لنضمد جراحنا التعليمية

، بقلم جميل السلحوت

واذا ما اقتنعنا كشعب بأنّنا عاقدو العزم على تطوير مسيرتنا التعليمية ضمن المتاح لنا، فإنّنا لن نعدم المبادرات الخلّاقة التي يأتي بها بعض منّا، فالعمل التطوعي «العونة» هي واحدة من موروثنا الشعبي الأصيل، ومما لا شكّ فيه بأنّها تتطور حسب تطور المرحلة المعاشة، فقد عاشها ومارسها أجدادنا في حراثة الأرض، ومواسم الحصاد وقطف الثمار، ومارسوها في بناء البيوت، وتمارسها الأجيال المعاصرة في قطف ثمار الزيتون مثلا، وفي تنظيف الشوارع والمقابر وغيرها، وفي الأزمان الغابرة وجدنا من مارسوا تعليم الصبيان في الكتاتيب داخل المساجد وفي بيوتهم، وزمن الانتداب وما بعده وجدنا من يتبرع بأرض لبناء مدرسة، أو من يتبرع ببيته ليكون مدرسة حتى يتم بناء مدرسة وهكذا، وفي الانتفاضة الفلسطينية الأولى ظهرت المدارس الشعبية لتكون بديلا للمدارس التي كان المحتلون يغلقونها، وشعوبنا معطاءة لكنها تحتاج الى القيادات الخلّاقة التي تعلق الجرس، ولدينا من الحرفيين والمختصين - في مختلف المجالات- أعداد كبيرة، فعلى سبيل المثال في قريتي –السواحرة قضاء القدس- قام المرحوم الشيخ حسين السرخي ومن بعده ابنه الشيخ عطا في أواخر العهد العثماني وبدايات الانتداب البريطاني، بفتح بيتهم في منطقة "الحرذان" كُتّابا لتعليم الصبيان أصول القراءة والكتابة وتحفيظهم القرآن الكريم، ومثلهم فعل المرحوم الشيخ أحمد علي منصور في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين بفتح كُتّاب في مسجد زاوية العلويين التي بناها مجموعة من أبناء البلدة بطريقة التبرع و"العونة"، وقام المرحوم داود علي احمد عبده –وهو من أوائل من أنهوا تعليمهم الجامعي من أبناء القرية- في خمسينات القرن الماضي بفتح شارع على حسابه الخاص من مدخل الشيخ سعد الى قمّة الجبل، ليخدم بيوت الحيّ التي كانت قائمة في حينه، وساعده في ذلك من تطوّعوا بجهدهم وتطوعهم للعمل المجاني"العونة"، كما استقطب وزارة الزراعة في حينه لزراعة الأشجار المثمرة بطريقة هندسيّة علمية، واستفاد من ذلك من استجابوا له، فزرعوا عشرات الدونمات باللوزيات والزيتون.

وبالتأكيد فإن هناك أعمالا مشابهة في قرى وتجمعات سكانية أخرى.

وإذا ما صدقت النّوايا فإن القرى والتجمعات السكانية التي تعاني من نقص في الغرف الصّفيّة في مدارسها، ومن عدم وجود ملاعب وساحات وغيرها قادرة على التبرع والمشاركة في العمل لتوفير الأرض المناسبة، ولبناء المدارس النّموذجية التي يحتاجونها، فهل سنتحرّر من البكاء على الأطلال، ونتحرّر من سطوة الانتظار لمن سيدعمنا من دول شقيقة ودول لها أطماعها السياسية والاقتصادية في بلادنا، وعلينا أن نتحرر من سطوة المتدخلين بشؤوننا الداخلية، والذين يخطّطون لتحويل شعبنا الى مجموعة من المتسولين الذين ينتظرون الدعم في نهاية كلّ شهر، وبالتالي فإنهم يهدفون الى عرقلة حقّنا في التحرر والاستقلال وبناء دولتنا المستقلة بعاصمتها الأبديّة القدس الشريف. واذا ما توفّرت المدارس النموذجية، وهذا ليس خيالا، بل هي حقيقة قابلة للتنفيذ، فإنّ هذا يتطلب العمل على تنفيذ تعليم نموذجي أيضا، وإذا كنّا كشعب غير غير قادرين مرحليا على إيجاد مناهج دراسيّة تواكب العصر، فإن تحقيق هذا الهدف أيضا ليس أمرا مستحيلا، فممارسة العملية الديموقراطية، وإذا ما وصلنا الى درجة من الوعي متحرّرة من سطوة العائلة والقبيلة، فإننا سنكون قادرين على اختيار ممثلين أكفياء للشعب قادرين على تحمّل المسؤولية، وقادرين على عمل إجراءات التغيير اللازمة.

وفي انتظار ذلك فإننا قادرون أيضا وبشكل فوري على المساهمة في تطوير العملية التعليمية والنهوض بها، فعلى سبيل المثال فإنّ كلّ تجمع سكاني قادر على العمل الجماعي لشراء ما بين 30 الى 40 جهاز حاسوب-كمبيوتر- وتزويد مدرستهم بها، وهذا سيجبر وزارة التربية والتعليم على تعيين مدرّس لذلك، فالحاسوب أصبح من متطلبات العصر التي لا يمكن الاستغناء عنها في مختلف المجالات، وأتذكر هنا ما قاله شاعرنا العظيم الراحل محمود درويش عام 1991 في مقابلة مع مجلة"أخبار الأدب" الناطقة باسم اتحاد الكتاب المصريين، فقد قال: أخشى أن ندخل القرن الحادي والعشرين ونحن أمّيين وأنا أوّلكم، فأنا لا أستطيع كتابة قصيدتي إلّا بقلم حبر سائل، فالأمّيّة لم تعد الأمّيّة الأبجدية وإنّما أمّيّة استعمال الحاسوب. ومن محاسن الصّدف أن ذلك العدد من المجلة حمل خبرا قصيرا مفاده"أنّ اليابان احتفلت بالانتهاء من أمّيّة الحاسوب وذلك بأن آخر شخص ياباني تعلم استعمال الحاسوب هو امرأة في الحادية والتسعين من عمرها. ويجدر التذكير هنا بأن استعمال الحاسوب وشبكة الاتصالات العنكبوتية-الانترنت- يضع العالم جميعه بين يدي الانسان وفي بيته، كما أنها تمكن الطلبة والدارسين والباحثين بالحصول على المعلومات التي يريدونها.

ولا يفوتنا هنا أهمية بساتين ورياض الأطفال في إعداد الأطفال وتهيئتهم لدخول المدارس، وكل تجمع سكانيّ عندنا قادر على التبرع ببناء روضة أطفال وتجهيزها بما تتطلبّه من وسائل مساعدة كالمراجيح والمنفّخات التي يحتاجها هذا الجيل، فالأطفال بحاجة الى أن يعيشوا طفولتهم ببراءة، وبحاجة الى توجيه ورعاية إضافة الى رعاية البيت، وبدلا من تركهم يمارسون شقاوة الطفولة البريئة في الحارات، علينا أن ننظمهم وأن ندربهم في صفوف البستان ورياض الأطفال، فأطفال اليوم هم شباب ونساء ورجال المستقبل الذين سيبنون الوطن.