هل النظام الملكي يوحد البلاد؟

، بقلم فؤاد وجاني

إذا كانت الفئات المحظوظة تدعم النظام المغربي لدوافع ومصالح مادية فلماذا الأغلبية خانعة رغم الفقر وصعوبة العيش والحرمان. لا يمكن أن نعزو الموقف الشعبي إلى الخوف من القمع وانتقام السلطة المستبدة فقط، بل هناك نُظمٌ مخزنية من المعتقدات والأفكار المنتشرة، والتي تعمل عمل الأفيون المخدر للشعب. أليست الطبقات المسحوقة صابرة على أمل حدوث معجزة قد تحسن من أوضاعها؟ أوَ ليست الأغلبية الشعبية تسعى أيضا سعيا حثيثا إلى القرب من مركز السلطة و توزيع الثروة كما النخبة؟ هل يستثني ذلك التناقض الأحرار الذين نصبوا أمام أعينهم حرية الوطن وكرامة الإنسان دون اعتبار لحالهم المادي وطموحهم النرجسي؟

علينا طرح الكثير من الأسئلة، أن نشكك في كل المسَلَّمات المخزنية الملكية، ثم ندع الشعب مسلحا بالحقيقة أو الحيرة ليجيب حرا عنها جميعا، فالنضال ضد الملكية المطلقة وأداتها المخزنية الحديدية لا يستوجبان الخروج إلى الشارع والصراخ فضحا لفسادهما وكشفا لعِلاتهما فقط بل السَّفْر عما لحق تأريخ المغرب من تزوير، واستئصال ما غرساه بعقول الشعب من خرافات تمجد الاستبداد، تخشاه، تخلق له الأعذار.

لا ندعي تحمل مسؤولية التنوير أو كما قال فولتير : "إذا أردت إنهاض شعب فعلمه كيف يفكر" - وإن كان المخزن يفكر للشعب عبر وسطائه المستثقفين الملكيين-، ولا نؤمن بأرستقراطية التفكير كما دعا إليها علال الفاسي، فالشارع المغربي -على الرغم من أن نصف تعداده لا يقرأ ولا يكتب- يمتلك وعيا سياسيا ووطنيا عظيما، وقد أبان عنه خلال مراحل متفاوتة من التأريخ المعاصر، وما هذي الجموع التي بدأت تخرج للتظاهر إلا تعبير مجسد ليقظة الشعب ووعيه الفطري.

من بين الأساطير السائدة أن الملك رمز الوحدة الترابية والوطنية، وأنه ضامن دوام الدولة واستمرارها، فمتى ظهرت هذه الألقاب؟ ما حقيقتها؟ ما الهدف من ورائها؟

على المستوى الفكري، ناضل حزب الاستقلال بقيادة علال الفاسي ليس لتحرير البلاد، إنما لصالح استرجاع الملكية لهيبتها المفقودة، وقام بالترويج لفكرة أن الملك رمز الوحدة الترابية الوطنية عبر تنظيم الحملات المستمرة والمظاهرات، وإلقاء الخطب المهيجة الرنانة التي تشيد بالملك كرمز للوحدة الوطنية، مستغلا بساطة المغاربة آنذاك، مجيشا أصدقاءه لدعوته، باعثا إياهم إلى القرى لنشر إيديولوجية الملك كموحد للبلاد. وحدث التأكيد على هذه التسمية في وقت لاحق إبان الزيارات الملكية إلى فاس سنة 1934 وإلى طنجة في 1947، تلك الزيارات جعلت الحفاظ على النظام الملكي كرمز لوحدة الأمة هدفا مخزنيا أساسيا، ومازالت إرهاصاته حية في الذاكرة التأريخية والشعبية لكثير من الأحياء.

في سنة 1953 زادت شعبية السلطان محمد بن يوسف بفضل علال الفاسي، حيث روج هذا الأخير بين سكان البوادي للعجائب والأساطير التي حدثت للسلطان في منفاه، وصحب سمو صورة السلطان في أعين الناس البسطاء زيادة شعبية علال الفاسي حتى لُقب بالزعيم.

لقد نزه علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال النظام الملكي فوق كل الاعتبارات السياسية مستثنيا إياه في كتابه النقد الذاتي عن باقي الأنظمة: "ومن الطبيعي أن مسألة النظام بالمعنى الخاص للكلمة لا تعرض في بلادنا ما دمنا ندين بهذين العاملين، لأن وجود العرش الكريم كاف لتكوين المحور الذي قاوم ويقوم عليه نظامنا القومي، لكن لا بد من إعطاء العرش وصاحبه القيمة الحقيقية التي يقتضيها العهد الجديد، وإبعاد كل العوامل التي تزيل عنه صفة الاستقرار وحفظ التوازن الصحيح بين أفراد الأمة وطبقاتها وهيئاتها، وذلك يستوجب قبل كل شيء النظر إلى صاحب العرش – جلالة الملك- كشخصية فوق كل الأحزاب وسائر الاعتبارات السياسية التي يمكن أن يناقش فيها الرأي العام، بصفته الحارس العام لسير السلطة وأعمالها. ويجب أن تتكون من حوله صوفية الاستقرار الحكومي والوعي الوطني والاستمرار الوجودي للدولة".

على المستوى السياسي، أسست الملكية في عام 1962 حزب "جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية" تحت مظلة رضا اكديرة، المدافع عن سيطرة الملكية على السلطات الثلاث، والصديق القديم الحميم للملك ومستشاره السيادي. وحرص الملك على عدم الانتماء علنا إلى أي حزب بعينه لأن ذلك قد يتناقض وإيديولجية الملكية المترفعة فوق كل اعتبار، الممنوحة بنعمة إلهية.
وخلال الاستفتاء لاعتماد دستور عام 1962 والانتخابات التشريعية للعام الموالي 1963، نأى الحسن الثاني بنفسه عن الصراعات الحزبية عبر تجنب أي عمل يمكن اعتباره دعما ل"جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية"، وذهب إلى حد الإعلان في مؤتمر صحفي عُقد ب 13 ديسمبر سنة 1963 أن الملك "يجب أن يبقى فوق كل الأحزاب السياسية".

على المستوى الشعبي، نظم الحسن الثاني المسيرة الخضراء بمعية مستشاريه بغية استعادة الشرعية للملكية الفتية بعد عشر سنوات من الصراع مع أحزاب المعارضة، تخللها العسف والاعتقال واضطرابات سياسية واجتماعية بالغة بل ومحاولات انقلاب فاشلة، فاختير لها التوقيت المناسب بمهارة فائقة لضم أحزاب المعارضة إلى الغاية الملكية. هكذا يصبح الملك رمزا لوحدة البلاد ويضعف نفوذ الأحزاب المعارضة، وقد ثبت نجاح تلك المهمة في انتخابات عامي 1976 و 1977.

على المستوى العسكري، استطاع محمد الخامس استعادة السيطرة على وزارة الدفاع، وجعل الجيش ملكيا بإسناد مهمة تزعمه إلى ولي عهده آنذاك الحسن الثاني. هذا الأخير قام بالتفاوض مع فرنسا لتطوير جيش ملكي نظامي محترف.

وكان قد انضوى تحت لواء حزب الاستقلال -المؤسس من قبل علال الفاسي وبلافريج والقزيري- كثير من المقاومين الوطنيين، لكن فئات عريضة من جيش التحرير المسلحة سواء في المناطق الحضرية أو القروية لم تخضع لسيطرته. عمل الحزب بمساعدة القصر بعد صدور وثيقة إنهاء الحماية العسكرية - ب"سيل سان كلو" بشمال وسط فرنسا سنة 1955 - على احتواء عناصر جيش التحرير عبر دمجهم في النظام العسكري المحدث وفي الشرطة وإدارة الدولة الجديدة، وأما الذين رفضوا الخضوع للقصر فكان مصيرهم القمع والتصفية.

بحلول سنة 1960، تم إدماج كل عناصر جيش التحرير في الجيش النظامي الملكي الجديد بينما سيطر حزب الاستقلال الحليف العلوي على الإدراة. وتم اختيار الجنرالات على مقاس الملكية من عائلات وجهاء وإقطاعيي المناطق الحضرية والقروية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: أمزيان، أوفقير، ادريس بنعمر، حاتمي، بناني، بشير بن بوهالي. كانوا جميعا أبناء باشوات وقواد و تجار أثرياء، أغلبهم تخرج من أكاديمية مكناس العسكرية. يقول المحاضر بجامعة جون هوبكينس وعميل الاستخبارات الأمريكية السابق ويليام زارتمان الذي كان قريبا إلى القصر: "أعرب جنرالات الجيش هؤلاء وضباطه الساميون عن وطنيتهم عبر ولاء شديد ومحافظ للملك وأبدوا كرها للسياسة. كانوا يتحدثون الفرنسية فيما بينهم، وكان لبعضهم زوجات فرنسيات، ولم يتم استبدالهم بسبب هذه الخصائص، ولأنهم كانوا امتدادا للعلاقة الراسخة بين الجيش الفرنسي الاستعماري ووحدات الدعم والإسناد المغربية" التي حاربت لأجل مصالح فرنسا.

إذا كان محمد الخامس والحسن الثاني قد نجحا نسبة في بلورة مفهوم "موحد البلاد" وإلصاقه بالملكية، فإن محمدا السادس قد فشل فشلا ذريعا في الحفاظ عليه. إبان تسلمه العرش سنة 1999، أضاع محمد السادس فرصة ذهبية ليصبح أمل المغرب في إنشاء دولة العدل. حاول في البداية كسب الشعب عبر ارتداء جبة "ملك الفقراء" لكن سرعان ما ظهرت ثرواته الحقيقية لتكشف زيف الإدعاء. وبقيت شعبيته تستند في جزء كبير إلى الخوف من العودة إلى عقود التعسف التي شهدها عصر والده. وعلى الرغم من محاولات الإصلاح المتواضعة للخروج عن أسلوب والده الاستبدادي إلا أن الملك الشاب ظل أسير نظام سلطوي متوارث. ولم يستطع الملك الجديد الحفاظ على صورة موحد البلاد وحامي الوحدة الترابية عبر اتخاذ موقف حازم أو تبني مشروع مثالي وحدوي كما فعل جده ووالده.

في غياب استراتيجية وحدوية، استند محمد السادس إلى لعب ورقة الإرهاب، ليس لتهميش دور الحركات الإسلامية الصاعدة فقط والقضاء على الصحافة الحرة والمستقلة كما يحدث مع علي أنوزلا حاليا، وإنما لكسب تعاطف المجتمع الدولي في شأن قضية الصحراء. فنجده يبدي قلقه أمام كريستوفر روس خلال زيارته إلى المغرب بشأن تزايد التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، وأن عدم إنهاء النزاع في الصحراء قد "يكون عاملا في تفاقم هذه المخاطر الأمنية".

داخلا وفي نفس المنحى، استغل النظام الملكي في عهد محمد السادس تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وتفجيرات الدار البيضاء ومراكش ليجعل من الخوف عاملا موحدا للمغاربة حول الملكية، وليحصل على إجماع غير إرادي ضد خطر وهمي داهم.

وسار السادس على نهج أبيه، فأنشأ حزبا ملكيا بقيادة مستشاره ومهندس أجهزته الأمنية فؤاد الهمة، أسماه حزب الأصالة و المعاصرة، وضم الحزب الجديد «حركة لكل الديمقراطيين» التي أنشأها الهمة وخمسة أحزاب صغيرة -حلت نفسها- وهي الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب العهد، وحزب البيئة والتنمية، ورابطة الحريات، وحزب مبادرة المواطنة والتنمية.

وأما البرلمان في عهده، فعلى الرغم من خضوعه للانتخابات الشعبية فإنه لا يلعب دورا تشريعيا ما دامت القوانين تنبع من القصر أو تصدر باسم الملك. وفي القضاء، فإن القضاة يعيَّنون من قبل الملك وينطقون بالأحكام باسمه.

ختاما، لا يمكن إحصاء جوانب هكذا موضوع متشعب الزوايا في مقال وجيز، إنما بدراسة معمقة تسرد الوقائع، تتمحص الدقائق، حتى يستبين الزيف من الحق.

إن مفهوم الوحدة الوطنية الحقيقي يجسده قول رسول الإسلام: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، أو بالمعنى الأفلاطوني للجمهورية: "على تقاسم الشعب والسلطة للآلام والأفراح"، و لا يتحقق ذلك إلا بتخلص الحاكم من نزعات التملك والمناورة والتآمر ضد الشعب، فالحاكم الصادق خديم الشعب الذي يدفع أجرته، لا حق له في التملك ولا في السيادة، إنما له شرف خدمة العدل، وعلى قدر تفانيه أو تخاذله يتم تكريمه أو عزله.