الأعمى ..

، بقلم محمد أسعد قانصو

.. كثيراً ما يحجبنا ضباب الحياة عن رؤية الآخر، ونظنّ أننا وحدنا هنا، وأنّ التشابه آية الوجود والاختلاف علامة العدم..

نمضي في متاهات الأرض، نضيع في تفاصيلها، نغرق في بحور الشؤون والشجون، يصمّنا الضجيج الذي لا ينتهي إلا على ضفاف السكون المؤبد، وربما انتزعتنا الصدفة أحيانا من قاع المألوف، وعلى درب الفجأة الوعر التقينا المختلف المولود من رحم واحدة، وأدركنا أنه الشريك الأكيد!..

على حين التفاتة تحرّرتُ فيها من شباك الأنا التقيت "الأعمى", بكلّ ما أوتي العقل من قوة الحضور التقيته، وبكلّ ما أرهف الروح من تحفز قررت الدخول إلى عالمه المجهول، علنّي أدرك أسرار هذا العالم الأسود، أو أجد في صحرائه الموحشة قبساً من نور ..

دخلت عالم " الأعمى"، متلبساَ كلّ معاني اليأس والوحشة والانكسار والهمّ, ولم يخطر ببالي أن يكون في هذا العالم مكاناً للفرح, أو موئلاً للأمل, أو سماء مشرعة للشمس, أو فضاء تسكنه النجوم.

ظننت كما ظنّ ويظنّ الكثيرون أنّ الأعمى ليس إلا غريباً, وحيداً في وحشته, رهيناً للانتصار القدري في معركة الليل والنهار.

دخلت عالم الأعمى متمسكاً بإيماني أنّ هذا العالم خلوا من أهم أدوات المعرفة التي تحتاجها الحياة, وما قادتني المثالية لأستسهل انطفاء العينين!..

في جنبات هذا العالم المزدحم بالتأمل, الضّاج بالخيال, المليء بالصور والرموز التي ترسمها اليد المبصرة مرتين..

في هذا العالم وجدت خلف عيني " الأعمى"، ما افتقده وما زلت أبحث عنه في دنيا المبصرين..

لقد خلت تلك الدنيا الموسومة بالسواد من سواد القلوب، وعتمة النفوس، وحسابات المنفعة، ومبررات الوسيلة أمام إلحاح الغاية ..

في دنيا الأعمى رأيت جمالاً لا يوصّف، وصفاء لا يحدّ، شممت رائحة الحبّ التي لم تلوثها الضغائن، ولمست نعومة الأحلام التي لم تجرّحها أشواك اليقظة ..

ليس لخيال الأعمى إلا أن يرسم للأشياء تصاويراً جميلة، وما أروع هذه الريشة العمياء حين تنتزع من السواد ألوانا مضيئة..