قراءة لكتاب

مفاكهة ذوي النبل الأجادة

، بقلم أحمد بابانا العلوي

-1-

صدر عن دار أبي رقراق بالرباط) 2013 كتاب: «مفاكهة ذوي النبل والإجادة» حضرة مدير جريدة السعادة تأليف الشيخ «عبد الحي الكتاني» ت- 1382 هـ/ 1962دراسة وتحقيق الأستاذ «محمد العلمي والي».

كتاب: مفاكهة ذوي النبل والأجادة .. يضم نصا كتبه الشيخ عبد الحي الكتاني سنة 1908، ردا على مقال وديع كرم مدير جريدة السعادة ينتقد فيه الطاعنين والداعين لعزل السلطان المولى عبد العزيز) 1894-1908(يقول الفقيه المنوني عن الشيخ عبد الحي)العلامة المحدث، الناقد، الواسع الاطلاع والرواية..

كان الشيخ عبد الحي الكتاني عالما بالأصول، والتفسير، والحديث والتصوف والتاريخ، واللغة، والبيان، وتربو مؤلفاته على المائتين، في مختلف العلوم...

ولد الشيخ عبد الحي بمدينة فاس سنة)1302 هـ (1883)وقد ظهر نبوغه مبكرا: صدر ظهير ملكي بتعيين الشيخ مع كبار علماء الطبقة الأولى الذين يقرؤون الحديث بالضريح الإدريسي صبيحة كل يوم، وهو ابن الثامنة عشر من عمره، وترقى إلى الرتبة الأولى من علماء القرويين عام) 1325 هـ- 1907(وهو لم يتجاوز 23 عاما من عمره.
صار شيخا للزاوية بعد وفاة والده وأخيه سنة 1333 هـ.

من مؤلفاته: البيان المعرب، عن معاني بعض ما ورد في أهل اليمن والمغرب)جمع فيه أحاديث نبوية وصحابية، قيلت في أهل المغرب واليمن...(إبتداء التدوين في الإسلام)وفيه تناول تاريخ تدوين الحديث الشريف (صدر بالرباط) 1346- 1920(وله أيضا كتاب تاريخ المكتبات الإسلامية وكتاب ماضي جامع القرويين، ومستقبلها وكتاب المظاهر السامية وفهرس الفهارس...

وبعد مغادرته الاعتقال ألف كتابا بعنوان: ما علق بالبال من أيام الاعتقال...

كانت مكتبته، في فاس، من نوادر الخزائن، في العصور المتأخرة جمعا ونفاسة...

يقول عنه العلامة المختار السوسي في مشيخه الإلغيين «ص 183:»

" الشيخ أبو الإسعاد، نادرة العصر، وهو أشهر من نار على علم، فريد في المغرب- بل في شمال إفريقيا، بل في العالم، في علم الأسانيد، والبصير بكتب الفن الموجودة فيها، والنادر، والمفقود، ومعرفة، مظان، مراجعة المسائل، حتى قال صاحبه التطواني، إنه وحده اليوم، فيما، نعرف من يستطيع، أن يستخرج النصوص لما يريده، من مختلف الفنون...

ويضيف، ومن الغريب، أن الكثيرين، لا يقرون، له بكونه عظيما، في معلوماته، وما ذلك إلا لقصور أنظارهم...".

ساهم، في خلع، وتنصيب إثنين، من سلاطين المغرب درس في الأزهر ودرس في الحرمين الحديث، رحل إلى الشام ودرس في الأقصى، والجامع الأأموي وعين عضوا بالمجمع العلمي بدمشق. سافر إلى أوربا التقى شكيب أرسلان وزار روما ودرس في السربون...

أجاز وأجيز، وحصل على نفائس الكتب الشيء الكثير..

حافظ على علاقات ودية مع سلطات الحماية الفرنسية..

بعد الاستقلال صدر قرار بمصادرة أملاكه، ومنها مكتبة العامرة، فغادر إلى فرنسا حيث استقر بمدينة نيس حتى وفاته سنة 1962.

-2-

إن الكتابة، عن هذه الشخصية الكبيرة في علمها، وآثارها، وصلاتها ومواقفها، وأطوارها، يستوجب، دراسة موثقة، بعيدا عن المؤثرات، والمبالغات، والأحكام المسبقة، فشخصية الشيخ عبد الحي الكتاني شخصية مركبة لها عدة أبعاد لا يمكن الإحاطة بالعناصر المكونة للشخصية من دون الغوص في أحوال العصر الذي نشأت فيه وذلك من أجل فهم القضايا الشائكة التي أحاطت بالدولة والمجتمع..

وقد وفق الباحث محمد العلمي، بتقديم رسالة المفاكهة- دراسة وتحقيق- واضعا النص، في سياقه التاريخي، بإعتباره مصدرا يحيل إلى مرحلة حاسمة ومضطربة من تاريخ المغرب، المعاصر...

وقبل الشروع في عرض بعض جوانب ومضامين هذا العمل العلمي الرصين، وما حفل به من فوائد جمة وإحالات موثقة تسهم في إضاءة بعض الحقائق التاريخية لمرحلة ما زال يلفها غموض كثيف، وحساسيات شديدة، تعوق البحث عن التحقيق التاريخي...

وهنا يجب التأكيد، من منطلق أن التطور المعرفي أدى إلى تطور منهجي، بأن التاريخ ما هو إلى محاولة لفهم الماضي ودراسته الدراسة العلمية، وتفسيره، وشرح أسبابه في ضوء القوى الكبرى، الفاعلة والتطورات الطويلة المدى... فالتاريخ السياسي يتناول مسائل القوة، والمقاومة، والسلطة الشرعية والنظام والطاعة. كما أن الأسئلة التي تطرح عن الطرق التي تتطور بها النظم السياسية وتكتسب بها الشرعية. وشخصية، قادتها، وأفعالهم، وظروف انهيارها وعواقبها ربما تبقى أسئلة مشوقة

فلابد إذن من البحث عن المصادر التي تكشف عن الطرق المتعددة التي تتسم بها ممارسة السلطة، والسيطرة، واكتسابها الشرعية

ومن هذا المنطلق يجب أن نقر أن مصير المغرب كان يشبه في أبعاده الكبرى مصير الدول الإسلامية، الأخرى شرق البحر المتوسط..، فالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية أثرت أيضا في المغرب،)ما قبل 1912( وكان المغرب مجبرا على السعي في طلب القروض من البنوك الأوربية بفوائد مجحفة لتمويل مشاريع الإصلاح الكبرى

وكان ايضا مجبرا لقبول مراقبة البنوك لماليته، ومن نتائج ذلك أن الخيارات المتاحة أمام المسؤولين المغاربة كانت تضيق..

لقد تمكن المغرب من المحافظة على نظامه القديم حتى نهاية القرن التاسع عشر، وابتداء من 1900 بدأ التهديد الأوروبي يفرض نفسه على المغرب بقوة شديدة، تمثلت في دخول الهجوم الكولونياك الفرنسي موضع التنفيذ...

إن تقاطع عمليات التغيير هو الذي أدى إلى إنهيار المغرب القديم، وميلاد مغرب جديد و بفعل تصادم هذه التغيرات برز في المحصلة، ردود الفعل السياسية:)الإصلاحات، المقاومة، الانتفاضة الشعبية، خلع السلطان، وأخيرا عدم رضا معظم النخبة المغربية( . )4

وبموازاة مع الهجمة الاستعمارية ظهرت الحركة الإصلاحية تنادي بضرورة الإصلاح السياسي للخروج بالدولة من النظام الأتوقراطي وإصلاح شؤونها.. (5)

وبما أن حركة الإصلاح قادها صفوة ممتازة من العلماء والفقهاء، وقادة الرأي، الأمر الذي يطرح إشكالية السلطة المعرفية أو حضور"السياسي" في" المعرفي"، وما تعكسه من إرتباط عميق بين " العلم" ومشكلة السلطة، وهذه الإشكالية اثبتت حضورها في تاريخ الإسلام، ولاسيما في الفترات الحرجة المتسمة ب" الفتنة" وانحلال السلطة.. (6)

إن مشكلة العلاقة بين رجل السياسة ورجل العلم، اتخذت دوما صيغة التوتر، والمواجهة، بين منطق الواقع أو الممكن، ومنطق الواجب، والتطلع إلى تغيير الواقع، والقيام بإصلاح يسير بالأمة إلى نظام يحقق أهدافها...

وقد ظل الهم السياسي الأكبر هو مشكل السلطة، والشرعية، تناولته الكتابات الفقهية، والكلامية، والفلسفية، مما يعني، أن رجل العلم لم ينسحب من الساحة، كما كان يود رجل السياسة(7).

ومن تجليات هذا الصراع أن مفكري الإصلاح المحدثين، قد أرجعوا تخلف بلدانهم إلى طبيعة المؤسسة السياسية، ويرون أن الحل يكمن في تحويل السلطة المطلقة إلى سلطة، مقيدة بالشريعة أوالقانون.
ويتفقون جميعا على أن جوهر المشكل هو سياسي بالأساس..

هذه بعض الأفكار أو الاستنتاجات أوحت بها قراءتي لرسالة المفاكهة أردت أن تكون توظئة لعرض الكتاب. والغوص بين صفحاته، بحثا عن جوهر، الحقائق، والمعاني من أجل الوصول إلى ربط الماضي التاريخي، بالحاضر، لكي نتمكن، من استشراف المستقبل.
وإجمالا، فإن الوقائع التاريخية، ورجالات التاريخ، وصناعه يجب أن توضع في بوتقة واحدة، وتعرض على مجهر الفحص، والتدقيق، والتفكير، والتدبر..

وصدق العلامة إبن خلدون حيث يقول بهذا الصدد:" إن فن التاريخ جم الفوائد، شريف الغاية، يوقفنا على أحوال الأمم، وأخلاقها، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الأقتداء...

ويضيف بأن التاريخ نظر، وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع، وأسبابها، عميق، فهو لذلك أصيل، في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق(8).

-3-

يقدم الباحث محمد العلمي لرسالة المفاكهة بمدخل تاريخي تمهيدي، تطرق فيه لملابسات عهد السلطانين: المولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ، بغية فهم، القضايا الشائكة التي أحاطت بالدولة المغربية خاصة في مؤتمر الجزيرة الذي تقرر فيه مصير المغرب، ومهد لفرض الحماية عليه...

ويرى الباحث أن هذه الحقبة لم تدرس بالعناية الكافية، ويستشهد بالفقيه المنوني الذي يرى بأنها فترة مضطربة، يكتنفها غموض وبلبلة وتهديد أجنبي.)ص 7( .
ويشير إلى أن رسالة المفاكهة صدرت سنة 1908)طبعة حجرية( بمدينة فاس.
ويرى بأنه لا يمكن فهم الرسالة الأضمن سياقها التاريخي الذي نشأ فيه مؤلف الرسالة، بدءا من الزاوية الكتابية التي تربى وترعرع فيها...
يرى الباحث أن الشيخ عبد الحي تأثر بنكبة أسرته ووفاة شقيقه الشيخ محمد تحت التعذيب، وخلفت لديه، عقدة نفسية، أصبح أسيرا لها مدى حياته)ص 10.

ويشير الباحث إلى أن توجه الزاوية الاصلاحي، بدأ مع تولي الشيخ محمد الكتاني رئاسة الزاوية)1885 م( حيث أحدث الشيخ، تجديدا في دعوة الزاوية وتوجهها إلى الإصلاح الديني والسياسي، ونقل الزاوية مذهبيا من المحمدية إلى الأحمدية، ودواعي التجديد، إنتشار البدع، وفساد أدب العامة، وسوء تصرف الحكام وفي مقدمتهم قواد، القبائل، في كل أنحاء المغرب، وكذلك سعى الأجنبي، للسيطرة واستعمار المغرب.

ويقول الشيخ عبد الحي في كتابه)المظاهر السامية (بأن اتصال فريق الزاوية الكتانية في عصرها الأحمدي بملوك المغرب، أكثر مما كان من قبل ... )ص 19.

ساهم الشيخ عبد الحي بدور كبير في تطوير الزاوية مؤازرا لأخيه، ومع تزايد نشاط الزاوية وانتشار دعوتها الإصلاحية، في المدن والبوادي، الأمر الذي أزعج المخزن)السلطة الحاكمة( وتم استدعاء الشيخ محمد لمناظرة في مراكش سنة 1314 هـ بغرض احتواء طريقته بأسلوب مهذب...)ص 23.

بويع السلطان عبد الحفيظ بمراكش سنة 1907 من طرف علماء الجنوب، وبعث برسائل إلى الشيخ محمد الكتاني وإلى الشيخ أبي شعيب الدكالي، طالبا منهم مؤازرته... ويرى الباحث أن المولى عبد الحفيظ كان في حاجة ماسة إلى مساندة الزاوية الكتانية وأتباعها، وذكر الدور الذي قام به الشيخان محمد وعبد الحي في دعوة علماء فاس وأعيانها، والقبائل البربرية للموافقة على البيعة الحفيظية... )ص 47.

وتطرق إلى الحركة الإصلاحية الدستورية، ويرى أن الزاوية الكتانية كانت في مقدمة الداعين إلى الإصلاح والجهاد، ويذكر من بين رجالات الإصلاح عبد الله بن سعيد)ت -1923( أحد مريدي الزاوية الكتانية قدم مشروعا من 19 بندا منها إصلاح العدل، والأمن، والتعليم، وتطبيق نظام الزكاة...)ص 53(بعده ظهر مشروع على زنيبر)ت-1914( وجاء مشروعه بعنوان)حفظ الاستقلال ولفظ الاحتلال .

وتحدث عن جمعية الاتحاد والترقي وأكد أن الشيخين محمد الكتاني وخير الدين التونسي هما اللذان أسسا الجمعية، وذلك بتوصية، من الاتحاد والترقي العثمانية...
ويذكر علال الفاسي أن الفكرة الدستورية التحررية وصلت إلى المغرب بشتى الوسائل، وأن عبد الكريم مراد، ساعد أعضاء جمعية الاتحاد والترقي)المغربية( من نخبة علماء القرويين بفاس، ويشير الباحث إلى أن عبد الكريم مراد، استوطن فاس سنة)1317 هـ/ 1899 م(وكانت له علاقة وطيدة بالكتانيين...)ص 59.

أما الفقيه المنوني فيؤكد، أن الشيخين محمد وعبد الحي ساهما في وضع دستور 1908...
ويقول الباحث نقلا عن المؤرخ محمد داود أن بيعة فاس للسلطان عبد الحفيظ)1908(تعتبر أهم البيعات التي وقعت بالمغرب.. وأن الشيخ محمد الكتاني هو من أعدها وجعلها مشروطة..)ص 62(كما يرى الباحث بأن إصرار الشيخ محمد على تضمين البيعة شروطا أدى إلى تعميق الخلاف مع السلطان الجديد..

وقد أرسل عقد البيعة وتم توزيعه على السفارات وإخبارهم أن أهل الحل والعقد قد نصبوا السلطان عبد الحفيظ على سدة الحكم بالمغرب)ص 67.

رسالة المفاكهة جاءت ردا على مقال كتبه رئيس تحرير جريدة السعادة في عدد يوم الخميس)11/12/1908( ينتقد فيه دعاة بيعة المولى عبد الحفيظ... داعيا إلى مناصرة المولى عبد العزيز)ص 70( وقد رد الشيخ عبد الحي على المقال برسالة المفاكهة...
ويرى الباحث، بأن تصفية الشيخ محمد) 1909(كانت الغابة منه إطفاء شعلة الإصلاح، والتجديد الدستورية...)ص 80(وفيما يتعلق بنكبة الكتانيين، يورد شهادة مهمة رواها الرواندة عن الشاعر القباج)ت-1945(وخلاصته أن السفير الفرنسي)أوجين رونو وترجمانه بنغبريط) ت 1954 (استقبل الشيخ الكتاني وأخبره أن السلطان ينوي قتله الأمر الذي دفع الشيخ إلى الخروج هو وأسرته، وأتباعه إلى قبائل بني مطير...، كما ابلغ السفير الفرنسي السلطان بأن الشيخ ينوي الخروج عليه...)ص 81-82.

هذه الرواية تطرح العديد من الأسئلة، حول الأسباب الحقيقية للخلاف الحاد بين الشيخ محمد والسلطان عبد الحفيظ، مباشرة بعد إعلان بيعة علماء فاس...

وهنا لابد أن نقف عند أمرين كان الخلاف حولهما شديدا بين السلطة المخزنية التي تضع في اعتبارها ضرورة الحفاظ على الدولة، وبين النخبة الإصلاحية، التي تريد المحافظة على الاستقلال التام، وإصلاح نظام الحكم...

هنا يكمن الخلاف بالإضافة إلى أن العامل الخارجي يعد من أخطر العوامل، وأكثرها حسما، في تطور الأوضاع...

إن علاقة الشيخ محمد الكتاني بالسلطان عبد الحفيظ، لا زالت محل أحكام مسبقة بعيدة عن التحقيق التاريخي..

الشيخ محمد الكتاني) ت-1909(من أبرز علماء المغرب، بحر من المعارف، جمع بين العلوم النقلية، والحقائق الصوفية... وتميز بالخوض، في أمور السياسة، وبالدعوة إلى مقاومة الأطماع الإستعمارية الهادفة للهيمنة على المغرب...

حر الفكر والضمير، يجاهر بأفكاره، ومبادئه في مؤلفاته ودروسه... وكان جسورا لا يهاب شيئا، في اعتقاده..

كان يريد من السلطان أن يقاوم المد الاستعماري الفرنسي، أما السلطان فكان يريد المحافظة على الدولة بالسوائل الممكنة، وهنا يكمن التناقض، بين النظرتين: الدعوة إلى الجهاد المعارضة للسياسة الواقعية الرسمية، التي تتبنى العلاقات السياسية والدبلوماسية مع الدول الأوروبية للوصول إلى بعض الحلول الممكنة التي تحقق مصالح مشتركة...

لقد تفاقمت العلاقة بين الشيخ والسلطان وزاد التوتر إلى أن انتهى إلى مأساة أليمة، تدل على مظاهر الحكم المطلق الذي يقتل الطاقات الخلاقة...(9)

-4-

بعد المدخل التاريخي القيم الذي أراد الباحث من ورائه أن يقدم أضاءات، للظروف والخلفيات التاريخية التي أحاطت بكتابة نص المفاكهة...

تطرق الباحث إلى طريقته، ومقاربته في تحقيق النص، وقد اعتمد على نسختين من المطبوع على الحجر سنة 1908، وكذلك على مسودة مخطوطة بقلم الشيخ عبد الحي تتميز عن النسختين المطبوعتين على الحجر...

قام المحقق بتخريج الآيات القرآنية، والأحاديث، والأقوال المأثورة، ووضع هوامش وشروح وتدقيقات، تساعد القارئ على فهم السياقات التاريخية. )ص 95.

كتب الأستاذ جامع بيضا تصديرا لرسالة المفاكهة، أشاد فيه، بالسيد محمد العلمي والي وما بذله من جهد، لينفض الغبار عن مصدر هام، يتضمن فوائد جمة، عن حقبة حرجة من تاريخ المغرب المعاصر)ص 106( .
يستهل الشيخ عبد الحي رسالته، بالتأكيد أن نظام السلطان عبد العزيز أصيب باختلال، نتيجة تصرفه الغير المرضي، وتبذيره الأموال..
وخلص إلى أن الكافة والخاصة من علماء وأعيان ووجهاء، وأئمة، قاموا بنقض البيعة التي كانت معقودة للسلطان عبد العزيز...)ص 111( .
وأن العلماء رأوا بموجب الفراسة الصادقة، والإلهامات الخارقة، أن لا كفؤ بهذه المرتبة السنية، والمكانة السامية، إلا مولانا عالم السلاطين وسلطان العلماء أبو المعالي السلطان عبد الحفيظ الغازي...) ص 112 .

ثم يشير إلى أنه يرد على ما نشر، في جريدة السعادة، من سفسطات، باديات، يشتم فيها أهل فاس، لأنهم جحدوا النعمة بخلعهم المولى عبد العزيز، ونعتهم بأنهم ثوار طابت لهم الحياة، بالفوضى، وتعودوا الإرتزاق، وأنهم، من المارقين الثوار الذين يجب محاربتهم. )ص 114( .
ويقول بأنه في مقاصد كلامه، وأمهات خطابه يروم الاختصار متنكبا، التطويل قاصدا تبيان الحق في مسألة الإمامة.

وعرض شروط الأمامة كما اجمع عليها جمهور العلماء وهي كالتالي:

أن يكون مجتهدا في الأحكام.

أن يكون بصيرا بشؤون الحرب وتدبير الجيوش.

أن يكون عدلا

أن يكون بالغا.

أن يكون ذكرا وحرا.

أن يكون نافذ الحكم مطاعا قادرا على من خرج عليه.

كما ذكر الشروط المختلف عليها بين العلماء، وهي:

" القرشية، والهاشمية، وان يكون عالما بجميع مسائل الدين، وأن يكون أفضل الموجودين، وأن يكون صاحب خوارق عالم بجميع اللغات أو يكون صاحب عصمة..." )ص 116.
بعد تحديد شروط البيعة، شرع في تحليل عميق لمسألة الأمامة العظمى يقول بالنسبة للشرط الأول، وهو الاجتهاد، فنحن لا نشترطه، ولكن بدلا عنه، مطلع العلم، إذ به صلاح الأحوال، وقيام الأمور، وسير الزمان )وأكثر الناس حاجة إلى الفقة أكثرهم عيالا، وأتباعا: أي السلطان(فالخلق مفتقر إليه في الأحكام، وقطع التشاجر وفصل الخصام، ومن ثم فإن السلطان الناس يحتاج إلى العلم )وشخص بلا علم كبلد، بلا أهل(وقد نصب نفسه إلى ممارسة أخلاق الناس وفصل خصوماتهم وتعاطي حكومتهم، وكل ذلك يحتاج إلى عالم بارع ونظر ثاقب، ثم يقول بأن السلطان عبد العزيز فارغ الجراب من ضروريات العلم...)ص 118( وأما أخوه عبد الحفيظ فهو عالم السلاطين وسلطان العلماء ولقد جالسته في مراكش سنة 1321 هـ فوجدته ممن تشد إليه الركبان ويعقد على فضله التدين، بحر علم وفضل..)ص 119.

ويمضي الشيخ عبد الحي في شرح، شروط الإمامة على ضوء ما تناوله فقهاء السياسة الشرعية، نافيا أن يكون السلطان عبد العزيز جامعا أو مستوفيا لتلك الشروط سواء تعلق الأمر بأمور الحرب وقيادة الجيش والدفاع عن الثغور... أو العدل والشدة في تطبيق الأحكام وضرورة الرجوع إلى العلماء...

وشدد على أن السلطان إنما ينصب، لأجل تطبيقه الحدود الشرعية... وتحقيق العدل الذي به تكون العمارة، ويدوم الملك...)ص 122.

وتحدث عن السياسة المالية للسلطان عبد العزيز ووصفها بأنها تمدن أخرق وتفضل أحمق...)ص128.

وذهب الشيخ عبد الحي في رده إلى أن السلطان عبد العزيز، كان يظن أن الملك وقف عليه، وله أن يستبد في الحكم.
وتناول الشيخ في رسالته مجموع النقط التي أثارها مدير جريدة السعادة وديع كرم، وانتقل بعد أن بسط ملاحظاته التي تحدد الأسباب الشرعية الموجبة لخلع السلطان عبد العزيز واستند إلى نصوص أئمة الإسلام وعلماء الحديث، والكلام الشاهدة بذلك، ونقل العديد من الفتاوى التي تسند حجته في هذا الباب، من ضمنها فتوى أبو عبد الله الصادق الدكالي التي تجيز نصب إمام آخر إذا انتفت شروط الإمامة، بتعذر قيام الإمام بمهامه أو إذا لم يعد قادرا على القيام بها، فيجب على الأمة نصب غيره، كما كان لهم نصبه وإقامته...)ص 151.

ويشير أيضا إلى فتوى شيخ الفقهاء عبد السلام الازمي والتي ورد فيها أن بيعة الأئمة تنحل بفقد المقصود من الإمامة ) ص 152.

ويشير إلى أن علماء الأندلس، أفتوا بخلع المعتمد بن عباد حيث أعطي بعض المعاقل للكفار، بل أفتى جمهورهم بقتله، ألا أن ابن تاشفين آخذ بفتوى، الأقل، بصون دمه، فخلعه، ونقله إلى أغمات... )ص 164.

وبالجملة فإن نصوص الشرع، وقواعد الدين تذود الظلم وتقر، العدل وضمن هذا السياق، فإن الشيخ عبد الحي قام بعرض ضاف، مرتكز على حجج دامغة، تستند إلى فتاوي كبار العلماء في عصور مختلفة، سواء تعلق الأمر بالاستعانة بغير المسلمين، على المسلمين أو بتبديل قاعدة من قواعد الدين أو خذلان المجاهدين الذين قاموا للذب عن بلادهم ونصرة دينهم... ويختم رسالته بقوله" ما عيننا، بكتابته، في هذه الورقات ألا فكاهة يتفكه بها، صغارنا، ومسرحة فكر يتسلى بها أوساطنا وإلا فالاشتغال عن ذلك كله أفيد, وأحسن حالا والاعتناء بالجليل من الأعمال المهمة، أفضل، دوما واستقبالا..)ص 171.

ثم يضيف هذه العبارة التي تحتاج إلى تأمل: والظن أن لا نعدم أحرار الأفكار الذين يأخذون لنا الحق ممن لا ينصفنا...)ص 172.

-5-

إن الخلاصة التي يتوقف عندها قارئ هذا البحث القيم الذي أنجزه الباحث محمد العلمي بإصداره لطبعة جديدة من رسالة المفاكهة بعد قرن ونيف على صدور الطبعة الحجرية الأولى سنة 1908، وكذلك على مضي خمسين سنة على وفاة المؤلف الشيخ عبد الحي الكتاني سنة 1962 يمكن إجمالها في أن الباحث أراد، أن يلفت النظر إلى حقيقة تاريخية مغيبة، تتعلق بمساهمة الشيخ عبد الحي، مع شقيقه الشيخ محمد في الدعوة إلى حركة الإصلاح السياسي ومقاومة التوسع الاستعماري خلال الفترة الممتدة من)1900-1912...
ومن ثم يجب إنصاف هذا العالم الكبير باعتباره رائدا من رواد الإصلاح والجهاد...

كان الشيخ عبد الحي كما وصفه الأستاذ محمود محمد شاكر بحر من العلم ازدحمت فيه أسباب الحركة العلمية:

أنت في مجلس الحافظ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفقيه الذي قلب آيات الفقه الإسلامي، بالبصر، والبصيرة، والمؤرخ، الذي تفتق له السور عن تاريخ العرب والأمة الإسلامية...

ركبت الأحداث في نفسه آلة إحساس دقيقة، تحس بالبعيد إحساسها بالقريب...
وهو أحد المتصوفة الذين عرفوا حقيقة التصوف وأحد الذين يزنون العلم الحديث، وما نشأ عنه من أصول الاجتماع، بميزان يفرق بين الخير والشر، والحق والباطل، إنه الرجل العالم المتيم بالكتب...(10)

لقد ركب الشيخ عبد الحي صهوة السياسة، وخاض في غمارها ودخل منعرجات دهاليزها، فناله من جرائها وبال وضرر كبير...

وإذا كان الرجل ابن عصره، فليس من الإنصاف والعدل أن نحمله وزر عصره الذي كان عصر تحولات ومد استعماري جارفا، ومتغيرات متسارعة لم تستطع النخب، والمؤسسات التقليدية مواجهتها أو الوقوف أمام سطوتها، وجبروتها...

ولاشك بأن الرجل أصاب، وأخطأ في حدود العوامل وموازين القوى التي كانت تحكم العصر وأهله.
وخير دليل على ذلك ما أورده المختار السوسي في كتابه مائدة الغداء قال بأنه كان يحاور أحد أقطاب ذلك العصر فطرح عليه السؤال التالي:

من هو المسؤول عن انهيار المغرب؟ أهو السلطان الذي كان لا يخفى عليه شيء آم الأمة التي أبت، أن تفيق، والعالم كله مستفيق..؟

فكان جوابه أن السلطان، ينفع حقا لو تنبه للإصلاح المنشود، كما ينبغي، ولكن نفعه لا يكون إلا بمقدار، كما أنه إن مشى في ذلك خطوة، سيلقي، عراقيل، كثيرة، من كل جهة، ثم قال إن جمود ذلك العهد، وجهله، السائد بالعالم المتمدن، وما وقع فيه، لا يمكن أن يدركه كما هو من نشأوا بعد ذلك في المغرب، ولذلك لا يقدر أن يعذر أصحاب، ذلك العهد إلا من عاش فيه...)ص 31.

وصفوة القول أن تقدير الرجال لا يتم بميزان الخطأ والصواب، ولكن بما أنجزوا وتركوا من آثار تدل على علو الهمة والقدرة على إرتياد الآفاق الرحبة للعلم والمعرفة، التي تبوأ صاحبها مقام خلافة الأنبياء.

ولا ريب أن الشيخ عبد الحي الكتاني، كان منارة علم باهرة وعلما من علماء الإسلام ونابغة من نبغاء المغرب الأقصى...

الهوامش

ما التاريخ؟ تحرير دفيد كانان ترجمة قاسم عبده قاسم المجلس الأعلى للثقافة- عدد 1092/ ط-1/ 2006/ ص85.

المصدر السابق 87.

اد موتدبورك الاحتجاج والمقاومة في المغرب، ما قبل الاستعمار )1860-1912( ترجمة محمد أعفيف منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سلسلة نصوص ,أعمال مترجمة عدد 17 دار أبي رقراق ط-1- 2013/ ص6.

المصدر السابق، ص17.

علال الفاسي/ الحركات الاستقلالية في المغرب العربي ط-16/2003/ص-116.
عبد المجيد الصغير / الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة دار المنتخب العربي ط 1/1994 ص 12.

نفس المصدر ص 13.

الدكتور محمد عابد الجابري فكر ابن خلدون العصبية والدولة مركز دراسة الوحدة العربية ط 8-2007 ص 91.

د/ علال الخديمي: الحركة الحفيظية: المغرب قبل فرض الحماية الفرنسية)1894-1912(انظر ص 353 إلى 361.

محمود محمد شاكر/ جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر، ج 1 ص 630.

من نفس المؤلف