من يسوق الحمير

، بقلم نازك ضمرة

ابنك الذي أكمل السابعة عشرة يقول، كنت مرتاحاً في عمان أكثر، ولم يكن مضى على وصوله إلى أمريكا مهاجراً أكثر من ثلاثة شهور، لا تلومه في شكواه، كان يحسّ بالاطمئنان في عمان وبلا قلق يومي حقيقي، لم يكن مطلوباً منه أن يعمل أوأن يتعلم لغة جديدة ولا عادات غريبة، يهزّ والده رأسه متفهماً مشاعره، يزفر نفساً أطول قليلاً من المعتاد، وتلوح له يمامة تحط على شجرة الصنوبر أمام بيتهم، يتذكر انها تطلب طعاماً، يحاول أن يهدئه أولاً، حتى لا يفشل في مشروعه ومخططه لبناء مستقبله، الفتى به ذكاء فطري وقدرة على التعلم، لكنه لايطيق الحشر والحصر في المدارس، ولا في أي مكان في العالم، استطاع والده أن يسايره ويشاغله عن ترك المدرسة في عمان حتى أنهى الصف الحادي عشر، بعدها أعلن التمرد على الدراسة والمدارس، حزن والده كثيراً على هذا الحرن عن متابعة دراسته، ينادي الوالد على الطفل الصغير، ويطلب منه أن يحضر قليلاً من الحبوب او الرز المطبوخ الزائد، لنثرة لجارتنا اليمامة، والتي اختارت شجرة الصنوبر الصخمة العالية امام البيت لتعشش عليها، وتسمعنا هديلها كل يوم، ثم قال لابنه عدو المدارس

ألم تكن تحن للهجرة إلى أمريكا؟ ألم تهمل الدراسة لأنك علمت بأنهم وافقوا على هجرتك لأمريكا؟ ألم تقل لي أنك تريد اللحاق بأصدقاء لك وأقارب سافروا لها ومدحوا الوضع لك، داومت بعدها على الإصرار على أن الوضع في أمريكا أفضل بكثير مما في عمان؟

كل ما ذكرت صحيح يا والدي، لا تنس أنني كنت أحصل على مصروفي منك في عمان، في عمان كنت أتباهى أمام أصدقائي بأنني أقود سيارة المنزل، حتى بدون رخصة قيادة لأشتري حاجات البيت الخفيفة، أبيت في بيتي وبين أفراد أسرتي، أما هنا فلا أستطيع الحصول على رخصة قيادة سيارة لأنني لا أتقن الإنجليزية بعد، وعمري لم يبلغ الثامنة عشرة، ولأنني لا أريد مواصلة الدراسة في مدارس أمريكا، فلا أحصل على ما أريد، ولا أنتقي من الطعام ما أشتهي، كنت شيخ الحارة وأرافق أصدقائي إلى مطعم أبو زغلة في المقابلين، وأحيانا نذهب مشياً حين تكون السيارة معك خارج البيت، أسهر أنا وزملائي في أمان وسلام حتى بعد منتصف الليل، أما هنا فلا أجد صديقاً، وحين ألازم إخواني الأكبر أو أخواتي فإن عليّ أن آكل مما يأكلون، وأنتظر أوقاتهم وظروفهم حتى أتحرك معهم أو يوصلونني إلى مكان عمل أخي في ورشته الميكانيكية، وأعلم أن إخواي عليهما مسئوليات أسرتيهما، وعلى الأخوات أعباء الزوج والبيت والأطفال، وقد اكتشفت أنه لا أحد يمشي في الشوارع هنا عادة، إلا المشردون والفقراء، وحين كنت تقول لي ذلك وأنا في عمان، لم أكن أصدق أن جميع الناس يملكون السيارات في أمريكا. يتنحنح والده لكي يجيبه، فيتدخل أخوه الأكبر منه بما يقارب العام

المطاعم والمحلات التجارية قريبة من المنزل في الأردن، أو يستطيع اي فرد ان يركب سيارات النقل العام كل دقيقة أو كل ربع ساعة، لكن هنا في أمريكا المواقع بعيدة عن البيوت، وحين يكون المتجر بعيداً عن البيت خمسة إلى عشرة كيلومترات، يسمون هذه المسافة قريبة جداً. يقول والدهما

تذكر أن كل جديد عسرعلى القبول والاستئناس، لكن الصبر هو سلاح الإنسان الواعي العاقل، وخاصة إذا رافقه اجتهاد وتخطيط وعمل وكفاح، وحديثكما يعطيني دليلاً على أنكما تعيا ما جرى وما يجرى، ثم ما يدور حولكما، وستواجهك الكثير من المشاكل غير المتوقعة مستقبلاً يا ولدي، أنت وإخوانك وأخواتك، وهذا ما يدفعك للتفكير بمخرج أو مخارج دائماً، أو باحثاً عن أسلوب يسهل عليك قبول حياتك الجديدة هنا، أو تطويرها والتكيف في هذا العالم الغريب عنك في كل شيء، وأولها اللغة وطرق التفاهم، اصبر يا ولدي وادرس وانجح وحقق أهدافك وبعضاً من أهداف والديك، فما زلت في مقتبل العمر، ولك عقل سليم والحمد لله، واحمد ربك أن لك إخوانا وأخوات يعيشون في نفس المدينة التي تعيش بها ومنذ عقود، وكلهم قريبون لك وحولك يساعدونك ويقفون معك حتى تقوى على الاستقلال، فعليك أن تعتبر نفسك إنساناً محظوظاً لأن لك أسرة كبيرة هنا في أمريكا، تستشيرهم ويجنبونك الوقوع في الأخطاء، كما يحصل مع كل فرد يحضر لهذه البلاد وحده، وسيسندون تواجدك بالنقلة الواسعة التي حدثت في حياتك، وتذكر أن كثيراً من الشباب في مثل عمرك سافروا إلى أمريكا للدراسة الجامعية وحتى في غير أمريكا، واستطاعوا أن يحققوا أهدافهم وأهداف أوطانهم، وإسعاد أهاليهم، ودون أن يكون لهم أي قريب أو معرفة في الدولة الغريبة التي اختاروا العمل بها او الدراسة.
لكنهم كل إخواني وأخواتي مشغولون أو مشغولات، ولا وقت لدى أي منهم للتحدث معي أو الجلوس لسماع أفكاري.

صحيح إلى حد ما، لكن الأبواب ليست مقفلة إلى هذا الحد في وجهك، تريد الكمال بسرعة، إنك تسطيع زيارة ورشة أخيك الميكانيكية فتساعده وتتعلم المهنة واللغة، وكان وضع هذا الأخ بالذات في أول شبابه يشبه وضعك، لم يسمع أخوك هو الآخر كلامي وطلباتي منه أن يواصل دراسته، وأصر على العمل بعد إنهاء المرحلة الثانوية، مع اني كنت في وضع مالي أستطيع تحمل مصاريف دراسته، لكنه أصرّ على تحقيق ذاته بذاته دون مساعدة من أحد، فهل ستسير على خطاه؟

أريد أن أجرب العمل أولاً، ومن يعلم فقد أعود لمقاعد الدراسة بعد حين، وأرى أخي ناجحاً ويعيش بمستوى جيد في حياته في أمريكا، ويقطن منزلاً كبيراً جداً وفي منطقة راقية من المدينة. يجيبه والده مازحاً

هل سمعت المثل الذي يقول: إذا انت أمير و أنا أمير، فمن يسوق الحمير