قصص وحكايات من زمن جميل فات «١٦»

من المحطة إلى بيت جدتي

، بقلم محمد زكريا توفيق

في أواخر الأربعينات، ذهبت مع والدي لزيارة جدتي، التي كانت تسكن في قرية ههيا، وكان والدي يعمل في مدينة فاقوس، التي تبعد عنها مسافة 30 كيلو متر تقريبا.

الوقت كان ظهرا، في يوم صيف شديدة الحرارة. انتظرنا القطار على الرصيف مع مجموعة قليلة من الفلاحين. بزوجاتهم وعيالهم ومودعيهم.

لم يكن من اللائق أن تسافر وحدك، بدون أن يأتي معك أحد ليوصلك إلى المحطة. لكي يطمئن عليك، ويتأكد من أنك قد غادرت المكان في يسر وأمان. وأنك قد وجدت مكانا مريحا بجوار النافذة. يظل المودع واقفا يحدثك وينتظر معك القطار.

الركاب، هذا يحمل قفة مغطاه بالخيش، وذاك سبت سلّال تطل منه رأس أوزة بمنقارها البرتقالي. هذه تحمل طفل على كتفها أو في بطنها. وهذا صبي يمسك بطرف رداء أمه بيد، وباليد الأخرى خيارة خضراء داكنة وقعت على الأرض أكثر من مرة. وتلك طفلة تلبس فستانا زاهي الألوان، تمسك بيد والدها. الذباب لا يرحم، وكذلك الباعة الجائلون.

القطار الذي يبدأ من قرية الصالحية وينتهي بمدينة أبو كبير، يمر بخمس محطات بينهما. الخط محلي بني حديثا. وكان السبب في شائعة "الشراقوة عزموا القطر".

القصة هي أن أهالي قرية "إكياد"، عندما رأوا المهندسين والعمال وهم يمهدون لمد شريط السكة الحديد الجديد، قرروا أن يقوموا بالواجب. فذبحوا الذبائح، وأعدوا الولائم، وخرجوا بالصواني والأكل، ووضعوه على الشريط.

من هنا جاءت حكاية "الشراقوة عزموا القطر". وزادوا في الحكاية، وادعوا أن أحدهم قال: "نجيب له معسل يدخن؟". فرد آخر: "يا بوي، دي التكة بتاعته تمن". أي ثمن رطل تبغ.

وصل القطار، فركبنا ثلاث محطات إلى مدينة أبوكبير آخر الخط. انتظرنا قطار الشرق السريع المزدحم، الآتي من مدينة المنصورة، والمتوجه إلى القاهرة.

وصلنا بعد محطة واحدة إلى قرية ههيا. هي في الواقع، أكبر من قرية، وأصغر من مدينة. لم تكن بها كهرباء أو مياة أو مجاري أو طريق واحد مرصوف.

أمام محطة القطار، مطحن غلال ومضرب أرز، تملكه عائلة أبو حمادة، عائلة والدتي. يجلس في غرفة الميزان الصغيرة، الشيخ عبد الحميد. يزن الحبوب المطلوب طحنها، وبناء على الوزن، يقدر أجرة الطحن.

قرش صاغ واحد، أو ثلاثة تعريفة، أو شئ من هذا القبيل. في بعض الأحيان، يكون الدفع عيني. ثلاث بيضات وكوز بطاطة. حفان ذرة أو شروة جميز.

عندما تفشى وباء الكوليرا في الأربعينات، وكانت الناس تتساقط مثل أوراق الخريف، قطعت الطرق وتوقفت المواصلات لمدة ثلاثة شهور. وكان الشيخ عبد الحميد ينظر من فتحة غرفة الميزان، ويقوم بتسلية نفسه، بوضع علامة في كراسته كلما مرت عليه جنازة.

سجل في أحد الأيام 30 جنازة في يوم واحد، وكان يتندر بذلك. في اليوم التالي، لم يحضر الشيخ عبد الحميد إلى المطحن، بسبب قئ واستفراغ. بعد قليل، مر نعشه من أمام غرفته، دون أن يقوم أحد بوضع علامة في كراسته.

أحد الأيام، في الثلاثينات، جاء مفتش من مصلحة الدمغة والموازين إلى المطحن، وقام بفحص الموازين المستخدمة في وزن الحبوب للتأكد من مطابقتها للمعايير الحكومية.

وجد أحد الموازين، "نصف أقة"، تنقص قدرا قليلا عن الوزن المطلوب. حرر المفتش محضرا، وأصبحت هناك قضية ومحكمة، إلخ.

لم يجد أخوالي أصحاب المطحن، محاميا يقبل هذه القضية. وقعوا في حيص بيص. فقد يحكم القاضي بغلق المطحن أو بغرامة كبيرة لا قبل لهم بها. هنا جاء خالي محمود، وكان صبيا في ذلك الوقت، وقال: "أنا سوف أقوم بالدفاع عنكم في هذه القضية". فلا تخافوا: "سوف نكسبها بإذن الله".

سأل القاضي: "هيه، ما هو دفاعك وقد ضبط متلبسا."

أجاب خالي محمود بكل ثقة:"يا سيدي القاضي. هذه الموازين، لا أستخدمها في البيع والشراء. وإنما أستخدمها فقط في تحديد وزن ما سوف أقوم بطحنه من غلال. وأجرة الطحين غير مسعرة من الحكومة.

فلو وضعت ظلطة أو قطعة صخر مكان النصف أقة الناقص، لما لامني أحد. ولو ضاعفت الأجرة أو أنقصتها، لما لامني أحد أيضا."

لم يجد القاضي، أمام رصانة هذا المنطق، بدا من الحكم بالبراءة. للأسف خالي هذا لم يكمل تعليمه. فقد كان جدي أبو والدتي لا يؤمن بالتعليم. لأنه كان يحتاج أولاده في التجارة.

في العشرينات، كان أحد عمال المطحن، اسمه أمين. كان شابا عمره 18 سنة. يقف ليفرغ القفف والأجولة في قادوس المطحن، حتى تسقط الغلال تحت حجر الطاحونة الدائر. فتخرج طحينا ناعما من فتحة جانبية.

في نهاية اليوم، يقوم هو وزملاؤه بالدق على حجر الطاحونة بالشاكوش والأزمير، في المناطق الناعمة الملساء من سطح الحجر، لعمل خرابيش وخطوط عرضية، تساعد في الطحن.

شيخ جليل طاعن في السن وميسور الحال، يلبس العمة والجبة والقفطان. في الريف، إذا كنت ميسور الحال، فلن يقف في سبيل رغباتك وأحلامك شئ. أراد الشيخ الزواج في هذه السن. وكان له ما أراد، دون مشقة.

الزوجة غادة في ريعان شبابها، ملكة في الحسن والجمال. أسكنها الشيخ في فيلا محاطة بحديقة كبير غناء وارفة الظلال، في مدخل البلد. إلى هنا وهذا شئ عادي في الريف. لكن هناك مشكلة واحدة. وهي أن أحد الأشقياء من عائلة "أبو عطوة"، كان يحب الفتاة، التي تزوجها الشيخ، حبا جنونيا.

ماذا يفعل ونار الحب مشتعلة داخله، تكاد تصيبه بالهوس؟ استلم الشيخ بالخطابات. خطابات تهديد ووعيد بالطبع. إذا لم تطلقها، سوف أعمل فيك كيت وكيت. سوف أعطيك شهر. سوف أعطيك أسبوع.

الشيخ، بحكمة ما مر به من سنين عديدة، كان يتجاهل هذه الخطابات، ويجيب على زوجته، عندما تسأله عن سببها، قائلا: "لا مفيش حاجة، دول أصحابي يقومون بتهنئتي". كان يظن أن هذه مجرد مراهقة صبيانية، وأن هذا المهووس سوف يكف عن تهديده، ويتوقف وينهد مع مرور الوقت.

لم يرغب في إبلاغ البوليس خوفا من الفضائح، والقيل والقال. كثيرون منا سوف يفعلون نفس الشئ. خصوصا إذا كنا نعيش في الريف. عندما يئس الحبيب المكلوم، ولم تجد طلباته أي استجابة من الشيخ الرصين، قرر أن يأخذ الأمر بيده.

اتفق مع ثلاثة آخرين من الأشقياء. أحدهم، أمين الشاب الذي كان يعمل في مطحن جدي على القادوس. أعطوه السكاكين، لكي يسنها على حجر الطاحونة، حتى تكون حادة جاهز لتنفيذ الخطة الشيطانية.

في ليلة حالكة السواد في لون الهباب، لم يجد الأشقياء سبيلا للدخول إلى الحديقة، إلا عن طريق فتحة الري في أحد الجوانب. تسللوا خلالها الواحد تلو الآخر. لم يجدوا كلبا يعوي، لأن الشيخ كان يعتبر الكلاب نجسة، تمنع دخول الملائكة. لكنه نسي أنها تمنع أيضا دخول اللصوص والقتلة.

دخلوا الفيلا من شباك الصالون. وبحثوا عن الشيخ وزوجته، فوجدوهما في مخدعهما يغطان في نوم عميق. قررا أن يتخلصا منهما معا، حتى لا تعترف الزوجة عليهم.

بعد أن قاما بالذبح والطعن، دون رحمة أو هوادة، وسط الصراخ المكتوم والحشرجة والأنفاس المتقطعة وبرك الدماء التي صبغت الفراش، لاذوا بالفرار.

أثناء فرارهم، خشوا أن يكونوا قد أخفقوا في مهمتم القذرة. فأرسلوا أحدهم، أمين، لكي يتأكد من موت الضحيتين، الشيخ وزوجته الفاتنة. عاد أمين، ودخل من نفس الشباك الذي دخلوا وخرجوا منه من قبل.

ذهب إلى غرفة الفراش، فاستشف أنات الزوجة، التي لم تكن قد فارقت الحياة بعد، تكاد لا تستبين. أما الشيخ، فقد توفي وأصبح جثة هامدة.

هنا، حدث ما لم يكن في الحسبان. شئ غريب جدا، ليس في الخطة، وليس له تبرير على الإطلاق. اقترب أمين من الزوجة، وقال لها بحنان، وبصوت خافت كي لا يسمعه أحد: "لا تخافي. سوف أقول لهم أنني وجدتك ميتة." ثم لحق بزملائه الأشقياء، لكي يطمئنهم ويهنئهم على نجاح خطتهم الجهنمية.

باقي الحكاية يمكن استنتاجه دون مشقة. جاءت الخادمة في الصباح، فوجدت الزوجة لاتزال على قيد الحياة، لكن في حالة يرثى لها. جرت تصرخ إلى الطريق تستنجد بالمارة. أنقذت الزوجة بمعجزة، وتم القبض على الأشقياء الأربعة.

حكم على ثلاثة منهم بالإعدام، وحكم على أمين بالأشغال الشاقة المؤبدة. لأنه، رغم اشتراكه في قتل الشيخ ومحاولة قتل الزوجة في بادئ الأمر، إلا أنه، لصغر سنه، وبسبب رفضه قتل الزوجة عندما عاد إليها، أنقذ من حبل المشنقة بأعجوبة.

لو أمكن تقسيم الناس إلى أشرار وأخيار، لتخلصنا من الأشرار وانتهى الأمر. لكن ماذا نفعل، إذا كان الخير والشر يمتزجان في نفوسنا وعقولنا وقلوبنا وداخل كل خلية من أجسادنا.

بعد خطوات قليلة من المطحن، وعلى شمال طريق ترابي ضيق، كان يوجد دكان ريفي صغير. يبيع فقط البن لزوم عمل القهوة. يقف فيه رجل عجوز يلبس الجلباب والعمامة. وقف والدي أمام الدكان، وطلب رطل بن يمني مطحون.

قام الرجل بوزن رطل بن حب أخضر. ثم قام بوضعه في محمصة تعمل بالفحم. بعد ذلك، أضاف إليه الحبهان، ثم قام بطحنه بماكينة كبيرة، تعمل باليد.

بعد ذلك، مررنا بحقول خضراء على الجانبين. ثم عشة صغيرة من الطمي على ناصية حارة، على الجانب الشمال من الطريق. يعمل بها مبيض نحاس. صاحب المحل يجلس على الأرض، بجوار كومة فحم مشتعل. ينفخ فيه بالكور.

يقوم بوضع الإناء النحاس في الفحم، حتى يتغير لون النحاس إلى اللون الأحمر. يأخذ قطعة من القصدير الخام، ويضعها على الإناء، ثم بقطعة قطن كبيرة، يقوم بفرد القصدير على كل مساحة الإناء. فيتحول من اللون النحاسي إلى اللون الفضي في ثوان.

على باب العشة أو الدكان، إن صحت التسمية، يوجد رجل أخرس أبيض اللون أحمر الوجه ممتلء الجسم في الثلاثينات من العمر. يتحزم بحبل من منتصفه، يرفع به جلبابه البني حتى ركبتيه. يلبس طاقية ممزقة، ويقف داخل حلة نحاسية برجليه الحافية.

يقوم بالحركة بكل جسمه يمينا وشمالا وتقوم قدميه بحك قعر الحلة وكشط ما بها من صدأ أو قصدير قديم أو أوساخ صعبة الإزالة. كلما مررت على هذا الأخرس، في أي وقت، في الصيف أو الشتاء، أجده، بداخل الحلة، يتحرك يمينا وشمالا، فيما يشبه رقصة الروك أند رول.

تذكرت أسطورة سيزييف التي تحدث عنها ألبير كامو. عندما عاقبته الآلهة بحمل صخرة إلى أعلى الجبل، ثم يتركها تسقط، لكي يكرر هذا العمل الممل إلى مالا نهاية. أعتقد أن الأخرس في الحلة، أكثر مللا من سيزييف والحجر.

ربما تكون الآلهة هي الأخرى، غاضبة من الأخرس، بسبب كونه لم يفعل شيئا في حياته يستحق الغضب. لأنها، في هذه الحالة، عاقبته مرتين. مرة بحرمانه من نعمة السمع، ومرة بوضعه في الحلة يعمل كرقاص أو بندول الساعة إلى أبد الآبدين.

ترى كم منا في حياته، مثل سيزييف أو مثل الأخرس. يجد نفسه مجبرا، بسبب أكل العيش، على النزول داخل حلة نحاسية، والهز بأردافه، يمينا وشمالا إلى مالانهاية؟

مررت أنا ووالدي في طريقنا بعدة منازل ريفية من اللبن. ثم مررنا بمنزل جدي، أبو والدتي. وهو أحد البيوت القليلة المبني بالآجر. يسكن الطابق الثاني خالي لطفي.

في أحد ليالي الصيف شديدة الحرارة، استيقظ خالي بعد منتصف الليل. ذهب إلى الشرفة لكي يشرب. القلل الفخار كانت توضع في الشرفات، لكي تبرد بتيار الهواء المار.

نظر خالي إلى الشارع، فوجد رجلا يجلس على عتبة الدار. لم يتبين ملامحه في ضوء البدر. عندما سأله من أنت، علم أنه الأسطى محيي الحلاق، الذي يقوم بالحلاقة للعائلة. ماذا تفعل في هذه الساعة المتأخرة من الليل، أجاب أنه ينتظر زوجته التي تقوم بمساعدة بعض الجيران في خبز العيش.

ظل خالي يتحدث مع الأسطى محيي الحلاق لتسليته حتى تعود زوجته. الأسطى محيي رجل يعشق الفكاهة. ويقوم بعمل أشياء غريبة دون النظر لعواقبها.

بينما كان يسير يوما بجوار عربة كارو تحمل أقفاص طماطم، جرحت جريدة أحد الأقفاص أنفه. انتظر حتي يشفى الجرح، لكن أنفه كانت تزداد سوءا.

تذكر بيتا لأبي نواس يقول: "دع عنك لومي فإن اللوم إغراء، وداوني بالتي كانت هي الداء". مادامت أقفاص الطماطم هي التي جرحت أنفي، فلن تبرأ إلا بالطماطم.

أخذ، حبة طماطم كبيرة ناضجة. شقها نصفين، وربطها على أنفه. وعندما كان يشعر بحرقان، كان يصبر نفسه بأن الطماطم تأكل المرض. بعد يومين، ورمت أنفه وأصبحت في حجم البرتقالة. لم ينقذه سوى طبيب الصحة بالعلاج الناجع.

أثناء حديث محيي مع خالي، تبين لهما من بعيد في ضوء القمر، رجلان يقتربان.

من هؤلاء يا محيي؟ سأل خالي.

أجاب محيي، أظن أنه "ابن إخوات" المقرئ ومعه الشيخ مهدي صاحب الكتّاب.

ماذا يفعلان في هذه الساعة؟

كانا يشربان الحشيش في المولد أو البوظة، وهاهم يعودان، يتمايلان ويستند كل منهما على الآخر. ثم طرأت فكرة شيطانية على خاطر محيي الحلاق، تتناسب مع طبيعته الساخرة.

سأل خالي الذي كان لا يزال في الشرفة. هل تريد أن تضحك عليهما، وهم في هذه الحالة من السطل؟ فأجاب خالي بشغف، ياريت يا محيي.

بجوار البيت، توجد حارة صغيرة ملاصقة. دخل فيها محيي، وقام برفع جلبابه ووضعه فوق رأسه لكي يخفي ملامحه. وقام في نفس الوقت بخلع سرواله الداخلي. وانتظر حتى اقتربا وكانا على بعد عدة خطوات. وإذا به يقفذ من الحارة أمامهما، وينط في الهواء، ويخرج أصواتا تشبه الضراط.

بالطبع "ابن إخوات" والشيخ مهدي، لم يتوقعا شيئا مثل هذا. وبعد أن كانا يمشيان الهوينا، يستند كل منهما على الآخر، أطلقا سيقانهما للريح، وولا الأدبار بسرعة الصاروخ. وظلا يجريان إلى أن وصلا إلى قرب نهاية الشارع.

يبدو أن هواء الفجر البارد، الذي لفح وجهيهما، مع الجري وتنشيط الدورة الدموية، أعاد إليهما بعض الوعي. فأخذا يتساءلان، ما هذا الذي رأيناه؟ هل هو عفريت أم تهيؤات شرب البوظة مع الحشيش؟ وحيث أنهما يسكنان بالقرب من المنطقة، لم يكن أمامهما سوى المحاولة مرة ثانية.

بعد فترة قصيرة، عادا يمشيان بحذر هذه المرة، وعيونهما على المنطقة التي ظهر فيها العفريت. كانا ممسكان ببعضهما، أخذا بالأحوط. وما أن وصلا إلى نفس المكان السابق، إذا بالعفريت يظهر فجأة، وينط أمامهما في الهواء. نصفه السفلي عاري، يخرج أصواتا تشبه الضراط كالمرة السابقة.

هذه المرة، كان جريهما أسرع من المرة السابقة. لو دخلا سباق الماراثون، لفازا بدون مشقة. في لمح البصر ، كانا في نهاية الشارع، ثم اختفيا عن الأنظار.

خالي في الشرفة يراقب وهو يكاد يغمى عليه، أو قلبه يتوقف من شدة الضحك. ظل يقص علينا هذه الحكاية كلما رآنا، ولم يكن يمل تكرارها. هكذا كانت مصر في أوائل الأربعينات. شعب بسيط، لكنه وبدون شك، سعيد بحياته.

مررنا أنا ووالدي في نهاية الشارع على السني بائع الترمس. بلحية بيضاء، يلبس الجلباب الأبيض الناصع، والعمامة. ينده ندهة مميزة لا زالت ترن في أذني: "حلبة عال وترميييس". يزين عربته بقلل الفخار البيضاء بأغطيتها النحاسية اللامعة. نظيف الملبس، باين عليه ابن ناس، هيئته تختلف عن هيئة الباعة الجائلين.

بائع أخر يبيع الكتاكيت. يحملها في غربال فوق رأسه، وينده على الفلاحات وهو يعرض بضاعته قائلا: "ولا يربي الملاح إلا الصبايا الملاح". الكتكوت بقرش. وإذا اشتريت عشرة، يعطيك واحد أو اثنين فوق البيعة.

ثم نجد "ذكي بتاع الجاز". برميل كيروسين مركب على عجلتين من عجلات العربات الكارو، يجره حمار غاية في البؤس. ذكي بتاع الجاز، مدمن سبرتو. ليس أكثر حظا من حماره. يبيع الكيروسين للفلاحات، لزوم لمبات الجاز والإنارة، وبوابير البريموس والطبخ.

بعد ذلك، نعطف يسارا مع الطريق الترابي الضيق. نمر على دكان ترزي بلدي على الشمال. صاحبه اسمه محمود، أخرس. في وسط الدكان منضدة مربعة تملأ المساحة وترتفع عن الأرض مسافة قدم واحد. يفرد عليها الترزي القماش، ويقوم بتفصيله وهو جالس على وسادة قطنية.

بعد ذلك نمر بمحلات معظمها مغلق. هذا محل بقالة، وهذا لبيع القصب. لا أحد يسير في الشارع. الكل في الغيط يفلح. النساء يظهرن بين الفينة والأخرى لسكب ماء الغسيل أمام البيوت. لذلك نشم رائحة الصابون الممزوج بالأتربة طول الوقت.

ثم نمر على الكنيسة الوحيدة بالقرية. أصوات أجراسها هي أول الأصوات التي سمعتها وأنا طفل، ممزوجة بأذان الفجر، قبل أن أجيد المشي.

في نهاية الرحلة، نصل إلى بيت جدتي، التي سرت كثيرا لرؤيتنا. قابلتني بالأحضان والقبلات. حمد الله على سلامتكم، فرد والدي: الله يسلمك.