التضاد في

«أطفئيني بنارك» ليحيى السماوي

، بقلم عبد الستار نور علي

التضاد في البلاغة العربية هو الجمع في الجملة بين ثنائيةٍ اللفظ وضده، وهو ما يُسُمّى اصطلاحاً (الطباق) ، و(المطابقة) كما أسماه ابن المعتز في كتابه (البديع).

قال تعالى:

"وما يستوي الأعمى والبصيرُ. ولا الظلماتُ ولا النورُ. ولا الظلُّ ولا الحرور." فاطر 19-21
وقال الشاعر دعبل الخزاعي:

لا تضحكي ياسلمُ منْ رجلٍ ... ضحِكَ المشيبُ برأسِهِ فبكى

والتضادُّ في الشائع لجوءٌ من القائل لبيان حُسْنِ الضدّ بذكر ضدّه، أو للمقارنة والمطابقة بينهما. فذكرُه تعالى المتضادات: الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظلّ والحرور، ونفيه التساوي بين كلِّ متضادين، جاء نصّاً على بيان نِعمة البصر والنور والظلّ، وهي من فيض نِعمه على البشر.

أما الشاعر دعبل الخزاعي فقد أشار في مضمون ما صوّره في بيته الى ما يفعله المشيب بالانسان في الكِبر، من خلال تصوير طباقي تضادي في الجمع بين اللفظ وضده، إذ لجأ الى الاستعارة (ضحك المشيبُ) مع الجمع بين الضدين: ضحك وبكى. ونحنُ نستشعرُ معه الأثر النفسي الحسيّ للضحك علامةً للفرح والراحة، وأثر البكاء نتيجةً للحزن والألم. فهما صورتان متضادتان لحالتين على طرفي نقيض. وقد أتى بهما الشاعر جنساً بلاغياً للمقارنة والمطابقة بين الحالين، حال الضحك (الفرح) وحال البكاء (الحزن).

يحمل التضادُّ إذن، في دلالته وإيحائه، معنى التناقض والاختلاف بين حالتين على طرفي نقيض، لا تلتقيان. فالتضادُّ بمضمونه واستخدامه بلاغياً مقارنةٌ بين متناقضين، لابراز حسن ونعمة واحد منهما دون الثاني كما قال الشاعر :
والضدُّ يُظهرُ حسنَهُ الضدُّ

عند النظر والتأمل في ديوان الكبير يحيى السماوي الصادر حديثاً (أطفئيني بنارك)، عن دار تموز في دمشق 2013 ، نلتقي بمطابقات تأخذ بقراءتنا إلى مضمون آخر للتضادّ: التضادّ الذي يحسنُ أحدهما بالآخر، مع اختلافهما وتناقضهما في المعنى والايحاء والحالة. ومن القراءة الأولى لعنوان الديوان نُدرك المعنى الجديد المُضاف سُماويّاً (يحيى السماويّ) للمتضادات، لنكتشف ما يقدمه الينا الشاعرُ، وهو ينسجُ بلاغته الخاصة على مِنوَل مخياله الفسيح الفضاء، وبخيوط ماكنته الشعرية الفذة، المصنوعة بدقة أدواته اللغوية والبلاغية والمعرفية، ومُحسِّناته البديعية الخاصة بقاموسه الشعري المكتنز بأطايب الكلام والتراكيب والصور. وهذا القاموسُ كتابٌ منْ لذيذِ ينبوع طبعهِ العجيب. فقد قال الجاحظ: "الشعرُ طبعٌ عجيبٌ."

والعجيب هو الغريب غير التقليدي المألوف، وهو الذي يثير الدهشة والهزّةَ في النفس. والعجيب في الشعر يقتضي من الشاعر الموهبة الأصيلة المجبولة في خَلْقه، والدراية الفائقة بفنّ الشعر، والصنعة المتقنة في الابداع، والنسيج المبهر في النظم، والتصوير الخلّاق الجميل بعينٍ نافذةٍ، والصياغة الحاذقة الفريدة في عِقدٍ منظوم بدقةٍ ومكنةٍ حِرَفية. فقد قال الجاحظ ايضاً:

"إنّما الشعرُ صناعة، وضربٌ من النسيج، وجنسٌ من التصوير."

ونضيفُ: إنْ اجتمعتْ الى جانب الطبع العجيب فزنا بفريد في الفنّ، ووحيد في الزمان، وباسقٍ في وادي عبقر. وهذا ما نقتنصه في شاعرنا الكبير يحيى السماوي.

الإطفاء هو مضاد الإحراق (نارك)، فالنار تُطفَأ بالماء. فكيف يتسنى، علمياً مادياً، وعقلياً مجازياً، وبلاغياً تصويرياً، للمرء أنْ يُطفئ نارَه بالنار: " أطفئيني بنارك"؟!
هنا نتذكر بيت الشاعر كاملاً:

ضدانِ لما أستُجمعا حسُنا .... والضدُّ يُظهرُ حسنَهُ الضدُّ

وفي إطفاء النارِ بالنار، يمنحنا السماويُّ حُسنَ الضدين معاً، لا حسنَ واحدٍ دون آخر. فنارُهُ المُحرِقة لا تُطفَأ إلا بنارها (الحبيبة) المحرقة. يعني: حُسنُ الإطفاءِ وحسنُ الإحراق. فنارُها المحرقة ستكونُ سببَ انطفاء ناره المحرقة، والحريقان في الحالتين من لذائذ العشق، والاطفاء من محاسن الحريق. يقول في قصيدة (رغيف من الشبق على مائدة من العفاف)، ولْنلاحظْ جمعه بين ضدّين: السخين والبارد:

بعضُ "السخينِ" يصيرُ "برداً"
حينَ يُمزَجُ بـ"السخينِ"!

وهذا المزجُ التوحيدي بين متضادين قمةُ الاندماج الحسيّ للقارئ والمستمع تلقياً، والتذوق جمالياً، واثارةٌ للدهشة والاهتزاز. ألم يقلْ الشاعر جميل صدقي الزهاوي:

إذا الشعرُ لمْ يهززْكَ عندَ سماعهِ

فليسَ خليقاً أنْ يُقالَ له : شعرُ

وهذا في شعر السماويّ حاصلُ البوح الروحي والحسيِّ، تحت ظلِّ التعبير البلاغي بالتضاد (الطباق) شعرياً. وبذا فهو غريب من طبع عجيب. فالحسنُ، في الانطفاء والاحتراق معاً، هو في عمق جذور شجرة العشق في روح العاشق والمعشوقة. هنا العشق صوفيٌّ روحيٌّ، يسمو فوق اللذائذ والشهواتِ الغريزية الدنيوية. نقرأ في قصيدة (كذبْتُ عليكِ كذبتُ عليَّ):

بلى
أدريكِ طاهرةً
وأؤمنُ أنَّ بعضَ العشقِ
يُمكنُ أنْ يكونَ تقرُّباً للهِ
أو يغدو لجرحٍ قاتلٍ نصلا

ويقولُ في قصيدة (كذّبتُ صدقي كي أصدّقَ كذبَها):

متماهيانِ
ترى سرابي كوثراً
وأنا أراها في بساتين الأنوثةِ والمنى
تفاحةَ الفردوسِ في حُلُمي القديمِ
ونخلةَ اللهِ الظليلةَ
والمبشرةَ البتولْ

فالمرأةُ عنده هي السماءُ الأرضُ، وهي ظلُّ اللهِ الظليلة، خلقَها لنستظلَّ بظلِّها كباراً وصغاراً، وقال لها: كوني! فكانت:

أهي السماءُ تأرَّضَتْ
أنْ قالَ فيها اللهُ
كوني؟
لبّتْ
فكانتْ ما أرادَ
ديارَ فردوسٍ أمينِ!

لتتحولَ المرأةُ الأمُ والإبنةُ والرفيقة والصديقة، وهي المقدسةُ البتولُ الفردوسُ الأمينةُ المأمونةُ الظلُّ الظليل، لتتحوّلّ بشيرةً وهدايةً ومحراباً للرجلِ، وللشاعر العاشق، يصلّي في فردوسها ورحابها في تبتُّلٍ. يقول في (قديسة الشفتين):

في ليلِ اسراءِ المقدَّسةِ/البتولِ/
الابنةِ/الأمِّ/الصديقةِ/والرفيقةِ
أشرقتْ شمسانِ
شمسٌ خضَّبتْ بالضحكةِ العذراءِ
أوتار الربابةِ
فاصطفاها القائمون الى صلاةِ العشقِ
مئذنةً
وشمسٌ نورُها الصوفيُّ
أكثرُ خضرةً من بُردةِ الفردوسِ
أسرى بيْ شذاها نحو مملكةِ الرحيقْ

وفي قصيدة (انجديني):

وأسمِّيني المصلّي بين محرابينِ
يستنشقُ
نعناعاً وطيبْ

وفي قصيدة (البشيرة):

فاشهدي يا حُجةَ اللهِ
على توبةِ قلبٍ
لم يكنْ يقربُ منْ قبلكِ
محرابَ صلاةِ

وفي (شمس عمري) :

وأقِلْ عثرةَ قلبي
وخطيئاتي.. وآثامي.. ورجسي
يا حبيبي

وفي (محاولات فاشلة):

فعرفتُ أنّي
حين اجنحُ عن صراطِ هواكِ
ابدأُ بالرزيئة والخطيئة والزوالْ

في استقراء واستكشاف شعر يحيى السماويّ في النسيب والغزل نحضى بلذاذةِ معنى الحبّ الحقيقي، في سموه الروحي الصوفيّ، وارتقائه الى فضاءاتٍ غير التي ترد في ذائقة المتلقي أول تناوله لكؤوس شعره الغزلي واغترافه منه، هو القائل:
أكملي دورَكِ ياصوفيّةَ اللذاتِ
في رسمِ حياتي

قد يدلو قارئ بدلوهِ فيقول بأنّ الطباق يكون بين لفظين: فعلين، أو اسمين، أو حرفين. فكيف تجوز مطابقة بين فعل "اطفئيني" واسم "نارك". فأقول المطابقة تكتسب عند السماويّ بلاغةً مستحدثةً لتكون بين لفظين لمعنيين متضادين : فعل (اطفئيني)، واسم (بنارك). والنار هنا احراق في مقابل انطفاء. وكأنّ الشاعر يقول: أطفئيني بأنْ تُحرقيني بنارك. فحذف (أنْ تحرقيني) مطابِق (اطفئيني) واكتفى بـ(بنارك) اشارة الى الاحراق. فالنار هنا مجاز الإحراق وعلاقته السببية.

* * * * * * * *

استخدم السماويُّ التضادَّ في أسماء قصائد عدة:

"عينايَ نائمتانِ لكنَّ القصائد ساهرةْ" نائمتان + ساهرة
"كذّبْتُ صدقي كي أصدّقَ كِذْبَها" كذّبتُ + أصدّق، صدقها + كذبها
"رغيف من الشبق على مائدة من العفاف" الشبق + العفاف

يُلبِسُ الشاعر التضادَّ رداءَ الحُسنِ. فالضدُّ وضدُّه متلازمان في وحدة روحية حسيّة، متمازجة إلى حدِّ الذوبان كليهما معاً. النومُ والسهرُ متوحدانِ، لا ضدانِ متواجهانِ على خيط نقيضٍ، ينقطع بأحدهما ليهويَ، ويرفعُ الآخرَ ليرتقيَ مشاعرَ الفوز، ويقيمَ مقامَ الساكن المتربِّعِ في نعمة بستانِ الحسنِ والجمالِ. يقول في قصيدة (عيناي نائمتان لكنَّ النوافذَ ساهرة):

لملمْتُ أطرافَ اللذائذِ
والمسراتِ
الجمالِ
بعيدَها وقريبَها
وطريفَها وتليدَها
ودنيئَها والطاهرةْ
فوجدْتُ
أنَّ ألذَّها كانَ
احتراقي في مياهكِ
وانطفاؤكِ في لهيبي..
واكتشفْتُ خطيئتي
كانتْ صلاتي
قبلَ ادماني التهجُّدَ في رحابكِ
كافرةْ

انظرْ المتضادات (المطابقات):

بعيدَها + قريبها، طريفها (جديدها) + تليدَها (قديمها)، دنيئها + الطاهرة ، احتراق + انطفاء، مياهك + لهيبي، خطيئتي + صلاتي.

ثمّ هذا التضادّ المثير للتبصُّر في المعنى المَسكوبِ في قدح ذائقة القارئ ليحتسيه دهشةً وتأملاً متأنياً، ونظراً فيما وراء الظاهر من الكلام، ليثملَ فيجهدَ بحثاً متبصِّراً من أجل استكشاف باطن المضمون بالاندماج في التجليّ المكنون في روح النصّ:

كانتْ صلاتي
قبلَ ادماني التهجُّدَ في رحابكِ
كافرةْ

فالتهجُّدُ صلاة في رحاب الايمان ومحراب المؤمن ليلاً. وصلاته هو عشقُه، إذ كانت مستورةً (كافرة) داخل نفسه وقلبه قبل أنْ يصلّي في محراب عشقها المعبود، ليضحى عاشقاً هائماً، متوشّحاً بنور العشق السامي وروحه المُعتلية فضاء النجوم، فيؤمن به ينبوعاً من الفيض الالهي النوراني في كهف روحه وديجورها، وذلك في تجلٍّ صوفي. وهو ما ألهمه في خلق معادل يخاطبه شعراً فكان: "صوفائيل". وهذا من عجيب ما يأتي به السماويُّ في شعره:

أطلقْتُ قلبي ..
وانتظرتُ ..
فلم يعُدْ!!
خارتْ قوايَ
وكدْتُ أرميني إلى حيثُ القرارُ..
فصاحَ "صوفائيلُ" بيْ
إنهضْ وغُذِّ النبضَ
نحو
ظلالِ نخلتكَ الأمينةْ
(الوصول إلى اليابسة)

لِنستبطنْ استخدامه للتهجُّد في تبيان عشقه: فالتهجُّد يكون ليلاً، وفي الليلِ بهدوئه وصمته وسكونه ودجاه تتأجّجُ مشاعر العاشق الولهان المكتوي بالنار المُطفئةِ للنار الملتهبة فيه. وهذا ما يمنح الصورةَ والحالةَ الحسيةَ عمقاً ودلالةً في المعنى المقصود المنقول حسياً وبلاغياً على اوتار موسيقى الشعر الهادئ والايقاع الجميل الموحي بأجواء المضمون، وبحرارته وهيجانه، وبألمِه ووخزِ سنانِ الاحاسيس والمشاعر، وبالشوق والتوق والرغبة، وباللذة المُستثارة. يقول في قصيدة (قدّيسة الشفتين):

فأنا بها
المُتهَجِّدُ ..
الضّليلُ ..
والحُرُّ المُكبّلُ بالهوى القِدّيسِ ..
والعبدُ الطليقْ

المتضادات عند شاعرنا الكبير اشتقاقات لمعنى واحد، واستثارات لحالة عشق روحية متلاطمة متخالطة متواشجة عمقاً في الروح والفؤاد. تلتقي في لحمة داخل مشاعره التي تتفجّر في طبعه العجيب، لتنقلنا معه على زورقٍ منسابٍ في بحرهِ الهادئ الهائج في آنٍ واحد. انسيابُ الزورق بهدوء مثلُه في انطلاقهِ باضطرابٍ وبهيجانٍ. وذلك ببلاغةٍ رقيقةِ الحاشيةِ، مترفةِ اللفظ، جزيلةِ السبك، متينة الصنعة، مبدعة الصور. تنتظمُ في صياغةٍ مدهشة، مؤطَّرةٍ بماء الذهبِ والياقوت، حتى يذوبَ الفرقُ والتناقض والصراع بين الأضداد لتكون وحدةً حسيةً وروحيةً، ولوحةً متكاملة التلوين، تمتلك من الجمال والروعة ما يجعلنا نفغرُ أفواهَ ذائقتنا دهشةً واعجاباً، لحلاوة وطلاوة ما نغترفُ من صورٍ مبهرة ومعنى عجيب. يقول في (كذّبْتُ صدقي كي أصدّقَ كِذْبَها) :

كذَّبْتُ نفسي
كي اصدِّقَ ما تقولُ..
وكنْتُ أعرفُ أنّها كذَبتْ عليَّ
فلسْتُ أنضرَ منْ سوايَ
وليسَ في حقلي قطوفٌ
ليس تعرفها
الحقولْ
..........
صدّقْتُ كِذبي
كي أكذِّبَ صِدقَها
فأنا صديقي مرةً
وأنا عدوي والعذولْ
....

هنا يصوغ السماويّ مقابلة أي طباق (تضادّ) معنىً في استخدام جملتين متضادتي المعنى فيهما أكثر من تضادّ: "صدّقتُ كذبي" + "أكذّبُ صدقَها". الفعل "صدّقتُ" + الفعل "أكذّبُ". والاسم "كذبي" + الاسم "صِدقها".

وكذا في قوله في قصيدة (كذبتُ عليكِ، كذبتُ عليّ):

كذبتُ عليَّ..
ها أنذا أقولُ الصدقَ
أنتِ حبيبتي الأحلى
وأنتِ
بدايتي طفلاً
وأنتِ
نهايتي كهلا

المقابلة في : "بدايتي طفلاً" + "نهايتي كهلا". والمطابقات في: بدايتي + نهايتي.
و طفلاً + كهلا.

التضادّ عند السماويّ هو حالة من البحث عن الاشراق الروحي. يقول في (شمس عمري):

وأذِبْ ثلجَ خريفي
بربيعٍ ناعمِ النيرانِ
وحشيِّ الدبيبِ
فعسى تُشرقُ شمسُ العمرِ
من بعدِ غروب

فارتكازه على التضادّ كان في استكشافه للاشراق الروحي وبحثه عنه تحت مظلة المتضادات المفضية احداها الى الأخرى: خريف + ربيع، تشرقُ + غروب.

ومنها أيضاً ما جاء في (قدّيسة الشفتين):
وأنا اللهيبُ الباردُ النيران..
والماءُ الذي أمواجُهُ
تُغوي بساتينَ اللذائذِ بالحريقِ
............
الماءُ أعطشني
فهل ليْ منْ سرابكِ رشفةً
تُحيي رمادَ غدي؟
الشواطئُ أوصدتْ أنهارَها
والنبعُ فرَّ
وليسَ من حبلٍ لأدلوَ
منْ سلافةِ بئرِ واديكِ العميقِ

تضاد المقابلات في : اللهيب البارد + الماء .... الحريق، الماءُ أعطشني + فهل لي من سرابكِ ...

بهذه المتضادات يسري شاعرنا من أجل نوال الاشراق، لتُشرَعَ نوافذُ الروح أمام بصره وبصيرته على بهاء نور العشق السامي يقيناً يُزيلُ الظنون.يقول في (رغيف من الشبق على مائدة من العفاف):

قسماً بجاعلِ مُقلتيكِ
أعزَّ عندي منْ
جفوني ..
وأتاكِ لي فجرَ اليقينِ
يُزيلُ بي
ليلَ الظنونِ

للتضادّ عند السماويّ شفاءٌ روحي وانطفاءٌ للهيبٍ يتأجّجُ في نفسه التائقة الى الخلاص بارتشاف البرد ونور اليقين وكؤوس الطلى منْ دنان العشق. يقول في (شمس عمري):

سرُّ دائي
أنّني من دونِ داءٍ
فابتكرْ داءً جديداً ليْ
وكنْ أنتَ طبيبي

فهو الباحثُ عن داءٍ هو دواءٌ شافٍ له في الآنِ نفسه، وهو (العشق النوراني) داءٌ ودواء. ويقول في قصيدة (محاولات فاشلة):

هيّأتُ في سردابِ ذاكرتي
سريراً باردَ النيرانِ مسعورَ الندى

فالسريرُ رغم نيرانه فهو بارد، ورغم نداه الرطب فهو مسعور اللهب. أي أنه الداءُ المضني، ودواؤه نقيضه (ضدّه). فالضدّان عند شاعرنا الكبير يحسنان باجتماعهما معاً. فهما متلازما أحاسيسهِ ومشاعره وتأمُّله في عرش العشق المائيّ الممزوج بالبريق والإشراق.

وهذا من غريب وعجيب السماويّ، وممّا يلذُّ للقارئ أنْ يتناوله بجشعٍ، لما فيه منْ أطايب ما يقدّمه على مائدته المثقلة بالبلاغة المنهمرة من سحائبه مطراً مُحمّلاً بماءِ الذهب والحرير والياقوت والزبرجد والجمان المنضّد، ومُعطّر برائحة الفلِّ والريحانِ والياسمين والآس:

في الدربِ
نحو النخلةِ المعصومةِ الأعذاقِ
صادفني من الشجرِ الكثيرْ
بعضٌ لهُ شكلُ الرماحِ
وبعضُهُ طبعُ الرياحِ
وبعضُهُ ألقُ الزبرجدِ والحريرْ
(إسراء نحو فردوسها)
 
ويقول في (انجديني):
وأسميكِ الفضاءاتِ المرايا
وأسميني المغيبْ
وأسمّي مهبطَ الياقوتِ في عقدكِ
سفحا
لهضابِ الفُلِّ والريحانِ
والآسِ الرطيبْ

الخاتمة

يقول اليوت:

"إنّ قسماً من الشعر يبتدعه الشاعر وإنّ قسماً آخر يدرُّ له التراث . وإنّ الجزء الحيّ من التراث يبقى مستمراً عبر الأزمنة وعبر الشعراء ، لأنه يمثل الانجازات الناجحة والثابتة مما ألفه الشعراء."

والتضادّ (الطباق) منْ ضمن ألوان وأجناس وعناصر الشعر الفنية البلاغية الأساس، ارتكز عليه شاعرنا الكبير في نقل احاسيسه وتجليات روحه وابتداع صوره الشعرية المذهلة. وهو ما درَّ له التراثُ من اجناس البلاغة الكثيرة، وهو من المنجزات التراثية العربية الناجحة والثابتة المستمرة، فاعتمدها ليبتدع جديداً مضافاً: وهو أنْ يُخرج من التضادّ صورة جديدة في اطار واحد يجمع نقيضين (ضدين) في لوحةٍ فيها من التجانس ما يجعل المتضادين واحداً في روح القصيدة، أي روح خالقها، وهي من ابتداعه الفني الجميل المدهش. وكذلك في ذائقة القارئ، بحيث لا يشعر بالفرق والنقيض والمقارنة بين المتضادين، بل يجدهما وحدةً في روح الصورة المُبتدَعة. فيقودنا هذا الى النظر بإجلال وإعجاب لمنجزات التراث الحيّ الناجحة المستمرة في ضمير الشعر الحقيقي الأصيل، النابض بالحياة، على مدى العصور، دون أنْ يفقد بريقه ومكنوزه الحسي والفني وأثره في النفس. والشعر الجديد الحامل لثروة القديم بألوانه الفنية المبدعة الحية وبسعة واحاطة ماهرة، هو الشعر النابض بالحيوية، والحاذق في ابتداعٍ مُضافٍ يُولَد من رحم التراث. هذا الشعر، المولود من رحمِ طبع شعريٍّ بموهبة فائقة وحرفية صياغية حاذقة، وذكاء في نسجِ ما هو غريب ومثير للاندهاش والاهتزاز في نفس المتلقي، هو الخليقُ بأنْ نقولَ عنه: هذا هو الشعر، وناظمُهُ هو الشاعر:

فضحَ الجَهْرُ عذاباتي ..
وزادَ السرُّ والتأويلُ فضحا
فأنا المفضوحُ في الحالينِ
إنْ صمتاً وبـَوحا
(أنجديني)

فـ"الجهرُ" وضدّه "السرُّ " واحدٌ في حال الشاعر فهو مكشوف العذاب في الحالين، وكذا مفضوح في صمته وبوحه.

لا يتأتى ذلك لكلِّ ناظم إلا منْ امتلك ناصية الشعر، مع ناصية الخلق والابتداع والإضافة، وناصية الثقافة الواسعة سعة المحيط، وناصية اللغة وبلاغتها وفنها التعبيري، ثم ناصية ابتداع الصور المُستَحدَثة بنقاء وصفاء، وبريق، ويسر وانسياب رقراق، من غير إفاضةٍ أوحشوٍ أو شوكٍ أو عقبةٍ أو صخرةٍ في طريق الذائقة.

وكلُّ هذا نقرأه في شاعرنا الكبير يحيى السماويّ.