ميرامار مصر

، بقلم غادة هيكل

لم تكن قراءتى لميرامار نجيب محفوظ تتعدى رائعة السينما المصرية للمخرج كمال الشيخ ، قد طبعت في ذاكرتى بكل تفاصيلها لتعكس حقبة تاريخية قد قمت بدراستها فى المرحلة الجامعية لتعكس واقع مرير ان صح التعبير لمجموعة مختلفة من شرائح المجتمع المصرى آنذاك التى تجمعت فى بنسيون فى أجمل بقاع الأرض وموطن تجمع علية القوم.

بعد قيام ثورة 25 يناير وجدتنى أعود لقصة ميرامار مرة أخرى، هذا الفضول الذى دفعنى للربط بين شخصيات هذه القصة بكل عواملها الشخصية والنفسية والسياسية وما يحدث على الساحة المصرية في ثورة 25 يناير 2011.

حاولت معرفة هل التاريخ يعيد نفسه بكل حذافيره مرة أخرى وهل هناك اختلاف في شخصيات هذا الزمن تؤهلهم لمستوى أعلى من القيم والأخلاق وحتى الإنحدار ان وصفنا الفترتين بالإنحدار على كافة المستويات أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا وحتى فنيا.

لنتتطرق إلى كل شخصية على حدة ونحاول معرفة مدى أوجه التشابه بينها وبين شخصيات اليوم في أعقاب ثورة يناير والفترة التى دفعت للقيام بها.

لقد شبهت ميرامار بقصر الرئاسة فى فترة حكم حسنى مبارك والسيدة الأولى التى تمتد فى أصلها إلى جذور اجنبية إذن ما اشبه اليوم بالبارحة فكل منهما تدير بنسيونا مختلفا فى عدد الحجرات وقاطنيها فنزلاء البنسيون ليسوا من أبناء الاسكندرية وكذلك قاطنى قصر الرئاسة.

1-فتلك العجوز الهيلينة التى لا تنظر إلى المرآة إلأ لتتحسر على ما فات وتضفى بعض من الشباب الزائل على وجنتيها لتبدو أصغر، والحقيقة تظهر فى كونها مجرد مومياء من الشمع المذاب لا تستطيع قضاء ليلة واحدة دون آلام ، ولكن هى تلك المرأة على حقيقتها مجرد قوادة ولكن فى زمن البهوات فهى أعلى مرتبة من غيرها لا دين لها إلأا ما علقته من ملائكة فى السقف ولا امان لها إلا من يقبع تحت جنحها وكانت زهرة تلك الفلاحة المتمردة التى لجأت إليها فأظهرت بعض من أرستقراطية مزيفة لكى تجعلها خادمة لديها وليس ضيفة مكرمة .
لم تكن السيدة الأولى بأكرم منها فقد فتحت أبواب القصر لمن يأتمر بأوامرها فقط ومن يعارض فالويل له والمعتقلات تقول هل من مزيد.

أتت ثورة الضباط في 23 يوليو لتحطم أمال كثيرة لمريانا وكذلك حطمت ثورة 25 امال سيدة القصر ولكن أيهما أكثر تأثيرا ؟ثورة الضباط أم ثورة الشعب ؟أم ثورة الزمن الذى أفقدها ربيعها ؟!
لقد صور نجيب محفوظ شخصية صاحبة البنسيون بلا زيف ولا ادعاء لم يكن بها فهى تتفاخر بماضيها وعهرها وجمالها الذى فتن البشوات وعلية القوم وتعترف بفساد قيمها ولم لا فهى لاتنتمى لهذا البلد ولكن كل انتمائها للمال فقط.

2-حيرتنى الشخصيات كثيرا- ولكنى سأختار شخصية طلبة مرزوق: لأنه يتشابه كثيرا مع العديد من اقطاعى اليوم، نعم، لدينا اليوم إقطاعين كثر، فثورة يوليو التى أنهت على إقطاعى الأراضى، قد فرزت لنا إقطاعى القطاع العام، وتلاها اقطاعى الإنفتاح، ثم وأخيرا ،إقطاعي القطاع الخاص وهم أخطر كثيرا، فكما تكونت طبقة الفلاحين، اليوم تكونت طبقة العمال وهم أفقر.

طلبة مرزوق الحانق على الثورة وعلى الوفدين الذين مهدوا لها وعلى زعيمها الراحل سعد زغلول

هذا الإقطاعى الذى توقف به الزمن عند القرون الوسطى واليوم فقد كل شئ ففكر فى عشقه القديم ماريانا ليسكب همومه على صدر أطاح به الزمن وعفا عليه ، بعد أن أصبح حاضرة مقبرة غير مريحة، فهو يؤمن بالله فقط لأنه يحترق في جحيمه هذا الجحيم الذى سلب الناس أموالهم وحريتهم.

ولكنه يحيا على أمل آخر أمل المنقذ الوحيد المتمثل فى أمريكا ، نعم هى المنقذ له وكيف لا وهى المنقذ لمصر على مدار سنين فاتت ليته عاش ليتنعم بها فى عهد حسنى مبارك كم قبعت على صدور المصريين وكم تنعم فيها اقطاعي القطاع الخاص.

يترحم على أيام الديمقراطية الذى سلب فيها الفلاح كرامته وأرضه وعزة نفسه، لا يرى سوىأن الإعتداء على أمواله هو أعتداء على إرادة الله وسنته فى الكون، يا له من عربيد تافه منتفخ كالطربوش الذى يقبع فوق عقله الفارغ، وقد تحول إلى كومة عظام ناتئة ورغبات مستحيلة.
هل نعد اليوم كم هم كُثر اقطاعى القصر الكبير بداية من السيدة الأولى وانتهاء بأحمد عز
أتمنى ألا تكون هذه إهانة أعاقب عليها ولكن كيف أعاقب وهم الأن معاقبون بالتربح الغير شرعى وما أنا سوى إحدى ضحايا إقطاعهم النامى من العاطلين، ما أشبه اليوم بالبارحة طلبة مرزوق يرى أنه أرغم بالقوة على ترك أمواله فليحمد الله أنه لم يكن اليوم فى سجن طرة فكم كانت ثورة يوليو بضباطها تتسم بالليونة، وكان العدل الذى يرى أن الله لم يعد يستخدم فيه القوة مع البشر كالرياح العاتية والطوفان وغيره، العدل أنيعلقون فى مشانق بالميا دين العامة,
ولكنه ترك القاهرة بحثا عن ملذاته وكتمان غيظه بين أحضان عقيدته الوحيدة وملته الباقية
وصف نجيب محفوظ شخصية طلبة بما رآه كمشاهد لهذا العصر ومطلع على ما فيه من حقد وكراهية ولدتها الثورة من الإقطاعيين واصحاب المناصب ولعله رأى البعض منهم منذ القريب فهم يتناسلون بطرق مختلفة.

3-الشخصية الثالثة وماأدراك ما هى من وجهة نظرى المتواضعة لا شبيه له اليوم ولم يكن له شبيه فى الثورة الشعبية فى 25 يناير

إنه وجدى عامر أو مسيو عامر هذا الماجن المؤمن الثورى صاحب المعتقدات الخطيب المفوة (كلب الثورة الخافق )الصحافى الطاعن فى السن الذى يبحث عن السكون الروحى والهدوء النفسى فى مسكن ميرامار كيف ذلك؟ !عاش حياة صاخبة متلونة بكل ألوان البشر فهو عربيد يعشق الملايات اللف تسوقه شهوته الصبيانية وراءهم لا يحب جميلات الأفرنج وهو ثورى وفدى وخطيب يلهب المشاعر التى تؤجج الحماس داخل النفوس وهو عدو طلبة مرزوق الذى مهد مع الوفدين لما آلت إليه حياتة ولكنه الأن يشفق عليه فقد خشر ما يماثله ليس مالا ولكن تجاهل المجتمع الذى كان يعد من بناة المجد الوطنى فيه.

حيرتنى شخصية وجدى عامر ورأيت فيها نجيب محفوظ الكاتب والأديب الذى ظل يبحث عن نجيب محفوظ حتى لحظاته الأخيرة مع الفارق فى الشهرة والمجد والتكفير والألحاد ومحاولة القتل

رأيت فيه الغربى الذى يبحث عن الإيمان فقد اكتفى من ملذات الدنيا حتى وان حرم بعضها نتيجة لسوء ادراك البعض.

رأيت فيه الشرقى الذى يحمل كتاب الله ويقرأ سورة الرحمن ليكفر عن ذنوب ارتكبها وفي قرارة نفسه عزة مجده وتاريخه الذى يقصة بروح الشباب التى يبحث عنها فى زهرة تلك البنت الفلاحة البريئة القوية التى تذكره بملايات لف يهواها

كم من صحافى اليوم يشبه وجدى عامر وكم منهم ثارو مع الثوار في 25 يناير؟

لم يتلون وجدى عامر مع من تلونوا في ثورة يليو وساروا فى ركبها على الرغم من إيمانه بها ولكن إيمانه بالوفد- الذى سرقه أصحابه واندمجوا مع الثورة- أكبرئ.

وجدى عامر فى ميرامار هو راوى الأحداث هو تاريخ الوفد الذى اندثر ولم تندثر معه ثورته العالمية الخالدة ، هو مثال الثائر الحق الذى لم يلهث وراء مغانم الثورة كما حدث فى ثورة 25 يناير كم أطل علينا صحافيو التلوين الذين شجبوا ونددواعلى الخروج على الشرعية، وسرعان ما شجبوا ونددوا بنفس اللهجة حول الفساد والفاسدين.

ولكن وجدى عامر آثر الإنسحاب واكتفى بروح الثورة التى أزهقها أبناؤها وصار الحكم لهم واندمجوا مع من نهبوا العالم الجديد ، لقد آثر الإكتفاء بحياة ميرامار وأحداثها الضيقة وضيوفها من أطياف المجتمع الاشتراكى الجديد ، فهو لا يحب الشيوعين ويبغض الأخوان ، كم يبغضهم اليوم من أبناء التيارات المختلفة ولكن حكمة الله التى لا تخطر على بشر أن يدخل الإخوان بنسيون ميرامار الكبير على أنقاض ساكنيه بعزة وكبرياء رغم أنف الباغضين.

أين أنت يا وجدى عامر وهل سيظل موقفك من الإخوان كما هو أم ستتلون؟

وبعيدا عن وجدى عامر الصحفى نجد الإنسان الملحد المؤمن المحب العاطفى المتقوقع داخل دائرة ذكرياته المجيدة وحبه الذى أخفق فيه والدنيا التى حرم منها

ولكنى أخذت عليه ربطه بين ما يحدث له من مواقف فى البنسيون فيتذكر ما يشابهها فى حياته

مثل مقابلة الحب الطاهر بالملآت اللف التى تنتقيها له القوادة .فشتان بينهما يا عامر
ولكن سرعان ما يعود إلى قوقعته التى ينظر منها إلى عالم المتناقضات حوله ويرى الأمل مرة أخرى فى زهرة وهى تتمسك بمواصلة تعليمها وينهى رؤيته بالإيمان وسورة الرحمن التى يعشقها

يذكرنى بمن يحملون كتاب الله يحتمون به خلف القضبان أو يستدرون عطف الناظرين بشغف لحكم يثلج صدور بعضهم.

4-يا زهرة الوادى يا نبتة الارض الطيبة كيف أسميك يا شخصيتى الغالية التى حرمك الكاتب من تسليط الضوء على طبقتك التى عانت الأمرين وكم صبرت حتى أعادت لها الثورة كرامتها وملكتها ما كانت أجيرة فيه.

بل اكتفى بإظهار الجانب الغبى فيك ، فمنذ متى تهرب الفلاحات لظلم الأهل يا سيدى؟
وهل تدور الرواية فى فلكها حتى تكون هى الغانية التى توقع الرجال ونسيت من يدفعها إلى ذلك لم يكن وفاة الأب ولم يكن طمع الجد ولم تكن قسوة زوج الأخت ولكنك ترمى إلى أبعد من ذلك ، إلى طبيعة ألأنثى التى تعشقها ، والتى رأيت فيها عناد مسيو عامر وشهوة طه مرزوق وعنجهية حسنى علام وتسلق سرحان البحيرى وشيزوفرنيا باهى منصور.كل هؤلاء أظهرتهم زهرة بطبيعتها الريفية البسيطة ولن ننسى القوادة صاحبة البنسيون ، ومع ذلك لن تكونى الضحية فى رأى يا زهرة فسآتى عليك ككل النساء عندما أقرأ ميرامار، لإانت لم تمثلى طهارة ثورة يوليو.

5-ونأتى إلى حسنى علام ذلك الإقطاعى العربيد الذى يملك المائة فدان ولماذا يملكهم؟

الذى يلون نفسه بألوان النساء فلا هو ذواق ولا هو تائب ولا هو إقطاعى ، هو فقط عربيد يسامر النساء يستهين بكل شئ حوله لا يجد حياء فى ممارسة شهواته خلف جدران سيارته التى تسرع به ولا يرى لها محطات انتظار تطل على واقعه المنفلت الجاهل الذى يداريه بما ينفقه على القوادين .حسنى علام الذى لا يرى الثورة أساسا فهى لا تمثل له سوى منحنى من حياته البائسة

بمن يذكرنا هذا العلام :إنه الفتى المدلل للقصر كما دللته ماريانا طمعا فى أمواله ومشاريعه، ولكن التدليل هنا اليوم له ثمن يقضيه من عمره القادم خلف قضبان زج بالكثيرين خلفها، لأنه لم يفهم الدرس جيدا ولم يقرأ سوى تاريخ يُمجده هو فقط، وحاشية لاترى سوى مطامعها الشخصية فى جو فاسد من المحسوبية والرشوة والتسلق على أهداف الثورة النبيلة، وفساد أخلاقى لا يلقى رقيب، ما أشبه هذا العلام بذاك الجمال.

6-سرحان البحيرى هذا المتسلق على الثورة المستفيد بما جادت به عليه وإن أضفى الكاتب عليه مسحة إنسانية نحو أهله، إلا أنه مازال يبحث عن الثراء فى عيون قاطنى البنسيون لذلك كان قربه من حسن علام الثرى الطائش ،فالبحيرى اشتراكى زائف تحول إلى سارق لينهى حياته بلا إيمان كما عاش بلا عقيدة، يحلم بميراث الطبقات القديمة ولا يهم الطريقة يرى فى الثورة طموح لا هدف وسيلة لغاية يقتنى بها فيلا وعربية وزوجة ثرية، لا يرى سوى تحت قدميه فلا يعرف من الثقافة إلا مايخدم أهدافه حتى زهرة لم تكن سوى هدف لاشباع غريزته وإن صُورت أحيانا بحالة حب أنتفض من خلالها قلبه،وهو فى الأصل خائن لوطنه ولنفسه ولوظيفته التى عقد العزم على سرقة خيرها لنفسه ولصديقه المهندس لتنتهى بمأساة انتحاره وهذه نهاية الحياة الزائفة وهو يتمسح فى الأسلام ليتقرأ الفاتحة على العمل المشين، ويوهم زهرة بالزواج الإسلامى يا له من فاسد فاشل كما فشل اليوم هذا المتعنت الصلف الذى رأى فى نفسه الفرعون الذى لا يقهر بمكن حوله من أجهزة تحميهئ، ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، وكيف لا يدفع الثمن وهو خائن لاعهد لهولا دين.

7-منصور باهى هذا المكبث الذى يتلذذ بتعذيب الذات فى حين أنه يدارى خلفها وغد لا يرى سوى الإنقضاض على حبيبته التى جردها من بيتها وزوجها ووضعهم في السجن بما له من سلطة أخيه الضابط حتى وإن أنكر إشتراكه فى الخيانة إلا أنه خائن كما هؤلاء الاوغاد فى عهد الطاغية الذين سلطوهم على رقاب الناس من الإخوان وغيرهم حتى صار الأخ يخشى أن يكون أخيه مرشد لأمن الدولة.

تناقض النفس البشرية الذى أوقعه فى مغبة الإعياء النفسى والتعذيب الذى طال حبيبته وطال شرفها ثم تخلى عنها كيف يكون له عهد او ذمة بل تعدى ذلك إلى انحطاط أخر وهو التفكير فى القتل بل محاولة القتل لم ينقذه منها سوى دعاء والديه من وجهة نظرى ،فهو خائن لا للماركسية الشيوعية ولكن لذاته التى يبحث عنها فى منفاه بالإسكندرية والحب المزيف لزهرة والقتل لمجرد الإنتقام من نفسه فقط ، هو لا ينتمى للثورة ولكنه ضدها لا يرى فيها سوى انحطاط نفسه وآلامها

حتى الصورة المثالية التى يرغبها لنفسه وللعالم تصطدم بواقع سرحان البحيرى فتحطم أحلامه وتحثه على الإنتقام.

وأخيرا فإن الكاتب لم ينصف شخصياته بل وضعهم كما يراهم فى تلك الفترة ليعكس بهم حالة المجتمع بعد ثورة يوليو التى لم يرى فيها البعض سوى تحايل على أمن الوطن واستقراره ورأت فيها الطبقات الفقيرة من الفلاحين الملاذ ورأى فيها المتسلقون وأنصاف المتعلمين فرصة للقضاء على أحوالهم الصعبة ورأى فيها المتعلمون انهيار للأحزاب المسيطرة والجماعات الإسلامية كالإخوان.

وتشابهت أحوال البلاد ما بين ثورتى يوليو 52 وثورة25 فقد أتت كل منها بأفرادها فالعسكرهم حماة الثورتين، والفاسدين والاقطاعين يحاكمون والمتسلقون كثر ولم يبق سوى وجدى عامر هو من أحتار في أمره لا أجد له مشابه فمصر ما هى إلا ميرامارسواء في بانسيون ما رياناأو ميرامار فى قصر الرئاسة بكل شخصياته ومتناقضاته