البلد أنا وإنت

مش يا أنا يا إنت

، بقلم رندة زريق صباغ

قد يكون هذا الشّعار الإنتخابي من أروع الشّعارات التي تصلح لكل مكان وزمان وليس فقط لبلدة معيّنة ولفترة الإنتخابات المقيتة

قد يكون هذا الشّعار الإنتخابي من أفضل ما نربّي أولادنا عليه ماضياً، حاضراً ومستقبلاً
ندرك جميعاً طبعاً أنه لا بد من فعل يوازي هذه الكلمات الجميلة محوّلاً إيّاها لنهج حياة يومي يتواصل ويتضامن مع أغنية فيروز الرائعة (سوى ربينا) التي تحوي في طيّاتها شجناً وعبق حنين لا يزول

كي لا تفقد الكلمات الرائعة معناها ولا تفقد مغزاها علينا أن نغذّيها بالمحبة والتضامن والروح الرياضية خاصة في فترة الإنتخابات وحملتها، وأن نزيّنها بالأمثلة العينيّة الصّادقة، ومن يفعل ذلك إن لم نكن نحن الكبار إنطلاقاً من كوننا أمثلة تحتذى من قبل شبّاننا وشاباتنا، من قبل أولادنا وبناتنا لنضمن من خلال ذلك وعبره أجيالاً قادمة يتقبّل أحدها الاّخر، يحترم أحدها المختلفين عنه في الإنتماء، العقيدة، الطائفة، اللون كما الشكل وطبعا يتقبّل المختلف عنه في الإنتماء الحزبي أو السياسي، وهي أمور يبتعد عنها مجتمعنا للأسف يوماً بعد يوم ليظهر هذا الإبتعاد جليّاً في فترة الحملة الإنتخابيّة

من البديهي أن يختار كل حزب وقائمة شعاراتٍ وجملاً طنّانة ذات وقعٍ جميل ومؤثّر على المتلقين بكل أطيافهم وليس تحديداً مناصريه، ومن البديهي أكثر أن يؤمن مناصري وأتباع وطبعاً قادة هذه القائمة و تلك بما صاغوه أو إختاروه من شعارات لحملتهم الإنتخابية مؤكدين أنها ليست مجرد كلمات منمّقة ليس إلا

بالعموم وكما يقول المصريون "الميّة تكدّب الغطّاس"

وبالتالي فإن النهج والتصرفات على الأرض وفي الشارع ما هي الا إختباراتٍ وإمتحاناتٍ يقرر علاماتها المواطنون من خلال الرأي العام قبل الوصول لصندوق الإقتراع من خلال ما يقوله وينتهجه قياديّو، أعضاء ومناصرو هذا الحزب أو ذاك

شئنا أم أبينا فها نحن كمجتمع نثبت من جديد أننا غير ناضجين لتقبل حرية الرأي، فاللعبة الديمقراطيّة فُرضت علينا قبل عقود ولم ننجح بعد باستيعابها وعلى ما يبدو لن نفعل قبل عقود كثيرة أخرى قادمة، وبات من الجلي أنّ من يعتقد عكس ذلك إنّما هو دافن رأسه في الرّمل كما النّعام

يحزنني ويوجع روحي أن أرى وأسمع المتعلمين والمثقفين منّا يلهبون الأجواء ويأجّجون الأرواح بدل أن يسعوا لتهدئة الخواطر وإيساع الصّدور والحث على تقبّل الاّخر، متى ندرك أنّ
" "الدين لله--- والوطن للجميع" ، "الإنتخابات يوم--- والبلد دوم

يقال إنّ لكل حصان كبوة، ومن هذا المنطلق أوجّه رسالتي لكل القياديين الذين يشار إليهم بالبنان والذي نفتخر جميعا بإنجازاتهم وبالمراتب الرفيعة التي وصلوا إليها، معتبرة أن ما تحدثوا به وعنه، وما دعوا إليه في ذلك التجمع أو ذاك ليس إلا كبوة سرعان ما يتراجعون عنها، وإن لم تكن كذلك فإنها إذن غلطة خطيرة سنعاني جميعاً من تداعيات إسقاطاتها عاجلاً،

حين دعا أحد المثقفين القياديين لتحديد منصب رئاسة بلدية الناصرة للمرشحين المسيحيين فقط تماشياً مع مكانة هذه المدينة العالمية والمسيحية، قامت الدنيا ولم تقعد إذ أنّ إقتراحاً وطرحاً من هذا النوع في هذا الوقت إنما هو طرح خطير يؤثر سلباً على الروح المعنويّة للجماهير العربية، كما من شأنه أن يحرّض ويشتّت مجتمعنا، كذلك فإن أي دعوة أخرى مهما كان نوعها لا بد وأن تدرس قبل أن يتم الإعلان عنها،ولا مجال أبداً للإرتجال في مواقف كهذه— ومن هنا فإنني أدعو كل الأحزاب والقوائم للتنسيق والتخطيط السليم والحذِر لخطابات مرشحيها أو قادتها في الإجتماعات والتجمعات الدعائية لا سيما الكبيرة منها، فالمسئولية أكبر والموضوع أخطر من الكلمات العابرة والخطابات المغرضة والمحرّضة، فمجتمعنا يقف على فوّهة بركان سرعان ما قد ينفجر لتبتلعنا النار جميعاً، لذا من الضروري جداً أن يحذر القياديون من كلماتهم ونبراتهم الخطابية التحريضية، وأن يختاروا نصوصهم بوعي وإدراك تام مفاده محبة البلد وأهل البلد جميعاً دون إستثناء بغض النظر عن إنتمائاتهم كما سبق وأسلفت، أما لغة التهديد بأن من ليس معنا فهو ضدّنا وليس منا وسوف يخسر كل شيء فإنها لغة مرفوضة جملة وتفصيلا لا يقبلها من كان إنتماؤهم للبلد أكبر من أي إنتماء اّخر مهما كان

يبدو أن بعض القياديين ومن شدّة الحماسة للحصول على النتيجة المرجوة خلطوا بين فحوى خطابات يوم الأرض والأيام التاريخية الوطنيّة الأخرى من جهة وبين توزيع المناشير والدعاية الإنتخابية المحليّة في قراهم ومدنهم، يبدو أنّ البعض قد خلط أوراق الخطابات في الكنيست والمنابر أمام اليهود والصهاينة وبين خطابات موجهة لأهل البلدة الواحدة التي يجب أن يتم السعي لتوحيد صفوف أبنائها في فترة الحملة الإنتخابيّة، فالفرق شاسع بين فحوى ومضامين الخطابات حسب الموقع، المكان، الزمان وطبعاً جمهور الهدف إضافة إلى الهدف نفسه
ليس جديداً على أحد منا أنّنا مجتمع وشعب يهوى التّقليد كنوع إستهلاكٍ لما ينتجه ويخترعه الغرب من منتوجات، أدوات ونهج حياة--- لكن لم أتصور أنّ ذلك قد يصل حد تقليد الثورات الحاصلة في الوطن العربي ونقل مسمّياتها، ولم أتوقع أن يتم إستيراد هذه الثورات كتذكير بتصدير الثورة البلشفية بعد نجاحها في روسيا، فشتّان بين هذه وتلك، وشتّان بين الأزمنة والأمكنة والجماهير، حتى وإن رأى البعض منّا تشابهاً بين هذه العناصر هنا وهناك، فلا يُعقل ولا يُقبل أن نطلق لقب التّحرير -على سبيل المثال لا الحصر- على أحد مراكز البلدة تيمناً بالقاهرة وتيمناً بثورة طالبت بالتغيير والتحرير، فمواطني بلداتنا ليسو بحاجة لمثل ذلك بالمرة، وإن أي تغيير في رئاسة وعضوية المجالس والبلديات إنما هو شرعي تماماً مع ضرورة احترام الاّخر وتقبّله فاز من فاز وخسر من خسر، فالمهم أن تفوز البلدة بأبنائها وأن يفوز السكان ببلدتهم نظيفة، متطورة وراقية يسودها السلام الداخلي والتعايش الجميل، وإن كنا بحاجة لتحرر وتحرير فإنه ليس من بعضنا بعضاً إذ لا أحد منا يحتل الاّخر، بل نحتاجه للتحرّر من احتلالات من أنواع أخرى لست بصدد الحديث عنها الاّن

أتساءل أيضاً، ترى لماذا تتحول الدعايات الإنتخابية لسجالات واستعراض أخطاء المتنافسين الأخر والحكي عنهم وعليهم بالسوء كما لو كانوا أعداء من فضاءات أخرى ستدمرنا أو ندمرها حتماً، لماذا يستهتر قادة الأحزاب والقوائم بمؤيدي القوائم الأخرى علناً وأمام الجميع؟ أفلا يدركون أنّ مثل ذلك التصرف سيتم تقليده من قبل الشرائح العمرية الأخرى مما قد يفجر بلداتنا؟

لماذا ينعت القياديون والمناصرون فترة ما قبل الإنتخابات بالمعركة ويتحدثون عن النصر؟ فإنها حملة إنتخابية وإنه فوز أو ربح وليس نصراً، فلا خير في من يعتقد أنه إنتصر على أبناء بلدته في معركة، لماذا لا نُفهم أولادنا ونعلمهم أن الإنتخابات ما هي إلا لعبة ديمقراطية كالمباريات الرياضيّة تماماً وما الفرق بينهما سوى أنّ الحاصل على أكبر عدد من أصوات الدّاعمين والمؤيدين في الإنتخابات سيصل أكثر المواقع خدمةً وعملاً لمصلحة أهل بلدته خاصّةً ومجتمعه عامةًّ ولا بد وأن يثبت أنه على قدر عالٍ من المسئولية والإنتماء للبلدة وأنه على قدر كافٍ من الوعي الذي يؤهله لتقبّل الجميع والعمل لأجلهم دون إستثناء

فليسعى القياديون جميعاً إذن لتهدئة الأجواء وشحن الهمم بالروح الإيجابية والأنتماء لحب الخير والعمل والعطاء

البلد أنا وإنت منعمرها ---- مش يا أنا يا إنت مندمّرها