعره كل أب تجاه أبنائه مهما كبروا ومهما ذهبوا كي يبنوا أعشاشهم بعيدا عن حضن الأب ودفء الأمّ.

جسد الأنثى عند مزين عبد النور، قصيدة "وصايا البحر" نموذجا
كتب العديدُ من المفكرين عن إشكالية الجسد والرّوح، وفاضت الأقلام بين مؤيدة للجسد معتبرة إيّاه الأساس في الوجود الإنساني، بغض النظر عن الروح التي كثيرا ما عبّر العديد من الدّارسين عن شكوكهم نحو ماهيتها وجوهرها الحقيقي. وبين مؤيدة للرأي القائل بأهمية الرّوح باعتبارها المحرّك الرّئيس للفكر البشري والقادرة على محو كل ما من شأنه أن يعوق رقي الجسد نحو مراتب الصفاء والجمال المطلق، مادام هذا الأخير ما هو إلا سجن حقيقي للروح عليها أن تتحرر من قيوده وقضبانه التي تحول بينها وبين الاتحاد بالطبيعة الروحية للكون. وكما هو واضح فهناك غلو ومبالغة عند كلي الفريقين، إذ هما معا يلغيان أحدَ أهم مكونات الإنسان، فإما قولٌ بالجسد فقط وإما تأييدٌ للروح فقط، في حين يُعدّ الجمع بين كلي العنصرين من الحلول العادلة الوسطية التي توصّل إليها العديد من الفلاسفة سواء الوسيطيين أو المعاصرين، ذلك أنّ الإنسان جسد وروح، ولا يمكن أبدا التفرقة بينهما، فالإنسان بجسده يسعى ليعيش، وبه أيضا يسعى للقاء ربه (الصلوات والعبادات والطقوس الروحانية المختلفة باختلاف الديانات والآعتقادات)، وبه يسعى للعلم والمعرفة، وفي الختام بجسده يخلّص نفسه من شوائب الحياة وأثقالها وليس بالروح فقط، لذا فالإنسان لا يُمكن لحياته الروحية الحقيقية أن تكتمل إلا إذا عاش جسدَه واكتشفه في ماهيته، باعتباره كائن حيّ، حسّاس وشفاف، وهش وضعيف، فإن لم يكتشف الإنسان ضعفه، لا يمكن لقلبه أبدا أن ينفطر ويشعر بضعف الآخرين، إذ هنا فقط يمكن للقلب القاسي المتحجّر أن يتحول إلى قلب من لحم ودم.

لكن ماذا عن الشاعر مزين عبد النور، كيف ينظر إلى الجسد الإنساني؟ ماذا يقول عنه وعن جانبي الأنوثة والذكورة فيه؟ هذا ما ستتمُّ مقاربته في قصيدته (وصايا البحر) التي تمّ اختيارها من بين قصائد عديدة من الدّيوان لسببين رئيسين هما:

ـ تمّ إعطاء الدّيوان نفس عنوان القصيدة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على أهمّيتها ومركزيتها الدلالية بالنسبة لبقيّة قصائد الدّيوان.

ـ القصيدة هي أول ما افتتح بها الديوان، لذا فهي فاتحته ومفتاحه الصّالح لقراءة بقية نصوص المجموعة الشعرية.

يقول الشاعر إذن في قصيدته (وصايا البحر):

"اِجري، يا صغيرتي
على جفني ، اجري،
وفُكِّي قيد الضفيرتينِ
واشرعي مرافئ الجفنينِ،
حدائقَ لنداء موجي
أوِ اسْندي الصدر ونامي
على أرائكَ من لجينِ.
////
اِجري، يا صغيرتي ، اِجري
والعبي أو على الشط نامي.
لم تأتِ العواصفُ بعدُ
فأنتِ في حضن جوارحي
وأنت في أدفأ «الشطآن».
////
اِجري يا صغيرتي وامرحي
فلا زلتِ يا حلوتي
خفيفةَ الخطوِ،
بريئةَ القلب لا زلتِ،
بتينتين على الصدرِ،
ولم تنضج يا زهرتي بعدُ
فاكهة الخصرِ.
////
اِجري، يا صغيرتي، اِجري
فلم يعد في الوقت متسعٌ
قبل أن يصهل الحوض في صخبِ
ويُسكب يا مهرتي
فوق ماستينِ
وعلى ذلك الثغرِ
ألقٌ من نجمتينِ
وبهاءٌ من ذلك البدرِ.
////
اِمرحي وما شئت خطي
على بلل ذلك الرملِ
من دفتر الإملاءِ
ومن أغاني ذلك الفصلِ،
وارسمي ما يحلو لكِ
من خرائطَ للقلبِ
وأحلامك الصغرى،
الجميلةِ الإهداءِ.
////
سأمسحها لك دوماَ
بالزبد وأكفٍّ من الماءِ،
وسأنسجها لك يوماَ
عندما يستوي الصدرُ
وينشوي لكِ القلبُ
ليخِرَّ صريعاً ويُدْمَى
يوم يفطره الشوقُ.
////
سوف تمشين يا صغيرتي يوماً
عصرا شئتِ أم صبحاً
وسوف تمشين بعدها دوماً
في سكون الليل أو فجراً
وترقبين الأفق على الشطِّ
أو زرقة البحرِ
بصمت ذلك الصَّخْرِ.
////
وسأحكي لك يا مهرتي
كل حكايات اللواتي
جاوَرْن موجي و عانقن صمتي
ومررن في صمت العاشقاتِ
بقايا و أشلاءَ جميلاتٍ
نزع لحمَها العشقُ.
وندمن في خشوع القانتاتِ
أن كان لهن يوما ذلك القلبُ."

النّص كما يبدو جليّا مقسّم إلى ثمانية أقسام، والعدد ثمانية هنا يمثل العالمين المادي والروحي، أو بشكل أكثر دقّة عالمي الجسد والرّوح، وهو له دائرتان تُعانق إحداهما الأخرى عبر رمز يشير إلى المالانهاية (∞)، ناهيك عن كونه حصيلة الجمع بين عددين متساويين (4 و4) واللذان يرمزان إلى مفهوم الزّوج والتزاوج. ولا غرابة في أن يكون هذا العدد يرمز بالأساس إلى الأنوثة الكونية ويحكمُه عنصر الماء، وهما معا الحجر الأساس الذي يقوم عليه الدّيوان بأسره كما هو واضح في هذا الشكل:

لماذا عنصر الأنوثة إذن في ديوان يحتفل قاموسه اللغوي بالجسد ومرادفاته؟

يقول الشّاعر في هذا المقطع الأول من النص محطّ التحليل:

"اِجري، يا صغيرتي
على جفني ، اجري،
وفُكِّي قيد الضفيرتينِ
واشرعي مرافئ الجفنينِ،
حدائقَ لنداء موجي
أوِ اسْندي الصدر ونامي
على أرائكَ من لجينِ."

إنّه ولا شك مقطع بسيط هذا الذي افتتح به الشّاعر ديوانه، وبساطته هذه تنبع من الوضوح والشفافية التي تتسم بها مصطلحاته، إلا أن القارئ يستشعر أنّه على الرغم من هذه البساطة، ثمة شيء ما يقبع داخل هذه الكلمات، شيء يمكن تسميته بـ (المعنى) أو ما يشابه (المعنى)، فكيف يحدث هذا؟ أي كيف لكلمات مصطفة في ترتيب معيّن أن تحمل بداخلها بناءين مختلفين تماما؟ إنها حقّا إشكالية عظيمة وقد حاول العديد من الدّارسين مقاربتها وشرحها، فهذان (أوجدن) و(ريتشاردز) يتحدثان عنها في كتابهما "معنى المعنى" وتلك (إليزابيت سيويل) تتناولها في كتابها "بناء الشعر"، ومع ذلك فإن العديد من النّقاد يتناسون بأن وراء ازدواجية البناء داخل نصّ ما، سبب يعتبره الكثير أمرا مسلّما به لدرجة أنهم ينسون أنّ المفردات نفسها مبنية بناء مزدوجا، لأنّها أصوات تحمل برحمها رموزا للمعاني، ومعاني حبلى بالأصوات أيضا، الشيء الذي يعني أنّ القارئ لا يمكنه أبدا أن يستعمل الجرس بدون المعنى، والمعنى السّاكن في هذا المقطع البسيط يمكن الكشف عنه بالوقوف عند كل بيت بيت كما يوضّح الرّسم التخطيطي التّالي:

هناك علاقة توازي وتقارب وتكامل تربط بين الأبيات كلّها، والشاعر لتحقيق هذا التوازي والتكامل استخدم تقنية "التشابك" والتي تتجسد في إنهاء البيت الثاني بالفعل الذي يبتدئ به البيت الأول كما هو الحال في (اِجري، يا صغيرتي/ على جفني ، اجري،) مع العلم أنّه من ذات الفعل تخرُجُ أفعال أخرى مرتبطة به وهي الآتي ذكرها: (فكّي/ اشرعي/ اسندي/ نامي).وقد ربط الشاعر بين كلّ هذه الأفعال ـ ليس فقط في هذا المقطع من النص بل في بقية أبياته ـ بشكل سارَ فيه على نهج ما يسمّى بقواعد الاتساق ، وهذا عنصر مهم لتأكيد صفة الرّبط ووحدة البناء داخل النص التي حققها الشاعر عبر المزاوجة بين ما هو ربط ضمني وآخر ترقيمي، وبين ماهو ربط عطفي وإشاري، وإن كان هذا الأخير هو النوع الغالب على هذا المقطع الأول من القصيدة:

كما يُرى جليّا في الجدول فإن المقطع الأول من القصيدة يوضّح إلى أيّ مدى ساعدت مختلف وسائل الربط في خلق نوع من الاتساق والترابط بين مختلف مقاطعه الخطابية والوصفية مسجّلة بذلك نموا موضوعيا في مستواه الظاهر باعتباره جزءا لا يتجزأ من جسد القصيدة كلّها، لدرجة أنه لا يمكن الاستغناء عنه أبدا لأنه يعطي بمختلف مستوياته وتدرجاته معنى كاملا للنص في كُلّيته لا جزئيّته محققا بذلك ما يمكن تسميته بانتظام خطاب النّص .

كانت تلك إذن هي أصوات ورموز الكلمات بكل روابطها وعناصر اتساقها داخل هذا المقطع، لكن ما هي المعاني المزدوجة التي يا ترى تختبئ داخله؟

لعلّ أوّل المعاني وصولا أو خروجا من رحم النص هي تلك التي تحددّ العلاقة التراتبية بين الذات الشاعرة والذات المُخاطـَبة: علاقة إلقاء وإنصات/ علاقة عطاء واستقبال حتّى لتبدو وكأنّها علاقة أبوة وبنوة.

الأب المُلقي للوصايا

ـ إنه البحر وقد استخدم الشاعر أسلوب الأنسنة من أجل تحديد الخطوط العريضة لشخصيته فجعله على طول القصيدة جسدا "مذكرا" مقابل جسد "مؤنث" الذي هو جسد الذّات المُخاطَبَة.

ـ عن جسد البحر لم يقدّم الشاعر تفاصيل كثيرة اللهم الآتي ذكرها كما يلي:
+ الجفن/ (على جفني/ البيت 2)

+ الكتفين العريضين ( أرائك من لجين/ البيت 7) وفي هذا التعبير إشارة واضحة لرقي وعفّة أسلوب الشاعر، فهو لم يشأ القول بصريح العبارة (اسندي صدرك ونامي على كتفي) ولكن حبّذ استعمال عبارة الأرائك لأغراض أسلوبية ومضمونية سيتم الوقوف عندها فيما بعد.

+ الصدر (على الشط نامي/ البيت 9/ أدفأ الشطآن/ البيت 12/ على بلل ذلك الرمل/ البيت 29/ الأفق على الشطّ/ البيت 47)

+ الجوارح (في حضن جوارحي/ البيت 11) وذكر الشاعر للمصطلح بصيغة الجمع فيها إشارة لجوارح الإنسان جميعها (اللسان/ الأذن/ العين/ اليد/ الرِّجل/ البطن/ والفرج.) وقد ورد بعض منها في كلّ النص: اللسان مثلا هو الذي تُلقي به الذات الشعرية وصاياها وقد حددّ الشاعر في النص أن طبيعة خطاب هذا اللسان طبيعة صامتة أي بمعنى أن الصوت داخل النص ليس بصوت جَهْوَري ولكنه صامت داخلي (وعانقن صمتي/ البيت 52)، هذا عن اللسان أمّا العين فقد تمّ معاينة ما يدلّ على وجودها في البيت الثاني من القصيدة، كما أنّ الشاعر وظّف أيضا صورة اليد وهذا ما يؤكّده البيت 37 من النّص. لكن ماذا عن تعبير (حضن جوارحي)؟ أو ما معنى أن يكون للجوارح حضن؟ الأمر لا شك فيه وجه من أوجه الحميمية والخصوصية أي أنّ له علاقة بالقلب والقلب كما يعلمُ الجميع هو ملكُ الجوارح .

وما دام في الأمر حديث عن القلب فلا بد من سؤال عن "العقل"، أي هل ثمّة في النصّ ما يشير إلى أن في الحديث عن جسد "البحر" أو الذات الشّاعرة حديث أيضا عن عقلها؟
الجواب يوجد في الأبيات التالية:

ـ حدائق لنداء موجي/ بالزبد وأكف من الماء/ جاورن موجي / أرائك من لجين/ وبهاء من ذلك البدر/.
إذا كانت الذّات الشّعرية تتحدث عن الموج وعن أكفّ الماء والزبد، فذلك يعني أنّ البحر المقصود في حالة مدٍّ، والمدُّ لا ينتج إلا عن قوة تأثير القمر على البحر، والدّال اللغوي على وجود القمر هنا في هذه القصيدة جليّ (انظر كلمتي لجين والبدر)، واللجين لون فضي تكوّن بفعل انعكاس أشعة القمر على "الأرائك". والقمر إذا اكتمل أصبح بدرا، والبدر في الكتابات الأدبية والفلسفية يرمز إلى العقل المركزي الواعي المكتمل، ولعلّ هذا ما يخوّل له سلطة التخاطب عبر استعمالٍ جيرَارْكي أو تراتـُبي مقامِيٍّ بينه وبين الذاتِ المُخاطـَبة (يا صغيرتي).

الذات المتلقية للوصايا

يبدو جليا أن الذات المتلقية لوصايا البحر هنا لها كلّ الصفات التي تـُشرّعُ لها أن تكون في مقام الاستماع والتلقي والتّتلْمُذِ ولعلّ أهمّ هذه الصفات الوارد ذكرها كالآتي:

ـ صغر السنّ:

+ انظر عبارة (يا صغيرتي) التي تكرر ذكرها لأكثر من مرة على طول القصيدة.
+ وفي صغر السنّ قلّة خبرة وتهور وعدم تقدير لعواقب الأمور، وكلّ هذا سطّره الشاعر مزين عبد النور عبر قاموس لغوي فريد: الجري ( اجري) / الضفائر (فكي قيد الضفيرتين) / النوم (اسندي الصدر ونامي/ على الشط نامي) / اللعب والمرح (العبي، امرحي)/ خفة الخطو والجموح وكثرة الحركة (خفيفة الخطو، يا مهرتي).

ـ فتُوّة الجسد وعنفوانه:

بدأ الشاعر في وصف جسد الذات المتلقية من القدمين (اجري) كدلالة على تلبيتها لنداء البحر ودعوته إيّاها إلى التجرّد من كل الرّسوم والقيود. ثم صعد إلى أعلى وتوقف عند هامة الرأس (فكّي قيد الضفيرتين)، وذلك ليس بهدف التأكيد على صغر سنّ الذات المُخاطَبة ولكن بهدف التركيز على التخلص والتحرر من كل قيد ، وما من فراغ استخدم الشاعر فعل "فكّي"، إذ في الفكّ قوة وسرعة في الحركة، وثبات في الفعل والقصد. أما في المرحلة التالية فإنّكَ تجده قد اتجه إلى أهمّ عنصر في الوجه وهو العين (واشرعي مرافئ الجفنين)، وما مرافئ الجفنين سوى كناية واضحة عن العينين، واستخدام فعل "اشرعي" فيه دلالة على عدم الاكتفاء فقط بفتح العين ولكن بتعميق النظر عبر عين البصيرة المشرعة على فضاءات الللامنتهى، وليست هذه هي المرّة الأولى التي يتحدث فيها الشاعر عن العين وأهميتها وعن البصيرة وفاعليتها في خط مسار المعراج الروحي الأكبر نحو صفاء الذات ونقاء الروح، وفي قصيدة (باب العين) دليل على هذا القول (3).

بعد الجفن ومرافئه ينزل الشاعر إلى منطقة الصدر، أو ما يمكن تسميتها ببوابة البحر الكبرى (اسندي الصدر ونامي)، ثم يشير إلى تينتي هذا الصدر، كصورة يراد بها الإشارة إلى صغر النهدين، وفي هذا إشارة أيضا إلى عذرية الجسد المخاطب، فهو لم تمسه بعد يد، لذا يمكن القول عليه بأنه جسد موناليزي بياتريسي (4). ولا يخفى على أحد أن التين رمز للمعرفة الكاملة باعتباره فاكهة بدون نواة، وهو أيضا رمز للحياة الأبدية، وما من فراغ كان قدماء الفراعنة يستخدمونه في صناعة توابيت الملوك.

بعد الصدر وتينه ينزل إلى الحوض ثم الأرداف (فاكهة الخصر) ، ويصعد من جديد إلى الوجه فيتحدث عن الثغر والجبين ثم العين الباكية.

ماذا يعني كلّ هذا؟ ماذا يعني أن يكون جسد الفتاة العذري أو جسد الذات المُخاطـَبَة، شجرة تين، لها فواكه لم تنضج بعد، وأن تكون هذه الأنثى بعدُ مهرة أو زهرة، أو طفلة حلوة صغيرة، لا تكفُّ عن الجري والركض والمرح؟

كل هذا يعني أن الشاعر واع بكل المراحل التي حددها لقصيدته، فكون الذات المخاطبة في الشق الأول من القصيدة (5) لم يفطرها ولم يحرقها بعد الشوق فهي ستبقى هكذا تلعب وتمرح غائبة عمّا تخبؤه لها الأيام من تجارب كفيلة بأن تصقل مرآة روحها كل يوم إلى أن تصل بها إلى اختراق فضاء الرؤية الحارقة.

من تكون إذن هذه الذات المُخَاطـَبة؟ إنّها النفس البشرية في تجليات وتجسدات روح الكون الأنثوية. ما الدليل على ذلك؟

سبق القول بتقسيم الشاعر لقصيدته إلى قسمين مهمّين في الأول حاول تحديد الخطوط الأولى لمرحلة الحبو في الحياة (طفولة الذات، مراهقتها وشبابها)، وفي القسم الثاني تحدث عن مرحلة النضج وتجاربه ثم الوصول إلى درجة الحكمة والرجوع والقنوت. إلى هنا يبدو أن ما من شيء جديد في الأمر، إلاّ أنّ عمليّة حسابٍ بسيطةٍ للأبيات المكونة للقسم الأول من القصيدة سوف تكشف لكَ أن مرحلة اكتمال نمو الدماغ والنفس البشرية تبدأ عند السنّ الأربعين (انظر عدد الأبيات التي تنتهي بها هذه المرحلة فإنك ستجد أنّها اثني وأربعين بيتا): "حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ." (6)

"وارسمي ما يحلو لكِ
من خرائطَ للقلبِ
وأحلامك الصغرى،
الجميلةِ الإهداءِ.
سأمسحها لك دوماَ
بالزبد وأكفٍّ من الماءِ،
وسأنسجها لك يوماَ
عندما يستوي الصدرُ
وينشوي لكِ القلبُ
ليخِرَّ صريعاً ويُدْمَى
يوم يفطره الشوقُ" (7).

وفي ختام هذه الرحلة الشيقة داخل ديوان (وصايا البحر) لا يمكن سوى الإقرار بأنه إذا كان الشاعر مزين عبد النور قد جعل من الأنثى ذاتا مُخاطـَبة وصورة عظمى للتعبير عن تطور الفكري البشري، فإن في ذلك إشارة بالأساس إلى الأنوثة الكونية كنقطة محرقية لاستقطاب التجلي الإلهي، ذلك لأنه يمكن العبور عبر جسدها إلى الطاقة الفعالة للفكر الإنساني دون التركيز عليه أبدا كجسد مكتوب وذلك حتى يتحقق الانفتاح الأبدي للخطاب الشعري على الصيرورة الأنثوية الكامنة في الكون بأسره (اشرعي مرافئ الجفنين).

الهوامش:

Th freind, طبعة بابري رووك، سلسلة بلنجن 75، (لندن، 1969)، 1/ 518.
F. De Saussure, Cours de linguistique générale, Payot, Paris, 1978. P. 99.

مزين عبد النور، (باب العين)، من ديوان "وصايا البحر"، دار سليكي إخوان، الطبعة الأولى مارس 2013، ص 74.

نسبة إلى "مانوليزا" ليوناردو دافينشي و"بياتريس" دانتي أليغييري.

ويقصد بهذا الشق أو القسم الأول: من البيت الأول إلى البيت الثاني والأربعين (اجري يا صغيرتي/ يوم يفطره الشوق)، وهو تقسيم تم اعتماده وفقا لتسلسل المعاني الرئيسة للنص.
سورة الأحقاف، الآية 15.

مزين عبد النور، قصيدة (وصايا البحر)، دار سليكي إخوان،الطبعة الأولى مارس 2013، ص 9 ـ10