صباحكم أجمل

همسات من وادي القلط

، بقلم زياد الجيوسي

الهمسة الأولى

أي جمال هذا الذي كنت على موعد معه؟ وأي حلم كنت أحلم به سيتحقق؟ وأية مشاعر ستنبثق من روحي وأنا أجول جمال الطبيعة وعبق التاريخ، وأستمع للصخور والحجارة تروي لي الحكاية، حكاية قديمة منذ ما قبل التاريخ، وصولاً إلى حكايات في القرون الأولى للميلاد، حتى الوصول إلى وقتنا الحالي.

وادي القلط

قبل السادسة صباحاً يوم الجمعة السابع من نيسان لعام 2011 كنت قد صحوت من نومي، فقد كنت على موعد لزيارة وادي القلط للمرة الأولى في حياتي. همست لرام الله من النافذة: صباحك أجمل يا رام الله.. صباحك أجمل يا حبيبتي. وتأكدت أن حقيبة الرحلات عندي تضم كل ما يمكن أن أحتاجه في رحلتي الجديدة، وارتديت ملابس تتناسب مع مثل هذه الرحلة، إضافة إلى انتعال حذاءٍ يمنع الانزلاق على الصخور والرمال، فهذه الرحلة ستكون فيها مسافة طويلة سيراً على الأقدام، هبوطاً من رأس الجبل إلى الوادي، ثم الصعود للوصول للدير والعودة، وإكمال المسيرة لمناطق أخرى.

بوابة أريحا

تحركت باتجاه أريحا تداعب روحي نسمات رام الله الباردة مع صديقة لي بسيارتها الخاصة، ومع شدو فيروز بدأنا الرحلة، مروراً بأطراف القدس المحرمة على بلابلها الدوح، ومستباحة للغربان من كل جنسِ، متجهين إلى أريحا، وبعد اجتياز الخان الأحمر تبدأ الطريق بالانحدار نحو وادي الأردن، وبعد اجتياز الخان بعدة كيلومترات توجد هنالك طريق على الجهة اليسرى تؤدي إلى وادي القلط ودير السان جورج (دير القلط)، والطريق الأقرب للوصول لوادي القلط من الأعلى وبداية الحركة من منطقة الينابيع، أصبح يخضع لسيطرة الاحتلال وجيشه ومستوطنيه، ففضلنا الطريق الأصعب من داخل أريحا صعوداً بطريق محطمة بفعل الاحتلال، حين أغلق الطريق في وجه أبناء البلد، وتركها مشاعاً لمستوطنيه الغرباء، فسِرنا بين المزارع في بدايات الطريق، حتى وصلنا لمبنى متهدم متروك على قمة صخرة، ويافطة تقول: بوابة أريحا. وهذه الطريق هي الطريق القديمة التي كانت تربط أريحا بالقدس، وكانت هذه البوابة المدخل إلى أريحا، حتى وصلنا إلى نقطة من الطريق توقعنا استحالة المرور منها لسوء وضعها، فنـزلت من السيارة على الأقدام لاستكشاف الطريق، فوجدت المسافة محدودة فأشرت لصديقتي التقدم بهدوء، حتى تجاوز المنطقة الصعبة، وأكملنا الطريق مع توقف لعدة مرات لالتقاط الصور، ولعل المشهد الذي أثار دهشتي مشهد لحيوانات كالجرذان الضخمة الحجم، تندفع بقوة وبالعشرات نحو الوادي من سفح الجبل، ولكن المسافة منعت معرفة شكل هذه الحيوانات وتصويرها عن قرب، وإن كنت أعتقد أنها ما نسميه بمنطقتنا (الغريري)، وهي تعيش في الأودية كما كنت أسمع من الرجال الكبار في العمر في طفولتي، لكني لم أشاهدها عن قرب أبداً.

مدخل الطريق للدير في أعلى الجبل

واصلنا الطريق حتى السدة الترابية التي وضعها الاحتلال لمنع عبور السيارات الفلسطينية، فترجلنا سيراً على الأقدام إلى البوابة الحجرية التي تشير للدير، وكان هناك مجموعة من الأشخاص يعرضون خدماتهم بنقل الزوار على ظهور الحمير، لكننا فضلنا التمتع بالسير على الأقدام رغم طول المسافة، فبدأنا الهبوط عبر طريق ضيق ومتعرج بقوة يقود للوادي، وهذا الطريق الوحيد المعبد لكن لا تدخله السيارات، وكانت فرصة رائعة لالتقاط الصور للمنطقة من زوايا مختلفة، وحين أطللنا على مواجهة الدير في السفح المقابل، جلسنا بالظل قليلاً لاحتساء القهوة التي حملناها معنا، لنكمل النـزول حتى قعر الوادي الجاف بحكم العوامل الطبيعية وقلة الأمطار في المواسم المتلاحقة، ثم عبر قنطرة على الوادي بدأنا بالصعود الصعب للوصول إلى مدخل الدير، وفي هذه الفترة تلاحقت قوافل الزوار، فمنهم من يسير على قدميه، والبعض وخاصة الكبار في السن ومن يعانون من السمنة يفضلون امتطاء الدواب.
للمكان رهبة تترك أثرها في النفوس، فبين هذه الصخور الجرداء، والوادي الجاف، والانحدار القوي للطريق، يجبر الإنسان أن يتساءل: كيف عاش الرهبان والنساك في هذه الكهوف، وكيف وصلوها أصلاً؟ فالوادي هو انهدام طبيعي بين الهضاب المجاورة، وهو مكون من جدران صخرية عالية تمتد لمسافة 45 كيلو متر بين أريحا والقدس، والطريق الضيقة والوعرة والمدمرة بفعل الاحتلال، والتي وصلنا من خلالها والتي تمتد بمحاذاة الوادي، كانت في السابق الطريق الرئيس لمدينة أريحا، ولكنها تستعمل الآن من قبل السياح الزائرين للدير، والرهبان والنساك سكنوا هذا الوادي في الكهوف والفوهات الصخرية منذ القرن الثالث للميلاد، وبدؤوا بتعمير الدير منذ القرن الخامس للميلاد، وعبر الزمان أنشأوا العديد من الأديرة، ومدّوا قنوات المياه من عيون الماء والينابيع في أعلى الجبل، وهذه القنوات المائية كانت تعتبر الأكبر والأكثر أهمية بتلك المنطقة، حتى أن هيرودتس قام ببناء قناة لتزويد قصره الشتوي في تلول أبو العلايق.

دير (السان جورج) أو دير وادي القلط

دير (السان جورج) أو دير وادي القلط كما هو متداول اسمه، وهو يعتبر من أقدم الأديرة في فلسطين، وهو عبارة عن مكان صخري مكون من الكهوف الطبيعية، سكنه الرهبان والنساك للتفرغ للعبادة أو هرباً من الاضطهاد الديني من قبل الغزو الفارسي للبلاد، وهو يتبع لطائفة الروم الأرثوذكس العرب الأقحاح، لكنه كما باقي الأديرة والأملاك المملوكة لطائفة الروم الأرثوذكس، جرى الاستيلاء عليه من قبل الكنيسة اليونانية، ويعتقد أن النبي إيليا سكن المنطقة لفترة أثناء توجهه إلى سيناء، ويقال إن القديس يواكيم كان في المنطقة حين أخبره الملاك أن ابنته سيدتنا مريم العذراء قد حملت بسيدنا المسيح عليه السلام، وقد بدأ بناء الدير في القرن الخامس ميلادي، من قبل الناسك يوحنا الطيبي الذي أتى من بلدة طيبة في مصر ليتنسك ويتفرغ للعبادة بهذا الموقع، وفي القرن السادس الميلادي سمي بإسم القديس جورج الخزيفي الذي أتى من قبرص وسكن الدير وتفرغ للعبادة فيه، حتى مات ودفن فيه.
تعرض الدير في العام 614 للغزو الفارسي، فتم قتل كل من فيه من رهبان ونساك وجرى هدمه، وبقي مهدماً ومهجوراً حتى العام 1179 للميلاد أثناء الحملات الصليبية، فجرى ترميمه من جديد، لكن بعد طردهم من البلاد بقي مهملاً حتى أتى إليه الراهب اليوناني كالينيكوس فرممه وسكن به في العام 1878، واستمرت عملية الترميم معه حتى العام 1901، وفي الدير نشاهد الآن صناديق تحتوي الجماجم والعظام للرهبان الذين قتلوا فيه عبر العصور، وتم العثور عليها في عمليات الترميم.

من نافذة الدير لقطة للقنطرة فوق الواد والتي منها مدخل الدير

ما أن وصلنا أسفل الوادي حتى بدأنا بالصعود باتجاه بوابة الدير، فالزيارات لهذا الدير كما غيره من الأديرة محكومة بأوقات محددة، وخارج هذه الأوقات لا إمكانية للدخول رغم كل الجهد المبذول للوصول، والدير تمتد أراضيه على مساحة 103 دونمات مربعة، ويمكن المشاهدة للصلبان المزروعة في زوايا الأرض لتحديد المساحة التابعة للدير، بينما الأراضي المستغلة لا تتجاوز الدونم المربع الواحد، حيث أن باقي الأرضي هي صخرية وعرة وسفوح جبال تطل على الوادي الضيق.
وصلنا إلى بوابة الدير عبر طريق متعب، وقبل دخولنا وفي الباحة الخارجية كان هناك ضريحان حديثان، عرفت أنهما لرهبان توفوا ودفنوا فيها وإحداها كان يشير إلى وفاة صاحبه في العام 2001 ، إضافة لبعض الأحواض الحجرية القديمة والجرار الفخارية، فواصلنا المسير إلى بوابة الدير لنبدأ التجوال بداخل الدير، الذي أشارت إحصائية لمركز الإحصاء الفلسطيني أنه يسكنه عدد قليل من الرهبان اليونان، لنبدأ التجوال داخل الدير بهدوء وصمت حتى لا نشوش على الزوار صلاتهم في أمكنة الدير المختلفة، وتمعنت بكم كبير من الأيقونات واللوحات الدينية لقديسين ومشاهد دينية، ولوحات وأيقونات أخرى تمثل سيدنا المسيح وسيدتنا العذراء مريم عليهما السلام، وحقيقة أن التجوال في داخل الدير يجعل الإنسان يشعر بالرهبة، هذه الرهبة التي شعرت بها حين دخلت الأقصى بعد غياب 46 سنة عن رحاب القدس، وشعرت بها بقوة أكبر حتى سال الدمع من عينيّ حين دخلت الحرم المكي ورأيت الكعبة لأول مرة في حياتي، أثناء أدائي شعيرة العمرة في آذار من العام الفائت، فالأمكنة الدينية وأماكن العبادة التي تتمازج بها القدسية بالتاريخ، الحاضر بالماضي القديم، الحلم بالتراث، لها رهبتها المتميزة على الأرواح.

كهوف في طريق النـزول الدير

بعد أن أنهيت التجوال في كل قاعات الدير المفتوحة وباحاته وشرفاته، ومن أحد الشرفات المحاطة بسياج خشبي، كنت أقف وأنظر للوادي السحيق والتقط الصور بعدستي، وأهمس لنفسي: كم هم جبابرة أولئك الأجداد الذين وصلوا هنا، رغم أنها مناطق بعيدة ووعرة وصعبة، لم يكن يسكنها إلا الوحوش والضواري والطيور الجارحة، ولكن قوة الإيمان عندهم كانت أقوى من كل الصعاب، فغادرنا الدير لنرتاح تحت شجرة سنديان عتيقة ضاربة الجذور، نأكل بعضاً من الطعام ونحتسي القهوة، استعداداً لصعود الجبل مرة أخرى، للوصول إلى السيارة واستكمال رحلتنا كما خططنا لها، تل السمرات وتلول أبو العلايق وصولا لعين السلطان، وهذا ما سيكون له حديث آخر في الهمسة القادمة إن شاء الله لي ذلك.
صباح آخر لرام الله بعد موجة الثلوج والبرد القارص، وبعد الزيارة التي قام بها المنخفض (اندرو) للمنطقة عموماً ولفلسطين بكاملها، تاركاً ما تركه من خراب وضحايا وتدمير لبيوت وبنية تحتية. الجو ما زال بارداً جداً، وبقايا الثلوج على الأسطح قِبالتي. أحتسي قهوتي وأحلم بطيفي البعيد القريب، أستذكر رحلتي الأولى لوادي القلط والتي فجرتها في ذاكرتي رحلتي الثانية منذ أسبوع، أستمع لشدو فيروز وهي تشدو: (بكره الشتوية بتروح ومنتلاقى بنوار، يحلى عيد يضوي عيد نزرع ونلم عناقيد، وانطرني ولا تبقى تفل، وتتركني وحدي عم طل، جمعتلك حرج زهور، ياسمين ومنتور وفل).

فأنظر من نافذتي وأهمس: صباح الخير يا وطني، صباحكم أجمل جميعاً.