حين يدعم هيكل الديكتاتورية

ويشوه ميراث ناصر

، بقلم محمود عبد الرحيم

ربما أكون من الناصريين القلائل، الذين لا يقدسون محمد حسنين هيكل ولا يعتبرونه مرجعية ناصرية، أو يمنحونه لقب"الأستاذ"، ولم أسع للقائه يوما كما فعل كثيرون، متفاخرين بنيل هذا "الشرف العظيم" ومباركة "الكاهن الأعظم"، وإن التقينا صدفة، قبل سنوات، وصعدنا معا في اسانسير "اتحاد الصحفيين العرب"، في حفل تأبين الراحل تريم عمران رئيس المجلس الوطني الاتحادي الاماراتي، ومؤسس مؤسسة "دار الخليج" الصحفية، حيث رفضت أن أتنحى جانبا ليصعد قبلي، بحسب نصيحة من كانوا حضورا، ومبهورين بهيكل، والنظر إليه أنه أهم منهم، ويجب أن يتقدم الصفوف، ويتم كسر كل القواعد من أجله، وهذا الموقف البسيط العابر بيني وبينه، يحمل دلالة واضحة على موقفي من هذا الرجل، بالطبع، غير الشخصي، وأنما من مجمل مواقفه وتاريخه المستفز.

وكنت وما زلت أنظر إلي هيكل كرجل كل العصور، وليس رفيق الزعيم عبد الناصر الصدوق، أو رمزا من رموز ثورة يوليو المجيدة، فمن الثابت أنه امتدح الملك فاروق على صفحات مجلة "روز اليوسف"، وكان يتقرب لطبقة الباشوات، ثم التصق بقادة ثورة يوليو، وصعد صعوده الكبير معها، وحين رحل ناصر، وظهرت أزمة الحكم والخلافة، كان من الداعمين للسادات، ويُنسب له تاريخيا أنه كان مهندس "انقلاب مايو" الشهير الذي سماه السادات "ثورة التصحيح"، الذي كرس لضرب مكتسبات ثورة يوليو وتوجهاتها لاحقا، وتشويه عبد الناصر ونضالاته.

ثم أن هيكل سعي للتقرب من مبارك، ودخل ابنه في "علاقات بيزنس" عليها علامات استفهام، وكانت محل قضية جنائية مع أبناء الديكتاتور العجوز مبارك، وفتح قنوات اتصال قوية مع المجلس العسكري، وحدث اتصال بينه وبين الإخوان كذلك إبان وجودهم في الحكم، ثم بات الناصح الأمين، حاليا، للجنرال السيسي.

ولم يسمع عن هيكل يوما أنه طرح مشروعا وطنيا، أو قاد مبادرة نحو التغيير أو الديمقراطية، أو حمل لواء النضال، أو وقف في وجه السلطة، فيما عدا الصراع السلطوي مع السادات الذي سارع بإزاحته في الفصل الثاني من مرحلة حكمه، بعد استتباب الأمر له، وأخذ "شرعية حرب أكتوبر"، بعد أن خشي من نفوذ هيكل وأطماعه في السلطة، واستمرار فرض الوصاية عليه.

ومن المعروف أن هيكل حرص أن يأخذ مسافة كبيرة عن الجماهير، ويعيش "حياة باشوات" ما قبل ثورة يوليو، بذات نمط الحياة بما في ذلك تدخين "السيجار الكوبي" والعيش في القصور، حيث كان ولايزال مشروعه الوحيد الذي عمل عليه طوال حياته الممتدة، ليس مشروع الوطن ولا المواطن، وأنما مشروع هيكل نفسه، أي المجد الشخصي، والبقاء في دائرة الضوء والتأثير، حتى النهاية.

صحيح أن الرجل لا يمكن إنكار حدة ذكائه، ومعاصرته لأحداث تاريخية مهمة وقربه من دوائر صنع القرار، ومهاراته المتعددة، وقدرته على بناء شبكة علاقات داخلية وخارجية، مكنته من الاستمرار، حتى بعد أن أعلن "الاستئذان في الاعتزال"، ثم تراجع، ولم يطق الابتعاد عن مشروع عمره، لكن كل خبراته ومؤهلاته مكرسة لمشروع الشخص، لا الوطن.

وربما مبرر حديثي عن هيكل الآن، هو ذكرى رحيل الزعيم عبد الناصر، فضلا عن أنه أصبح جزءا رئيسا من المعادلة السياسية الراهنة، بلعب دور المستشار للجنرال السيسي، بشكل غير رسمي بالطبع، وتقديم نصائح تربك المشهد المرتبك أصلا، وتفسد من جديد أية بادرة لتحول ديمقراطي في مصر، وتعمل على التأصيل لديكتاتورية يتم إعادة إنتاجها، فضلا عن قلبه للحقائق، والربط الفاسد بين زعامة حقيقية، وزعامة مفتعلة صنعها على عينه.

بالإضافة إلى ان هيكل هو من يتوسط بين السيسي حاليا، وبين قيادات الاخوان لدفعهم للقبول بالأمر الواقع، وانجاز صفقة تضمن لهم عدم الخروج نهائيا من اللعبة السياسية.

ومنذ 30 يونيو وحتى الآن، تلمس أصابع هيكل في كل ما يحدث في مصر، وأعتبر أن اكبر جريمة ارتكبها هو محاولة تسويق السيسي على أنه ناصر جديد، ونصحه باستحضار اليسار، وبشكل خاص بعض الناصريين ممن يتصف بعضهم بالسذاجة والبعض الأخر بالانتهازية إلى صدارة المشهد، ليوفروا له غطاء شعبيا، ويساعدوه في معركة صراع السلطة مع الإخوان، بذات الطريقة التي فعلها السادات في السبعينات حين أراد مواجهة اليسار من شيوعيين وناصريين الذين كانوا يقفون له ولسياساته بالمرصاد، فكان إن استحضر الجماعات الإسلامية، وخاصة الإخوان وأعطاهم حرية حركة واسعة لتقويض المعارضين له.

فضلا عن النصح بحملة دعائية ضخمة تعزف بقوة على أوتار "النزعة الوطنية" و"المؤامرة الخارجية" بذات خطاب الخمسينات والستينات، رغم أن الفارق شاسع والمعطيات على الأرض مختلفة بين السيسي وعبد الناصر، وبين تلك الحقبة التاريخية الماضية وبين اللحظة الراهنة.

فحقبة ناصر كانت بالفعل تعج بالمؤامرات والتحديات الخارجية، وهذا مفهوم في سياق أن عبد الناصر كان قائدا ثوريا يقود معركة استقلال وطني حقيقية، ويقوض الاستعمار القديم"انجلترا وفرنسا" بدعمه حركات التحرر الوطني حول العالم، ويناطح الاستعمار الجديد الصاعد"أمريكا"، ويهدد مصالح أمراء الخليج، خاصة السعودية، بدعم الثورة اليمنية، ويحاصر الكيان الصهيوني ويهدد بقائه بمشروع الوحدة العربية الذي تجسد بصورة مبدئية في "وحدة مصر وسوريا".

والأهم من ذلك، شروع ناصر في بناء نهضة مستقلة على كافة المحاور، والسعي للاكتفاء الذاتي، والدخول في مرحلة الصناعات الثقيلة، بما في ذلك الصناعة الحربية، بالترافق مع توسعة رقعة الأرض الزراعية، مع قاعدة ثقافية وتعليمية قوية تنتصر لمفاهيم ثورية جديدة، وتأصل لمرحلة جديدة في تاريخ المصريين قوامها العلم والعمل، وليس التمايز الطبقي، أو الارتماء في أحضان المحتل، وسط شعار له مغزى " يد تبني ويد تحمل السلاح".

فأين السيسي من كل هذا، وهو فعليا، ووفق المعطيات الواقعية، وريث مبارك وطنطاوي، اللذان أتيا به وقاما بتصعيده، كما أنه يسير على نهج السادات صاحب هذه المدرسة المشئومة، وليس ناصر بأية صور من الصور، سواء من حيث الإيمان بما تمليه واشنطن على مصر، الذي تلقي تدريبه فيها واستفاد من برامج المساعدات العسكرية لمصر بشكل مباشر، والنظر إلي أمريكا وسياسات التبعية أنها قدر محتوم لا يجب تحديه، بما في ذلك توجه الرأسمالية المستغلة، والنأى بمصر عن الخروج خارج حدودها الجغرافية الضيقة، وليس حدودها السياسية المتسعة، الا حين تحتم المصالح الأمريكية ذلك، وليس أدل على ذلك من أن تدخلات أمريكا في الشأن المصري في أدق تفاصيلها مستمرة حتى اللحظة، ولم تتغير توجهات الحكم أو تتحول قيد أنملة، وأنه بينما تم استدعاء السفير المصري من تونس اعتراضا على مطالبة الرئيس التونسي بإطلاق سراح مرسي ورفاقه من السجن، لم يتم المثل مع الأمريكان أو حلفائهم الأوروبيين، الذين أصروا على لقاء قيادات الإخوان داخل السجون ومن بينهم مرسي، فكان لهم هذا، حتى في لقاءات ليلية، والتنسيق العسكري الأمريكي المصري، وتلقى المعونات الأمريكية ما زال قائما أيضا، والعلاقات مع الكيان الصهيوني والاتصال المشترك يوميا لم ينقطع، و"كامب ديفيد" التي ستظل عارا يطارد السادات في قبره، يتم التمسك بها والتعامل معها ك"بقرة مقدسة"، رغم أن تلك العلاقة تحديدا من التابوهات الناصرية، ولا جدال فيها، وقد تم عرض ما هو أكثر مما ناله السادات على ناصر ورفضه، وفضح مثل هذا الأمر في خطاب موثق في ارشيف التليفزيون، وفند الهدف الأبعد من التطبيع، وهو الخطر الداهم على الأمن القومي العربي برمته، وإخراج مصر من معادلة القوى في المنطقة، وليس فرض الكيان الصهيوني كأمر واقع والقبول به، وإنما جعله القائدة للإقليم.

ثم أنه كان لدى عبد الناصر شعبية حقيقية، وليست مصطنعة تحت تأثير آلة الدعاية الضخمة التي تقودها أجهزة الأمن والاستخبارات، وخلق فزاعات، واستثارة غريزة الخوف، التي تستدعي أن يهرول الناس بشكل تلقائي إلى من بيده القوة، ظنا أنه يمثل لهم الحماية، حتى لو لم يكن هذا الشخص أو الجهة أمينة عليهم، ولا على مصالحهم، وتعمل على استغلالهم.

وخطورة هيكل هذه الأيام تحديدا هو في حرف أنظار الجماهير وطليعتها التي تبحث عن حكم مدني ديمقراطي، بينما مازال يروج لشرعية القوة والأمر الواقع، و آليات لسيطرة السيسي على حكم مصر، وخلاصة قول هيكل للميس الحديدي في لقائه معها مؤخرا أن مصر لا يصلح لحكمها حاكم مدني، خاصة هذه الفترة، وإنه نظرا لمعارضة المجتمع الدولي و قوى عديدة في المجتمع لحكم عسكري الذي يرى فيه نوعا من الإقصاء للعسكريين الذين من بينهم كفاءات وتحتاجهم الشعوب في كل العالم كما في أمريكا وفرنسا في حقب تاريخية سابقة، فانه يمكن أن يتم الاتفاق على صيغة أخرى ادعى انه لا يعرفها حاليا، لكنه لمح لمجلس رئاسي، ومشاركة في السلطة وتوزيع المهام بين رئيس الجمهورية ووزير الدفاع أو حسب قوله"صاحب شرعية القوة".

وقول هيكل ربما يكون النصيحة التي قالها أو سيقولها للسيسي وهي أن يستمر في الحكم من وراء الستار بشرعية القوة، ويتم خداع الشعب مرة أخرى بشرعية الصندوق الوهمية وحاكم خيال مآتة.

الملفت انه امسك العصا من المنتصف، حيث المح لتأييد حاكم عسكري، ولم يقولها بخبثه المعتاد بشكل صريح، لترك مساحة للمفاجآت وتغيير موازين القوى على الأرض، وإن صرح بوضوح بضغوط تمارس على السيسي ليترشح للرئاسة القادمة.

ولعل مشهد زيارة السيسي لقبر عبد الناصر في حضور هيكل ونجل الزعيم الراحل عبد الحكيم الذي يؤيد حكم قائد الجيش لمصر لا يخلو من دلالة، ويستكمل المشهد العبثي والدعاية المفضوحة التي رصدناها آنفا غير أنه يجب التأكيد على أن عبد الناصر أكبر من زيارة قبر والتقاط صور تذكارية، وفوق أحزاب بلا جماهير وقيادات انتهازية تتاجر بأسمه، ولو كان حيا لبصق عليهم وتبرأ منهم جميعا.

فعبد الناصر الذي اعرفه وانتمي إليه ثورة وطنية عروبية تحررية، وتجربة حكم منحازة لمصالح الوطن والمواطن، ومبادئ وقيم نضالية وانجازات على الأرض، وليس طقوسا فارغة المضمون، أو مادة للمزايدة والاستغلال لأجندات ومصالح.

ولذا ناصر سيظل خالدا، بشكل مادي ومعنوي، وليس كأسطورة أو وسيلة دعاية، كما يروج الكهنة الفاسدون والانتهازيون، ولن يكون من ضربوا بمبادئه عرض الحائط، وأهدروا ميراثه، وشوهوا تاريخه خلفاء له بأي حال.