منع النظام السعودي لرواية اغتيال عمر

، بقلم زهير كمال

سألت ناشري هل عندك معلومات عن سبب منع السعودية لرواية اغتيال عمر؟ فالموضوع غريب نوعاً ما.

ورد ناشري: للحقيقة وللأسف فإن منع أي كتاب لا يقابله تبرير ولا شرح لذلك.
المسألة إذاً تتعلق بالرقابة التي تجيز كتاباً ولا تجيز آخر، ومن الممكن أن كثيراً من الأنظمة العربية التي ما تزال تعيش عصر ما قبل الإنترنت تمارس هذا النوع من السيطرة على عقول الأفراد وتوجيه تفكيرهم وعدم السماح للأفكار (الهدامة) بالدخول وتشويش عقول الناس.
عندما لا يوجد تبرير أو شرح للمنع فإنني أسمح لنفسي بالبحث في الأسباب التي أدت بموظفي النظام الى اتخاذ قرار كهذا.

رواية اغتيال الخليفة عمر بن الخطاب هي بحث تاريخي عن وقائع وملابسات اغتيال عمر وقد حولتها لرواية بسيطة حتى لا يمل القارئ العادي من جمود البحوث التاريخية، والمنطق يفترض أن لا أحد يستطيع التأكد من الحقيقة مهما كانت دقة البحث نظراً لقدم الحدث وغياب أو عدم دقة المراجع التاريخية.

صدرت الرواية في نهاية عام 2009 عن الدار العربية للعلوم وقد وزعت في الدول العربية ما عدا البلد الذي ولد عمر فيه ونشأ وترعرع واغتيل!!

وقد يكون مفهوماً سبب المنع لو كان هناك عبث في سيرة الرجل أو تشويه لسمعته.
وفيما يلي ملخص بسيط لبعض فصول الكتاب والتي اعتقد النظام أنني شوهت فيها سمعة الخليفة.

في فصل السلطة استهللت الفصل بذكر مقولة عمر الخالدة ( إنما أنا أجير هذه الأمة ) أي أن الخليفة يعتبر نفسه موظفاً عادياً وأن الأمة أو الشعب هو رب العمل، ولهذا لم يطلق على نفسه لقب امبراطور أو ملك أو خادم الحرمين الشريفين، وإن كان من تشويه في سيرة الرجل فهي من صنعه هو لأنه اكتفى بصفة بسيطة وهي أمير المؤمنين.

في فصل راتب رئيس الدولة كان عمر يتقاضى راتباً شهرياً مقابل وظيفته هو ستون درهماً وتم تحديد الراتب بما يساوي إطعام ستين مسكيناً وجبة غذاء كاملة وحسبت تكلفة هذه الولائم (الباذخة) فخرجت بهذا المبلغ (الضخم)، وللعلم فإن راتب الطفل الرضيع في دولة عمر الإسلامية كان مائة درهم.
ولكن لا بد من الاعتراف بأن هناك (ميزات) أخرى للوظيفة مثل كسوتين واحدة للصيف وأخرى للشتاء إضافة الى دابة للركوب، كما أن هناك بنداً يستطيع استعماله (على هواه) وهو نفقات الحج، وتذكر كتب التاريخ أن تكاليف حج عمر مع مرافق له بلغت مبلغاً (خيالياً) وقد لام نفسه وقال أسرفنا

وكان المبلغ لا يتجاوز 190 درهماً.

رغم راتب عمر (الكبير) الذي لم يكن يكفيه، كان يستلف من بيت المال أو وزارة المالية في وقتنا هذا وكنت تجده يتفاوض مع خازن البيت لإمهاله حتى راتب الشهر التالي. فوزير المالية الذي كانت خزائنه تمتلئ بالملايين لا يستطيع أن يغض النظر عن دراهم استلفها الخليفة ، مما يشير الى أن خازن بيت المال أعلى رتبة من رئيس الدولة فيما يتعلق بعمله. وبهذا يثبت قاهر أكبر أمبراطوريتين في العصر القديم أن المال الموضوع تحت تصرفه إنما هو مال عام ويصبح حراماً لو تصرف فيه على نحو يخالف مصلحة الناس. كما أنه يؤسس لنا قانون أن الوظيفة تكليف لا تشريف.

وفي فصل العائلة الحاكمة قلت:

كانت أقل العائلات حظاً في زمن عمر هي العائلة الحاكمة ، وكان أفرادها يتمنون لو أن عائلها ليس في منصبه هذا. فقد حرم عليها التجارة والتربح خوف المحاباة ، ووضع القانون الخالد في الحكم الرشيد والذي ينص على أنه لا يحق لأقارب الموظف العام الاستفادة من منصبه بأية صورة من الصور.

وفي فصل أفكار للتنفيذ:

استهللت الفصل بقول عمر (يا معشر الفقراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق) ، وقد ذكرت مقولة عمر التي قال فيها إنه يريد إيصال الراتب الى راع في جبال صنعاء البعيدة عن العاصمة (مسافة خيالية ذلك الزمن نظراً لتخلف وسائل المواصلات آنذاك) دون أن يجشم نفسه مشقة السفر للحصول عليه.

وفي نفس الفصل أذكر قوله (إن الله فرض على الأغنياء ما يكفي فقراءهم).

أما في فصل إعلان حالة الطواريء فقد استهللت الفصل بقول عمر:

(كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما يمسهم ؟).

ولهذا ففي عام الرمادة الذي يدخل ضمن الكوارث الطبيعية فقد امتنع عمر عن أكل اللحوم واكتفى بالخبز ونوع واحد من الزيت.

وفي فصل الديمقراطية والموقف من الأقليات قلت إنه في كثير من أيام عمر بن الخطاب كنت تسمع المنادين يتجولون في الشوارع والأزقة يصرخون بأعلى أصواتهم الصلاة جامعة، الصلاة جامعة. ويفهم الناس أن عمر في حاجة اليهم ليشاورهم في أمر من أمور الحكم.
وقد استنتجت من أقوال وقرارات عمر:

إن رأس الدولة يمثل جميع سكانها بغض النظر عن العرق أو الدين وهو يدافع عن مصالحهم ويوازن بين هذه المصلحة.

أما في فصل السلطة القضائية فذهاب عمر الى القاضي مع خصمه وجلوسه مساواة معه أمام القاضي إنما يظهر أن السلطة القضائية فوق السلطة التنفيذية وأنه لا وجود لظل لله على الأرض.

وفي فصل القيصر ذي الملابس المرقعة ذكرت أن عمر دخل القدس عند فتحها وقابل فيها كبير أساقفتها وهو يلبس جبة فيها أربعة عشرة رقعة. وقد يكون ذكر ملابسه بهذه الحالة إنما هو تشويه لصورة رجل عظيم! ولكن لا أحد يستطيع تشويه العهدة العمرية التي تمثل قمة التسامح والنبل والأخلاق الراقية في التعامل مع أهل الأديان والمذاهب الأخرى.

ما سبق هو تلخيص لما ذكرته عن عمر في الرواية، والحقيقة الواضحة أن هذه الأمثلة من التصرفات والأقوال عن حكم إسلامي مثالي هو ما يجب إخفاؤه عن الجمهور، فلا أحد يدعي أنه يحكم بالإسلام ثم نجده مخالفاً له في كل خطوة.

وقد يستطيع النظام منع كتب كهذه عن الجمهور ولكنه لا يستطيع خداع كل الناس كل الوقت.
ولكنه من الغباء بحيث لا يعرف هذه الحقيقة البسيطة.

ولولا حقوق الناشر في استغلال الكتاب لمدة خمس سنوات لنشرت الكتاب على الإنترنت بدون مقابل أو منفعة.