كيف لتلك الأجهزة أن

لا تكون ذكية وحياتنا صارت معلقة بها؟!

، بقلم فراس حج محمد

غريبة هي هذه الفكرة، ولكنها واقعية أيضا؛ فقد كرهت بعض الأجهزة وأحببت بعضها، أحببتها لأنها تشبهك، وكرهتها لأنها تشبهك أيضا، وأحببتها لأنها توصلني إليك بطرفة عين، وكرهتها لأنها بليدة لا تستجيب لاستغاثة ملهوف في أن يصلني الصوت، صوتك بنداوته وحلاوته.

كرهت بعض الأجهزة، وهي تعاندني وتفتح كل احتمالات المجهول على المجهول، فلا تدري ماذا تكسب الأوقات كل ثانية، ولا بأي أرض صارت شهقة الروح الوالهة وهي تبحث عنك، ولا تجد وسيلة لمعرفة أين أنت، فقد تقطعت بها السبل، فأكره عندها كل وسيلة اتصال لا يجدي وجودها نفعا، ولا تحقق مطلبا للقلب والروح والنفس، فتقف عاجزة ميتة لا حياة فيها، وكيف يكون بها حياة وقد أضحت قاحلة من صوتك وصورتك؟ فأحاول تحطيمها لأنها تكرهني، وتتجمد فلا توصلني لسماع دقة قلبك المشتاق الذي يبحث عني كما أبحث أنا عنه!!

ولكنني أيضا أحببت كل جهاز شكله ولونه ورنته تقول إنك هناك ما زلت على مرمى البصيرة والأمل، فأحب فيها لونها، وهو يتناغم ويتعانق ويشف عن بياض يستولي على الألوان فترفرف بأجنحتها الملائكية فتظلل كل أنحاء حدائق روحك المحروسة بأسنة أنظار شداد غلاظ لا تعصي القلب والعقل ما أمرهما به، فتنفذ الأمر طوعا وكرها، محكومة بما يحكمان به!!

أحب منها شكلها، ونعومة ملمسها وهي تبدو محاكية نعومة ملمسك الوردي، فتذكرني بمرهف إحساسك وشاعريتك، متأثرة بأدنى لمسة أو همسة أو بوح، هنا أكتشف كم تكون تلك الأجهزة شاعرية وإنسانية وتحمل من الإحساس ما تحمل، فقد اعتادت رقائقها الإلكترونية طقوسنا وجمال استحضار جنوننا ونحن نستكمل ما بدأنا به أحلامنا ذات فجر تملأه الحنايا بكل شوق للقاء ورشفة من رضاب!!

كم أحسّ بأنها جزء من كينونتنا الوالهة، جزء من عواطفنا اللاهبة جزء وجداني مسكون بما يستقر في الجوى، شاهدة على كل تنهيدة ونداء ورحيق زهرة رسمناها ونحن نعالج بعدنا ونمني النفس بلقاء قريب أو سفر في بلاد الله الواسعة!!

كم أحببتك وأحببت فيك الصباح، وأحببتك وأحببت فيك الجمال، وأحببتك وأحببتك فيك ذلك العناد اللطيف، لأراك في كل جميل، في صورة أو فكرة أو جملة أو قلم حبر أو ساعة أو جهاز يسعد بمكنون أسرارنا، وفي كل ورقة بيضاء تستعد لإنبات قوارير العطر في تربتها الخصيبة!!

كم أحببتكِ إذ كنت أنا في كل شيء، وكنت مثلي في كل شيء، في لهفة الانتظار واللقاء والإخلاص وفي صناعة الأبجدية الراعفة اشتياقا ليكون ذلك الغد الآتي، فيضمنا بصيغة ما، لا تجد لها حلا إلا بتفكيك رموزها على هدي الصوفية في حلولها واتحادها، فالأرواح لا تعرف مستقرها إلا أن تتحد في مطلق الاتصال غير عابئة بأي قانون طبيعي فيزيائي، لأنها فوق قوانين المرئي والمحسوس، وتفوقت على كل منطق، فهي نبت للأثير ومآلها الأثير، لا يسعها حدّ، ولا يحويها مدّ، فكيف ستكون أسيرة أجهزة محنطة بليدة، فلا عليك لو كرهناها أو أحببناها فهي لا شيء ونحن كما نحن متفقان في النبض ونتنفس هواء الروح النقية في ذات اللهفة وذات الإحساس!!