أشواق الوعي المصري

الدساتير المصرية في مئتي عام

، بقلم أحمد الخميسي

كان الدستور في تاريخ الثورات المصرية أقوى تعبير عن أشواق الوعي المصري إلي العدل والحرية، وكان ومازال لدي الكثيرين المحرك الرئيسي للتطور. ورغم أن التركيز على الدستور أدى أحيانا لتقديس النص بمعزل عن وضع القوى المسيطرة التي تفسر النصوص لصالحها، إلا أن الدستور ظل أملا تتطلع إليه الطبقات الشعبية والحاكمة كل من وجهة نظره. وفي المشهد السياسي الراهن يتقدم الدستور ليصبح محط الاهتمام الاجتماعي، وتتجدد مع بروزه أشواق الوعي المصري إلي ذات المطلبين العريقين : العدل والحرية. ومع أن كتبا كثيرة صدرت في ذلك الموضوع إلا أن كتاب" حكاية الدساتير المصرية في مئتي عام " للكاتب الصحفي ماهر حسن ضم بين دفتيه قصة الدستور كاملة من ألفها إلي يائها.

يشير ماهر حسن إلي ثمانية مشاريع دستورية تشكل رحلة الوعي المصري على ذلك الدرب. ويلفت انتباه القارئ إلي حقيقة مهمة تتقاطع مع واقعنا الآن، وهي أن أكثر صيغ الدستور تطورا مثل دستور 1923، و1954، قد شاركت في إعدادها لجان مثلت على نحو عادل كافة فصائل وأطياف المشهد السياسي والاجتماعي ، وكان فيها رجال دين وفقهاء دستوريون ورجال سياسة وأدب وأساتذة جامعات وغيرهم. لإعداد دستور 1923 تشكلت لجنة " الثلاثين" ولدستور 1954 تشكلت لجنة " الخمسين". الأمر الذي يؤكد تاريخيا أن من المستحيل صياغة دستور وطني جامع من دون مشاركة كل الأطراف.

يقول ماهر حسن في كتابه الممتع والمفيد معا أن بذرة الدستور ولدت عهد محمد على في الوثيقة التي صدرت عام 1838 وعرفت باسم " السياستنامة" ومعها مجلس المشورة. وقد حددت الوثيقة واجبات ومسئوليات مرافق الدولة. ويأتي بعد ذلك دور رفاعة رافع الطهطاوي أبوالثقافة المصرية الذي كان أول من قدم للمصريين تعريفا بالدستور بمعناه الحديث حين قدم لهم في كتابه " تخليص الإبريز" الدستور الفرنسي، ودعم الترجمة بالشرح والتحليل. الخطوة اللاحقة قام بها الخديو إسماعيل الذي أراد أن يجعل من مصر قطعة من أوروبا فأنشأ لأول مرة مجلس شورى نواب وإن كان دوره استشاريا بحتا. وفي مايو 1879 يتقدم شريف باشا رئيس الوزراء إلي ذلك المجلس باللائحة الأساسية أي أول دستور مصري، ومن ثم استحق أن يوصف بأنه " أبو الدساتير"، وبموجبه أصبح التشريع للمرة الأولى من حق مجلس النواب. ومن الحسنات الجميلة لكتاب ماهر حسن أنه ضم بين دفتيه النص الكامل لذلك الدستور وغيره، بحيث يمكن للقارئ أن يراجع بنفسه وثبات التطور الدستوري أو على العكس.

ويضعنا التاريخ أمام حقيقة غاية في الأهمية تبرز بعد تولى الخديو توفيق الحكم عام 1879، إذ كانت بعض التعديلات الدستورية بحاجة لموافقة قنصلي انجلترا وفرنسا لكي تضمنا عدم المساس بمصالحهما! ويظهر ذلك أن الدستور المصري قد يصبح في بعض الأحيان شأنا دوليا! لذلك كان المطلب الثاني لأحمد عرابي وهو يواجه الخديو هو " تأليف مجلس نواب على النسق الأوروبي"! وحينذاك عمت البلاد صورة أحمد عرابي جالسا وقد وقف إلي جواره على فهمي يمسك ورقة مطوية مكتوب عليها " الدستور"! ثم صدر دستور 1882. وبعد الاحتلال الانجليزي تبلورت مطالب الحركة الوطنية في مطلبين أولا الدستور، ثانيا الجلاء! ومهدت ثورة سعد زغلول لترسيخ الدعوة إلي دستور جديد فبرز دستور عام 1923 الذي استفاد منه سعد زغلول لاحقا ليصبح أول رئيس حكومة مصرية منتخبة بإرادة الشعب. وعندما غيب الموت سعد زعيم الأمة تربص الملك فؤاد والانجليز بالدستور، وتم تعطيله عام 1928 فهبت الحركة الوطنية وكتبت بيانها الشهير الذي جاء فيه " لقد جاهد الشعب المصري من نصف قرن مضى في سبيل الدستور الذي هو حقه المقدس حتى ناله .. وإذا ببضعة أشخاص هم أعضاء الوزارة الحالية يطعنون الأمة في صميم حريتها فعطلوا الدستور والبرلمان وقضوا على الحريات". ثم صدر دستور جديد في 1930 الذي عرف بدستور صدقي باشا في مواجهة الغضب الشعبي حتى اضطر الملك إلي إلغائه عام 1934 ، وتمسكت الأمة بالعودة لدستور 1923، ومرة أخرى يبرز الدستور المصري كقضية ذات شأن دولي عندما صرح وزير الخارجية البريطانية سير صمويل هور بأن بريطانيا لاتحبذ العودة للعمل بدستور 1923 ! فأثار التصريح غضب الشعب وخرجت المظاهرات للشوارع وسقط برصاص البوليس أول شهيد في الدفاع عن الدستور وهو إسماعيل محمد الخالع في 13 نوفمبر 1935. وتجددت المظاهرات الطلابية وسقط الشهيد الأكثر شهرة محمد عبد الحكم الجراحي الطالب بكلية الآداب، وآخرون. وأرغمت تضحيات الحركة الوطنية الملك فؤاد إلي إصدار أمر ملكي بالعودة لدستور 1923 استجابة لإرادة الأمة. وظل معمولا بذلك الدستور حتى قيام ثورة يوليو 1952 التي فتحت صفحة جديدة بإعلان دستوري في ديسمبر 1952 أسقطت بموجبه الدستور السابق، أعقبه إعلان آخر في فبراير 1953 يتضمن أحكام دستور مؤقت، ثم ظهر مشروع دستور 1954 الذي عثر عليه الكاتب صلاح عيسى عام 1999 في صندوق قمامة في قبو أحد المعاهد العلمية ونشره بعد ذلك في كتاب معروف. وهو الدستور الوحيد الذي لا يعترف بقانون الطوارئ، وينص على عدم تقييد إصدار الصحف والمطبوعات بالتراخيص، وحظر محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، كما أنه ينفرد بالنص في المادة 19 على إلزام الدولة بالتعويض عن أخطاء العدالة، وقد أعدت ذلك الدستور بتكليف من حكومة الثورة لجنة من خمسين عضوا ضمت كافة الرموز كان من أعضائها طه حسين وأحمد لطفي السيد ومكرم عبيد ود. عبد الرازق السنهوري. إلا أن الثورة لم تأخذ بذلك الدستور وأصدرت دستورها الأول في يناير 1956.

وقد يكون من السهل على القارئ بعد ذلك أن يتتبع مسيرة الدساتير التي تعاقبت بعد ثورة يوليو ومنها دستور الوحدة المصرية السورية عام 1958 ثم الدستور المؤقت بعد الانفصال، وأخيرا دستور 1971 وصولا إلي عام 2007. لكن ذلك كله لن يغني عن تلك اللوحة التاريخية العميقة التي قدمها لنا ماهر حسن في كتابه الصادر عن قصور الثقافة الذي تشابكت فيه قصة الشعور الوطني بالدستور ومعاركه ودماء الشهداء التي أريقت حوله.


أحمد الخميسي

- دكتوراة في الأدب الروسي عضو المجلس الاستشاري لديوان العرب

من نفس المؤلف