نيرودا الشاعر الذي كلم الهواء

، بقلم حسن توفيق

رجل مجنون... هذا ما يتبادر إلى أذهاننا حين نصادف رجلا هائما على وجهه في الشوارع، ونراه وهو يكلم نفسه بصوت مرتفع دون أن يكون معه أحد يتوجه بكلامه إليه، لكننا لن نستطيع أن نلصق تهمة الجنون بالرجل الذي أحببته وما زلت أحبه وأتحدث عنه الآن، رغم أن هذا الرجل كان يتحاور مع الأشجار في الغابات، ويكلم الهواء في الصباح وفي المساء، قبل أن يرحل عن عالمنا منذ أربعين سنة!

الرجل الذي أتحدث عنه الآن هو الشاعر العاشق بابلو نيرودا الذي ولد في إحدى قرى وطنه شيلي يوم 12 يوليو سنة 1904 ورحلت أمه عن عالمنا بعد شهر واحد من ولادته، بينما كان أبوه يعمل في السكك الحديدية، وهذا ما أتاح له- فيما بعد- أن يتنقل بالقطارات على امتداد أرض وطنه، وأن ترتسم في ذهنه ملامح الطبيعة الخلابة، وهي الملامح التي ظلت منعكسة بجمالها وجلالها على ما أبدعه من عطاء شعري متدفق ومتألق، وبفضل هذاالعطاء فاز بابلو نيرودا بجائزة نوبل للآداب سنة 1971 أي فبل أن يرحل عن عالمنا بسنتين، وذلك يوم 22 سبتمبر سنة 1973 وعلى امتداد حياته ظل هذا الشاعر العاشق مخلصا وفيا لحبيبته الرائعة والساحرة، لكنه لم يكن يشعر بالحيرة أو بالغيرة، وهو يعرف حق المعرفة أن آخرين كثيرين من شعراء العالم يعشقون نفس الحبيبة الرائعة والساحرة، وأنهم جميعا يرددون اسمها الجميل العذب، حين يفتقدونها فيجرفهم الشوق العطشان للسعي إليها، وليس هذاعجيبا ولا غريبا، إذا عرفنا أن الحبيبة الرائعة والساحرة هي الحرية- معشوقة كل إنسان على وجه الأرض.
كتب بابلو نيرودا عن الحرية بلغته الأم- الأسبانية، كما كتب شعراء العالم في زمانه عنها بلغاتهم الأم، فهناك- على سبيل المثال- ناظم حكمت الذي كتب عن الحرية بلغته التركية، وهناك بول إيلوار ولوي أراجون اللذان كتبا عنها بالفرنسية، وهناك برتولت بريشت الذي كتب بلغته الألمانية، وبالطبع فإن شعراءنا العرب الكبار كتبوا عن معشوقة كل إنسان بلغتنا العربية الجميلة، ومن منا يستطيع أن ينسى أمير الشعراء في صرخته المدوية: وللحرية الحمراء باب- بكل يد مضرجة يدق، وكما كتب شعراؤنا عن الحرية فإن المترجمين العرب الجادين قاموا بجهود مشكورة في ترجمة قصائد الشعرء العالميين الذين تغنوا بالحرية، عندما كانت الساحة الثقافية والأدبية العربية غير منعزلة ولا منفصلة عن سواها في أرجاء العالم.

اهتم الدكتور محمود صبح- وهو مترجم عربي فلسطيني- بترجمة مجموعة كبيرة من قصائد شاعر شيلي العظيم بابلو نيرودا، وقد صدرت هذه المجموعة عن وزارة الثقافة العراقية في بغداد سنة 1974 كما قام بترجمة مذكرات بابلو نيرودا التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت سنة 1975وأعيدت طباعتها سنة 1978 وتحمل هذه المذكرات المشوقة والممتعة عنوانا فرعيا هو: أعترف بأنني قد عشت، وإذا كنت قد أشرت من قبل إلى أن بابلو نيرودا كان يكلم الهواء، فذلك لأني كنت أستدعي إحدى قصائده الجميلة التي أحبها، وهي من ترجمة الدكتور محمود صبح، وعنوانها نشيد إلى الهواء، وعلى الرغم من أن القصيدة طويلة فإني سأحاول أن أشير إلى أجوائها، حيث يفاجئنا شاعر شيلي العظيم بأنه قد التقى مع الهواء: وأنا أسير في طريق، التقيت بالهواء، فحييته وقلت له باحترام: إنه ليسعدني أنك لأول مرة تدع شفافيتك، فهكذا نستطيع أن نتحدث، فرقص الذي لا يتعب، وهز أوراق الشجر، وحرك بضحكته الغبار عن نعلي، وظل يصغي...

ما الذي قاله الشاعر للهواء عندما التقى معه في الطريق؟ لقد طلب منه أن يظل حرا، طلب منه ألا يبيع نفسه، فالماء باع نفسه! كيف هذا؟ هذا ما نعرفه من بابلو نيرودا وهو يقول للهواء: إن الماء باع نفسه- ففي القنوات بالصحراء رأيت القطرات وهي تشح، ورأيت العالم فقيرا، والشعب يمضي على ظمأ، يترنح في الرمال. وحين نمضي مع القصيدة نجد أن الماء ليس وحده الذي باع نفسه.. فقد رأيت نور الليل مقننا، لكن النور الكثير في بيوت الأغنياء، فكل شيء مشرق في الحدائق الجديدة الخاصة، بينما كل شيء معتم في ظلال الأزقة الرهيبة، فمن هذه الأزقة تخرج الليلة بلا حنان مثل زوجة الأب، تقسو على الأطفال بخنجر في عينيها، كأنهما عينا بومة!
بعد أن يؤكد الشاعر للهواءأن الماء قد باع نفسه وكذلك فعل نور الليل، نجده يطالبه بإلحاح: كلا أيها الهواء.. لا تبع نفسك.. ولا تقبل أن يقننوك وأن يحبسوك في الأنابيب، وأن يخنقوك في الصناديق، وأن يحصروك في العلب، وأن يحشروك في الزجاجات. لماذا هذا الطلب من الشاعر؟ لأنه يريد من الهواء أن يكون للكل وليس حكرا على الأغنياء وحدهم، فالهواء هو كل ما يملكه الفقراء وهم يسعون لكي يروا ما سيأتي به الغد لهم.

هذا هو بابلو نيرودا الذي نتذكره الآن في أجواء غيابه عن عالمنا منذ أربعين سنة، هذا هو الشاعر الذي أحب ملامح الطبيعة الخلابة، منذ أن كان يتنقل بصحبة أبيه في القطارات عندما كان صبيا صغيرا، وهذا هو العاشق الذي غنى للحبيبة الرائعة الساحرة- الحرية، وهو الذي التقى مع الهواء وطالبه بأن يظل متشيثا بحريته وبألا يبيع نفسه، لكي يكون متاحا ومباحا للجميع في كل أرجاء الأرض التي تضمنا جميعا، بصرف النظر عن الاختلاف في الدين أو اللون أو اللغة، هذا هو بابلو نيرودا الذي يعلمنا أن نتذكر المحبة، وأن يكون الإنسان محبا للإنسان، لا قاتلا له!