العطر

، بقلم حوا بطواش

منذ أيام كسرت قنينة عطر اشتريتها بالصدفة من رجل عربي متجول رآني في سيارتي على محطة الوقود. كانت هذه أول مرة في حياتي أشتري فيها قنينة عطر، ولم أكن أرغب في شرائها حقا، ولكنني اشتريتها فقط نزولا عند إلحاح الرجل الذي قام بلطفه بتنزيل هائل في سعرها الى حد خجلت أن أذهب عنه دون أن أشتريها.

لا أدري لماذا لا أشبه غيري من النساء اللاتي يحببن العطور وينفقن مئات الشواكل لشراء أجملها وأرقاها، وصرن خبيرات في معرفة الفروق بينها فيهدرن دقائق طويلة وثمينة لاختيار أفضلها. عندما أنبش الآن بذهني عن السبب المحتمل لا أجد سوى ما قالته لنا معلمة الدين في المدرسة الابتدائية في قريتي ذات يوم، إذ علمتنا أنه "حرام على البنت وضع العطر خارج البيت، أما الرجل فمسموح به بل ومرغوب".

وكم تعجبنا نحن الصغيرات من ذلك القول لأننا كنا نرى أمهاتنا وأخواتنا وعماتنا وخالاتنا وحتى معلماتنا يضعن العطر، فلماذا يفعلن ذلك إذن؟ وكيف لا يخشين من العقاب الذي ينتظرهن على فعلتهن؟

قالت إحدى زميلاتنا: "المعلمة فلانة دائما تضع العطر!"

وفي اليوم التالي حين دخلت علينا تلك المعلمة الشابة الجميلة التي قيل إنها تضع العطر كلنا فتحنا أنوفنا على مصراعيها حتى نشتم رائحتها وهي تمر بيننا للتأكد من صحة كلام زميلتنا. ولم يكن من الصعوبة علينا حقا أن تصل رائحة عطرها الى أنوفنا الصغيرة الوقحة، فأخذنا نتهامس بيننا: "حقا، إنها تضع العطر وترتكب الحرام!" ورشقناها بنظرات الاحتقار، حتى أن إحدى زميلاتنا تجرأت على إعطائها تلك الملاحظة، ولكن المعلمة الشابة فقط استنفضت ابتسامة مرتبكة من بين شفتيها ولم تعلق بشيء. توقعنا أنها قد تكف عن وضع العطر بعد ذلك الموقف المحرج ولكنها ظلت كما كانت دوما رغم كل شيء.

في ذلك الوقت كنت أسمع من معلمات الدين في المدرسة، وغير المدرسة، عن أمور كثيرة تعتبر حراما وأسمعهن يتحدثن عن العقاب والنار والعذاب ليقنعننا بعدم ارتكابها، وكنت أرى النساء من حولي يرتكبن اغلب تلك الأمور "الحرام" وعقلي الصغير لم يكن يفهم لماذا؟؟ وكلما مرت السنوات أدركت أن العديد من الناس في قريتي وفي عائلتي، وبالأخص النساء، لا يتصرفون حسب هذه التعاليم التي يعلموننا إياها ولكننا نتعلم عنها على كل حال. وبما أنني أدركت أن العديد من الأمور التي تفعلها نساء قريتي، ومن المرجّح أنني سأفعلها أنا بنفسي، تعتبر حراما وسأعاقب عليها، قررت منذ ذلك الوقت، على ما يبدو، أن بإمكاني الاستغناء على الأقل عن وضع العطر.

أحببت جدا رائحة العطر الذي اشتريته من الرجل العربي اللحوح، واستغربت كيف تشتري الناس عطورا بمئات الشواكل وهذا العطر الذي لا يبلغ سعره أكثر من 50 شيكل رائحته رائعة. حزنت جدا على كسرها.

قبل أيام حين كنت في محل في طبريا دخل رجل عربي آخر يبيع العطور وطفق يعرضها عليّ وعلى الموجودات، فرأيت نفس العطر معه. فرحت جدا وسألته ما سعره؟

فقال: "150 شيكل".

قلت له "لا، هذا غال جدا. سأعطيك 50 شيكل." فذهب عني رافضا بلا مبالاة مدهشة!!
لحقت به الى خارج المحل. كنت مصممة على استرجاع عطري المكسور ولكن ليس بذلك السعر. وبدأت بيننا مساومة على السعر. عرض علي أن أشتري كل العطور التي معه وعددها سبعة. قال: "خذيها كلها وأعطيني 250 شيكل ودعيني أرجع الى بيتي في الخليل."
قلت له: "والله وأنا أريدك أن تعود الى الخليل وسلم لي على كل أهلها ولكن ليس معي مال ولا أحتاج كل هذه العطور. أريد هذا العطر فقط!"

وبعد مد وجزر وأخذ وعطاء وعروض كثيرة من طرفه لأشتري أكثر من عطر وإصراري على شراء ذلك العطر الواحد والوحيد، أخيرا باعني اياه بلطفه بالسعر الذي أردت وارتاح قلبي على استرجاع عطري الى مكانه الآمن المستكين في الخزانة.